Indexed OCR Text

Pages 201-220

١٩٣
مقدمة المؤلف
إلا للقليل فلذلك أضافوا إليه ما بين الثلاثة إلى العشرة ؛ لأن ذلك في معنی ما
كان في العدد (١)، كذا في الباب، والرهط جمعه أرهط وأرهاط وأراهيط(٢).
قوله: ((حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا)) الحديث، يقال: آوى إليه إذا
رجع إليه، ويجوز فيه المد والقصر، والمد أكثر (٣)، وسيأتي الكلام على ذلك
في باب أذكار اليوم حين يأوي إلى فراشه؛ والغار بالغين المعجمة والمغار
بزيادة ميم في أوله والمغارة بزيادة ميم في أوله وتاء في آخره، قاله في شرح
الأحكام (٤)؛ قال النووي في شرح مسلم: الغار هو النقب في الجبل (٥)، وهو
قريب من معنى الكهف، وقال الجوهري: الغار كالكهف في الجبل (٦)، قال:
والكهف كالبيت المنقوب في الجبل(٧)، وقال ثعلب: هو المنخفض في
الجبل، وكل مطمئن من الأرض غار (٨)، وقال ابن الأثير في النهاية(٩): هو
الكهف، وتصغير الغار: غُوَير، وجمعه: غِيران(١٠)، والله أعلم.
(١) الفائق (٢٤٣/٣).
(٢) الصحاح (١١٢٨/٣)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٧).
(٣) انظر السير الغريب (٤٠٣/١)، وكشف المشكل (٧٠/٤)، والنهاية (٨٢/١) والاقتضاب
(٢٢٥/٢)، وشرح النووي على مسلم (٩ / ١٤٠) والكواكب الدرارى (٦٢/٩).
(٤) طرح التثريب (٤ /١٨٧).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٩٨/٢).
(٦) الصحاح (٢ / ٧٧٣).
(٧) الصحاح (١٤٢٥/٤).
(٨) المحكم (٦ / ٥١).
(٩) النهاية (٣٩٥/٣).
(١٠) شرح النووي على مسلم (١٩٨/٢).

١٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((فانحدرت صخرة من الجبل)) انحدرت: بالدال المهملة.
قوله: ((فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح
أعمالكم)) الحديث، تدعوا: بسكون الواو لأنه لفظ الجمع.
قوله: ((قال رجل منهم: اللهم)) أصل اللهم: يا الله أمنًا بخير، على الأصح،
فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم في آخره(١).
قوله: ((كان لي أبوان شيخان كبيران))، هو من باب التغليب إذ المقصود
الأب والأم (٢).
قوله: ((وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا)) لا أغبق: بفتح الهمزة وضم
الباء، يقال فيه: غبقت الرجل بفتح الباء أغبقه بضمها مع فتح الهمزة غبقا
فاغتبق، وهذا الذي ذكرته من ضبطه، متفق عليه في كتب اللغة وكتب غريب
الحديث والشروح، وقد يصحفه بعض من لا أنس له فيقول: أَغْبِقُ بضم
الهمزة وكسر الباء، وهذا غلط، انتهى، قاله النووي في شرح مسلم(٣)؛ وقد
ضبطه الأصيلي رباعيا بضم الهمزة وكسر الباء الموحدة وكذلك هو كذلك
في أواخر الأذكار أو الرياض، وكذا رأيته في نسخة منه، والصواب: بفتح
الهمزة لأنه ثلاثي(٤)، والله أعلم.
(١) قاله الفراء كما في الزاهر (ص ٦٢)، ومعالم السنن (٢٧٩/١) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٤٠).
(٢) الكواكب الدرارى (١٠/ ٦٦).
(٣) شرح النووي على مسلم (٥٨/١٧).
(٤) انظر: مشارق الأنوار (١٢٨/٢)، ومطالع الأنوار (١٢٦/٥)، والأذكار (ص ٣٩٨).

١٩٥
مقدمة المؤلف
والغبوق: بفتح الغين المعجمة هو الذي يشرب بالعشي، قاله الحافظ(١).
قوله: ((فنأى بي طلب شجر يومًا))؛ نأى ينأى مثل: سعى يسعى، ويقال
مقلوبا ناء يناء(٢)، فالأول بجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القراء السبعة
في قوله تعالى: ﴿أَعْرَضَ وَنَشَا بِجَانِبِهِ﴾(٣)، والثاني: عكسه كما تقدم وهما
لغتان، وقراءتان ومعناهما بعد(٤)، والنأي البعد [١٥/ ب] أي بعد بي طلب
المرعى في الشجر والرجوع عنه (٥).
قوله: ((فلم أرح عليها حتى ناما)) قال القاضي عياض في المشارق(٦): أرح
بضم الهمزة وكسر الراء للأصيلي، والإراحة رد الماشية بالعشي، ولغير
الأصيلي: فلم أرح أي: بفتح الهمزة وضم الراء أي لم أرجع بالماشية، قال
القاضي: هما سواء يقال: راح إبله وأراحها.
قوله: ((فحلبت لهما غبوقهما)) الحديث، وغبوقهما ما كان معدًّا للغبوق
وهو ما يشرب بالعشي، وتقدم ضبطه، والصبوح بالفتح لأنه يشرب في وقت
(٧)
الصباح(٧).
(١) أى المنذرى.
(٢) فتح البارى (١ / ١٩٢).
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٨٣.
(٤) شرح النووي على مسلم (١٧ / ٥٦).
(٥) إكمال المعلم (٢٣٦/٨)، ومطالع الأنوار (٤ /١١٥)، وفتح البارى (١ / ١٩٢).
(٦) مشارق الأنوار (٣٠١/١).
(٧) الكواكب الدرارى (١٠٥/١٠)، والكوثر الجارى (٥٠٦/٤).

١٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا)) الحديث ؛ قال الأهل هنا
محمول على الأقرباء نحو الأخ والأخت.
قوله: ((أو مالا)) أي: لا مملوكا ولا مملوكة، قاله الكرماني(١). قوله: ((فلبثت
والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما)، قرأ ابن محيصن والأعمش وأبو عمرو
والكسائي وحمزة: لبثت ولبثتم بالإدغام في جميع القراءات، والباقون بالإظهار،
فمن أدغم فللمجاورة في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومن أظهر فلزيادة التاء
بالتفشي وكلاهما عربيان صحيحان فصيحان، ومعناه: مكثت وأقمت(٢) يقال:
لبث يلبث لبثا ولباثا، واللبث واللباث المكث(٣).
قوله: ((والقدح على يدي)) والقدح هو: الإناء المعد للحلاب.
قوله: ((حتى برق الفجر))، بفتح الراء بمعنى: لمع وتلألا (٤)، وأما ﴿فَإِذَا
بَرِقَ الْبَصَرُ ﴾﴾(٥)، فهو بالكسر فمعناه: تحير(٦)، ومن قرأ ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾.
بالفتح فإنما عنى بريقه إذا شخص وهو من المعنى الأول (٧).
(١) الكواكب الدرارى (١٠٥/١٠).
(٢) تفسير الثعلبى (٢٤٦/٢)، والتفسير البسيط (٣٨٥/٤)، وزاد المسير (٢٣٤/١)
(٣) الصحاح (١/ ٢٩١).
(٤) شرح مسند الشافعى (٢٩١/٤)، ولسان العرب (١٥/١٠).
(٥) سورة القيامة، الآية: ٧.
(٦) معانى القراءات (١٠٦/٣)، التفسير البسيط (٤٨٣/٢٢)
(٧) الصحاح (١٤٤٩/٤)، واللباب (٥٥٠/١٩)، والتبيان (ص ٣٢٨-٣٢٩)، ومعترك
الأقران (٢/ ٨٧).

١٩٧
مقدمة المؤلف
قوله: ((والصبية)) الصبية جمع صبي وهو الغلام(١).
قوله: ((يتضاغون)) بالضاد والغين المعجمتين، أي يضجون من الجوع،
قاله الحافظ (٢)، وقال الكرماني(٣): هو من الضغاء وهو الصياح، وكذلك كل
صوت دلیل مغمور، انتھی.
تنبيه: فإن قلت: نفقة الفروع - يعني الأولاد - مقدمة على نفقة الأصول،
فلم تر کھم جائعین؟
قلت: لعل في دينهم نفقة الأصل مقدمة، أو كانوا يطلبون الزائد على سد
الرمق، أو كان صياحهم لم يكن من الجوع، والله أعلم، قاله الكرماني(٤).
قوله: ((اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من
هذه الصخرة))؛ أي: أرحنا وأزلها عنا.
قوله: ((فانفرجت حيث لا يستطيعون الخروج)) الحديث؛ انفرجت: أي
اتسعت وانفتحت(٥).
قوله: ((قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلىّ، فأردتها
على نفسها)) أي: مستعلية عليها، وفي بعض النسخ: (فأردتها عن نفسها) أي:
(١) الصحاح (٢٣٩٨/٦)، والعدة (٣١٣/١)، والمفاتيح (١٢٨/٦)، الكواكب الدرارى
(١٤٩/٢١)، واللامع الصبيح (١٨/١٥)، وشرح المصابيح (٢٢٠/٦).
(٢) أى المنذری.
(٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٦).
(٤) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ٦٦).
(٥) السير الغريب (ص ١٨٠).

١٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بسبب نفسها ومن جهتها (١).
قوله: ((حتى ألمت بها سنة من السنين)) ألمت: بتشديد الميم بعدها علامة
التأنيث، أي: نزلت بها سنة من سني القحط(٢)، معناه: حلت بها وغشيتها(٣)،
قال الحافظ (٤): والسنة: العام المقحط الذي لا تنبت الأرض فيه شيئا سواء
نزل غیث أو لم ينزل، انتھی.
قوله: ((فجائتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين
نفسها)) الحديث، كذا هنا ووقع في البخاري في باب ما إذا اشترى شيئا لغيره
((فأعطيتها مائة دينار)) وظاهر الحديثين التعارض وجواب ما قاله الكرماني(٥)
إلى التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد إذ المائة كانت بالتماسها
والعشرين تبرع منه كرامة لها.
قوله: ((حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك، لا تفض [١٦ / أ] الخاتم
إلا بحقه))، وفي رواية ذكرها النووي في الرياض(٦): «فلما قعدت بين رجليها،
قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه)) تفض [بضم الفاء] وتشديد الضاد
(١) الكواكب الدرارى (١٠٥/١٠).
(٢) الكواكب الدرارى (١٠٥/١٠).
(٣) مشارق الأنوار (٣٥٩/١).
(٤) أى المنذرى.
(٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠ /١٠٥).
(٦) رياض الصالحين صـ٣٣، تحقيق شعيب الأرناؤوط.

١٩٩
مقدمة المؤلف
وهو كناية عن الوطء، قاله الحافظ(١)، ولم يذكر ضم الفاء، وزاد غيره: أي لا
تكسره؛ والافتضاض بالفاء والاقتضاض بالقاف والافتراع بالتاء أيضًا كله
بمعنى، يقال: اقتض الجارية بالقاف أي افتضها بالفاء ومعناه: لا تكسره،
وهو عبارة عن إزالة عذرتها وكسر خاتم الله الذي جعله عليها (٢)؛ والخاتم فيه
لغتان: كسر التاء وفتحها (٣) وهما قراءتان في السبع(٤).
قوله: ((إلا بحقه))، أي بواجبه في الشرع الذي كانوا عليه، قاله في المشارق(٥)،
وقال غيره: والمراد بالحق هنا الوجه الجائز من النكاح لا بالباطل من
الفاحشة(٦)، أي: لا أجوز لك إزالة البكارة إلا بالحلال(٧)، والله أعلم.
قوله: ((فتحرجت من الوقوع عليها)) أي تجنبت عن الحرج واحترزت
منه(٨)، والحرج: الإثم كما يقال: تأثم: خرج عن الإثم، وتحنث: خرج عن
(١) أى المنذرى.
(٢) مشارق الأنوار (٢/ ١٦٠)، ومطالع الأنوار (٢٥٥/٥).
(٣) السبعة في القراءات (ص ٥٢٢)، وشرح المشكاة (٢٩١٢/٩)، وطرح التثريب (٤٠/٤)،
والكوثر الجارى (١ /١٥٥).
(٤) السبعة في القراءات (ص ٥٢٢)، والحجة للقراء السبعة (٤٧٦/٥).
(٥) قاله في مطالع الأنوار (٣٤٦/٢)، وانظر مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢١٠)
وفيه: ولا يفض الخاتم إلا بحقه أي بالوجه المباح الجائز وقال في (٢٣٠/١): تريد
عذرتها لا تستبحها إلا بالنكاح الجائز.
(٦) إكمال المعلم (٨/ ٢٣٧).
(٧) الكواكب الدرارى (١٠ /١٠٥).
(٨) الكواكب الدرارى (١٠٥/١٠-١٠٦).

٢٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحنث(١)، والتحرج والتأثم: أن يفعل ما ينفي به عن نفسه الحرج والإثم(٢).
قوله: ((وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل
واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال)) الحديث؛
فثمرت أجره بالثاء المثلثة، أي: نميته(٣)، والنماء: هو الزيادة (٤)، أى أكثرت
فى أجره(٥)، قال الجوهري في صحاحه(٦): يقال: ثمر الله ماله أي: كثره.
قوله: في الرواية الأخرى ((فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي
أجير عمل لي على فرق من أرز)) الحديث؛ الفرق: بفتح الفاء والراء مكيال
معروف، انتهى، قاله الحافظ (٧).
وهذا الذي قاله الحافظ هو اللغة الفصحى الشهيرة، وزعم الباجي أنه
الصواب، وليس كما قال، بل فيه لغة أخرى بإسكان الراء، حكاه ابن دريد (٨)
وجماعة غيره(٩)، فهما لغتان(١٠)، واختلف في مقدار الفرق، ففي صحيح
(١) سلاح المؤمن (ص ١٨٠).
(٢) شرح السنة (٥٨/١).
(٣) إكمال المعلم (٢٣٨/٨)، ومطالع الأنوار (٢/ ٥٨).
(٤) التقفية (ص ٦٠).
(٥) الكواكب الدرارى (١٠/ ١٠٦).
(٦) الصحاح (٢ / ٦٠٦).
(٧) أى المنذرى.
(٨) جمهرة اللغة (٧٨٥/٢).
(٩) انظر المطلع على ألفاظ المقنع (ص ١٦٨).
(١٠) شرح النووي على مسلم (٣/٤).

٢٠١
مقدمة المؤلف
البخاري(١) عن عائشة رضي الله عنها: ((أنها كانت تغتسل هي والنبي ◌َّئة من
إناء واحد يقال له الفرق))، وهو إناء يسع ستة عشر رطلاً(٢)، وفي صحيح
مسلم (٣) عن سفيان بن عيينة أنه ثلاثة آصع، فيكون ستة عشر رطلًا أيضًا (٤)،
والآصع جمع صاع وفيه التذكير والتأنيث(6) وهو مكيال يسع خمسة أرطال
وثلثًا بالبغدادي(٦)، هذا مذهب مالك والشافعي، وأحمد وأبي عبيد
وجماهير العلماء(٧)، وذلك معتبر على التقريب لا على التحديد وهذا هو
الصواب المشهور(٨)؛ وقال أبو حنيفة: الصاع يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا
على أن الصاع أربعة أمداد(٩)، وقال في النهاية(١٠): والمد مختلف فيه أيضا،
فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز، وقيل:
هو رطلان وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق، ويكون الصاع خمسة أرطال
(١) فتح الباري (١ / ١٦٧).
(٢) أعلام الحديث (٣٠١/١)، وغريب الحديث (٦٧٤/١) وعالم السنن (٤ /٢٦٧)
للخطابى، والغريبين (١٤٤١/٥)، وطرح التثريب (٨٨/٢).
(٣) رقم (٣١٩).
(٤) طرح التثريب (٨٨/٢).
(٥) شرح النووي على مسلم (٣/٤) و(١٢٢/٨).
(٦) شرح النووي على مسلم (٢/٤) و(٨/ ١٢٢).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٢٢/٨).
(٨) شرح النووي على مسلم (٤/ ٢).
(٩) شرح النووي على مسلم (١٢٢/٨).
(١٠) النهاية (٣٠٨/٤).

٢٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وثلثا أو ثمانية أرطال، انتهى.
وقيل: الفَرَقُ صاعان ونصف حكاه صاحب النهاية(١) أيضًا ولكنه فرق
بين المفتوح الراء والساكن الراء في المقدار، فقال في المفتوح الراء: ما تقدم
من كونه ثلاثة آصع على الصحيح أو صاعين ونصفًا؛ وقال في الساكن الراء:
إنه مائة وعشرون رطلا، وكذا نقله ابن الصباغ عن [١٦ / ب] الشافعي، وقيل
الفرق: إناء ضخم من مكاييل العراق، وحكاه صاحب المفهم، وقيل: هو
مكيال أهل المدينة حكاه أيضا ولم يذكر تحريره على هذين القولين، انتهى،
قاله في شرح الأحكام(٢).
تنبيه(٣): المد مذكور وجمعه: أمداد، وقال بعضهم جمعه: مداد وتأول
عليه قوله ◌َّة: ((سبحان الله مداد كلماته)) (٤) انتهى قاله في الديباجة.
تنبيه أيضًا: في ذكر الصاع عن إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك
بن أنس: يا أبا عبد الله، كم وزن صاع النبي وَّ؟ قال: خمسة أرطال وثلث
بالعراقي، أنا حزرته، قلت: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم، قال: من هو؟
قلت: هو فلان يقول: ثمانية أرطال، فغضب غضبا شديدا ثم قال لبعض جلسائه
يا فلان: هات صاع عمك، ويا فلان: هات صاع جدتك، قال إسحاق:
(١) النهاية (٣/ ٤٣٧).
(٢) طرح التثريب (٨٨/٢).
(٣) هذه زيادة في المخطوطة المغربية فقط، وليست في المصرية.
(٤) النجم الوهاج (١/ ٢٩٦).

٢٠٣
مقدمة المؤلف
فاجتمعت آصع، فقال مالك: ما تحفظون في هذا؟ فقال: حدثني أبي عن أبيه أنه
كان يؤدي بهذا الصاع إلى رسول الله وَ له، قال مالك: أنا حزرت هذه فوجدتها
خمسة أرطال وثلثًا، وذكر القصة بطولها (١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله: ((من أرز)) والأرز: الحب المعروف، وفيه ست لغات مشهورات، بفتح
الهمزة وضمها وضم الراء، وأرز بضم الهمزة وسكون الراء، وأرز بضم الهمزة
والراء وتخفيف الزاي كرسل ورُنُز بحذف الهمزة وبنون وهي لغة عبد القيس،
ورز بحذف الهمزة والنون، انتهى، قاله القاضي عياض وغيره(٢).
تنبيه: فإن قلت: في البخاري باب من اشترى شيئا لغيره (٣)، إن الفرق كان
في الذرة.
قلت: ذلك إما باعتباره أنهما حبان متقاربان فأطلق أحدهما على الآخر أو
أن بعضه كان من هذا وبعضه من ذلك، أو كانا أجيرين؛ قال شارح تراجم
البخاري: وجه الدلالة على جوازه أن المستأجر عيّن للأجير أجرة فبعد
إعراضه عنه تصرف فيه، فلو لم يكن التصرف جائزًا لكان معصية فلا يتوسل
بها إلى الله تعالى؛ وقد يجاب: بأن التوسل إنما كان برد الحق إلى مستحقه
(١) أخرجه الدار قطنى في السنن (٢١٢٤)، وانظر مختصر الخلافيات (٤٩٩/٢).
(٢) الصحاح (٨٦٣/٣)، ومشارق الأنوار (٢٧/١)، ومطالع الأنوار (٢٣٨/١)، وكشف
المشكل (٤٨٦/٢)، ومختار الصحاح ص١٧، تحرير ألفاظ التنبيه ص١٠٨، وعمدة
القارى (١٢/ ٢٥).
(٣) صحيح البخاري باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي (٧٩/٣).

٢٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بزيادته النامية لا بتصرفه، كما أن الجلوس مع المرأة كان معصية، والتوسل
لم يكن إلا بترك الزنا والمسامحة بالجعل ونحوه، والله أعلم(١).
تنبيه: يحتمل أنه استأجره بفرق في الذمة ولم يسلمه إليه بل عرض عليه
فلم يقبضه لرداءته فبقى على ملك المستأجر؛ لأن ما في الذمة لا يتعين إلا
بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه وهو ملكه فصح تصرفه سواء
اعتده لنفسه أو للأجير، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال
الخطابي: إنما تطوع به صاحبه وتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك توسل به
للخلاص ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من الفرق الذي استأجره
عليه، فلذلك حُمِدَ فعله، انتهى قاله الكرماني (٢).
وقال في الديباجة: قال الخطابي: قال قد احتج به أحمد بن حنبل وإسحاق
في قولهما: إن من استودع مالا فاتجر فيه بغير إذن صاحبه إن الربح لرب
المال، وقال أصحاب الرأي: الربح للمضارب، ويتصدق به وهو ضامن
لرأس المال(٣)، قال الخطابي: ويشبه على قول أحمد أن يكون هذا الرجل
إنما استأجر على فرق أرز معلوم بعينه حتى [١٧ / أ] تكون التجارة وقعت
بمال الأجير، وإما إذا كانت الأجرة غير معينة، فإنما وقعت التجارة في مال
(١) زيادة في المخطوطة المغربية: قاله الكرماني في شرح البخاري انظر الكواكب الدرارى
(١٥٧/١٠-١٥٨).
(٢) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦٨/١٠).
(٣) معالم السنن (٩١/٣).

٢٠٥
مقدمة المؤلف
المستأجر لأنها من ضمانه فالربح له لأنه المالك والعامل والمتصرف فيه،
وأنه لا حجة له في واحد من الأمرين أيهما كان لأن هذا قول ثناء ومدح
استحقه هذا الرجل في أمر تبرع به لم يكن يلزمه من جهة الحكم فحُمد علیه،
وإنما هو للترغيب في الإحسان والندب إليه، وليس من باب ما يجب
ویلزم(١)، انتھی.
قوله: ((وإني عَمَدت إِلَى ذَلِك الْفرق فزرعته)) الحديث؛ يقال: عمدت
للشيء بالفتح في الماضي أعمد بكسر الميم في المضارع عمدا، أي: قصدت
له أي: تعمدت، وهو نقيض الخطأ(٢)، والله أعلم.
قوله: ((فقلت له: اعمد على تلك البقر فإنها من ذلك الفرق، فساقها))؛
اعمد بكسر الميم، لأن الأمر مقتطع من المضارع.
قوله: ((إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا))، فإن قلت:
هم كانوا جازمين بأن الله عالم بذلك؟ فلم قالوا: (إن كنت) وهي كلمة
الشك، قلت: على خلاف مقتضى الظاهر، أو يقال: إنهم لم يكونوا عالمين
بأن لأعمالهم اعتبارًا عند الله تعالى ولا جازمين به، فقالوا: إن كنت تعلم أن
لها اعتبارًا ففرج عنا، انتهى، قاله الكرماني (٣).
(١) معالم السنن (٩٢/٣).
(٢) الصحاح (٥١١/٢)، ومجمل اللغة (ص ٦٢٨-٦٢٩)، وكشف المناهج (٧٣/٣
و ٤٠٨/٣).
(٣) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤ / ٩٧).

٢٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لطيفة لها تعلق بالحديث: اعلم أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا طاعاتهم إلا
وقد شهدوها فضلًا من الله عليهم فتوسلوا إلى نعمه بنعمه، كما أخبر الله
تعالى عن زكريا ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَبِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴾﴾(١) فتوسل إلى الله
تعالى بسابق حسن عوائده فيه ؛ وسألت امرأة بعض الملوك فقالت: إنك قد
أحسنت لنا عام أول، ونحن محتاجون لإحسانك إلينا هذا العام، فقال: أهلًا
وسهلًا بمن توسل لإحساننا بإحساننا وأعطاها وأجزل لها العطاء، ومن فتح
له هذا الباب جاز له الإخبار بطاعته، ووجود معاملته لأنه حينئذ يتحدث بنعم
الله سبحانه وتعالى، وقد كان بعض السلف يصبح فيقول: صليت البارحة
كذا وكذا ركعة، تلوت كذا وكذا سورة، فيقال له: أما تخشى من الرياء،
فيقول: ويحكم: وهل رأيت من يرائي بفعل غيره، وكان آخر يفعل مثل ذلك
فيقال له: لم لا تكتم ذلك؟ فيقول: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّثْ ﴾﴾(٢) أنتم تقولون: لا نحدث، انتهى، قاله ابن عطاء الله في لطائف
(٣)
المنن (٣).
قوله: ((انساحت عنهم الصخرة))، انساحت هو بالسين والحاء المهملتين
أي: تنحت الصخرة وزالت عن فم الغار انتهى، قاله الحافظ (٤).
(١) سورة مريم، الآية: ٤.
(٢) سورة الضحى، الآية: ١١.
(٣) لطائف المنن صـ١٦٠. دار المعارف.
(٤) أى المنذرى.

٢٠٧
مقدمة المؤلف
وقال صاحب النهاية(١): أي، اندفعت واتسعت، ومنه ساحة الدار، قال
الخطابي: روي بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة (٢)، ويروى بالخاء
وبالصاد، ولو قيل: إن الصاد فيها مبدلة من السين لم يكن غلطًا، يقال: ساخ
في الأرض ویسوخ ویسیخ إذا دخل فيها، انتهى.
ففي هذا الحديث جواز التقرب إلى الله تعالى بما علم العبد أنه [١٧/ ب]
أخلصه له من عمل صالح ومناجاته تعالى بذلك، فهو دال على أن من
أخلص لله تعالى ولو عملا واحدا أجيب دعاؤه حتى في المهمات، ويكون
من عباده المخلصين، ففعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء.
قال النووي: استدل أصحاب هذا الحديث على أنه يستحب للإنسان أن
يدعو في حال كربه وفي حال الاستسقاء وغيره بصالح عمله، ويتوسل إلى الله
تعالی به؛ لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم، وقد يقال: في هذا شيء لأن فيه نوعا
من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوب الدعاء الافتقار، ولكن ذكر
النبي وُّل هذا في معرض الثناء عليهم، وجميل فضائلهم، فهو دليل على تصويبه
وَّر- فعلهم، وبالله التوفيق، انتهى، قاله النووي في الرياض(٣).
وفي هذا الحديث فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من
سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم، وفيه: فضل العفاف والانكفاف عن
(١) النهاية (٤٣٣/٢) و(٦٤/٣-٦٥).
(٢) الكواكب الدرارى (٩٨/١٤).
(٣) قاله النووي في شرح مسلم (٥٦/١٧) وانظر الأذكار ص٣٩٨.

٢٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المحرمات لاسيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها، وبترك ذلك لله تعالى خالصًا،
وفيه: جواز الإجارة وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والنماء في المعاملة، وفيه:
إثبات كرامة الأولياء، وهو مذهب أهل الحق(١) والله تعالى أعلم.
قوله: (رواه البخاري ومسلم والنسائي) سيأتي الكلام على الثلاثة
ومولدهم ووفاتهم.
٢- وَعَن أنس بن مَالك عَنِ رَسُول الله وَِّ قَالَ: ((من فَارق الدُّنْيَا على
الإِخْلَاص لله وحده لا شريك لَهُ وَأَقَامِ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاةِ فَارِقِهَا وَالله عَنْهُ
رَاض))(٢). رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ.
قوله: عن أنس بن مالك، كنيته: أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن
ضمضم بفتح الضادين المعجمتين [ابن زيد بن حرام، بالراء، ابن جندب،
بضم الدال وفتحها، ابن عامر بن غنم، بفتح الغين المعجمة وإسكان النون،
ابن عدى بن النجار بن ثعلبة](٣) بن عمرو بن الخزرج بن حارثة الأنصاري
الخزرجي النجاري النضري خادم رسول الله وَّة، وأمه أم سليم امرأة أبي
طلحة، خدم رسول الله وَّل عشر سنين وهي مدة إقامته بالمدينة، ثبت ذلك
(١) شرح النووي على مسلم (٥٦/١٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٧٠)، والحاكم في المستدرك (٣٦٢/٢)، والبزار في مسنده
(٦٥٢٤)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده رقم (٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
رقم (٥٧١٩).
(٣) من تهذيب الأسماء واللغات (١٢٧/١).

٢٠٩
مقدمة المؤلف
في الصحيح(١) وروى عنه حديثًا كثيرًا، فروى أنس عن رسول الله وَّ ألفي
حديث ومائتي حديث وستة وثمانين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على
مائة وثمانية وستين حديثا، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين حديثا ومسلم
بأحد وسبعين حديثا، وكان رَوَّه أكثر الصحابة أولادا لدعاء رسول الله وَّله
واتفق العلماء على مجاوزة عمره مائة سنة والذي عليه الجمهور أنه توفي سنة
ثلاث وتسعين وقيل سنة تسعين وقيل غير ذلك وثبت في الصحيح أنه كان له
قبل الهجرة عشر سنين فعمره فوق المائة كما ترى ودفن رَقَّ في البصرة
خارجا على نحو فرسخ ونصف ودفن هناك في موضع يعرف بقصر أنس
وكان له بستان يحمل في السنة مرتين وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك
وكان رَوَّه أحد الرماة المصيبين، ومناقبه كثيرة مشهورة (٢). والله أعلم.
قوله ◌َّه: ((من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له وأقام
الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض)»، فيجب على المؤمن أن يكون
مخلصا في إيمانه مخلصًا في توباته، مخلصًا [١٨ / أ] في تعلم ما يجب عليه
من العلم مخلصًا في تعليم من يعلم، مخلصا في القول والفعل والحركة
والسكون والأخذ والعطاء في الظاهر والسرائر، يريد بهذا كله وجه الله والدار
الآخرة، سواء قل أو كثر.
واعلم أن الأعمال كلها أجساد والإخلاص هو الروح ولا ينفع جسد بلا
(١) أخرجه البخاري (٦٠٣٨) ومسلم (٥١ - ٢٣٠٩) عن أنس.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٢٧/١-١٢٨).

٢١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
روح انتهى، قاله في عمدة السالك(١).
فائدة تتعلق بالإخلاص: قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ
المنذري في كتابه المتجر الرابح في العمل الصالح: اعلم وفقنا الله وإياك أن
الشرط العام في قبول جميع أنواع الطاعات والفوز بأجرها وثوابها هو
الإخلاص، وكل عمل لا يصدر عن إخلاص فهو إلى الهلاك أقرب(٢).
انتهى. وقال أنس زَوّ: الإخلاص هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه
عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء(٣)، وقد قال سيدنا سهل بن
عبد الله التستري رحمة الله عليه: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به،
والعمل كله هباء إلا بالإخلاص، وقال أيضا وظّه: الناس موتى إلا العلماء،
والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون مغرورون إلا المخلصين
والمخلصون على وجل حتى يعلم ما يختم لهم به فإن أردت إحراز الثواب
وحسن المآب فاجتهد في الإخلاص، وقد اختلف أقوال المشايخ رحمهم الله
تعالى اختلافا كثيرا، وقد عبر كل واحد منهم بحسب ذوقه ورتبته وشهرته
والقصد واحد، وإذا أردت الوقوف فاطلبه من كتب التصوف كقوت القلوب
وإحياء علوم الدين ونحوهما، وإن أخذ الله بيدك ووفقك للأعمال
الصالحات ورقى همتك عن الالتفات إلى ثوابها وجعل قصدك بها وجهه
(١) لم اهتد إلى المرجع المذكور وانظر نحو هذا الكلام لابن القيم في رسالته لأحد إخوانه
(ص ٣٤ -٣٥).
(٢) المتجر الرابح (ص ٩٧٤).
(٣) سنن ابن ماجه (عقب حديث رقم ٧٠).

٢١١
مقدمة المؤلف
الكريم لا خوفا من الجحيم ولا رجاء دار النعيم فقد وفقك لأعلى رتب
الإخلاص وجعلك من عباده المقربين الخواص، ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء والله ذو الفضل العظيم (١).
وسُئل شقيق عن الإخلاص فقال: هو تمييز العمل من العيوب، كتمييز
اللبن من بين فرث ودم سائغًا سهل المرور في الحلق، ويقال: لم يغص أحد
باللبن قط(٢).
لطيفة: قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبْنًا
خَالِصَا سَآَبِغَا لِلِشَّرِبِينَ﴾(٣) الآية، أي: يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث
والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله تعالى لا يبغي أحدهما عليه
بلون ولا طعم ولا رائحة بل خالص من ذلك كله، قيل: إذا أكلت البهيمة
العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دمًا،
والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق
واللبن في الضرع وتبقي الفرث في الكرش فسبحانه ما أعظم قدرته وألطف
حكمته لمن تفكر وتأمل انتهى (٤).
فالإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه(٥) فلا يتم الإخلاص
(١) المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح ص ٩٧٤ -٩٧٥.
(٢) الكشاف (٢/ ٦١٦).
(٣) سورة النحل، الآية: ٦٦.
(٤) الكشاف (٦١٦/٢).
(٥) مدارج السالكين (٣٠/٢)

٢١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص [١٨/ ب] ولا يتمان إلا بالصبر(١)
ولا يحصل الإخلاص إلا بالنية الخالصة (٢).
تتمة: ولنذكر نبذة في الإخلاص من أقوال السادة الصوفية: قال النووي في
بستان العارفين في التصوف(٣): وأما حقيقة الإخلاص فهو روح العبادة
ومعنى الإخلاص التصفية مما سوى الرب جل جلاله وشغل القلب به، قال
الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلْدِينَ﴾(٤) وقال تعالى:
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴿ أَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصَُّ﴾(٥) وقال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ, دِينِ ﴾﴾(٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أُحْسَنُ دِينًا
مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنِ﴾(٧)، فإسلام الوجه لله تعالى إخلاص
القصد والعمل له والإحسان فيه متابعة رسوله وَله وسنته، وقال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءَ مَّنثُورًا ﴾﴾(٨) وهى
الأعمال التي كانت على غير السنة أو أريد بها غير وجه الله تعالى (٩).
(١) مدارج السالكين (٢/ ٩١).
(٢) انظر الرسالة (٣٦٠/٢).
(٣) بستان العارفين (ص ٢٧) وانظر الأذكار (ص ٧).
(٤) سورة البينة، الآية: ٥.
(٥) سورة الزمر، الآيتان: ٢- ٣.
(٦) سورة الزمر، الآية: ١٤.
(٧) سورة النساء، الآية: ١٢٥.
(٨) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.
(٩) مدارج السالكين (٨٩/٢).