Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَتْجُ الكَرِّ
في التّتِيبُ الفِقْهِيِّ
لِتَضَيُّ السَِّ الَرَب
٨٠١٤
وَمَعَّهُ
فتح المجيد
فِي اخْتِصَارِ تَجْرِيحِ أُحَاديث التّهيد
رتبه واختصَر تخريجه
الشيخُ محَمّد بْن عَبْد الرّحمن المغْروي
مُقدّمَة فتح البِرّ - مُقَدّمَة التمهيد - تَاجَم شيوخ مَا لِك
مَمُوقُ التحفَ النَّائِ لَّوليّة
للنشر وَالتوزيع

قَبْجُ الْبَرُ
في التّتِيبْ الفِقْهِيِّ
لَهَيُّ السَّيِّدِ الَّ
مُقدّمَة

حقوق الطبع محفوظة
الطّبْعَة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦مـ
◌َجْتَوَ التَّعِ النَّقَائِ الدّوليّةُ
للنشر والتوزيع
هاتف : ٤٧٨٢٠٥٢ - فاكس: ٤٧٩٤٥٦٠
صب: ٤٣٣٥٢ - الهْز البريدي: ١١٥٦١
الرياض - المملكة العربيّة السّعُوديَّة

المقدمة
مقدمة فتح البر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْاتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُمُ مُسْلِمُونَ ﴾ .
[آل عمران: ١٠٢]
﴿يَأَ يُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْرَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ
مِنْهُمَارِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَاتَّقُواْاللَّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامَ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبًا ﴾ .
[النساء: ١]
﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُواْاللّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًاْ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ
وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْفَازَ فَوْزَاعَظِيمًا﴾.
[الأحزاب: ٧٠ - ٧١ ]
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد،
وَ لفيه، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل
ضلالة في النار.

٦
فتح البر
أسباب العمل
السبب الأول :
حب سنة رسول الله وَلقوله، والمرء مع من أحب.
السبب الثاني:
الدخول في عقد من خدم سنة رسول الله وَّيقول وأحمد الله تعالى على هذه
النعمة .
السبب الثالث:
عقيدة أبي عمر السلفية ومنهاجه السلفي، وهذا صادف قلبًا خاليًا
فتمکن.
وسلفية أبي عمر تتجلى في تراجم العلماء له وفي کتبه التي كتبها بيده.
قال الذهبي في السير:
(( وكان في أصول الديانة على مذهب السلف لم يدخل في علم الكلام،
بل قفا آثار مشايخه رحمهم الله))(١).
وقد مدحه وأثنى عليه الإمامان ابن تيمية وابن القيم في كثير من كتبهم،
وکتبه أكبر شاهد على ذلك.
السبب الرابع:
لفت نظر من ينتسبون إلى المذهب المالكي في الشرق والغرب إلى أئمتهم
بحق، وأنهم على عقيدة سلفية ومنهاج سلفي يتبع الدليل في كل صغيرة
وكبيرة. وأن كل ما ألحق بالمالكيين في الشرق والغرب من عقائد أهل الكلام
المذموم وخلو كتبهم في الفروع من الدليل من الكتاب والسنة إنما هو شيء
دخيل يجب نبذه والرجوع إلى هذه الأصول، وهي أصول مالك، رحمه الله،
(١) السير (١٨/ ١٦١).

المقدمة
٧
=
وكبار أصحابه الذين ما آلوا جهدا في نشر السنة والدفاع عنها، رحمهم
الله، ورضي عنهم. فيجب طيّ ما نشر في العصور المتأخرة من عقائد أهل
الكلام كإضائة الدّجنّة، وما يسمى بأم البراهين، وعقائد ابن عاشر،
والجوهرة وشروحها والعقائد النسفية والعضودية، وما إليها من كتب الكلام
والفلسفة التي جاءت لضرب العقيدة السلفية.
فيا أيها المالكيون: إن موطأ مالك وشرحه التمهيد والاستذكار ومثلهما هي
أصولكم وأصول أئمتكم إن كنتم تعقلون فأرجو الله أن يردنا وإياكم ردا
جميلا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا وكتب سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
السبب الخامس:
تقريب التمهيد إلى أمة محمد ( لتسهل الاستفادة منه، فإن صاحبه،
رحمه الله، وضعه على ترتيب مشايخ الإمام مالك وجمع أحاديثهم ورواياتهم
في شتى المواضع وأحيانا تكثر أحاديث الشيخ فتشتمل على مواضع مختلفة،
فمن أراد الوقوف على جمع موضع واحد تعذر عليه ذلك واحتاج أحيانا إلى
مطالعة التمهيد من أوله إلى آخره، وفي ذلك عسر كبير ويحتاج إلى وقت
طويل وما أحوج العاقل إلى الاستفادة من وقته، ومهما قلنا إن الفهارس قد
تقرب الاستفادة من ذلك، فإن هذا أمر جزئي وتبقى مشكلة جمع النصوص
بطريق منسق قائمة في ذهن الباحث.
فلعلي أكون قد قربت هذا الكتاب ويسرت الاستفادة منه وأدخل في
نصوص الوعد التي جاءت بمدح الميسرين ((ومن يسر على معسر يسر الله عليه
في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) الحديث(١).
و((ما خير رسول الله وَله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما)) (٢).
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم (٢٥٢/٢). م (٤/ ٢٦٩٩/٢٠٧٤).
د (٢٣٤/٥-٤٩٤٦/٢٣٥). ت (٢٨٧/٤-١٩٣٠/٢٨٨). جه (٢٢٥/٨٢/١).
(٢) متفق عليه من حديث عائشة.

٨
فتح البر
كلمة موجزة عن الحافظ أبي عمر
ابن عبد البر
لقد تكلم الناس كثيرا عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر في كتب التراجم
والطبقات وسجلت فيه رسائل علمية في الماجستير والدكتوراه فلا حاجة
لأن نكرر ما كتب وكرر مرات وكرات ويكفي أن نقول كما قال الإمام
الذهبي .
(«الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر، يوسف بن عبد الله
ابن محمد بن عبد البربن عاصم النمري الأندلسي القرطبي المالكي،
صاحب التصانيف الفائقة، مولده في سنة ثمانين وستين وثلاثمائة في شهر
ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى فاختلفت الروايات في الشهر عنه.
وطلب العلم بعد التسعين وثلاثمائة وأدرك الکبر وطال عمره وعلا سنده.
وتكاثر عليه الطلبة وجمع وصنف ووثق وضعف وسارت بتصانيفه الركبان
وخضع لعلمه علماء الزمان )) .
قال الحميدي: ((أبو عمر حافظ مكثر عالم بالقرآت وبالخلاف وبعلوم
الحديث والرجال، قديم السماع يميل في الفقه إلى أقوال الشافعي)).
وقال أبو علي الغساني: لم يكن أحد في بلدنا في الحديث مثل قاسم بن
محمد وأحمد بن خالد الجبّاب ، ثم قال أبو علي: ولم يكن ابن عبد البر
بدونهما، ولا متخلفا عنهما ، وكان من النمر بن قاسط، وطلب وتقدم ولزم
أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن فقيه ، ولزم أبا الوليد بن الفرد، ودأب في
طلب الحديث، وافتن به وبرع براعة فاق بها من تقدمه من رجال
الأندلس. وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه والمعاني ، له بسطة

٩
المقدمة
كبيرة في علم النسب والأخبار ، جلى عن وطنه وكان في الغرب مدة ثم تحول
إلى شرق الأندلس فسكن -دانية- و-بلنسية- و-شاطبة- وبها توفي وذكر
غير واحد أن أبا عمر ولي قضاء لشبونة مدة)).
قال الذهبي: (( قلت: كان إمامًا بينًا ثقة متقنًا علامة متبحرًا، صاحب
سنة واتباع، وكان أولا أثريا ظاهريا فيما قيل، ثم تحول مالكيا مع ميل بيِّن
إلى فقه الشافعي في مسائل، ولا ينكر له ذلك فإنه ممن بلغ رتبة الأئمة
المجتهدين ومن نظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم وقوة الفهم
وسيلان الذهن، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله وَله ولكن إذا
أخطأ إمام في اجتهاده لا ينبغي لنا أن ننسى محاسنه ونغطي معارفه بل
نستغفر له ونعتذر عنه)».
قال أبو القاسم ابن بشكوال : ((ابن عبد البر إمام عصره وواحد دهره
یکنی أبا عمر» .
قال أبو علي ابن سكرة : ((سمعت أبا الوليد الباجي يقول: لم يكن
بالأندلس مثل أبي عمر في الحديث وهو أحفظ أهل المغرب)).
قال أبو داود المقرئ: ((مات أبو عمر ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة
ثلاث وستين وأربعمائة، واستكمل خمسا وتسعين سنة وخمسة أيام رحمه
الله)) (١)
مؤلفات ابن عبد البر:
لقد ذكر كل من ترجم لابن عبد البر، رحمه الله، مؤلفاته أو بعضها،
والذي ينبغي أن يعلم أن مؤلفات أبي عمر كانت هادفة وليست كبقية
التآليف التي قد يؤلفها بعض المؤلفين ، فمؤلفاته تهدف إلى الدفاع عن السنة
والرد على أهل البدع ويكفي أن نذكر من مؤلفاته ثلاثة على سبيل المثال:
(١) السير (٩٥٠/١٨).

١٠
فتح البر
- الاستيعاب:
وهو كتاب عظيم في بابه، أصبح مصدرًا لكل من جاء بعدِه، بين فيه
مناقب صحابة رسول الله وَ له باستفاضة. ولاشك أن هذا المُؤَلَّف ردّ على
الروافض أعداءِ الله الذين يتناولون صحابة رسول الله وسلم بالذم والشتم،
فقبح الله قوما شتموا من أثنی الله علیهم وعظم قدرهم وذکرهم في کتابه :
◌ْ تُحَمَّدٌ رَّسُولُ الْهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَنَّهُمْ زَكَّعًا سُجَّدًا
يَبْتَغُونَ فَضَّلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ
التَّوْرَيَّةِ وَمَثَلُهُمْ فِ الْإِنِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْعَلُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاُسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَخِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: (٢٩)].
وقال تعالى: ﴿﴿ لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ
(١٨)﴾ [الفتح: (١٨)].
الشَّجَرَوِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
وقال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِى اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِ
تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
[التوبة: (١٠٠)].
وغيرها من الآيات وقد تواتر عن النبي وَّ مدحهم والثناء عليهم .
- كتاب جامع بيان العلم وفضله:
وهو من أعظم الكتب النافعة التي حطمت أصول أهل البدع والتقليد
ونسفتها وأذهبتها مع أدراج الرياح، وأصبح هذا الكتاب مرجعا للسلفيين
في كل زمان ومكان فمعظم ما تكلم به الإمام ابن القيم، رحمه الله، في أعلام
الموقعين عن التقليد فمعظمه مأخوذ من هذا الكتاب فرحمة الله عليه .

١١
المقدمة
- كتاب التمهيد:
قال أبو علي الغساني: ((ألف أبو عمر في الموطأ كتبا مفيدة منها؛ كتاب
التمهيد بما في الموطأ من المعاني والأسانيد فرتبه على أسماء شيوخ مالك على
حروف المعجم وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله وهو سبعون جزء)).
قال ابن حزم: «لا أعلم في الكلام على فقه الحدیث مثله فکیف أحسن
منه)) .
قلت: ولا يعرف قدر هذا الكتاب إلا من قرأه واطلع على أجزائه.
أصول هذا الكتاب وموارده :
الذي ينظر إلى كتاب أبي عمر يجده مكونا من الأقسام الآتية:
كتب الحديث والسنة: وكتب الحديث التي صبت في كتاب التمهيد
نواع:
روايات الموطأ: لقد ركز أبو عمر رضي الله عنه في دراسته لأحاديث الموطأ
على رواياتها من أصحابها الذين رووها عن الإمام مالك، رحمه الله، بین مقل
منهم ومكثر على حسب روايتهم عن الإمام مالك .
فهذه الطريقة مكنت الإمام أبا عمر في المقارنة بين الروايات في أسانيدها
ومتونها في الاتصال والإرسال والزيادة والنقصان والإدراج وتفسير المبهم
والمهمل إلى غير ذلك من الفوائد السندية والمتنية التي تظهر في دراسة أبي
عمر.
وهذا يدل على خبرة الرجل وحسن نظره وإحاطته بروايات الموطأ، وقد
ذكر رحمه الله، في أثناء الكتاب أسانيده إلى كثير من الروايات ، وبهذا
الطريق الذي سلكه ابن عبد البر ينجلي الكثير من الخفايا والغموض الذي
یکون أحیانا في بعض الروايات فتنبه إلى هذا فإنه مهم جدا .

- ١٢
فتح البر
اعتماد أبي عمر على كتب السنن المشهورة جعله يكون موسوعة كبيرة في وصل
المنقطع وذکر طرقه وشواهده ، فابن عبد البر، رحمه الله، قد استوعب کتبا
كاملة في كتابه التمهيد أو بعبارة أدق كل ما يتعلق بدراسة أحاديث الموطأ.
فمن تتبع التمهيد يجد أبا عمر قد ذكر سنن أبي داود بكل ما يتعلق
ببحثه من رواية ابن داسة، فنستطيع أن نستخرج من كتاب التمهيد نسخة
كاملة منقحة مصححة لسنن أبي داود.
وأما سنن النسائي الصغرى والكبرى فقد اعتمد عليهما اعتمادًا كبيرًا،
ومن قرأ التمهید یجد أبا عمر يستحضرهما استحضارا وافيا .
وأما سنن الترمذي فقد نقل منها الكثير، بل ينقل سؤالات الترمذي
للبخاري، رحمه الله، في جامعه وهو أيضا نستطيع أن نستخرج من التمهيد
جملة كبيرة منه وهذا مما يدخل الشك في من ينسب ابن حزم إلى الجهل
بالترمذي، فكيف وابن حزم كان صاحب أبي عمر وأنيسه وتلميذه فالله
أعلم فيما قيل في هذا الموضوع، المهم أن أبا عمر أكثر من النقل من سنن
الترمذي.
وأما الصحیحان فلا تسأل عن العناية بهما وبرواياتهما، بل انتقد أبو عمر
رحمه الله، البخاري في بعض تبويباته وعاب عليه ذلك .
وأما مسند الإمام أحمد فإن ابن عبد البر، رحمه الله، يرويه من طريق
القطیعي وقد أکثر أبو عمر منه.
وهكذا كتب بقي بن مخلد وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأبو بكر
البزار. المهم أن كتاب ابن عبد البر قد استوعب ما وجده من كتب الحديث
في عهده .

المقدمة
١٣
وأما كتب التفسير السلفي: فإن أبا عمر قد اعتمد عليها في كتابه ونقل
منها الكثير، كتفسير ابن جرير الطبري وابن سنجر وسنيد وبقي بن مخلد
والحميدي، وهذا قد نقل مسنده کله في کتاب التمهيد.
وأما كتب الرجال والجرح والتعديل: فإن ابن عبد البر قد اعتمد على
تواريخ البخاري، رحمه الله، وعلى كتب الضعفاء مثل العقيلي وغيره، لقد
أخذ من هذه المصادر كل ما يحتاج إليه في جرح الرجال وتعديلهم.
وأما كتب الفقه : فبالنسبة للفقه المالكي فإن أبا عمر إمامهم وله في ذلك
مؤلفات كالكافي وغيره، وقد أحاط بكل روايات أصحاب مالك في أقوالهم
عنه وعن غيره رحمهم الله.
وأما الفقه الشافعي فهو بصير به وبأقواله وقد نقله في كتابه بسنده.
وأما الفقه الحنفي فله معرفة واسعة به وبأصحابه.
وأما أقوال داود وأحمد بن حنبل فلا تسأل عن خبرة أبي عمر بها.
وأما كتب الآثار التي نقلت الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم ،
فإن ابن عبد البر قد استوعب في كتابه مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي
شيبة وكتب أبي جعفر الطحاوي والبيهقي وإسماعيل القاضي وغيرهم،
يعرف ذلك من تتبع الكتاب.
وأما كتب اللغة: فإن ابن عبد البر نقل في التمهيد منها الكثير ككتاب
العين للخلیل وغيره .
وأما الأشعار: فإن ابن عبد البر له دراية واسعة بها ونقل عن كثير من
الدواوين المشهورة سواء من شعر القدماء أو من شعراء أهل الإسلام.
وهذا الموضوع إن أطال الله في العمر فسنخرج له مصنفا خاصا نستوفي
فيه موارد أبي عمر في التمهيد وطريقة تعامله معها .

١٤
فتح البر
الأعمال التي قمت بها في التمهيد
العمل الأول:
الترتيب الفقهي:
لقد رتب أبو عمر كتابه التمهيد على شيوخ الإمام مالك رحمه الله علی
الطريقة المغربية في ترتيب الحروف. فبدأ بمن اسمه إبراهيم وختم بمن
اسمه يحيى، وبين هذين الحرفين بقية شيوخ الإمام مالك، رحمه الله،
فبلغت مشايخه نحو مائة شيخ؛ يذكر الشيخ وعدد أحاديثه في كتاب الموطأ
ويذكر نوعيتها موصولة أو مرسلة وبعد نهايته لمشايخ الإمام مالك خصص
قسما للبلاغات فجعلها في آخر الكتاب ثم ذكر خاتمة عَدَّد فيها أحاديث
الشیوخ والبلاغات فبلغت عنده ثمانمائة وثلاثة وخمسون حدیثا .
وقد ذكر أبو عمر، رحمه الله، مقدمة في كتابه بين فيها بعض
مصطلحات أهل الحديث وبعض الأحكام التي يجب على طالب الحديث
أن يعرفها ثم ذكر ترجمة موجزة للإمام مالك، ثم شرع في الشرح ابتداء بمن
اسمه إبراهیم کما بینت.
وأما طريقة ((فتح البر)) فقد قسمته إلى أقسام، وكل قسم قسمته إلى
کتب، وکل کتاب قسمته إلى أبواب، وکل باب أوردت فيه ما يناسبه من
الأحاديث وراعيت التنسيق بين الأقسام والكتب والأبواب حسب فهمي
وجهدي .
فبدأت بالعقيدة وذلك لأهميتها وحاجة المسلم لها في الدنيا وفي الآخرة
ولتحقيقها بعث المصطفى آل﴾ وبفسادها لا يقبل عمل من صاحبه.

المقدمة
١٥ =
ثم ثنيت بالطهارة لأهميتها؛ ولأنها شرط في الصلاة فذكرت كل ما يتعلق
بالمياه والنجاسات والسواك وفضل الوضوء وصفاته والغسل والحيض
والاستحاضة والتيمم والشعور واللباس .
ثم ثلثت بالصلاة لأهميتها بعد العقيدة؛ ولأنها التطبيق العملي للعقيدة
التي جاء بها محمد وَّله. فبدأت بالمواقيت؛ لأنها علامات دخول الصلاة ثم
الأذان والمساجد والقبلة وسترة المصلي ؛ لأن من تطهر ولبس ثيابه ودخل
الوقت فأذن المؤذن وذهب المسلم واستقبل القبلة وجعلها سترته إن كان
منفردا وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ثم صفة الصلاة وبدأت بالخشوع
لأهميته ولأنه العمود الفقري للصلاة وبقدر ما يكون عند المسلم من الخشوع
تكون له صلاة .
ثم ذكرت الصلاة الجماعية فبدأت بصلاة الجماعة، لأن المسلمين لا
يصلون فرائضهم إلا جماعة إلا من حبسه العذر ثم الجمعة ثم العيدين ثم
الاستسقاء ثم الكسوف والخسوف ثم الخوف والسفر؛ لأن المسلم قد يسافر
فیحتاج إلى هذه السنن.
ثم سجود السهو؛ لأن المسلم قد يسهو في سفره وحضره فجعلته عقب
صلاة الحضر والسفر.
ثم ذكرت صلاة النوافل؛ لأن المسلم له نوافل بعد أداء فرائضه فأدخلت
فيها الوتر والرواتب وصلاة الليل، وكل ما يتعلق بالنوافل من أحكام ثم
ختمت الصلاة بالطب والجنائز؛ لأن المريض يحتاج إلى تطبيب فلابد أن
يعرف ذلك على طريقة رسول الله وَليه. ويحتاج إلى آداب المرض وعيادة
المريض وخروج روحه وكيفية تسجيته وتغميض عينيه ثم الذكر المشروع عند
الوفاة والنهي عن العويل والبكاء المذموم ثم صفة غسل الميت وحمله
والصلاة عليه ودفنه وزيارته بعد وفاته .

فتح البر
١٦
=
ثم ذكرت الزكاة لأهميتها بعد الصلاة ولذكرها في النصوص بعدها في
الكتاب والسنة، فذكرت الزكاة المفروضة ومقاديرها وأحكامها التي جاءت في
السنة ثم زكاة الفطر ثم زكاة التَّطوع وأحكامها ثم لمن تدفع الزكاة .
ثم ذكرت الصيام بعدها لذكره في النصوص بعد الزكاة ثم ذكرت ما يتعلق
به من رؤية وما يجوز فيه وما يمتنع، ثم ذكرت ليلة القدر؛ لأنها داخلة في
شهر رمضان ثم الاعتكاف وأحكامه.
ثم ذكرت الحج فذكرت كتاب السفر؛ لأن المسلمين يسافرون من بيوتهم
إلى بيت الله الحرام من الشرق والغرب ثم رأيت على المسلم أن يعرف أحكام
السفر من ذكر وآداب ومركوب ورفق به إن كان حيوانا أو غيره، ثم شرعت
في ذكر الحج وصفاته مبتدءًا بالنصوص التي تبين فرضه ثم الأحكام التي
يحتاج المسلم لمعرفتها كحج الصبي والشيخ الكبير وغير ذلك، ثم ذكرت
صفة الحج من الإحرام إلى طواف الوداع ثم ذكرت فضائل المدينة؛ لأنه في
الغالب يذهب الحاج إلى مسجد النبي ◌َّر ويصلي فيه ويسلم على رسول
الله ◌َة ثم يزور قباء لورود الدليل بذلك ثم يعرف ما ورد في فضل المدينة
من النصوص، ثم ذكرت الأضاحي لعلاقتها بالحج؛ ولأن مشروعيتها تكون
يوم أن يذبح الحجاج هداياهم ثم ذكرت العقيقة؛ لأنها قربى لله تعالى ثم
ذكرت الأطعمة لعلاقتها أو لتشابهها بالأضاحي، ثم ذكرت الأشربة لمقارنتها
بالأطعمة ثم ذكرت النكاح لأهميته؛ ولأن حياة المسلم بعد معرفته لهذه
العبادات لا تتم إلا بنكاحه وزواجه وهذه فطرة فطر الله عليها عباده فلا
حياة لمسلم بدون زواج فهو بالأهمية بمكان بعد معرفة العبادات والعقيدة
قبلها. ثم ذكرت فيه آداب العشرة ؛ لأن الزوجين في حاجة إلى معرفة جملة
من الآداب النبوية حتى تكون العشرة على أحسن الأحوال ثم التربية على
الطريقة النبوية ثم ذكرت الطلاق وأنواعه وأحكامه، لأنه من الفرج الذي
جعله الله لهذه الأمة ولأنه يلجأ إليه عند الحاجة وختمته بذكر العدد

المقدمة
١٧ _
والنفقات؛ لأن كل مطلقة ومتوفى عنها زوجها لابد لها من عدة. ثم ذكرت
الجهاد والحدود والديات وذلك لأهميته ولأن هذه الأمور لا تكون إلا بقيادة
إمام المسلمين فلا جهاد إلا بإمام ولا يجوز إقامة الحدود إلا للإمام ثم ختمت
الكِتاب بالبيوع والإجارات والرهن والشفعة والوصايا والمواريث وما إلى ذلك
مما يتعلق بالمعاملات المالية؛ لأن المسلم يحتاج إلى ذلك؛ لأن حياته لا بد لها
من بيع وشراء وإجارة وكل من على وجه الأرض لابد أن يموت فيحتاج إلى
معرفة هذه الأحكام وختمت هذا الكتاب بالميراث؛ لأن المسلم نهايته هو
الموت فنرجو الله أن يحسن لنا الخاتمة وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا
والآخرة .
ويلاحظ أنني بدأت بما بدأ به الإمام ابن عبد البر من مقدمة في علم
المصطلح ثم ترجمة الإمام مالك رحمه الله ثم أخرجت كل من ترجم لهم ابن
عبد البر من مشايخ الإمام مالك وتركتهم على ترتيب الحروف التي رتب
عليها ابن عبد البر، ثم ذكرت لهم حواشي بذكر المصادر التي ذكرت فيها
حسب هوامش سير أعلام النبلاء وتهذيب الكمال للمزي والأعلام للزركلي
ليرجع إليها من أراد الاطلاع على تراجم هؤلاء الرواة في تلك المصادر.
ثم ذكرت ما ذكره ابن عبد البر في آخر التمهيد من ذكر الرواة وعدد
أحاديثهم.
العمل الثاني :
التخريج:
لقد قمت بتخريج أحاديث الموطأ مع التمهيد تخريجا مختصرا؛ لأنني لا
أريد إطالة الكتاب بتتبع المصادر والطرق التي قد لا تكون لازمة في
التخريج وقد ألجأ إلى تتبع الطرق إن اقتضى الأمر ذلك لتصحيح أو تحسين
أو تضعيف.

١٨
=
فتح البر
وقد اعتمدت في التصحيح والتحسين والتضعيف على المتقدمين لسبقهم
ولمكانتهم ولأهميتهم؛ ولأنهم أكمل في العلم وأحفظ وأضبط، هذا إذا لم
يكن ما يخالف ذلك عند المتأخرين مخالفة أقتنع بها، فإن كانت هناك علة
واضحة ذكرها المتأخرون تبعتهم عليها وذكرت من ذكرها منهم وقد أستقل
بالأمر لوضوحه عندي وقد أذكر بعض تصحيحات أوتضعيفات المتأخرين
للحاجة إليها هذا وقد سميت هذا التخريج: ((فتح المجيد في اختصار
تخريج أحاديث التمهيد)) فإن أطال الله في العمر أخرجته كاملا مستقلا
عن التمهيد حتى يحصل به النفع لأمة محمد وَلاقو .
ملاحظة :
لقد كررت الأحاديث في فتح البر حسب موضعه الفقهي الذي شرحه
ابن عبد البر وأخذت منه ما يناسب مقامه مع إثبات النص الحديثي الذي
شرحه ابن عبد البر.
العمل الثالث:
التعليق :
لقد قمت بالتنبيه على بعض الهفوات العقدية التي حصلت من الإمام
ابن عبد البر ولعلها سبق قلم أو سهو أو غفلة فهي في حسناته كشعرة
بيضاء في الثور الأسود.
ولم أرد إغراق الكتاب بكثير من التعليقات التي اعتادها الكثير من
المحققين في الوقت الحاضر كذكر تراجم المشهورين وبعض المقارنات في
المسائل الفقهية التي يذكرها ابن عبد البر، فإن ذلك أمر متيسر في هذا
الوقت، وأما التعليقات السلفية التي لا بد منها فسنرجئها إن شاء الله إلى
طبعة أخرى.

١٩
المقدمة
العمل الرابع:
زوائد الاستذكار على التمهيد :
لقد أخرجت ما زاد به الاستذكار على التمهيد مما شرحه أبو عمر بن عبد
البر من الآثار التي لها باب مستقل، لأن كل ما في الاستذكار من
الأحاديث المرفوعة داخلة في التمهيد، وليس في الاستذكار من الجديد إلا
أحيانا تقديم أو تأخير أو زيادة ألفاظ قليلة ومعظمه إحالة على التمهيد فهو
ليس مختصرا للتمهيد؛ لأن طريقة الاختصار أن تحذف الأسانيد ويذكر
الأهم من المباحث في الباب وهذا لا يوجد في الاستذكار أبدا .
وسنخرج إن شاء الله مختصرا لفتح البر مع الاستذكار. وسميت هذه
الزوائد بغية المستفيد فيما زاد به الاستذكار من الآثار على التمهيد والله الموفق
للصواب وحسبي الله ونعم الوكيل.
وكتب
أبو سهل
محمد بن عبد الرحمن المغراوي
مراكش ١٩ شعبان ١٤١٥ هـ