Indexed OCR Text
Pages 361-380
الحوالة والديون ٣٦١ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، قال حدثنا حماد بن سلمة- فذكر بإسناده مثله سواء. وفي حديث هذا الباب معان من الفقه، منها أن الورثة لا ينفق عليهم ولا لهم ميراث حتی یؤدی الدین. وروى إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي کثیر مولی محمد بن جحش، عن محمد بن حجش، قال: كنا جلوسا في موضع الجنائز مع النبي مَل، اذ رفع رأسه ثم نكسه، ثم وضع راحلته على جبهته- وقال : سبحان الله ماذا نزل من التشديد؟ فسكتنا وفرقنا؛ فلما كان من الغد، سئل رسول الله صل *: ما هذا التشديد الذي نزل؟ قال: في الدين، والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل - وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه(١) . - هكذا ذكره ابن سنجر، قال حدثنا سعيد بن سليمان، قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن - فذكره. ورواه أنس بن عياض، عن محمد بن أبي يحيى، عن أبي كثير مولى الأشجعيين، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن جحش- وكانت له صحبة- يقول: إن رسول الله وَلقر أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما لي إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل؟ قال : الجنة. فلما ولى (١) حم (٢٨٩/٥-٢٩٠)، ن (٤٦٩٨/٣٦١/٧)، ك (٢/ ٢٥) وصححه إسناده، ووافقه الذهبي . فتح البر ٣٦٢٠ الرجل، قال رسول الله وَله: كروه على، فلما جاءه، قال: إن جبريل قال: الا أن يكون عليه دين(١). وروى سعيد بن سليمان، قال حدثنا المبارك بن فضالة، عن كثير أبي محمد، عن البراء، قال: قال رسول الله وَليل صاحب الدين مأسور يوم القيامة يشكو الى الله الوحدة(٢). قال أبو عمر: كثير أبو محمد هو كثير بن أعين المرادي، بصري، ومنها أن المرء يحبس عن الجنة من أجل دينه حتى يقع القصاص، ومنها أن القضاء عن الميت بعده في الدنيا ينفع الميت في الآخرة. ومنها أن الميت إنما يحبس عن الجنة بدينه اذا كان له وفاء ولم يوص به، ولم يشهد عليه، والوصية بالدين فرض عند الجميع اذا لم يكن عليه بينة؛ فاذا لم يوص به كان عاصيا، وبعصيانه ذلك يحبس عن الجنة - والله أعلم. وفي قوله في هذا الحديث: أعطها فإنها صادقة- دليل على أن الحاكم يقضي بعلمه، وقد تكلمنا على هذا المعنى في غير هذا الموضع، والدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤد، أو (١) حم (١٣٩/٤ - ١٤٠ - ٣٥٠)، ابن أبي شيبة في 'الكتاب المصنف» (١٢٠١٩/٤٩/٣)، وذكره الهيثمي في 'المجمع (٤/ ١٣٠) وقال: ((رواه أحمد وفيه أبو كثير، وهو مستور، وبقية رجاله مو ثقون» . (٢) البغوي (٢٠٣/٨) ونسبه المنذري في الترغيب والترهيب" (٦٠٥/٢) للطبراني في الأوسط، وقال: فيه مبارك بن فضالة، وذكره الهيثمي في المجمع (١٣٢/٤) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط وفيه مبارك بن فضالة، وثقه عفان وابن حبان، وضعفه جماعة)). وفي الباب عن سمرة بن جندب، أخرجه: حم (٢٠/٥)، د (٣٣٤١/٦٣٧/٣)، ن (٧ / ٤٦٩٩/٣٦١) كلهم من طريق الشعبي عن سمعان عن سمرة به. قلت: في سنده انقطاع، قال البخاري: ((لا نعلم لسمعان سماعا من سمرة ولا للشعبي من سمعان)) انظر التاريخ الكبير (٤ / رقم الترجمة ٢٥٠٣). الحوالة والديون ٣٦٣ أدانه في غير حق، أو في سرف ومات- ولم يؤده. وأما من أدان في حق واجب لفاقة وعشرة ومات ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه به عن الجنة- إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء. وقد قيل إن قول رسول الله وَل وتشديده في الدين، كان من قبل أن يفتح الله عليه ما يجب منه الفيء والصدقات لأهلها. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد بن زيد، عن بديل، عن علي بن أبي طلحة، عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزي، عن المقدام الكندي، قال: قال رسول الله وَليقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه من ترك دينا أو ضيعة فإلي، ومن ترك مالا فلورثته(١)- وذكر تمام الحديث. حدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا مطلب بن شعيب، قال حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، قال حدثني عقيل عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله وَيّ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المسلمين فترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته (٢). وحدثنا عبد الوارث قراءة مني عليه أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم قال حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي (١) حم (٤/ ١٣٣). (٢) حم (٢/ ٢٩٠-٤٥٣)، خ (٥٣٧١/٦٤٣/٩) و(٦٧٣١/٨/١٢)، م (١٦١٩/١٢٣٧/٣[١٤])، ت (١٠٧٠/٣٨٢/٣)، جه (٢٤١٥/٨٠٧/٢)، ن (٤ / ٣٦٨ / ١٩٦٢). فتح البر ٣٦٤ سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَله: اذا دعي الى رجل من المسلمين ليصلي عليه، أقبل على أصحابه فقال: هل ترك من دين؟ فإن قالوا: نعم، قال : فهل ترك من وفاء؟ فإن قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح الله على رسوله الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك دينا أو ضياعا، فعلى الله ورسوله، ومن ترك مالا فلورثته (١). وعند سعيد بن أبي سعيد المقبري في هذا حديث آخر في هذا المعنى: أخبرنا قاسم بن محمد، قال أخبرنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو بن منصور، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا يعلى بن عبيد، قال حدثنا محمد بن عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال : أتي رسول الله وَليه بجنازة ليصلي عليها، فقال : أعليه دين؟ قالوا : نعم، ديناران، فقال : أترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، قال : صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة هما علي يا رسول الله، قال: فصلى عليه النبي وَليّ(٢). وفي قوله عليه السلام: كذلك قال لي جبريل- دليل على أن من الوحي ما يتلى وما لا يتلى، وما هو قرآن وما ليس بقرآن. وقالت طائفة من أهل العلم والقرآن في قوله تعالى: وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قالوا: القرآن: آيات الله، والحكمة سنة رسول الله وَله . قال أبو عمر : وكل من الله، الا ما قام عليه الدليل، فإنه لا ينطق عن الهوى 18 وشرف وكرم . (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) حم (٢٩٧/٥)، ت (١٠٦٩/٣٨١/٣) وقال: حسن صحيح. ن (٤/ ١٩٥٩/٣٦٧)، جه (٢٤٠٧/٨٠٤/٢)، الدارمي (٢٦٣/٢). الحوالة والديون ٣٦٥, ما جاء في الحوالة بالدين [٢] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وسلم قال: مطل الغني ظلم، واذا اتبع احدكم على مليء فليتبع (١). قال أبو عمر: هذا يدل على أن المطل على الغني حرام، لا يحل اذا مطل بما عليه من الديون - وكان قادرا على توصيل الدين الى صاحبه، وكان صاحبه طالبا له ؛ لان الظلم حرام قليله وكثيره، وتختلف أثامه على قدر اختلافه ؛ لان للظلم وجوها كثيرة، فأعظمها الشرك، وأقلها لا يكاد يعرف من خفائه، وجملتها لا تحصى كثرة ؛ وأصل الظلم في اللغة أخذك ما ليس لك، ووضعك الشيء في غير موضعه، ومنه قالوا : ومن يشابه أباه فما ظلم . أي لم يضع الشبه غير موضعه، ثم يتصرف على كل شيء أخذ من غير وجهه . قال الله عز وجل: ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: (١٣)]. وقال: ﴿ وَمَن يَظْلِمِ مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: (١٩)]. ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ اُلتََّلِمِينَ﴾ [آل عمران: (٥٧)]. وقال رسول الله ◌َل# حاكيا عن ربه : يا عبادي، حرمت عليكم الظلم، فلا تظالموا (٢). (١) خ (٥٨٥/٤-٢٢٨٧/٥٨٨-٢٢٨٨)، م (١٥٦٤/١١٩٧/٣[٣٣]). د (٣/ ٦٤٠ /٣٣٤٥)، ت (١٣٠٨/٦٠٠/٣)، جه (٢٤٠٣/٨٠٣/٢). ن (٧/ ٣٦٢ - ٣٦٣ / ٤٧٠٢-٤٧٠٥). (٢) تقدم تخريجه في باب "لا ضرر ولا ضرار في كل شيء". فتح البر ٣٦٦٠ وقال الظلم: ظلمات يوم القيامة(١). أخبرنا أبو محمد القاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثني محمد بن عمر بن لبابة، قال حدثني عثمان بن ایوب، قال: سمعت سحنون بن سعيد يقول: اذا مطل الغني بدين عليه، لم تجز شهادته، لأن النبي وَلقول قد سماه ظالما ؛ والدليل على أن مطل الغني ظلم لا يحل ما أبيح منه لغريمه من أخذ عوضه، والقول فيه بما هو عليه من الظلم وسوء الافعال؛ ولولا: مطله له، كان ذلك فيه غيبة، وقد قال ◌َله: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليك حرام(٢)، يريد من بعضكم على بعض، ثم أباح لمن مطل بدينه أن يقول فيمن مطله، قال : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته(٣). واللي: المطل والتسويف، والواجد : الغني . حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، قال حدثنا وبرة بن أبي دليلة شيخ من أهل الطائف قال حدثني محمد بن ميمون بن مسيكة - وأثنى عليه خيرا - عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَالنور : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته(٤). (١) أخرجه من حديث ابن عمر: خ (٢٤٤٧/١٢٧/٥)، م (٢٥٨٠/١٩٩٦/٤[٥٨])، ت (٤/ ٢٠٣٠/٣٣٠). (٢) تقدم تخريجه في باب "لا ضرر ولا ضرار في كل شيء". (٣) أخرجه من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه: حم (٢٢٢/٤-٣٨٨-٣٨٩)، خ (٧٩/٥) تعليقا. د (٣٦٢٨/٤٥/٤)، جه (٢٤٢٧/٢)، ن (٧ /٣٦٣ /٤٧٠٣)، هق (٥١/٦)، ك (١٠٢/٤) وصحح إسناده ووافقه الذهبي. (٤) تقدم تخريجه في الباب نفسه. الحوالة والديون ١٣٦٧ قال أبو عمر: هذا عندي نحو معنى قول الله عز وجل: ﴿﴿لَّا يُحِبُّ [النساء: (١٤٨)]. وهذه الآية اللَّهُ الْجَهْرَ بِالشُوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمْ ﴾ نزلت في رجل تضيف قوما فلم يضيفوه، فأبيح له ان يقول فيهم إنهم لئام لا خير فيهم، ولولا منعهم له من حق الضيافة، ما جاز له ان يقول فيهم ما فيهم، لانها غيبة محرمة، قال رَّه: اذا قلت في أخيك ما فيه، فقد اغتبته، واذا قلت فيه ما ليس فيه، فذلك البهتان(١)، وهكذا لما كان مطل الغني ظلما، أبيح لغريمه عرضه، ومعنى قوله في هذا الحديث وعقوبته - والله أعلم - المعاقبة له بأخذ ماله عنده من ماله اذا أمكنه أخذ حقه منه بغير اذنه، وكيف أمكنه من ماله؛ قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوفِبْتُمبِهٌِّ﴾ [النحل: (١٢٦)]. وقد شكت هند إلى النبي ◌َّ-18 ان زوجها ابا سفيان لا يعطيها ما يكفيها وولدها بالمعروف، فقال لها : خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف(٢). فأمرها أن تعاقبه بأخذ مالها من حق عنده. فهذا معنى قوله 09َّ - والله أعلم - لي الواجد يحل عرضه وعقوبته . حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا أبو عاصم، عن وبرة بن أبي دليلة، عن محمد بن عبد الله بن ميمون، قال حدثني (١) أخرجه من حديث أبي هريرة: حم (٢٣٠/٢-٣٨٤-٣٨٦-٤٥٨)، م (٤ / ٢٠٠١/ ٢٥٨٩[٧٠])، د (٥/ ١٩١- ٤٨٧٤/١٩٢)، ت (٤/ ١٩٣٤/٢٩٠)، الدارمي (٢٩٩/٢). (٢) أخرجه: حم (٣٩/٦)، خ (٤ / ٢٢١١/٥١٠)، م (١٣٣٨/٣ /١٧١٤ [٩٠٠٧])، د (٣ / ٨٠٢/ ٣٥٣٢)، ن (٥٤٣٥/٦٣٨/٨)، جه (٢٢٩٣/٧٦٩/٢)، هق (٤٦٦/٧-٤٧٧) و(١٤١/١٠). فتح البر ٣٦٨ عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّ: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (١). وقد استدل جماعة من أهل العلم والنظر على جواز حبس من وجب عليه أداء الدين حتى يؤديه الى صاحبه، او تثبت عسرته بقوله وَله: ((مطل الغني ظلم)). وبقوله: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)). قالوا : ومن عقوبته الحبس، هذا اذا كان دينه بعوض حاصل بيده، الا ان أكثر أصحابنا لا يفرقون بين وجوب الدين عليه من أجل عوض أو غير عوض، لان الأصل عندهم اليسار حتى يثبت العدم ؛ وعند غيرهم الأصل في الناس العدم، لان الله لم يخرج خلقه الى الوجود الا فقراء، ثم تطرأ الاملاك عليهم بأسباب مختلفة، فمن ادعى ذلك فعليه البينة ؛ وأما من أقر بالعوض، فقد أقر باليسار؛ فان ادعى الفقر لم يقبل منه بغير بينة، ومطله ومدافعته ظلم؛ وأما اذا صح يساره وامتنع من أداء ما وجب عليه، فحبسه واجب، لأنه ظالم بإجماع؛ قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: (٤٢)]. وهذا حديث غريب لا يجيء إلاَّ بهذا الإسناد. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلا أتى النبي وَله يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه؛ فقال رسول الله وَلفر: دعوه، فان لصاحب الحق مقالا(٢). (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) تقدم تخريجه في باب "حسن القضاء". الحوالة والديون ٣٦٩, وأما قوله: واذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع، فمعناه الحوالة؛ يقول: واذا أحيل أحدكم على مليء فليتبعه، وهذا يبينه ويرفع الاشكال فيه. حديث يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَليقول : مطل الغني ظلم، واذا أحلت على مليء فاتبع. (١). وهذا عند أكثر الفقهاء ندب وارشاد لا ايجاب، وهو عند أهل الظاهر واجب؛ فقال ابن وهب : سألت مالكا عن تفسير حديث رسول الله ير: من أتبع على مليء فليتبع، قال مالك: هذا أمر ترغيب، وليس بالذي يلزمه السلطان الناس، وينبغي له أن يطيع رسول الله ميل . قال : وسألت مالكا عن الحول بالدين، فقال: انظر ما أقول لك: أحل بما قد حل من دينك فيما حل وفيما لم يحل، ولا تحل ما لم يحلل في شيء ولا فيما حل وفيما لم يحل. واختلف الفقهاء في معنى الحوالة، فجملة مذهب مالك وأصحابه فيها: أن من احتال بدين له على رجل على آخر، فقد بريء المحيل ولا يرجع اليه أبدا - أفلس أو مات، الا أن يغره من فلس، فإن غره انصرف عليه؛ وهذا اذا كان له عليه دين، فان لم يكن له عليه دين فهي حمالة، ويرجع اليه ابدا؛ فإن كان له عليه دين، فهي الحوالة؛ ولا يكون للمحتال ان يرجع على المحيل بوجه من الوجوه - توى المال أو لم يتو، الا ان يغره من فلس قد علمه؛ وهذا كله مذهب الشافعي واصحابه ايضا. قال ابن وهب عن مالك : اذا أحيل بدين عليه فقد بريء المحيل، ولا يرجع عليه بموت ولا إفلاس. (١) أخرجه: حم (٧١/٢)، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٣٤) وقال: ((رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا الحسن بن عرفة وهو ثقة)). وقد سبق في حديث الباب بلفظ: ((واذا أتبع .. )) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. فتح البر ٣٧٠ وقال ابن القاسم عنه: ان أحاله ولم يغره من فلس علمه من غريمه، فلا يرجع عليه اذا كان عليه دين له؛ فإن غره او لم يكن له عليه شيء، فإنه يرجع عليه اذا أحاله. وقال الشافعي: يبرأ المحيل بالحوالة، ولا يرجع عليه بموت ولا إفلاس. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يبرأ المحيل بالحوالة ولا يرجع عليه الا بعد التوى، والتوى عند أبي حنيفة : أن يموت المحال عليه مفلسا، أو يحلف ما له عليه من شيء، ولم يكن للمحيل بينة. وقال أبو يوسف ومحمد: هذا تواء، وافلاس المحال عليه أيضا تواء. وقال عثمان البتي: الحوالة لا تبريء المحيل الا ان يشترط البراءة، فان اشترط البراءة، بريء المحيل اذا أحاله على مليء؛ وان أحاله علي مفلس ولم يعلمه انه مفلس، فإنه يرجع عليه - وان ابرأه؛ وإن اعلمه انه مفلس وأبرأه، لم يرجع على المحيل. وقال ابن المبارك عن الثوري: اذا أحاله على رجل فأفلس، فليس له ان يرجع على الآخر الا بمحضرهما؛ وان مات وله ورثة ولم يترك شيئا، رجع - حضروا او لم يحضروا. وقال الليث في الحوالة: لا يرجع اذا أفلس المحتال عليه. وقال ابن أبي ليلى: يبرأ صاحب الاصل بالحوالة. وقال زفر والقاسم بن معن في الحوالة: له أن يأخذ كل واحد منهما بمنزلة الكفالة. قال أبو عمر: لما قال ◌َّ: واذا أحيل أحدكم، أو أتبع أحدكم على مليء فليتبع - دل على ان من غر غريمه من غير مليء، لم يكن له ان يتبعه، وكان له أن يرجع عليه بحقه، لانه لم يحله على مليء؛ واذا أحاله على مليء ثم لحقه بعد ذلك آفة الفلس، لم يكن له أن الحوالة والديون ٣٧١ يرجع؛ لانه قد فعل ما كان له فعله، ثم أتى من أمر الله غير ذلك؛ وقد كان صح انتقال ذمة المحيل الى ذمة المحتال عليه، فلا يفسخ ذلك ابدا؛ وما اعتراه بعد من الفلس، فمصيبته من المحتال، لانه لا ذمة له غير ذمة غريمه الذي احتال عليه وهذا بين - ان شاء الله . ومن حجة أبي حنيفة وأصحابه ان الملأ لما شرط في الحوالة، دل على ان زوال ذلك يوجب عود المال عليه؛ وشبهه بيع الذمة بالذمة في الحوالة، كابتياع عبد بعبد فاذا مات العبد قبل القبض، بطل البيع؛ قالوا: فكذلك موت المحتال عليه مفلسا، قالوا: وإفلاس المحتال عليه مثل إباق العبد من يد البائع فيكون للمشتري الخيار في فسخ البيع، وإن كان قد يرجى رجوعه وتسليمه، كذلك إفلاس المحتال عليه ؛ قال أبو عمر: أصح شيء في الحوالة من أقوال الفقهاء، ما ذهب اليه مالك والشافعي - والله أعلم. فهذا ما للعلماء في الحوالة من المعاني، والاصل فيها حديث هذا الباب؛ والحوالة أصل في نفسها، خارجة عن الدین بالدین، وعن بیع ذهب بذهب، أو ورق بورق - ولیس یدا بيد؛ كما ان العرايا أصل في نفسها خارج عن المزابنة، وكما ان القراض والمساقاة أصلان في أنفسهما، خارجان عن معنى الاجارات فقف على هذه الاصول تفقه - إن شاء الله، وليس هذا موضع ذكر الكفالة - والله الموفق للصواب. فتح البر ٣٧٢ أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره [٣] مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله وَ لي قال : أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء (١). قال أبو عمر: هكذا هو في جميع الموطآت التي رأينا، وكذلك رواه جميع الرواة عن مالك فيما علمنا، مرسلا، الا عبد الرزاق، فإنه رواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر عن أبي هريرة، عن النبي وَلار فاسنده، وقد اختلف في ذلك عن عبد الرزاق. حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن قاسم، قال حدثنا مالك بن عيسى، قال: حدثنا عبد الله بن بركة الصنعاني، قال حدثنا عبد الرزاق، قال حدثنا مالك ابن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: أيما رجل باع متاعا فأفلس المبتاع، ولم يقبض من الثمن شيئا، فان وجد البائع سلعته بعينها، فهو أحق بها، وان مات المشتري، فهو أسوة الغرماء(٢). (١) أخرجه مرسلا: د (٧٩١/٣-٣٥٢١٠٠٣٥١٩/٧٩٢)، وسيأتي تخريجه موصولا عن أبي هريرة من طرق مختلفة. (٢) أخرجه من طرق مختلفة عن أبي هريرة: حم (٣٨٥/٢-٤٦٨)، خ (٥/ ٢٤٠٢/٨٠)، م (١٥٥٩/١١٩٣/٣ [٢٥٠٠٢٢])، د (٣ / ٧٩٢-٣٥٢٢/٧٩٣-٣٥٢٣)، ت (١٢٦٢/٥٦٢/٣)، ن (٤٦٩٠/٣٥٧/٧)، جه (٢٣٥٩/٧٩٠/٢ - ٢٣٦٠)، هق (٤٦/٦)، قط (٢٩/٣-٣٠) و(٢٢٩/٤)، الدارمى (٢٦٢/٢)، ك (٢/ ٥٠) وصححه ووافقه الذهبي. عبد الرزاق (١٥١٥٨/٢٦٤/٨). الحوالة والديون ٣٧٣ - وكذلك رواه محمد بن علي، وإسحاق بن إبراهيم بن جوى الصنعانيان، عن عبد الرزاق عن مالك بهذا الاسناد، مسندا، عن أبي هريرة، عن النبي 98َّ ورواه محمد بن يوسف الحذامي وإسحاق بن إبراهيم البيري، عن عبد الرزاق عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن النبي بَّ مرسلا، كما في الموطأ، ليحيى، وغيره، ذكر الدارقطني أنه قد تابع عبد الرزاق على اسناده عن مالك، أحمد بن موسى وأحمد بن أبي طيبة وأنما هو في الموطأ مرسل. قال أبو عمر: واختلف أصحاب ابن شهاب عليه في هذا الحديث ايضا، نحو الاختلاف على مالك، فرواه صالح بن کیسان، ویونس بن یزید، ومعمر بن راشد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن النبي بَ ﴿ مرسلا كما في الموطأ، ورواه موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي بَّر مسندا، حدث به هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ايما رجل باع سلعة فوجدها بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قبض من ثمنها شيئا، فهي له، وان كان قبض من ثمنها شيئا، فهو أسوة الغرماء(١)) ذكره بقي بن مخلد ومحمد بن يحيى النيسابوري، وغيرهما عن هشام هکذا . (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ,٣٧٤ وإسماعيل بن عياش فيما روي عن أهل المدينة ليس بالقوي، ورواه الزبيدي واسمه محمد بن الوليد حمصي، يكنى أبا الهذيل، عن الزهري عن أبي بكر، عن أبي هريرة مسندا، كما رواه موسى ابن عقبة، حدث به عبد الله بن عبد الجبار الخبائري قال حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن الزبيدي، ذكره أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبائري قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن الزبيدي، فذكره وذكره ابن الجارود حدثنا محمد بن عوف، حدثنا عبد الله بن عبد الجبار، حدثنا إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلّر، قال: أيما رجل باع سلعة وأدرك سلعته بعينها عند رجل أفلس، ولم يقبض من ثمنها شيئا فهي له، وإن كان قضاه من ثمنها شيئا فهو أسوة الغرماء(١). فجمع إسماعيل بن عياش حديث موسى بن عقبة، وحديث الزبيدي جميعا، وانما ذكر أبو داود روايته عن الزبيدي لأنه من أهل بلده، وحديثه عنهم مقبول، عند أكثر أهل العلم بالحديث وحديثه عن غير أهل بلده فيه تخليط كثير، فهم لا يقبلونه، وفي رواية الزبيدي بعد قوله، فإن كان قضاه من ثمنها شيئا فما بقي فهو اسوة الغرماء، قال وأيما امريء هلك وعنده متاع امريء بعينه، اقتضى منه شيئا أو لم يقتض فهو اسوة الغرماء، قال: وقد روي هذا الحديث عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو خطأ، والله أعلم، وإنما يحفظ الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن لا عن أبي سلمة . (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. الحوالة والديون ٣٧٥ أخبرنا سعيد بن عثمان، حدثنا أحمد بن دحيم حدثنا أبو عروبة الحسين بن محمد الحراني، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا اليمان بن عدي قال : اخبرنا الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي مَلل: أيما رجل افلس وعنده مال امريء بعينه، اقتضى منه شيئا او لم يقتض منه شيئا، فهو اسوة الغرماء(١). قال أبو عمر: ليس هذا الحديث محفوظا من رواية أبي سلمة، وانما هو معروف لأبي بكر بن عبد الرحمن، وقد تكون رواية من اسنده عن ابن شهاب، عن أبي بكر، عن أبي هريرة صحيحة، لأن يحيى بن سعيد يروي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة عن النبي 18َّ في التفليس مثله، سواء الا أنه لم يذكر الموت، ولا حكمه وفي حديث ابن شهاب ان الغريم في الموت اسوة الغرماء، وان وجد ماله بعينه، وروى بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي و30َ مثله في التفليس، ولم يذكر حكم الموت والحديث محفوظ لأبي هريرة لا يرويه غيره فيما علمت. وحدثنا أبو عبد الله محمد بن رشيق، قال: حدثنا المغيرة بن عمر العدني بمكة قال : حدثنا أحمد بن زيد بن هارون، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر __ ٣٧٦ وَل* قال: اذا أفلس الرجل فوجد غريمه متاعه بعينه، فهو أحق به (١)، وروى أيوب وابن عيينة وابن جريج، عن عمرو بن دينار عن هشام بن يحيى، عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: اذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته بعينها، فهو أحق بها، دون الغرماء(١). وحديث التفليس هذا من رواية الحجازيين، والبصريين حديث صحيح. عند أهل النقل، ثابت وأجمع فقهاء الحجازيين وأهل الأثر على القول بجملته، وإن اختلفوا في أشياء من فروعه ودفعه من أهل العراق أبو حنيفة وأصحابه، وسائر الكوفيين، وردوه، وهو مما يعد عليهم من السنن التي ردوها بغير سنة، صاروا اليها، وادخلوا النظر حيث لا مدخل له فيه، ولا مدخل للنظر مع صحيح الأثر. وحجتهم أن السلعة ملك المشتري، وثمنها في ذمته، فغرماؤه أحق بها كسائر ماله، وهذا ما لا يخفى على أحد، لولا أن صاحب الشريعة جعل لصاحب السلعة إذا وجدها بعينها أخذها. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: (٣٦)]. ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: (٦٥)]. واختلف مالك والشافعي في المفلس يأبى غرماؤه دفع السلعة الى صاحبها، وقد وجدها بعينها ويريدون دفع الثمن اليه، من قبل انفسهم لما لهم في قبض السلعة من الفضل، فقال مالك : ذلك لهم وليس لصاحب السلعة أخذها اذا دفع اليه الغرماء الثمن. - - (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. الحوالة والديون ٣٧٧ وقال الشافعي: ليس للغرماء في هذا مقال، قال: واذا لم يكن للمفلس ولا لورثته أخذ السلعة، لأن رسول الله وَل جعل صاحبها أحق بها منهم، فالغرماء أبعد من ذلك، وانما الخيار لصاحب السلعة ان شاء اخذها وان شاء تركها وضرب مع الغرماء بثمنها. وبهذا قال أبو ثور وأحمد بن حنبل وجماعة. واختلف مالك والشافعي أيضا اذا اقتضى صاحب السلعة من ثمنها شيئا، فقال ابن وهب وغيره عن مالك ان أحب صاحب السلعة أن يرد ما قبض من الثمن، ويقبض سلعته، كان ذلك له، وان أحب ان یحاص الغرماء کان ذلك له. وقال اشهب سئل مالك عن رجل باع من رجل عبدين بمائة دينار، وانتقد من ذلك خمسين، وبقيت على الغريم خمسون، ثم أفلس غريمه فوجد عنده بائع العبدين منه أحد عبديه بعينه، وفات الآخر فأراد أخذه بالخمسين التي بقيت له على غريمه، وقال: الخمسون التي أخذت ثمن العبد الذاهب، وقال الغرماء: بل الخمسون التي اخذت ثمن هذا فقال مالك: ان كانت قيمة العبدین سواء رد نصف ما اقتضى، وهو خمسة وعشرون دينارا، وأخذ العبد، وذلك أنه انما اقتضى من ثمن كل عبد خمسة وعشرون دينارا، فليس عليه أن يرد الا ما اقتضى، قال: ولو كان باعه عبدا واحدا بمائة دينار فاقتضى من ثمنه خمسين دينارا، رد الخمسين ان احب، واخذ العبد، وكذلك العمل في روايا الزيت وغيرها على هذا القياس. وقال الشافعي: لو كانت السعلة عبدا فأخذ نصف ثمنه، ثم أفلس الغريم، كان له نصف العبد، لأنه بعينه، وبيع النصف الثاني فتح البر ٣٧٨ الذي بقي للغريم لغرمائه، ولا يرد شيئا مما أخذ، لأنه مستوف لما أخذ ولو زعمت انه يرد شيئا مما أخذ، جعلت له أن يرد الثمن كله، لو أخذه ويأخذ سلعته، ومن قال هذا فقد خالف السنة والقياس، وقال في المسألة التي ذكرناها عن أشهب، عن مالك أن صاحب العبد أحق به من الغرماء، اذا كانت قيمة العبدين سواء، من قبل أنه وجد عين ماله بعينه عند معدم، والذي قبض من الثمن إنما هو بدل لما فات، إذا كانت القيمة سواء، ثم يأخذ عين ماله لأنه لم يقبض منه شيئا. وقال جماعة من العلماء: إذا اقتضى من ثمنها شيئا، فهو أسوة الغرماء، وسواء كانت السلعة شيئا واحدا أو أشياء كثيرة. وبهذا قال أحمد بن حنبل وحجته ما ذكر في الحديث المذكور في هذا الباب قوله فلم يقبض البائع من ثمنها شيئا فهو اسوة الغرماء فجعل شرط كونه احق بها اذا لم يقبض من ثمنها شيئا فوجب ان يكون حكمه اذا قبض من ثمنها شيئا بخلاف ذلك، ومسائل التفليس كثيرة، وفروعها جمة، نحو تغير السلعة عنده بزيادة أو نقصان، أو ولادة الحيوان، أوخلطها بغيرها، أو اختلاف سوقها، وليس يصلح بنا في هذا الموضع ذكرها، واختلف مالك والشافعي أيضا في المفلس يموت قبل الحكم عليه وقبل توقيفه فقال مالك، ليس حكم الفلس كحكم الموت، وبائع السلعة اذا وجدها بعينها، أسوة الغرماء في الموت، بخلاف الفلس، وبهذا قال أحمد بن حنبل وحجة من قال بهذا القول، حديث ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن المذكور، في هذا الباب وفيه النص على الفرق بين الموت والفلس، وهو قاطع لموضع الخلاف ومن جهة القياس بينهما فرق آخر، وذلك ان المفلس يمكن أن تطرأ له ذمة، وليس الميت كذلك، وقال الشافعي: الموت الحوالة والديون ٣٧٩ والفلس سواء، وصاحب السلعة أحق بها اذا وجدها بعينها في الوجهين جميعا، وحجة من قال بهذا القول ما رواه ابن أبي ذئب عن أبي المعتمر عن عمرو بن رافع عن عمر ابن خلدة الزرقي، قال: اتينا أبا هريرة في صاحب لنا افلس، فقال أبو هريرة : قضى رسول الله وَ* (أيما رجل مات أوافلس فصاحب المتاع احق بمتاعه، إذا وجده بعينه (١)) فجعل الشافعي ذكر الموت زيادة مقبولة في حديث أبي هريرة وغيره لا يقبلها، لأن حديث ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن ذكر حكم الموت في ذلك بخلاف الفلس، وزعم الشافعي ان حديث ابن أبي ذئب هذا متصل وذلك مرسل، والمتصل أولى، وزعم غيره أن أبا المعتمر المذكور في هذا الحديث ليس بمعروف بحمل العلم والله أعلم. وروی حديث ابن أبي ذئب عنه جماعة منهم ابن أبي فديك وغيره. (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ٣٨٠, باب منه [٤] مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه، فهو أحق به من غيره(١)». قال أبو عمر: هذا حديث متفق على صحة إسناده، وقد مضى القول في معناه مجودا ممهدا في باب ابن شهاب عن أبي بكر بن عبدالرحمن من هذا الكتاب. (١) أخرجه من طرق مختلفة عن أبي هريرة: حم (٣٨٥/٢-٤٦٨)، خ (٥/ ٢٤٠٢/٨٠)، م (١٥٥٩/١١٩٣/٣ [٢٥٠٠٢٢])، د (٧٩٢/٣-٣٥٢٢/٧٩٣-٣٥٢٣)، ت (١٢٦٢/٥٦٢/٣)، ن (٣٥٧/٧/ ٤٦٩٠)، جه (٢ / ٢٣٥٩/٧٩٠ - ٢٣٦٠)، هق (٤٦/٦)، قط (٢٩/٣ -٣٠) و(٢٢٩/٤)، الدارمى (٢٦٢/٢)، ك (٢/ ٥٠) وصححه ووافقه الذهبي. عبد الرزاق (١٥١٥٨/٢٦٤/٨).