Indexed OCR Text
Pages 301-320
البيوع ٣٠١ وقال أبو ثور في اختلاف المتبايعين في الثمن: القول أبدا قول المشتري، وسواء كانت السلعة قائمة بيد البائع، او بيد المشتري، او فاتت عند البائع او عند المشتري، القول ابدا في ذلك كله قول المشتري مع يمينه، وضعف أبو ثور الحديث في هذا الباب، ولم يوجب به حكما، ولكل واحد منهم حجج من جهة النظر تكاد تتوازى، واما أبو ثور، فلم يقل بشيء من معنى حديث هذا الباب، وشذ في ذلك الى قياس يعارضه قياس مثله لخصمه- والله المستعان. فمن حجة أبي ثور: ان البائع مقر بزوال ملكه عن السلعة مصدق للمشتري في زوالها عن ملكه، وهو مدع عليه من الثمن مالا يقر له به المشتري ، ولا بينة معه، فصار القول قول المشتري مع يمينه على كل حال. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: القياس في المتبايعين اذا اختلفا: فادعى البائع الفا وخمسمائة، وادعى المشتري الفا ان يكون القول قول المشتري، ولا يتحالفان ولا يترادان، لانهما قد أجمعا على ملك المشتري السلعة المبيعة، واختلفا في ملك البائع على المشتري من الثمن ما لا يقر به المشتري، فهما كرجلين ادعى أحدهما على الآخر الف درهم وخمسمائة درهم، واقر هو بألف درهم، فالقول قوله، الا انا تركنا القياس للأثر في حال قيام السلعة، فاذا فاتت السلعة عاد القياس. قال أبو عمر: هذا القياس الذي ذكره أبو حنيفة، امتثله كل من ذهب في هذا الباب مذهبه من أصحابه ومن المالكيين وغيرهم، قال أبو محمد ابن فتح البر ٣٠٢٠ أبي زيد: ظاهر قوله في الحديث: او يترادان الاشارة الى رد الأعيان، فاذا ذهبت الاعيان، خرج من ظاهر الحديث، لان ما فات بيد المبتاع لا سبیل الی رده، وصار المبتاع مقرا بثمن يدعی علیه اکثر منه، فدخل في باب الحديث الآخر: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه(١). قال أبو عمر: من حجة الشافعي، وأشهب ، وعبيد الله بن الحسن، ومن ذهب مذهبهم في هذا الباب، وجعل المتبايعين اذا اختلفا في الثمن يتحالفان ويترادان ابدا: انه يقول ان البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه الا بصفة ما لا يصدقه عليها المبتاع، وكذلك المشتري لم يقر بانتقال الملك اليه الا بصفة ما لا يصدقه عليها البائع، والاصل ان السلعة للبائع فلا تخرج من ملكه الا بيقين من إقرار أو بينة، وإقراره منوط بصفة لا سبيل الى دفعها لعدم بينة المشتري بدعواه، فحصل كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، ووردت السنة بأن يبدأ البائع باليمين، وذلك والله أعلم لان الاصل ان السلعة له، فلا يعطاها احد بدعواه، فاذا حلف، خير المبتاع في اخذها بما حلف البائع عليه - ان شاء، والا حلف انه ما ابتاع الا بما ذكر، ثم يفسخ البيع بينهما، وبهذا المعنى وردت السنة مجملة، لم تخص كون السلعة بيد واحد دون آخر، ومعلوم ان التراد إذا وجب بالتحالف - والسلعة حاضرة - وجب بعد هلاكها، لان القيمة تقوم مقامها، كما تقوم في كل ما فات مقامه، ومن ادعى في (١) خ (٢٥١٤/١٨١/٥)، م (١٣٣٦/٣/ ١٧١١[١- ٢])، د (٤ / ٣٦١٩/٤٠)، ت (١٣٤٢/٦٢٦/٣)، ن (٨/ ٥٤٤٠/٦٤٠) وفى الكبرى (٦/٥٠٠/٣)، جه (٢٣٢١/٧٧٨/٢) كلهم من طريق أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنها. البيوع ٣٠٣ شيء من ذلك خصوصا، فقد ادعى ما لا يقوم من ظاهر الحديث ولا معناه. قالوا: وليس اختلاف المتبايعين من باب البينة على المدعي واليمين على من أنكر في شيء، لان ذلك حكم ورد به الشرع في مدع لا يدعى عليه، وفي مدعى عليه لا يدعي، وورد الشرع في المدعي والمدعى عليه، بغير ذلك، وكل اصل في نفسه يجب امتثاله، ولكل واحد منهم حجج يطول ذكرها ومدارها على ما ذكرنا. وقال ابن القاسم: اذا اختلف المتبايعان في قلة الثمن وكثرته، والسلعة بيد المبتاع لم تفت ولم تتغير في بدن او سوق، أو لم يكن قبضها، احلف البائع اولا على ما ذكر: انه ما باعها الا بكذا، فان حلف، خير المبتاع في اخذها بذلك، او يحلف ما ابتاع الا بكذا ثم يردا الا ان يرضى قبل الفسخ - اخذها بما قال البائع، قال سحنون: بل بتمام التحالف ينفسخ البيع، ورواه سحنون عن شريح، قال شريح: اذا اختلف المتبايعان- ولا بينة بينهما انهما ان حلفا ترادا، وان نكلا ترادا، وان حلف احدهما ونكل الآخر ترك البيع - يريد على قول الحالف . وروى ابن المواز عن ابن القاسم مثل قول شريح. وقال ابن حبيب: اذا استحلفا فسخ، وان نكلا، كان القول قول البائع- وذكره عن مالك، وقال ابن القاسم: ان قبضها المبتاع ثم فاتت بیده بنماء او نقصان، او تغیر سوق، او بیع، او کتابة، او عتق، او هبة، اوهلاك، او تقطيع في الثياب، فالقول قول المبتاع مع يمينه، وكذلك لو كانت دارا فبناها، او طال الزمان، او تغيرت المساكن. وأما الشافعي فليس يجعل شيئا من هذا كله فوتا في معنى من المعاني، وفي هذه المسألة عنده يتحالفان اذا فاتت السلعة وتقوم القيمة مقامها- وهو قول أشهب. فتح البر ٣٠٤ ومن أصل مذهب مالك وأصحابه في هذه المسألة: ان من جاء منهما بما لا يشبه، كان القول قول الآخر، وانما يحلف من ادعى ما يشبه، ولو اختلف المتبايعان في الاجل: فقال البائع: حال، وقال المشتري: الى شهر- فان لم يتقابضا، تحالفا وترادا، وان قبض المشتري السلعة، فالقول قوله مع يمينه- على رواية ابن وهب. وروى ابن القاسم انهما يتحالفان ان كانت السلعة قائمة عند البائع او عند المشتري، وان فاتت فالقول قول المشتري مع يمينه، الا ان يكون للناس عرف وعادة في تلك السلعة في شرائها بالنقد والاجل، فلا يكون لواحد منهما قوله، ويحملان على عرف الناس في تلك السلعة، ويكون القول قول من ادعى العرف، هذا كله مذهب مالك، والليث بن سعد. وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن: الاختلاف في الاجل كالاختلاف في الثمن، والقول في ذلك واحد. وقال أبو حنيفة: اذا قال البائع هو حال، وقال المشتري: الى شھر، فالقول قول البائع مع یمینه، وکذلك اذا قال البائع: الی شھر، وقال المشتري: الى شهرين- وهو قول الثوري. قال أبو عمر: في هذه المسألة قول آخر غير ما ذكرنا عن هؤلاء ذكره المروزي، قال: قال بعض أصحابنا : ان كان المشتري هو المستهلك للسلعة، تحالفا ورد القيمة، وان كانت السلعة هلكت من غير فعل المشتري تحالفا، فان حلفا لم يكن على المشتري رد قيمة ولا غيرها، لانه لم يكن متعديا على السلعة ولا جانيا، ولا يضمن الا جان او متعد، قال المروزي- وهذا القياس. ٦٤ - كتاب الشروط E الشروط ٣٠٧ من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع [١] مالك عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله و القر قال: من باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع، الا ان يشترط المبتاع(١). قال أبو عمر: لم يختلف عن نافع في رفع هذا الحديث، الى النبي ◌َّل، واختلف نافع، وسالم، في رفع من باع عبدا وله مال، فماله للبائع الا ان يشترط المبتاع(٢)، وهو احد الاحاديث الثلاثة التي رفعها سالم، وخالفه فيها نافع، عن ابن عمر، قال علي بن المديني: والقول فيها قول سالم، وقد توبع سالم على ذلك. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال : حدثنا محمد ابن عثمان بن ثابت الصيدلاني ببغداد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا علي بن المديني، قال: خالف سالما نافع في ثلاثة أحاديث رفعها سالم، وروى نافع منها اثنين عن ابن عمر، عن عمر، والثالث عن ابن عمر، عن كعب. احدها من باع عبدا وله مال: الحديث رواه سالم، عن ابن عمر، عن النبي بِّر، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله، كذلك رواه مالك، وعبيد الله بن عمر، ورواه أيوب ، عن نافع، عن ابن عمر لم يتجاوزه(٢). وقد روي عن أيوب، كما رواه مالك سواء. والثاني والناس كابل مائة لا تكاد تجد (١) حم (٦٣/٢)، خ (٢٢٠٣/٥٠٥/٤-٢٢٠٤)، م (٣/ ١١٧٢ / ٧٧)، جه (٧٤٥/٢/ ٢٢١٠) من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) خ (٢٣٧٩/٦٣/٥). فتح البر ٣٠٨, فيها راحلة رواه سالم، عن ابن عمر عن النبي (مل﴾ (١)، كذلك روى الزهري هذا الحديث والذي قبله عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي وَل﴾، ورواه ابن عجلان، وغيره عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: الناس كإبل مائة لا توجد فيها راحلة (١). والثالث حدیث یحیی ابن أبي كثير: قال حدثني أبو قلابة، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّصل* ، في قصة النار انها تخرج فتحشر الناس (٢)، ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب، قال: تخرج نار .. الحديث(٢). قال أبو عمر: قد روي حديث من باع عبدا وله مال فماله للبائع الحديث عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي بَّر، ولا يصح ذلك عند أهل العلم بالحديث، وانما هو لنافع، عن ابن عمر، عن عمر، قوله، كذلك رواه الحفاظ من أصحاب نافع، منهم مالك، وعبيد الله بن عمر . حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: من باع نخلا قد أبرها فان ثمرها للذي باعها الا ان يشترط المشتري. قال: وقال عمر: من باع عبدا وله مال فماله للبائع الا ان يشترط المشتري(٣). وكذلك رواه ابن نمير، وعبدة ابن سليمان، عن عبيد الله بن عمر الحديثين: قصة النخل مرفوعة وقصة العبد من قول عمر. (١) م (٤/ ١٩٧٣/ ٢٥٤٧)، ت (١٤١/٥/ ٢٨٧٢)، (٢) ت (٢٢١٧/٤٣١/٤) وقال: وهذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن عمر. (٣) حم (٥٤/٢-١٠٢)، م (٣/ ١١٧٢ / ١٥٤٣[٧٨]) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. الشروط ٣٠٩ - حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، والحسين بن جعفر ، قالا: حدثنا يوسف بن يزيد، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي بَّر، قال: ايما امرئ أبر نخلا ، ثم باع أصلها، فللذي ابر ثمر النخل الا ان يشترط المبتاع(١). وحدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن بكر ابن عبد الرزاق قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي بَّرِ، قال: من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، الا ان يشترط المبتاع(٢)، وكذلك رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر في قصة النخل وقصة العبد جميعا مرفوعا كما روى ذلك سالم، سواء ، وهو الصواب والله أعلم. وقرأت على سعيد بن نصر، أن قاسم بن أصبغ، حدثهم قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه، عن النبي بَّر قال: من باع نخلا بعد ان تؤبر فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع ومن باع عبدا وله مال، فالمال للبائع الا أن يشترط المبتاع(٣). (١) خ (٢٢٠٦/٥٠٨/٤)، م (١٥٤٣/١١٧٣/٣[٧٩])، ن (٧/ ٤٦٤٩/٣٤٢)، جه (٧٤٥/٢/ ٢٢١٠) من طريق الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) حم (٩/٢) ومن طريقه أخرجه: د (٧١٣/٣-٣٤٣٣/٧١٥)، عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه وعندهما قصة النخل أيضا. (٣) ابن أبي شيبة (١/٣٠٢/٥) ومن طريقه أخرجه: م (١٥٤٣/١١٧٣/٣[٨٠]) ومن طرق أخرى أخرجه: حم (٩/٢)، م (١١٧٣/٣/ ١٥٤٣[٨٠])، د (٧١٣/٣ -٧١٥/ ٣٤٣٣)، ن (٤٦٥٠/٣٤٢/٧)، جه (٧٤٥/٢-٢٨١١/٧٤٦) عن سفيان، عن ابن شهاب، عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما. فتح البر ٣١٠ وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، ان قاسم بن أصبغ حدثهم، قال: حدثنا محمد بن الجهم، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سئل سعيد عن الرجل يبيع النخل او المملوك، فأخبرنا عن نافع، عن ابن عمر، ان النبي بَّه، قال: أيما رجل باع عبدا وله مال، فماله للبائع الا ان يشترط المبتاع(١). قال أبو عمر: هكذا يقول جماعة الحفاظ في حديث ابن عمر هذا في قصة النخل، وفي قصة العبد أيضا يشترط بلا هاء لا يقولون يشترطها في النخل، ولا يشترطه في العبد، ومعلوم ان الهاء لو وردت في هذين الحديثين لكانت ضميرا في يشترطها عائدا على ثمرة النخل، وفي يشترطه ضميرا عائدا على مال العبد، فكأنه قال: الا ان يشترط المبتاع شيئا من ذلك، وفي سقوط الهاء من ذلك دليل على صحة ما ذهب اليه أشهب في قوله: جائز لمن ابتاع نخلا قد ابرت ان يشترط من الثمرة نصفها او جزءا منها وكذلك في مال العبد جائز ان يشترط نصفه او يشترط منه ما شاء، لان ما جاز اشتراط جميعه، جاز اشتراط بعضه، وما لم يدخل الربا في جميعه فأحرى ان لا يدخل في بعضه. هذا قول جمهور الفقهاء في ذلك ، وكل على أصله ما سنوضحه إن شاء الله . وقال ابن القاسم: لا يجوز لمبتاع النخل المؤبر ان يشترط منها جزءا وإنما له ان يشترط جميعها، او لا يشترط شيئا منها. وجملة قول مالك ومذهب ابن القاسم فيمن باع حائطا من أصله، وفيه ثمرة تؤبر فثمره للمشتري، وإن لم يشترطه، وإن كانت الثمرة قد ابرت فثمره للبائع الا ان يشترطه المبتاع، فان لم يشترطه المبتاع ثم اراد شراء الثمر (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. الشروط ٣١١ = قبل بدو صلاحه من بعد شراء الأصل بلا ثمره، فجائز له ذلك خاصة، لانه كان يجوز شراؤها مع الأصل قبل بدو صلاحها، ولا يجوز ذلك لغيره. وقال ابن المواز: اختلف قول مالك في شراء الثمرة بعد شراء الأصول وقد ابرت الثمرة، فقال: لا يجوز، قرب ذلك او بعد، وكذلك مال العبد، وقد قال فيهما أيضا: ان ذلك جائز. قال والذي اخذ به ابن عبد الحكم، والمغيرة، وابن دينار، انه لا يجوز فيهما الا ان تكون مع الاصول ومع العبد في صفقة واحدة. وقد روى أشهب عن مالك القولين جميعا. ولا خلاف عن مالك وأصحابه في مشهور المذهب ان الثمرة اذا اشترطها مشتري الاصل او اشتراها بعد، انها لا حصة لها من الثمن. ولو اجيحت كلها كانت من المشتري. ولا يكون شيء من جائحتها على البائع وكذلك كل ما جاز استثناؤه في الشراء والكراء من الثمار، لا جائحة فيه، وانما تكون الجائحة فيما بيع منفردا من الثمار دون اصل. هذا تحصيل المذهب وكل رهن فيه ثمرة قد ابرت فهي رهن عند مالك وأصحابه مع الرقاب، وان كانت لم تؤبر فهي للراهن. وأما الشافعي رحمه الله، فقوله في بيع النخل بعد الابار وقبله كقول مالك سواء، الا انه لا يجيز للمبتاع ان يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها، اذا لم يشترطها في حين شرائه النخل، ولم يفرق بينه وبين غيره؛ لعموم نهي رسول الله وَّر ، عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها(١) . وأما أبو حنيفة وأصحابه فانهم ردوا ظاهر هذه السنة ودليلها بتأويلهم، وردها ابن أبي ليلى ردا مجردا جهلا بها والله أعلم. (١) سبق تخريجه في باب: " ما جاء من النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها". فتح البر ٣١٢ وسنذكر اقوالهم. وظاهر مذهب مالك واصحابه القول بهذا الحديث جملة، ولا يردونه. ويستعملونه فيمن باع نخلا قد أبرت ان ثمرها للبائع، الا ان يشترطها المبتاع. قالوا: واذا لم تؤبر الثمرة فقد جعلها النبي وَّر، للمبتاع، فان اشترطها البائع لم تجز، وكأن المبتاع باعها قبل بدو صلاحها، ومن باع عندهم ارضا فيها زرع لم يبد صلاحه فهو للبائع حتى يشترطه المبتاع، كمأبور النخل. وما لم يظهر من الزرع في الارض فهو للمبتاع بغير شرط، كما لم يؤبر من الثمر، ولا بأس عندهم ببيع الارض بزرعها وهو اخضر، كبيع الأصول بثمرها قبل بدو صلاحها، لان الثمر والزرع تبع لاصله. واذا ابر اكثر الحائط عندهم فهو للبائع حتى يشترطه المبتاع، وان كان المؤبر أقله فهو كله للمبتاع واضطربوا اذا ابر نصفه، والاظهر من المذهب انه للمبتاع الا ان يكون النصف مفرزا فیکون للبائع حينئذ والا فهو للمبتاع ومن ابتاع ارضا عندهم ولم يذكر شجرها فهي داخلة في البيع كبناء الدار، وكذلك في صدقتها، واما الزرع فهو للبائع حتى يشترطه المبتاع. هذا كله تحصيل مذهب مالك وأصحابه. واما الشافعي فأخبرنا أحمد بن محمد قال: حدثنا أحمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، عن الشافعي، قال في حديث النبي ◌َّهو: من باع نخلا بعد ان تؤبر فثمرها للبائع الا ان يشترطها المبتاع (١) فائدتان: احداهما لا يشكل لأن الحائط اذا بيع وقد أبر نخله ان الثمرة للبائع الا ان يشترطها المبتاع، فتكون مما وقعت عليه صفقة البيع، ويكون له حصة من الثمن، والثانية ان الحائط اذا بيع ولم تؤبر نخله فثمره للمشتري، لأن رسول (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. الشروط. ٣١٣ الله له إذ حد فقال: اذا ابر فثمره للبائع، فقد اخبر ان حكمه اذا لم يؤبر غير حكمه اذا ابر، فمن باع حائطا لم يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط، استدلالا بالسنة، وهو قول الليث بن سعد، وداود بن علي، وأحمد بن حنبل، والطبري. وقال الشافعي: وكل حائط فله حكم نفسه، لا حكم غيره، فمن باع حائطا لم يؤبر فثمره للمشتري، وان ابر غيره، ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها في حائط بعينه لم يجز وان بدا الصلاح في مثلها في غيره لان كل حائط حكمه بنفسه لا بغيره. وقال أبو حنيفة ، وأصحابه، والاوزاعي: من باع نخلا فثمرها للبائع ، الا ان يشترط المبتاع، وسواء أبرت او لم تؤبر، هي للبائع ابدا، الا ان يشترطها المبتاع. وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري اشترطها او لم يشترطها كعسف النخل. قال أبو عمر: اما الكوفيون والأوزاعي فلا يفرقون بين المؤبر وغيره، ويجعلون الثمرة للبائع اذا كانت قد ظهرت قبل البيع ومن حجتهم انه لم يختلف قول من شرط التأبير انها لو لم تؤبر حتى تناهت وصارت بلحا أو بسرا ثم بيع النخل ان الثمرة لا تدخل فيه، قالوا: فعلمنا ان المعنى في ذكر التأبير ظهور الثمرة. قال أبو عمر: الابار عند أهل العلم في النخل التلقيح، وهو ان يؤخذ شيء من طلع النخل فيدخل بين ظهراني طلع الاناث. ومعنى ذلك في سائر الثمار ظهور الثمرة من التين وغيره، حتى تكون الثمرة مرئية منظور اليها والمعتبر به عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكر ان يثبت من نواره ما يثبت، ويسقط ما فتح البر ٣١٤ يسقط. وحد ذلك في الزرع ظهوره من الارض قاله مالك، وقد روي عنه ان اباره ان يتحبب. قال أبو عمر : لم يختلف العلماء ان الحائط اذا انشق طلع اناثه فأخر اباره وقد أبر غيره، ممن حاله مثل حاله، ان حكمه حكم ما ابر، لانه قد جاء عليه وقت الابار وظهرت ثمرته بعد تغيبها في الجف. فان ابر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعا له كما ان الحائط اذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه. وأصل الابار ان يكون في شيء منه الابار، فيقع عليه اسم انه قد ابر، كما لو بدا صلاح شيء منه. وهذا كله قول الشافعي وغيره من الفقهاء. قال الشافعي: والكرسف اذا بيع أصله كالنخل اذا خرج جوزه، ولم يتشقق فهو للمشتري، واذا شقق فهو للبائع مثل الطلع قبل الابار وبعده. قال: ومن باع ارضا فيها زرع وقد خرج من الارض فالزرع للبائع الا ان يشترطه المبتاع. قال أبو عمر: وهو قول مالك وأصحابه اذا ظهر الزرع واستقل، فان لم يظهر الزرع ولم يخرج، ولم يستقل، لم يجز لمبتاع الارض استثناؤه واشتراطه قول الشافعي ومالك في ذلك سواء. قال الشافعي: فإن لم يشترط المبتاع الزرع كان للبائع، فان كان الزرع مما يبقى له اصول في الأرض يفسدها، فعلى صاحب الزرع نزعها عن رب الارض ان شاء رب الارض، قال: وهذا اذا باعه أرضا فيها زرع يحصد مرة واحدة، واما القصب فمن باع ارضا فيها قصب قد خرج من الأرض، فليس له منه إلا جزة واحدة وليس له قلعه من أصله لانه اصل. قال: وكلما يجز مرارا من الزرع فمثل القصب، في الاصل والثمرة لا يخالفه. الشروط ٣١٥, قال أبو عمر: أما أصحاب مالك فانهم يجيزون بيع القصب والموز من عام، الى عام، اذا بدا صلاح اوله، واما القرط فيباع عندهم اذا بدا صلاح اوله على آخره، وكذلك قصب السكر، ويكون للمشتري من القرط اعلاه واسفله، ولا يجوز ان يشترط ابقاء خلفته برسما. وتحصيل مذهب مالك فيمن حبس حائطا له بعد موته او تصدق به، او اوصى ثم مات، وقد ابرت ثمرة الحائط، فان الثمرة للورثة، لانها كالولادة. فان مات قبل ان تؤبر فالثمرة تبع للحبس والصدقة والوصية، وكذلك الشفعة فيما قد ابر، الثمرة للمستشفع منه، لانه كبيع حادث وان لم تؤبر فالثمرة للآخذ بالشفعة، وفي هذه المسائل اختلاف بين اصحاب مالك يطول اجتلاب ذلك. قال أبو عمر: قد ذكرنا ما للفقهاء في بيع النخل المؤبر، وغير المؤبر، واختلافهم في معنى هذا الحديث، والقول به، وتصريف وجوهه. واما مال العبد فليس اختلافهم فيه من جنس اختلافهم في اشتراط ثمرة النخل يباع اصله. ولكنا نذكر ما لهم في ذلك من القول ها هنا. فهو اولى المواضع به من كتابنا هذا؛ لان نافعا جعل الحديث في مال العبد من قول عمر، فلذلك لا مدخل له في مسند هذا الباب وبالله توفيقنا. قال مالك رحمه الله: الأمر المجتمع عليه عندنا ان المبتاع اذا اشترط مال العبد فهو له، نقدا كان، او دينا، او عرضا، يعلم او لا یعلم، وان کان للعبد من المال اکثر مما اشتری به. كان ثمنه نقدا، او دينا، او عرضا، وذلك ان مال العبد لا تجب فيه الزكاة. فتح البر -٣١٦ قال ابن القاسم: ويجوز لمبتاع العبد ان يشترط ماله، وان كان مجهولا، من عين او عرض بما شاء من ثمن، نقدا، او الى اجل. قال أبو عمر: هذا ما لا أعلم فيه خلافا عن مالك وأصحابه انه يجوز ان يشتري العبد وماله بدراهم الی اجل، وان کان ماله دراهم، أو دنانير، او عروضا، وان ماله كله تبع كاللغو لا يعتبر اذا اشترط ما يعتبر في الصفقة المفردة. وكان الشافعي يقول ببغداد نحو قول مالك هذا، وذكر الحسن ابن محمد الزعفراني، عن الشافعي في الكتاب البغدادي انه قال: اشتراط مال العبد جائز بالخبر عن رسول الله وَلفر، وقال: حكمه حكم طرق الدار ومسائل مائها، فيجوز البيع اذا كان انما قصد به البيع للعبد خاصة، ويكون المال تبعا في المعنى ليس معناه عبدين قصد قصدهما بالبيع، وهو قول أبي ثور أيضا. قال الشافعي: فان قيل كيف يجوز ان يملك بالعقد ما لو قصد قصده على الانفراد لم يجز، فقد اجازوا بيع الطرق، والمسابل والآبار، وما سمينا مع الدار ولو قصد قصدهما على الانفراد لم يجزه، وقول عثمان البتي مثل ذلك أيضا، قال اذا باع عبدا وله مال، ألف درهم، فباعه بألف درهم، فالبيع جائز ان كانت رغبة المبتاع في العبد لا في الدراهم التي له. وقال الشافعي بمصر في كتابه المصري، ذكره عنه الربيع، والمزني، والبويطي وغيرهم: لا يجوز اشتراط مال العبد اذا كان له مال فضة فاشتراه بفضة، او ذهب فاشتراه بذهب، الا ان يكون ماله خلاف الثمن او يكون عروضا كما يكون في سائر البيوع: الصرف وغيره، والمال والعبد شيئا بيعا صفقة واحدة. وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وبيع العبد وماله عندهم كمن باع شيئا لا يجوز في ذلك الشروط ٣١٧ الا ما يجوز في سائر البيوع، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه، بيع العبد بألف درهم، وله الف درهم، حتى يكون مع الالف زيادة، ويكون الالف بالالف وتكون الزيادة ثمنا للعبد على أصلهم في الصرف وبيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، اذا كان مع أحدهما عرض، وحجة من قال هذا القول، وذهب هذا المذهب، ان النبي وَله، لم يجعل مال العبد للمبتاع، الا بالشرط، فكان ذلك عندهم كبيع دابة ومال غيرها. والعبد عند الشافعي في قوله بمصر، وعند أبي حنيفة وأصحابه. ولا يملك شيئا ولا يجوز له التسري فيما بيده اذن له مولاه أو لم يأذن، لانه لا يصح له ملك يمين ما دام مملوكا، لانه يستحيل ان يكون مالكا مملوكا في حال. وقال مالك وأصحابه: يملك ماله كما يملك عصمة نكاحه. وجائز له التسري فيما ملك، وحجتهم قول رسول الله وَّهور، من باع عبداً وله مال، فأضاف المال إليه (١)، وقال الله عز وجل: ﴿فَأَنْكِحُوُهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أَجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: (٢٥)]. فأضاف اجورهن اليهن اضافة تمليك، وهذا كله قول داود أيضا وأصحابه، الا ان داود يجعله مالكا ملكا صحيحا، ويوجب عليه زكاة الفطر، والزكاة في ماله. ومن الحجة لمالك أيضا ان عبد الله بن عمر كان يأذن لعبيده في التسري فيما بأيديهم، ولا مخالف له من الصحابة، ومحال ان يتسرى فيما لا يملك، لان الله لم يبح الوطء الا في نكاح او ملك يمين، وجعل الشافعي، والعراقيون ومن قال بقولهم اضافة رسول الله ، مال العبد الى العبد كإضافة ثمر النخل الى النخل، وكإضافة باب الدار الى الدار، بدليل قوله: فماله للبائع أي فماله للبائع حقيقة. قالوا: (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ٣١٨ - والعرب تقول: هذا سرج الدابة، وغنم الراعي، ولا توجب هذه الاضافة تملیکا، فكذلك اضافة مال العبد اليه عندهم. ومن الحجة أيضا الاجماع على ان للسيد انتزاع مال عبده من يده، فلو كان ملكا صحيحا لم ينتزع منه، واجماعهم على ان ماله لا یورث عنه، وأنه لسيده. والحجة لكلا القولين تكثر وتطول، وقد اكثر القوم فيها وطولوا، وفيما ذكرنا ولوحنا وأشرنا اليه كفاية. ولا يجيز هؤلاء للعبد ان يتسرى، ولايحل له عندهم وطء فرج إلا بنكاح صحيح. وقال الحسن والشعبي: مال العبد تبع له أبداً في البيع، والعتق جميعا، لا يحتاج مشتريه فيه إلى اشتراط. وهذا قول مردود بالسنة لا يعرج علیه . وقال مالك، وابن شهاب، وأكثر أهل المدينة: اذا اعتق العبد تبعه ماله، وفي البيع لا يتبعه ماله، وهو لبائعه. وروي بنحو هذا القول في العتق أيضا خبر مرفوع الى النبي و4*، من حديث ابن عمر ولكنه خطأ عند أهل العلم بالنقل. وروى أصبغ عن ابن القاسم قال: اذا وهب الرجل عبده لرجل أو تصدق به عليه، فمال العبد للواهب والمتصدق. قال: واذا اوصى بعبده لرجل، فماله للموصى له. قال أصبغ: بل كل ذلك واحد، وهو للموهوب له، والمتصدق به عليه، ولا يكون المال للسيد الا في البيع وحده، لان الصدقات الشروط ٣١٩ تشبه العتق، لأن في ذلك كله قربان، ولم يختلف قول مالك وأصحابه في العبد يعتق بأي وجه عتق، ان ماله تبع له. ليس لسيده منه شيء، الا أن ينتزعه منه قبل ذلك، وسواء كان العتق بتلا او الى اجل، او من وصية او عتق بالحنث، او بالنسب ممن يعتق على مالكه، او عتق بالمثلة، كل ذلك يتبع العبد فيه ماله، وكذلك المدبر. واتفق ابن القاسم وابن وهب في العبد يمثل به مولاه، وهو محجور عليه سفيه، انه يعتق عليه. واختلفا في مال ذلك العبد، فقال ابن القاسم: لا يتبعه ماله، وقال ابن وهب: يتبعه ماله، وبه قال أصبغ . وقال الشافعي بمصر، والكوفيون: اذا عتق العبد أو بيع لم يتبعه ماله، ولا مال له ولا ملك الا مجازا واتساعا، لا حقيقة.