Indexed OCR Text

Pages 61-80

البيوع
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: قال لنا ابو بكر بن أبي
شيبة: اشهد على ابن عيينة انه قال لنا: الذهب بالورق، ولم يقل:
الذهب بالذهب - يعني في حديث ابن شهاب هذا، عن مالك بن
أوس، عن عمر .
ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن
الحدثان، عن عمر مثله، إلا انه قال فيه: الذهب بالذهب، مثلا بمثل،
هاء وهاء، والفضة بالفضة، مثلا بمثل، هاء وهاء، والبر بالبر، مثلا
بمثل، هاء وهاء، والشعير بالشعير، مثلا بمثل، هاء وهاء، والتمر
بالتمر، مثلا بمثل، هاء وهاء، لافضل بينهما، هكذا رواه يزيد بن
هارون وغيره عن ابن إسحاق، ورواية ابي نعيم لهذا الحديث عن ابن
عيينة في الذهب بالذهب مثل رواية ابن إسحاق، ولم يقله احد عن
ابن عيينة، غير ابي نعيم والله اعلم.
وقد روى هذا الحديث بنحو ذلك همام بن يحيى، عن يحيى بن
ابي كثير، عن الأوزاعي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن
مالك بن أوس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله
وَله: الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربا، إلا
هاء وهاء، من زاد أو ازداد فقد اربى(١).
وعلى ذا كان الناس يروي النظير عن النظير، والكبير عن الصغير
-رغبة في الازدياد من العلم.
وحدثنا عبد الوارث وسعید بن نصر، قالا: حدثنا قاسم بن اصبغ،
قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا ابو بكر، قال: حدثنا عفان،
(١) تقدم تخريجه، انظر حديث الباب.

فتح البر
٦٢
قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت
أبا المنهال قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، عن الصرف،
فكلاهما يقول: نهى رسول الله وَخلو، عن بيع الذهب بالورق دينا(١).
وفي هذا الحديث ان الرجل الكبير الشريف العالم، قد يلي البيع
والشراء بنفسه -وان كان له وكلاء واعوان يكفونه. وفيه المماكسة في
البيع والمراوضة وفيه تقليب السلعة وان يتناولها المشتري بيده ليقلبها
وينظر فيها، وهذا كله دليل على الاجتهاد في أن لا يغبن الإنسان.
وفيه ان المهاجرين كانوا قد اكتسبوا الأرض بالمدينة وبواديها .
وفيه أن علم البيوع من علم الخواص، لا من علم العوام، لجهل
طلحة به، وموضعه من الجلالة موضعه.
وفيه ان الخليفة والسلطان - من كان، واجب عليه اذا سمع أو رأى
ما لا يجوز في الدین أن ینھی عنه ویرشد الى الحق فيه.
وفيه ما كان عليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من تفقد أحوال
رعيته في دينهم، والاهتمام بهم.
وفيه انه كان من خلقهم وسيرهم انهم كانوا اذا عزموا على أمر،
حلفوا علیه وأكدوه بالیمین بالله عز وجل.
وفيه ان الحجة على من خالفك في حكم من الأحكام أو أمر من
الأمور - حديث رسول الله وَخله، فيما لا نص فيه من كتاب الله عز
وجل.
وفيه ان الحجة بخبر الواحد لازمة.
(١) أخرجه: خ (٣٧٢/٤ /٢٠٦٠-٢٠٦١)، م (١٥٨٩/١٢١٢/٣ [٨٦-٨٧])،
ن (٣٢٢/٧-٣٢٣ /٤٥٩١٠.٤٥٨٩).

٦٣
البيوع
وفيه أن النساء لا يجوز في بيع الذهب بالورق، واذا كان الذهب
والورق - وهما جنسان مختلفان -يجوز فيهما التفاضل باجماع،
ولا يجوز فيهما النساء، فأحرى ان لا يجوز ذلك في الذهب بالذهب
الذي هو جنس واحد، ولا في الورق بالورق، لانه جنس واحد،
وهذا أمر مجتمع علیه، لاخلاف فيه والحمد لله.
وقد قال رسول الله وَّجله: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم،
والفضة بالفضة: تبرها وعينها، والذهب بالذهب، تبرها وعينها، مثلا
بمثل، وزنا بوزن، يدا بيد، من زاد أو ازداد، فقد أربى(١).
وقد جاء في هذا الباب شيء مردود بالسنة عن ابن عباس،
ومعاوية، وقد مضی رده وبيان فساده في باب حميد بن قيس، وباب
زید بن اسلم، من هذا الكتاب والحمد لله.
فاستقر الأمر عند العلماء على أن الربا في الازدياد في الذهب
بالذهب، وفي الورق بالورق، كما هو في النسيئة. سواء في بيع
احدهما بالآخر، وفي بيع بعض كل واحد منهما ببعض، وهذا امر
مجتمع عليه، لاخلاف بين العلماء فيه. مع تواتر الآثار عن النبي -
وَخاله بذلك.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم
ابن اصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا موسى بن
معاوية، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء،
عن أبي قلابة، عن ابي الاشعث الصنعاني، عن عبادة، قال: قال
(١) أخرجه: م (٣/ ١٥٨٧/١٢١٠[٨٠-٨١])، د (٣٣٤٩/٦٤٣/٣ - ٣٣٥٠)،
ت (١٢٤٠/٥٤١/٣)، جه (٢٢٥٤/٧٥٧/٢)، ن (٣١٦/٧-٤٥٧٨٠٠٤٥٧٤/٣١٩)،
هق (٥/ ٢٧٧-٢٨٤).

٦٤
فتح البر
رسول الله وَل: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر،
والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح. مثلا بمثل، يدا بيد.
فاذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم -اذا كان يدا بيد(١).
وكذلك رواه عبد الرزاق، وعبد الملك بن الصباح، عن الثوري،
عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابي الاشعث، عن عبادة، قال:
سمعت رسول الله وَله، يقول: الذهب بالذهب، وزنا بوزن، والفضة
بالفضة، وزنا بوزن، والبر بالبر مثلا بمثل، والشعير بالشعير، مثلا
بمثل، والتمر بالتمر، مثلا بمثل، والملح بالملح، مثلا بمثل، وبيعوا
الذهب بالفضة يدا بيد - كيف شئتم، والبر بالشعير يدا بيد - كيف
شئتم، والتمر بالملح يدا بيد - كيف شئتم(١).
وحدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن اصبغ، قال: حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا
سفيان. قال: حدثنا ابن جدعان، عن محمد بن سيرين، عن مسلم
ابن يسار، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله وَّل: الذهب
بالذهب، مثلا بمثل، والورق بالورق، مثلا بمثل، والتمر بالتمر، مثلا
بمثل، والشعير بالشعير، مثلا بمثل، حتى خص الملح بالملح، مثلا
بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى (١).
وحدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا محمد بن ابي العوام،
حدثنا يزيد بن هارون، اخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سیرین،
عن رجلين احدهما مسلم بن يسار، عن عبادة بن الصامت، فذكر
مثله .
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

البيوع
٦٥
قال أبوعمر:
فقول رسول الله جلجلاله: هاء وهاء، وقوله يدا بيد، سواء.
واختلف العلماء في حد قبض الصرف وحقيقته، فقال ابن القاسم
عن مالك: لايصح الصرف الا يدا بيد، فان لم ينقده ومكث معه من
غدوة الى ضحوة قاعدا، وقد تصارفا غدوة، فتقابضا ضحوة لم يصح
هذا، ولا يكون الصرف الا عند الايجاب بالكلام، ولو انتقلا من
ذلك المكان الى موضع غيره، لم يصح تقابضهما، هذا كله قول
مالك، وجملة مذهبه في ذلك انه لا يجوز عنده تراخي القبض في
الصرف، سواء كانا في المجلس أو تفرقا، ومحل قول عمر عنده -
والله اعلم - والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ان ذاك على الفور، لا
على التراخي، وهو المعقول من لفظ رسول الله وَجله: هاء وهاء -
عنده - والله اعلم .
وقال ابو حنيفة، والشافعي: يجوز التقابض في الصرف مالم
يفترقا وان طالت المدة وانتقل إلى موضع آخر، واحتجوا بقول عمر:
والله لا تفارقه حتى تأخذ، وجعلوه تفسيرا لما رواه عن النبي بَّ من
قوله: الذهب بالورق ربا، الا هاء وهاء، واحتجوا بقوله أيضا: وان
استنظرك الى ان يلج بيته فلا تنظره، قالوا: فعلم من قوله هذا أن
المراعى الافتراق.
واختلف الفقهاء ايضا من معنى هذا الحديث في الدينين يصارف
عليهما، فقال مالك، وابو حنيفة، واصحابهما: اذا كان له عليه
دراهم، وله على الآخر دنانير، جاز ان يشتري احدهما ما عليه بما
على الآخر، لان الذمة تقوم مقام العين الحاضرة، وليس يحتاج ها هنا
الى قبض، فجاز التطارح.

فتح البر
٦٦
وقال الشافعي واللیث بن سعد: لا يجوز، لانه دین بدین،
واستدلوا بقول عمر: لاتبيعوا منها غائبا بناجز قالوا: فالغائب بالغائب
احرى ان لا يجوز.
ومن حجة مالك عليهما ان الدين في الذمة كالمقبوض. واختلفوا
من معنى هذا الحديث ايضا، في اخذ الدراهم عن الدنانير، فقال
مالك، واصحابه: فيمن له على رجل دراهم حالة فانه يأخذ دنانير
بها، وان كانت مؤجلة لم يجز ان يبيعها بدنانير، وليأخذ في ذلك
عرضا - ان شاء، وانما جاز هذا في الحال، ومنعها في المؤجل، فرارا
من الدين بالدين، وقال الشافعي اذا حل دينه أخذ به ما شاء منه من
جنسه ومن غير جنسه من بيع كان أو قرض وإن لم يحل دينه لم يجز
لأنه دین بدین ، وقال ابو حنيفة فیمن اقرض رجلا دراهم له ان يأخذ
بها دنانير ان تراضيا، وقبض الدنانير في المجلس.
وقال البتي: يأخذها بسعر يومه.
وقال الأوزاعي: بقيمته يوم يأخذه، وهو قول الحسن البصري،
وقال ابن شبرمة لا يجوز أن يأخذ عن دنانير دراهم، ولا عن دراهم
دنانیر، وانما يأخذ ما اقرض وروي عن ابن مسعود وابن عباس مثله،
وروي عن ابن عمر انه لا بأس به، وأجاز ابن شبرمة لمن باع طعاما
بدین فجاء الاجل ان يأخذ بدراهمه طعاما.
واختلف قول الثوري في ذلك، والأصل في هذا الباب حديث ابن
عمر، وهو ثابت صحيح: حدثنا خلف بن القاسم الحافظ رحمه الله،
قال: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبيد بن آدم بن ابي إياس، قال:
حدثنا ابو معن: ثابت بن نعيم، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال:
حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير،

البيوع
٦٧ =
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فآخذ مكان الدنانير
دراهم، ومكان الدراهم دنانير، فسألت رسول الله صَ ل عن ذلك،
فقال: لا بأس به اذا افترقتما وليس بينكما شيء (١).
واختلف الفقهاء في اعتبار المذكورات في هذا الحديث، وفي المعنى
المقصود اليه بذكرها، فقال العراقيون: الذهب والورق المذكوران في
هذا الحديث موزونان، وهما أصل لكل موزون، فكل موزون من
جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل ولا النساء، بوجه من الوجوه،
قياسا على ما اجمعت الأمة عليه من أن الذهب والورق لا يجوز
التفاضل في الجنس الواحد منهما، ولا النساء بعضه ببعض، فاذا كان
الموزون جنسين مختلفين، فجائز التفاضل بينهما، ولا يجوز النساء
بوجه من الوجوه، قياسا على الذهب بالورق المجتمع على اجازة
التفاضل فيهما، وتحريم النساء ؛ لانهما جنسان مختلفان قالوا: والعلة
في البر والشعير والتمر الكيل، فكل مكيل من جنس واحد فغير جائز
فيه التفاضل، ولا النساء؛ قياسا على ما اجمعت الأمة عليه، في ان
البر بالبر بعضه ببعض، والشعير والتمر لا يجوز في واحد منهما
بعضه ببعض - التفاضل ولا النساء بحال. فاذا اختلف الجنسان جاز
فيهما التفاضل، ولم يجز النساء على حال، وسواء كان المكيل او
الموزون مأكولا او غير مأكول، كما لا يجوز ذلك في الذهب
والورق.
(١) أخرجه: حم (٨٣/٢-٨٤-١٣٩)، د (٣/ ٣٣٥٤/٦٥٠)، ت (١٢٤٢/٥٤٤/٣) وقال:
هذا حديث لا نعرفه مرفوعا الا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن
عمر. ن (٤٥٩٦/٣٢٤/٧)، جه (٢/ ٢٢٦٢/٧٦٠)، قط (٢٣/٣)، الدارمي (٢٥٩/٢)،
هق (٢٨٤/٥)، ك في المستدرك (٤٤/٢)، وصححه، ووافقه الذهبي.

فتح البر
٦٨
وقال الشافعي: أما الذهب والورق فلا يقاس عليهما غيرهما، لان
العلة التي فيهما ليست موجودة في شيء من الموزونات غيرهما فكيف
ترد قياسا عليهما؛ وذلك ان العلة في الذهب والورق انهما أثمان
المبيعات، وقيم المتلفات ؛ وليس كذلك شيء من الموزونات، لأنه
جائز ان تسلم ما شئت من الذهب والورق فيما عداهما من سائر
الموزونات، ولا يسلم بعضها في بعض، فبطل قياسها عليهما وردها
اليهما .
قال: واما البر والتمر والشعير فالعلة - عندي - فيهما الاكل، لا
الكيل، فكل مأكول أخضر كان أو يابسا، مما يدخر كان، أو مما لا
يدخر، فغير جائز بيع الجنس منه بعضه ببعض، متفاضلا ولا نساء،
وحرام فيه التفاضل والنساء جميعا ؛ قياسا على البر بعضه ببعض،
وعلى الشعير بعضه ببعض وعلى التمر بعضه ببعض، لا يجوز ذلك
في واحد منهما بالاجماع والسنة الثابتة.
قال: وأما اذا اختلف الجنسان من المأكول، فجائز حينئذ فيهما
التفاضل، وحرام فيهما النساء، وحجته في ذلك نهي رسول الله وَلجه
عن الطعام بالطعام، الا يدا بيد. وأما أصحابنا من عصر إسماعيل بن
إسحاق، الى هلم جرا، ومن قبلهم من أصحاب مالك، واصحاب
اصحابه، فالذي حصل عندي من تعليلهم لهذه المذكورات، بعد
اختلافهم في شيء من العبارات عن ذلك، ان الذهب والورق القول
فيهما عندهم كالقول عند الشافعي، لا يرد اليهما شيء من الموزونات؛
لانهما قيم المتلفات، وأثمان المبيعات ولا شيء غيرهما كذلك، فارتفع
القياس عنهما، لارتفاع العلة ؛ إذ القياس لا يكون عند جماعة
القياسيين إلا على العلل، لا على الأسماء. وعللوا البر والتمر

٦٩
البيوع
والشعير بأنها مأكولات مدخرات أقوات، فكل ما كان قوتا مدخرا،
حرم التفاضل والنساء في الجنس الواحد منه، وحرم النساء في الجنسين
المختلفين، دون التفاضل، ومالم يكن مدخرا قوتا من المأكولات، لم
يحرم فيه التفاضل، وحرم فيه النساء، سواء كان جنسا او جنسين.
قال ابو عمر: وهذا مجتمع عليه عند العلماء، ان الطعام بالطعام لا
يجوز الا يدا بيد، مدخرا كان او غير مدخر، الا إسماعيل بن علية،
فإنه شذ فأجاز التفاضل والنساء في الجنسين اذا اختلفا من المكيل ومن
الموزون ؛ قياسا على اجماعهم في اجازة بيع الذهب أو الفضة
بالرصاص، والنحاس، والحديد، والزعفران، والمسك، وسائر
المزونات - نساء. وأجاز على هذا القياس نصا في كتبه بيع البر
بالشعير، والشعير بالتمر، والتمر بالأرز، وسائر ما اختلف اسمه
ونوعه بما يخالفه من المكيل والموزون متفاضلا، نقدا ونسيئة، سواء
كان مأكولا أو غير مأكول، ولم يجعل الكيل والوزن علة ولا الأكل
والاقتيات، وقاس ما اختلفوا فيه، على ما اجمعوا عليه مما ذكرنا.
وذكر عن ابن جريج، عن إسماعيل بن علية، وأيوب بن موسى،
عن نافع، عن ابن عمر، أنه باع صاعي تمر بالغابة، بصاع حنطة
بالمدينة، وإسماعيل بن علية هذا له شذوذ كثير، ومذاهب عند أهل
السنة مهجورة، وليس قوله عندهم مما يعد خلافا، ولا يعرج عليه ؟
لثبوت السنة بخلافه من حديث عبادة وغيره، على ما قدمنا في هذا
الباب ذكره، من قوله وَله: فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم،
يدا بيد، وبيعوا البر بالشعير، كيف شئتم، يدا بيد؛ وبيعوا التمر
بالملح، کیف شئتم یدا بید.

فتح البر
٧٠
-
وحدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن بكر
ابن داسة، قال: حدثنا ابو داود، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال:
حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن ابي الخليل،
عن مسلم المكى، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن
الصامت، أن رسول الله وَ له، قال: الذهب بالذهب تبرها وعينها،
والفضة بالفضة: تبرها وعينها، مثلا بمثل وزنا بوزن، والبر بالبر مدي
بمدي، والشعير بالشعير، مدي بمدي، والتمر بالتمر، مدي بمدي،
والملح بالملح، مدي بمدي، فمن زاد او ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع
الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدا بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس
ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما، يدا بيد(١). وأما نسيئة فلا، فهذه
الاحاديث كلها ترد قول ابن علية في اجازته بيع الطعام بعضه ببعض
نسيئة .
وكان مالك رحمه الله، يجعل البر، والشعير، والسلت، صنفا
واحدا. فلا يجوز شيء من هذه الثلاثة بعضها ببعض عنده الا مثلا
بمثل، يدا بيد، كالجنس الواحد، وحجته في ذلك حديث زيد ابي
عياش، عن سعد، في البيضاء بالسلت أيهما أكثر ؟ فنهاه، وحديثه
عن سعد أنه فنى علف حماره فأمر غلامه أن يأخذ من حنطة أهله
فيبتاع بها شعيرا، ولا يأخذ الا مثلا بمثل(٢)، ذكر ذلك كله في
موطئه .
وذكر عن معيقيب الدوسي، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد
يغوث، وسليمان بن يسار، مثل ذلك؛ وخالفه جمهور فقهاء
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٠) تعليقا.

٧١
البيوع
الأمصار، فجعلوا البر صنفا، والشعير صنفا، وأجازوا فيهما
التفاضل، يدا بيد، للاحاديث المذكورة في هذ الباب عن عبادة، وممن
قال بذلك ابو حنيفة، والثوري والشافعي، وأحمد، وابو ثور، وكان
داود بن علي لا يجعل للمسميات علة، ولا يتعدى المذكورات الى
غيرها.
فقوله أن الربا والتحريم غير جائز في شيء من المبيعات، لقول الله
عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّبَوْ﴾ [البقرة: (٢٧٥)]. إلَّ في الستة
الاشياء المنصوصات، وهي: الذهب، والورق، والبر، والشعير،
والتمر، والمذكورات في حديث عمر هذا، والملح المذكور معها، في
حديث عبادة بن الصامت، وهي زيادة يجب قبولها. قال فهذه الستة
الاشياء لا يجوز بيع الجنس الواحد منها بعضه ببعض - متفاضلا، ولا
نساء؛ الثابت عن رسول الله وَالر، في ذلك، وهو حديث عمر هذا،
وحديث عبادة. ولإجماع الأمة أيضا على ذلك، الا من شذ ممن لا
يعد خلافا، ولا يجوز النساء، في الجنسين المختلفين منها؛ لحديث
عمر في الذهب، ولحديث عبادة؛ لان الأمة لا خلاف بينها في ذلك،
ويجوز فيهما التفاضل، وماعدا هذه الأصناف الستة، فجائز فيها
الزيادة - عنده - والنسيئة، وكيف شاء المتبايعان في الجنس وفي
الجنسين. فهذا اختلاف العلماء في أصل الربا الجاري في المأكول
والمشروب، والمكيل والموزون، مختصرا. وبالله التوفيق.

فتح البر
٧٢
باب منه
[٩] مالك، عن موسى بن ابي تميم، عن ابي الحباب: سعيد بن يسار، عن أبي
هريرة، أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، لا فضل
بينهما(١).
قال أبو عمر:
قد مضى القول في معنى هذا الحديث، وما كان مثله في باب
حميد بن قيس من كتابنا هذا. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار، وأهل
العلم بالآثار، في القول به، فلا يجوز عند جميعهم بيع درهم
بدرهمين،، ولا دينار بدينارين يدا بيد وعلى ذلك جميع السلف، الا
عبد الله بن عباس، فإنه كان يجيز بيع الدرهم بالدرهمین، والدينار
بالدينارين، يدا بيد، ويقول: حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله وَال
قال: إنما الربا في النسيئة(٢).
وهذا الحديث وضعه أسامة وابن عباس، غير موضعه؛ لأنه حديث
خرج عند جماعة العلماء على الذهب بالفضة، وعلى جنسين مختلفين
من الطعام فهذا هو الذي لا ربا فيه الا في النسيئة.
والشواهد في هذا تكثر جدا، منها حديث مالك، عن نافع، عن
أبي سعيد الخدري، أن رسول الله وَ لَه قال: لا تبيعوا الذهب
بالذهب، الا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا
(١) أخرجه: حم (٤٨٥/٣٧٩/٢)، م (١٥٨٨/١٢١٢/٣[٨٥])،
ن (٧/ ٤٥٨١/٣٢٠)، هق (٢٧٨/٥)، البغوي في شرح السنة (٢٠٥٨/٦٣/٨).
(٢) تقدم في باب: "ما جاء في الأصناف الربوية ".

البيوع
٧٣
الورق بالورق الا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض (١)، ومنها
حديث عبادة بن الصامت، وقد ذكرنا كثيرا من طرقه في باب زيد بن
أسلم، قال عبادة: سمعت رسول الله وَ له يقول: الذهب بالذهب،
مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، من ازداد فقد أربى(٢) .
وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وغيره، والاحاديث كثيرة في
ذلك جدا عن النبي وَلّ وعن جماعة أصحابه، الا ابن عباس، ومنهم
ابو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت،
وأبو الدرداء، وابو هريرة، وغيرهم يطول ذكرهم، وليس في خلاف
السنة عذر لأحد الا لمن جهلها، ومن جهلها مردود اليها محجوج
بها .
على أنه قد روي عن ابن عباس أنه رجع عن قوله في ذلك في
الصرف بما حدثه ابو سعيد الخدري، عن النبي ◌َ# بخلاف قوله، رواه
معمر، وابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح عن أبي سعيد
وابن عباس والثوري عن ابي هاشم الواسطي، عن زياد قال: كنت مع
ابن عباس في الطائف، فرجع عن الصرف، قبل أن يموت بسبعين
يوما .
وقد مضى في باب زيد بن أسلم أحاديث في هذا الباب والحمد
لله، فلا وجه لإعادة القول فيه ها هنا، ومن تأمله في باب حميد كفاه
إن شاء الله .
(١) حم (٦١/٤/٣)، خ (٤٧٨/٤ /٢١٧٧)، م (٣/ ١٢٠٨ / ١٥٨٤ [٧٥])،
ت (٥٤٢/٣-١٢٤١/٥٤٣)، ن (٧/ ٣٢٠-٣٢١/ ٤٥٨٤)، هق (٢٧٦/٥).
(٢) تقدم تخريجه في باب: " ما جاء في الأصناف الربوية" .

فتح البر
٧٤
باب منه
[١٠] مالك، عن نافع، عن أبي سعيد الخدري، ان رسول الله وَ لقر قال: ((لا
تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثلا، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا
تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا
تبیعوا شیئا منهما غائبا بناجز(١))).
قال أبو عمر:
لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث، وكذلك رواه أيوب،
وعبيد الله، عن نافع، عن أبي سعيد الخدري.
كما رواه مالك، وهو الصحيح في ذلك؛ ورواه ابن عون، عن
نافع، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فحدثه عن أبي سعيد
الخدري، عن النبي بَّ فذكر الحديث في الصرف.
هكذا رواه جماعة عن ابن عون - ليس فيه سماع لنافع من ابي
سعید، ولا لابن عمر من ابي سعيد، وانما فيه أن رجلا حدثه عن ابي
سعيد بهذا الحديث، والرجل قد سماه يحيى بن سعيد في حديثه عن
نافع، رواه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد انه اخبره ان نافعا
أخبره ان عمرو بن ثابت العتواري، ذكر لعبد الله بن عمر انه سمع ابا
سعيد الخدري يحدث بهذا الحديث، ولم يجود يحيى بن سعيد ولا
ابن عون - هذا الحديث، لأن فيه ان ابن عمر لما حدثه هذا الرجل
بهذا الحديث عن ابي سعيد قام الى أبي سعيد ومضى معه نافع،
فسمعا الحديث من ابي سعيد؛ وقد جود ذلك عبيدالله بن عمر، ورواه
(١) تقدم تخريجه في باب: " ما جاء في الأصناف الربوية".

٧٥
البيوع
خصيف الجزري، وعبد العزيز بن ابي رواد المكي، عن نافع، عن ابن
عمر، عن أبي سعيد الخدري، وليس بشيء؛ وإنما الحديث لنافع عن
ابي سعيد، سمعه معه ابن عمر على ما قال عبيد الله.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن اصبغ، قال
حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا یحیی قال حدثنا
عبيد الله، قال أخبرني نافع، قال: بلغ عبد الله بن عمر ان أبا سعيد
الخدري يأثر عن رسول الله ◌َّ في الصرف، فأخذ بيدي وبيد رجل،
فأتينا ابا سعيد، فقال له عبد الله بن عمر: شيء تأثره عن رسول الله
وَ ◌ّ في الصرف ؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله
وَالله، قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل، ولا الفضة
بالفضة الا مثلا بمثل، ولا تفضلوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها
غائبا بناجز (١))).
وهذا من أصح حديث يروى في الصرف، هو يوجب تحريم
الازدياد والنساء - جميعا في الذهب والورق: تبرهما وعينهما؛ وهو
أمر مجتمع عليه، الا فرقة شذت وأباحت فيهما الازدياد والتفاضل يدا
بيد؛ وما قال بهذا القول احد من الفقهاء الذين تدور عليهم الفتوى في
أمصار المسلمين، فلا وجه للاشتغال بالشذوذ.
والشف في كلام العرب - بالكسر -: الزيادة يقال: الشيء يشف،
ويستشف: اي يزيد. وفي قوله عليه السلام في هذا الحديث: ولا
تبيعوا منهما غائبا بناجز، دليل على انه لا يجوز في الصرف شيء من
التأخير، ولا يجوز حتى يحضر العين منهما جميعا؛ وهذا أمر مجتمع
(١) تقدم تخريجه في باب: " ما جاء في الأصناف الربوية".

فتح البر
٧٦
عليه، الا ان من معنى هذا الباب مما اختلف فيه العلماء، الصرف على
ما ليس عند المتصارفين او عند احدهما في حين العقد؛ قال مالك: لا
يجوز الصرف الا ان يكون العينان حاضرتين.
وقال الشافعي، وابو حنيفة: يجوز ان يشتري دنانير بدراهم ليست
عند واحد منهما، ثم يستقرض فيدفع قبل الافتراق.
وروى الحسن بن زياد، عن زفر انه لا يجوز الصرف حتى تظهر
احدى العينين وتعين، فإن لم يكن ذلك، لم يجز: نحو ان يقول:
اشتريت صك ألف درهم بمائة دينار، وسواء كان ذلك عندهما ام لم
يكن؛ فان عين احدهما جاز، وذلك مثل ان يقول: اشتريت منك
ألف درهم بهذه الدنانير - اذا دفعها قبل ان يفترقا. وروي عن مالك
مثل قول زفر، الا انه قال: يحتاج ان يكون قبضه لما لم يعينه قريبا
متصلا، بمنزلة النفقة يحلها من كيسه.
وقال الطحاوي: واتفقوا - يعني هؤلاء الفقهاء الثلاثة .- على
جواز الصرف اذا كان احدهما دينا وقبضه في المجلس، فدل على
اعتبار القبض في المجلس دون كونه عينا .
واختلف الفقهاء أيضا في تصارف الدينين وتطارحهما، مثل ان
یکون لرجل على رجل دنانير ولآخر عليه دارهم، فمذهب مالك وابي
حنيفة انه لا بأس ان يشتري احدهما ما عليه بما على الآخر،
ويتطارحانهما صرفا .
ومن حجة من ذهب هذا المذهب، حديث سماك بن حرب عن

البيوع
٧٧
سعيد بن يحيى، عن ابن عمر، قال: سألت النبي وَ لّ قلت:
يارسول الله، إني ابيع الابل: ابيع بالدنانير - وآخذ الدراهم؛ وأبيع
بالدراهم - وآخذ الدنانير ؟ فقال رسول الله وَّجله: لا بأس بذلك -
مالم تفترقا وبينكما شيء(١).
ففي هذا الحديث دليل على جواز الصرف اذا كان احدهما دينا،
قالوا: فكذلك اذا كانا دينين؛ لان الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة،
وصار الطرح عندهم في ذلك كالمقبوض من العين الحاضرة ومعنى
الغائب عندهم هو الذي يحتاج الى قبض، ولا يمكن قبضه حتى
يفترقا، بدليل حديث عمر: لا تفارقه حتى تقبضه. وقال الشافعي
وجماعة - وهو قول الليث: لا يجوز تصارف الدينين ولا تطارحهما،
لانه لما لم یجز غائب بناجز، کان الغائب بالغائب أحری ان لا يجوز؛
وأجاز الشافعي وأصحابه قضاء الدنانير عن الدراهم، وقضاء الدراهم
عن الدنانير؛ وسواء كان ذلك من بيع، او من قرض - اذا كان حالا
وتقابضا قبل ان يفترقا بأي سعر شاء؛ فإن تفرقا قبل ان يتقابضا، بطل
الصرف بينهما، ورجع كل واحد منهما إلى أصل ما كان له على
صاحبه؛ واتفق الشافعي وأصحابه على كراهة قصاص الدنانير من
الدراهم - اذا كانتا جميعا في الذمم، مثل أن يكون لرجل على رجل
دنانير - وله عليه دراهم؛ فأرادا ان يجعلا الدنانير قصاصا بالدراهم،
فهذا لا يجوز عندهم، لانه دین بدين؛ وكذلك لو تسلف رجل من
رجل دينارا، وتسلف الآخر منه دراهم - على ان يكون هذا بهذا -
لم يجز عندهم، وكان على من تسلف الدينار دينار مثله، وعلى من
(١) تقدم في باب: " ما جاء في الأصناف الربوية".

فتح البر
٧٨
تسلف الدراهم دراهم مثلها؛ وأما اذا كان لرجل على رجل دينار،
فأخذ منه فيه دراهم - صرفا ناجزا، كان ذلك جائزا وأجاز ابو حنيفة
أخذ الدنانير عن الدراهم والدراهم عن الدنانير - اذا تقابضا في
المجلس، وسواء كان الدين حالا أو آجلا وحجتهم حديث ابن عمر
هذا، لانه لما لم يسأله عن دينه: أحال هو أم مؤجل، دل على استواء
الحال عنده؛ وقال مالك: لا يجوز ذلك الا ان يكون جميعا حالين،
لانه لما لم يستحق قبض الآجل الا الى أجله، صار كأنه صارفه الى
ذلك الاجل، وهذا هو المشهور من قول الشافعي.
وروى الشيباني عن عكرمة، عن ابن عباس، انه كره اقتضاء الذهب
من الورق، والورق من الذهب، وعن ابن مسعود مثله، وعن ابن
عمر - انه لا بأس به.
وقال ابن شبرمة: لا يجوز أن يأخذ عن دراهم دنانير، ولا عن
دنانير دراهم، وإنما يأخذ ما أقرض؛ ويشهد لمذهب ابن شبرمة ويؤيده
حديث أبي سعيد في هذا الباب، وهو قول ابن عباس، وابن مسعود،
ويشهد لقول سائر الفقهاء حديث ابن عمر، إلا أن فيه بسعر يومكما.
وقال عثمان التي يأخذها بسعر يومه.
وقال داود وأصحابه: اذا كان لرجل على رجل عشرة دراهم، فباعه
الذي عليه العشرة دراهم بها دينارا، فالبيع باطل، لنهي رسول الله
وَخلى عن الذهب بالورق الا هاء وهاء، وعن بيع احدهما بالآخر غائبا
بناجز، قال: ولو اخذ بذلك قيمة للعشرة دراهم كان جائزا، لان
القيمة غير البيع، وانما ورد النهي عن البيع لا عن القيمة.
واحتجوا بحديث ابن عمر: كنت ابيع الابل بالبقيع، فآخذ من
الدنانير دراهم - الحديث - على ما نذكره ههنا إن شاء الله .
ومن هذا الباب أيضا، ان يبيع السلعة بدنانير على أن يعطيه بها
١

٧٩
البيوع
دراهم، فقال مالك في مثل هذا: لا يلتفت الى اللفظ الفاسد اذا كان
فعلهما حلالا، وكانه باعه السلعة بتلك الدراهم التي ذكرا انه يأخذها
في الدنانير .
وقال ابو حنيفة، والشافعي - فيمن باع سلعة بدنانير معلومة على
ان يعطيه المشتري بها دراهم، فالبيع فاسد؛ وهو قول جمهور أهل
العلم، لانه من باب بيعتين في بيعة، ومن باب بيع وصرف لم
یقبض .
ومن هذا الباب الصرف أيضا يوجد فيه زيوف - وهو مما اختلفوا
فيه أيضا، فقال مالك: اذا وجد في دراهم الصرف درهما زائفا فرضي
به جاز، وان رده انتقض صرف الدين كله؛ وان وجد فيها أحد عشر
درهما رديئة، انتقض الصرف في دينارين؛ وكذلك ما زاد على صرف
دينار انتقض الصرف في دينار آخر .
وقال زفر والثوري: يبطل الصرف فيما رد قل أو كثر، وقد روي
عن الثوري انه ان شاء استبدله، وإن شاء كان شريكه في الدينار
بحساب.
وقال ابو يوسف، ومحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، والحسن
ابن حي: يستبدله كله، وهو قول ابن شهاب، وربيعة؛ وكذلك قال
الحسن، وابن سيرين، وقتادة: يرد عليه ويأخذ البدل، ولا ينتقض من
الصرف شيء؛ وهو قول أحمد بن حنبل، وهو احد أقاويل الشافعي؛
واختاره المزني قياسا على العيب يوجد في السلم ان على صاحبه أن
يأتي بمثله، وأقاويل الشافعي في هذه المسألة: أحدها انه قال: اذا
اشترى ذهبا بورق عينا بعين، ووجد احدهما ببعض ما اشترى عيبا
قبل التفرق أو بعده، فليس له الا رد الكل أو التمسك به؛ قال: وإذا
تبايعا ذلك بغير عينه، فوجد احدهما قبل التفرق ببعض ما اشترى

فتح البر
= ٨٠
عيبا، فله البدل، وإن وجده بعد التفرق ففيها أقاويل، منها: انها
كالعين، ومنها البدل، ومنها رد المعيب بحصته من الثمن، قال: ومتى
افترق المصطرفان قبل التقابض، فلا بيع بينهما.
وقال ابو حنيفة: اذا افترقا ثم وجد النصف زيوفا او أكثر فرده،
بطل الصرف في المردود، وان كان أقل من النصف استبدله؛ وقد
مضى القول مجودا في تحريم الازدياد في بيع الورق بالورق، والذهب
بالذهب - في باب حميد بن قيس، وهو امر اجتمع عليه فقهاء
الامصار من أهل الرأي والاثر، وكفى بذلك حجة مع ثبوته من جهة
نقل الآحاد العدول - عن النبي وَّ، وقد مضى القول في تحريم
النسيئة في الصرف في باب ابن شهاب عن مالك بن اوس بن الحدثان
من هذا الكتاب - مجودا أيضا - ممهدا، وفي ذلك الباب أصول من
هذا الباب؛ ولا خلاف بين علماء المسلمين في تحريم النسيئة في بيع
الذهب بالذهب، والورق بالورق، وبيع الورق بالذهب، والذهب
بالورق، وان الصرف كله لا يجوز الا هاء وهاء قبل الافتراق؛ هذه
جملة اجتمعوا عليها، وثبت قوله ◌َ# في ذلك: الا هاء وهاء، بنقل
الآحاد العدول أيضا، وما أجمعوا عليه من ذلك وغيره فهو الحق؛
وكذلك كل ما كان في معناه - ما لم يخرجه عن ذلك الاصل دليل
يجب التسليم له؛ فقد اختلفوا من هذا الاصل في المسائل التي
أوردناها في هذا الباب، على حسبما ذكرناه عنهم فيه مما نزعوا به
وذهبوا اليه، وبالله العصمة والتوفيق .
قال ابو عمر: حديث ابن عمر في اقتضاء الدنانير من الدراهم،
والدراهم من الدنانير، جعله قوم معارضا لحديث أبي سعيد الخدري -
في هذا الباب، لقوله: ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. وليس الحديثان