Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١-
الحدود
حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا نافع بن عمر الجمحى، عن ابن
أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله، أو عبد الله بن عبد الله يعني
ابن عمر، قال: ضرب ابن عمر جارية له أحدثت، فجعل يضرب
رجليها، وأحسبه قال: ظهرها، فقلت: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾
فقال: يا بني، وأخذتني بها رأفة؟ إن الله لم يأمرني أن أقتلها، أما أنا
فقد أوجعت حيث أضرب(١) .
وذكره وكيع عن نافع بن عمر الجمحي بإسناده مثله(٢).
قال إسماعيل: وحدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الملك بن
الصباح، عن عمران بن حديد، قال: سألت أبا مجلز عن الرأفة
فقلت: إنا لنرجمهم إذا نزل ذلك بهم؟ قال: ليس بذاك، إنما الرأفة
ترك الحدود إذا رفعت إلى السلطان(٣): حدثني قاسم بن محمد، قال:
حدثنا خالد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن فطيس، قال حدثنا
ابراهيم بن مرزوق، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال :
حدثنا شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: أدركت عمر جلد
رجلا، فقال للجلاد: لا ترنى ابطك (٤).
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال
: حدثنا محمد بن محمد الباهلي، قال: حدثنا سليمان بن عمر وهو
الاقطع، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن حنظلة السدوسى، قال:
(١) هق: (٢٤٥/٨)، عبد الرزاق في "المصنف» (١٣٥٣٧/٣٧٦/٧)، وابن جرير الطبري في
تفسيره: (٦٦/١٨-٦٧)، وعزاه ابن كثير في التفسير: (٢٥٤/٣) لابن أبي حاتم.
(٢) انظر الذي قبله.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره: (١٨/ ٦٧).
(٤) هق: (٣٢٦/٨)، وعبد الرزاق: في المصنف: (٣٦٩/٧- ١٣٥١٦/٣٧٠) كلاهما عن أبي
عثمان النهدي.

فتح البر
٤٦٢
سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته، ثم يدق
بين حجرين حتى يلين، ثم يضرب به(١)، قلنا لانس في زمن من كان
هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب.
واختلفوا في المواضع التي تضرب من الانسان في الحدود، فقال
مالك: الحدود كلها لاتضرب إلا في الظهر، قال: وكذلك التعزير لا
يضرب إلا في الظهر عندنا، وقال الشافعي وأصحابه: يتقى الوجه
والفرج، ويضرب سائر الاعضاء. وروي عن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه مثل قول الشافعي انه كان يقول: اتقوا وجهه ومذاكيره.
وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: تضرب الاعضاء كلها في
الحدود، إلا الفرج والوجه والرأس، وقال أبو يوسف: يضرب الرأس
أيضا. وروي عن عمر وابن عمر أنهما قالا: لا يضرب الرأس. قال
ابن عمر لم نؤمر أن نضرب الرأس. وروى سفيان عن عاصم، عن
أبي عثمان، ان عمر رضي الله عنه أتى برجل في حد، فقال للجلاد
اضرب ولاتر ابطك، واعط كل عضو حقه.
ومن حجة مالك، ان العمل عندهم بالمدينة لا يخفى، لأن الحدود
تقام ابدا، وليس مثل ذلك يجهل. وبنحو ذلك من العمل يسوغ
الاحتجاج لكل فرقة، لانه شيء لا ينفك منه، إلا ماروى كل واحد
من الاثر عن السلف، فیمیل باختياره اليه.
واختلفوا في كيفية ضرب الرجال والنساء: فقال مالك: الرجل
والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما، يضربان قاعدين،
(١) أخرج نحوه: عبد الرزاق: في المصنف: (٣٧٢/٧ -١٣٥٢١/٣٧٣) عن ابن جريج عن عبيد
الله بن عبد الله بن عمر.

الحدود
٤٦٣
ويجرد الرجل في جميع الحدود، ويترك على المرأة ما يسترها، وينزع
عنها ما يقيها من الضرب. وقال الثوري: لا يجرد الرجل ولا يمد،
ويضرب قائما، والمرأة قاعدة. وقال الليث بن سعد، وأبو حنيفة
والشافعي: الضرب في الحدود كلها، وفي التعزير، مجردا قائما غير
ممدود، إلا حد القذف، فإنه يضرب وعليه ثيابه، وينزع عنه المحشو
والفرو. وقال الشافعي: إن كان مده صلاحا مد.
ومن الحجة لمالك، ما ادرك عليه الناس. ومن الحجة للثوري،
حديث ابن عمر في رجم النبي ◌َّي اليهوديين، وفيه: لقد رأيت
الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة(١). وهذا يدل على ان الرجل
كان قائما، والمرأة قاعدة. وضرب أبو هريرة رجلا في القذف قائما.
وما جاء عن عمر وعلي في ضرب الاعضاء، يدل على القيام والله
أعلم.
وكل ما ذكرناه في المسائل في هذا الباب، فانها كلها قائمة المعنى
في هذا الحديث: حديث زيد بن أسلم هذا، يصلح ذكرها عنده. وفيه
أيضا ما يدل على ان الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا أتى
فاحشة، و واجب ذلك عليه أيضا في غيره، ما لم يكن سلطانا يقيم
الحدود. وفي الستر على المسلم آثار كثيرة صحاح، نذكر منها ها هنا
ما يوافق معنى هذا الحديث، وسائرها نذكرها عند قوله عَّه في
حدیث يحيى بن سعيد: يا هزال لو سترته بردائك، كان خيرا لك(٢)-
ان شاء الله.
(١) تقدم تخريجه في باب ما جاء في رجم اليهوديين.
(٢) تقدم في ما جاء في الاقرار بالزنى والستر أولى (الباب الثاني من كتاب الحدود).

فتح البر
٤٦٤
حدثني سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال : حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو
معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَّة: من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا، نفس الله
عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا
والآخرة، ومن يسر على مسلم، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة،
والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه(١).
قال أبو عمر: فإذا كان المرء يؤجر في الستر على غيره. فستره
على نفسه كذلك أو أفضل، والذي يلزمه في ذلك التوبة والإنابة
والندم على ما صنع ، فان ذلك محو للذنب ان شاء الله.
وقد حدثنا خلف بن القسم، حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان
حدثنا احمد بن محمد بن سلام، حدثنا محمد بن علي الشقيقي،
قال: سمعت أبي قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا مالك بن
مغول، عن العلاء بن بدر، قال: ان الله لا يهلك امة وهم يستترون
بالذنوب.
حدثني محمد بن عبد الله بن حكم، قال: حدثنا محمد بن
معاوية، قال : حدثنا اسحاق بن أبي حسان، قال: حدثنا هشام بن
عمار، قال حدثنا عبد الحميد، قال: حدثنا الاوزاعي، قال: أخبرني
عثمان بن أبي سودة، قال حدثني من سمع عبادة بن الصامت، قال
سمعت رسول الله عَّ يقول: ان الله ليستر العبد من الذنب، مالم
یخرقه ، قالوا وكيف يخرقه يا رسول الله؟ قال يحدث به الناس(٢).
(١) تقدم تخريجه في باب ماجاء في الإقرار بالزنى والستر أولى.
(٢) في سنده رجل مجهول.

٤٦٥
الحدود
حدثني خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد،
قال : حدثنا عبيد الله بن محمد العمرى، قال: حدثنا عبدالعزيز بن
عبد الله الأويسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن
شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله ، قال: سمعت أبا
هريرة يقول: سمعت رسول الله عَّه يقول: كل أمتي معافى إلا
المجاهرون، وإن من المجاهرة، أن يعمل عملا لا يرضاه الله بالليل،
ثم يتحدث به بالنهار وذكر الحديث(١).
وحدثني احمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال:
حدثنا محمد بن فطيس قال: حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف، قال
: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: أخبرني يحيى بن أيوب،
عن عيسى بن موسى بن إياس بن البكير، أن صفوان بن سليم، حدثه
عن أنس بن مالك، عن رسول الله عَّة أنه قال: اطلبوا الخير دهركم
کله، وتعرضوا نفحات الله عز وجل، فإن لله نفحات من رحمته،
يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا الله أن يستر عوراتكم، وأن
يؤمن روعاتكم(٢).
(١) خ: (٦٠٦٩/٥٩٥/١٠)، م: (٢٢٩١/٤ / ٢٩٩٠[٥٢).
(٢) قال المناوي في "فيض القدير" (٥٤١/١): ((رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة
والحكيم الترمذي في النوادر والبيهقي في شعب الإيمان .
وأبو نعيم في الحلية والقضاعي كلهم عن أنس بن مالك وفيه حرملة بن يحيى التجيبي، قال
أبو حاتم: لا يحتج به وأورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين)) ورمز السيوطي إليه بالضعف.
وأخرجه: هق: في شعب الإيمان: (١١٢١/٤٢/٢-١١٢٢)، البغوي في شرح السنة:
(١٣٧٨/١٧٩/٥)، القضاعي في مسنده (٤٢٧/١)، وعزو السيوطي الحديث لابن أبي الدنيا
عن أنس وتبعه في ذلك المناوي في الفيض وهم منهما. والصواب انه عنده من حديث أبي
هريرة وليس أنسا، أخرجه: ابن أبي الدنيا: في كتاب الفرج بعد الشدة (٢٧) والبيهقي في
شعب الإيمان: (١١٢٣/٤٣/٢) مختصرا وفي سنده عيسى بن موسى ضعفه أبو حاتم ووثقه
ابن حبان.

فتح البر
٤٦٦٠
وحدثني قاسم بن محمد، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال: حدثنا
محمد بن فطيس، قال: حدثنا ابراهيم بن الهيثم بن المهلب الجزري
أبو اسحاق إملاء ، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا سعيد بن
سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي ذر، قال:
سمعت رسول الله ◌َّ يقول: أقسم على أربع قسما مبرورا، والخامسة
لو اقسمت عليها لبررت: لا يعمل عبد خطيئة تبلغ ما بلغت ثم يتوب
إلى الله، إلا تاب الله عليه، ولا يحب أحد لقاء الله، إلا أحب الله
لقاءه، ولا يتولى الله عبد في الدنيا، فيوليه غيره يوم القيامة، ولا
يحب عبد قوما ، إلا جعله الله معهم يوم القيامة، والخامسة لو
أقسمت عليها لبررت: لا يستر الله عورة عبد في الدنيا، إلا ستره الله
يوم القيامة(١) .
حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن
عمرو البغدادي بمصر، قال: حدثنا أبو عمران موسى بن سهل
البصري، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا فضال بن
جبير، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله عَّه: ثلاث لو
حلفت عليهن لبررت، والرابعة لو حلفت عليها لرجوت أن لا اثم:
لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله
عبد فيوليه الى غيره، ولا يحب عبد قوما، إلا بعثه الله فيهم، اوقال
معهم، ولا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستر عليه عند المعاد(٢).
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ من حديث أبي ذر. ولقد ورد بلفظ(( ثلاث أحلف عليهن ... )) من
حديث عائشة وابن مسعود، وبلفظ (( ثلاث لو حلفت عليهن .... )) من حديث أبي أمامة.
وسيأتي تخريج ذلك في الحديثين بعده.
(٢) أخرجه طب: في الكبير (٨٠٢٣/٣١٥/٨) وذكره الهيثمي في المجمع: (٤٢/١) وقال:
(رواه الطبراني في الكبير، وفيه فضالة بن جبير وهو ضعيف)).

الحدود
٤٦٧
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
عفان، قال: حدثنا همام، قال: سمعت اسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة، قال: حدثنا شيبة الحضرمي أنه شهد عروة يحدث عمر بن
عبد العزيز عن عائشة أن النبي عَّه قال: ما ستر الله على عبد في
الدنيا، إلا ستر عليه في الآخرة(١).
وحدثنا احمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا
عبد الله بن يونس قال: حدثنا بقى بن مخلد، قال: حدثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، قال: حدثنا الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي
ادريس، قال: لا يهتك الله ستر عبد في قلبه مثقال ذرة من خير(٢).
وأما قوله في حديث زيد بن أسلم المذكور في هذا الباب: فانه من
يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله فإنه أراد والله أعلم بعد أمره
بالاستتار بالذنب، أنه من أقر عنده فلا شفاعة حنيئذ له ولا عفو عنه.
(١) هو جزء من حديث أطول لفظا، عن عائشة عن النبي وَّ قال: ((ثلاث أحلف عليهن: لا
يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له وسهام الإسلام ثلاثة: الصوم، والصلاة
والصدقة، لا يتولى الله عبدا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جاء معهم
يوم القيامة، والرابعة لو حلفت عليها لم أخف أن أثم: لا يستر الله على عبده في
الدنيا ..... )).
أخرجه: حم: (٦ / ١٦٠)، أبو يعلى في مسنده: (٤٥٦٦/٤٩/٨)، والحاكم في مستدركه:
(٤/ ٣٨٤)، النسائي: في الكبرى (٦٣٥٠/٧٥/٤)، مختصرا وذكره الهيثمي في المجمع:
(٤٢/١)، وقال: ((رواه أحمد ورجاله ثقات ورواه أبو يعلى أيضا)) وللحديث شاهدان الأول
من حديث عبد الله بن مسعود: أخرجه: أبو يعلى في مسنده: (٨/ ٤٥٦٧/٥٠) وذكره
الهيثمي في المجمع: (٤٢/١) وسكت عليه، والثاني من حديث أبي أمامة. وقد تقدم
تخريجه في الحديث قبله.
(٢) أخرجه: هق: في "شعب الإيمان" (٧٢١٩/٤٤٦/٥).

فتح البر
٤٦٨
ومن هذا وشبهه، قام الدليل على أن الحدود إذا بلغت السلطان، لم
يجز ان يتشفع فيها، ولا ان تترك إقامتها ، ألا ترى إلى قوله تعَّه في
حديث صفوان بن أمية فهلا قبل أن تأتيني به. وقول الزبير: إذا بلغت
به السلطان فلعن الله الشافع والمشفع.

الحدود
٤٦٩
ما جاء في جلد الأمة إذا زنت
[٩] مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد اللهبن عبد الله، عن أبي هريرة، وزید بن
خالد الجهني، أن رسول الله وَ ﴿ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال:
إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم
بيعوها ولو بضفير. قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أم الرابعة(١).
هكذا روى مالك هذا الحديث عن ابن شهاب بهذا الاسناد، وتابعه
على اسناده عن ابن شهاب يونس بن يزيد، ويحيى بن سعيد، رواه
عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبيد الله بن
عبد الله، أن شبلا أو شبل بن خالد المزني أخبره أن عبد الله بن
مالك الاوسي، أخبره أن رسول الله وَل سئل عن الامة وذكروا
الحديث، إلا أن عقيلا وحده قال: مالك بن عبد الله الاوسي، وقال
الزبيدي وابن أخي الزهري: عبد الله بن مالك، وكذلك قال يونس
ابن يزيد عن ابن شهاب، عن شبل عن حامد المزني، عن عبد الله بن
مالك الاوسي، فجمع يونس بن يزيد الاسنادين جميعا في هذا
الحديث، وانفرد مالك فيه باسناد واحد، عن ابن شهاب، عن
عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد، وعند عقيل والزبيدي وابن أخي
الزهري فيه أيضا اسناد واحد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله عن
شبل، عن عبد الله بن مالك، وجمع يونس الحديثين جميعا. ورواه
ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد بن
(١) حم: (١١٧/١)، خ: (٤/ ٢١٥٣/٤٦٤-٢١٥٤)، م: (١٧٠٤/١٣٢٩/٣[٣٣])،
د: (٤/ ٤٤٦٩/٦١٢)، ن: فی الکبری: (٧٢٥٨/٣٠٢/٤ -٧٢٥٩)،
الدارمي (١٨١/٢)، هق: (٢٤٢/٨-٢٤٤)، حب: الإحسان (٤٤٤٤/٢٩٢/١٠)،
عبد الرزاق في "المصنف» (١٣٥٩٨/٣٩٣/٧).

فتح البر
٤٧٠٠
خالد وشبل. أن النبي وَجُلّ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن،
فقال: إذا زنت فاجلدوها- وذكر الحديث. هكذا قال ابن عيينة في
هذا الحديث، فجعل شبلا مع أبي هريرة وزيد بن خالد فأخطأ.
وأدخل إسناد حديث في آخر ولم يقم حديث شبل، قال احمد بن
زهير سمعت يحيى بن معين يقول: شبل هذا لم يسمع من النبي
صَلى الله
وَسِلم
شيئا. وقال عباس: سمعت يحيى بن معين يقول: ليس لشبل صحبة،
يقال: إنه شبل بن معبد، ويقال: شبل بن حامد، قال: وأهل مصر
يقولون شبل بن حامد، عن عبد الله بن مالك الاوسي، عن النبي وَال
. قال يحيى بن معين: وهذا عندي أشبه، لان شبلا ليس له صحبة.
وقال محمد بن يحيى النيسابوري: جمع ابن عيينة في حديثه هذا، أبا
هريرة وزيد بن خالد وشبلا، وأخطأ في ضمه شبلا الى أبي هريرة
وزيد بن خالد في هذا الحديث. قال وان كان عبيد الله بن عبد اللهقد
جمعهم في حديث الامة، فانه رواه عن أبي هريرة وزيد، عن النبي
وَله، وعن شبل، عن عبدالله بن مالك الأوسي عن النبي وَّل، فترك
ابن عيينة عبد الله بن مالك، وضم شبلا الى أبي هريرة وزيد، فجعله
حديثا واحدا، وإنما هذا حديث، وذاك حديث، قد ميزهما يونس بن
يزيد، قال: وتفرد معمر ومالك بحديث أبي هريرة، وزيد بن خالد،
قال: وروى الزبيدي، وعقيل، وابن أخي الزهري، حديث شبل،
فاجتمعوا على خلاف ابن عيينة.
قال أبو عمر:
هكذا قال محمد بن يحيى، ان معمرا، ومالكا، انفردا بحديث أبي
هريرة، وزيد بن خالد، وأقول أن قد تابعهما يحيى بن سعيد
الأنصاري من رواية الاوسي: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال :

٤٧١
الحدود
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن اسماعيل، قال حدثنا
أيوب بن سليمان بن بلال، قال حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن
سليمان بن بلال، قال: قال يحيى: وأخبرني ابن شهاب أن عبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة حدثه أن أبا هريرة وزيد بن خالد حدثاه أنهما
سمعا رسول الله ◌َله وهو يسئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن- فذكر
الحديث(١).
قال أبو عمر:
وزعم الطحاوي انه لم يقل في هذا الحديث: ولم يحصن إلا
مالك، وليس كما ذكر، لانا قد وجدنا أن ابن عيينة قد تابعه على
ذلك، وكذلك في رواية يحيى بن سعيد، عن ابن شهاب لهذا الحديث
إذا زنت ولم تحصن علی ما قدمنا بالاسناد المذكور، وسائر من روی
هذا الحديث عن ابن شهاب بالاسنادين جميعا، لم يقل أحد منهم
فيه: ولم تحصن غير مالك، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
وقد روى هذا الحديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي
هريرة، عن النبي وَّله لم يذكر فيه: ولم تحصن ، رواه جماعة عن
سعید بن أبي سعيد لم يذكروا ذلك فيه.
وممن رواه عن سعيد بن أبي سعيد، الليث بن سعد، وأسامة بن
زيد، وعبد الرحمن بن اسحاق، وأيوب بن موسى، وعبيد الله بن
عمر، واسماعيل بن أمية: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا مسدد، قال :
حدثنا يحيى القطان، عن عبيد الله- يعني ابن عمر، قال: حدثني
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
٤٧٢٠
سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي وَلّ قال: إذا زنت أمة
أحدكم، فليجلدها ولا يعيرها ثلاث مرات، فان عادت في الرابعة
فليجلدها وليبعها بضفير أو بحبل من شعر(١). وفي رواية اسماعيل بن
أمية: إذا زنت وليدة أحدكم فتبین زناها. وفي رواية أيوب بن موسی
فليجلدها الحد. ولا نعلم أحدا ذكر فيه الحد غيره، وكلهم قال فيه:
ولا يعيرها ولا يثرب عليها. وروى هذا الحديث عن ابن شهاب،
عمارة بن أبي فروة، واسحاق بن راشد، فأخطأ فيه، قال فيه عمارة
ابن أبي فروة عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة عن عائشة، ان رسول
الله وَل قال: إذا زنت الأمة، فاجلدوها، وقال فيه اسحاق بن راشد
عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، والطريقان
جميعا خطأ، والصواب فيه قول مالك ومن تابعه، وقول عقيل ومن
تابعه اسناد آخر. وروی حدیث عمارة، اللیث، عن زيد بن أبي
حبيب، عن عمارة، ومن أصحاب الليث بن سعد من يقول فيه: عن
عروة، عن عمرة، عن عائشة.
وأجمع العلماء على أن الأمة إذا تزوجت فزنت، أن عليها نصف ما على
الحرة البكر من الجلد، لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ
يِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: (٢٥)].
(١) خ: (٤ /٢١٥٢/٤٦٤)، م: (١٧٠٣/١٣٢٨/٣[٣٠-٣١-٣٢]).
د: (٦١٤/٤/ ٤٤٧٠-٤٤٧١)، ن: في الكبرى: (٢٩٩/٤-٧٢٥٣٠٠٠٧٢٤٠/٣٠٠,)،
مختصرا ومطولا. عبد الرزاق في: "المصنف» (٣٩٢/٧-١٣٥٩٧/٣٩٣-١٣٥٩٩) اختلفت
ألفاظ هذا الحديث، ففي بعضها (( إن زنت الثالثة)) وفي بعضها فإن عادت في الرابعة.

الحدود
٤٧٣
والإحصان في كلام العرب، على وجوه، منها: الإسلام، ومنها
العفة، ومنها التزويج، ومنها الحرية، إلا أنه في الإماء ههنا على
وجهين، منهم من يقول: فاذا احصن: زوجن أو تزوجن، ومنهم من
يقول: إحصانها: إسلامها، فمن قرأ أحصن - بفتح الألف، فمعناه:
تزوجن أو أسلمن على مذهب من قال ذلك، وأما من قرأ- بضم
الالف- فمعناه زوجن أي أحصن بالازواج- يريد احصنهن غيرهن-
يعني الازواج بالنكاح. وقد قيل: أحصن بالإسلام. فالزوج يحصنها،
والإسلام يحصنها. والمعنيان متداخلان في القولين. فممن قرأ بضم
الالف وكسر الصاد في احصن: ابن عباس، وأبو الدرداء، وسعيد بن
جبير، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة ، وابن كثير، والاعرج، وأبو
جعفر، ونافع، وسلام، والقاسم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو
رجاء، ومحمد بن سيرين- على اختلاف عنه، وأبو عمرو، وقتادة،
وعيسى، وسلام، ويعقوب، وأيوب بن المتوكل، وابن عامر، وأبو
عبدالرحمن المقرئ.
واختلف في ذلك عن الحسن، وعاصم، فروي عنهما الوجهان
جميعا. وكان ابن عباس يقول: اذا احصن بالازواج، وكان يقول:
ليس على الامة حد حتى تحصن بزوج . وروى عطية بن قيس، عن
أم الدرداء، عن أبي الدرداء. مثله. وهو مذهب كل من قرأ بهذه
القراءة. وروى أهل مكة، عن عمر بن الخطاب ما يضارع هذا
المذهب، روى عمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، عن الحارث بن
عبد الله بن أبي ربيعة، عن أبيه، انه سأل عمر بن الخطاب، عن الأمة
كم حدها. فقال: ألقت فروتها وراء الدار. قال أبو عبيد: لم يرد عمر
- رحمه الله- بقوله هذا- الفروة بعينها، لان الفروة جلدة الرأس-كذا
قال الاصمعي، وكيف تلقي جلدة رأسها من وراء الدار، ولكن إنما
أراد بالفروة القناع، يقول: ليس عليها قناع ولا حجاب، لأنها تخرج

فتح البر
٤٧٤
الى كل موضع يرسلها أهلها اليه، لا تقدر على الإمتناع من ذلك،
ولذلك لا تكاد تقدر على الامتناع من الفجور، فكأنه رأى أن لا حد
عليها إذا فجرت بهذا المعنى. قال: وقد روي تصديق هذا في حديث
مفسر: حدثناه يزيد، عن جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم،
قال: تذاكرنا يوما قول عمر هذا، فقال سعيد بن حرملة: إنما ذلك من
قول عمر في الرعايا، فأما اللواتي قد أحصنهن مواليهن، فإنهن إذا
احدثن جردن. قال أبو عبيد: أما الحديث : فرعايا، وأما العربية
فرواعي.
قال أبو عمر:
ظاهر حديث عمر أن لا حد على الأمة، إلا أن تحصن بالتزويج،
وقد قيل إن معناه ان لا حد على الامة كانت ذات زوج أو لم تكن-
لأنها لا حجاب عليها ولا قناع- وإن كانت ذات زوج.
وقد روي عن ابن عباس ان لا حد على عبد ولا ذمي(١)، وهو
محتمل يحتمل التأويل ، وروي عنه أيضا: ان ليس على الامة حد
حتى تحصن بحر. رواه ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
عنه(٢) . وهو قول طاوس وعطاء. روى ابن جريج، عن ابن طاوس،
عن أبيه أنه كان لا يرى على العبد حدا، إلا أن ينكح الأمة حر
فيحصنها فيجب عليها شطر الجلد(٣). قال ابن جريج: قلت لعطاء:
فزنى عبد ولم يحصن ، قال جلد غير حد(٤).
(١) أخرجه عبد الرزاق: "المصنف": (١٣٦١٥/٢٩٦/٧).
(٢) هق: (٢٤٣/٨)، وعبد الرزاق في المصنف: (١٣٦١٩/٣٩٧/٧).
(٣) أخرجه عبد الرزاق: "المصنف": (٣٩٧/٧ /١٣٦٢٠).
(٤) أخرجه عبد الرزاق: "المصنف" (١٣٦٢١/٣٩٧/٧).

الحدود
١٤٧٥
قال أبو عمر: هذا مذهب كل من لا يرى على الامة حدا حتى
تنكح، انها تؤدب وتجلد دون الحد إذا زنت. وتأولوا حديث أبي هريرة
وزيد بن خالد على هذا المعنى. وممن قرأ بفتح الالف والصاد
أحصن: علي بن أبي طالب. وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر،
وشيبة بن نصاح، ومسلم بن جندب، والزهري، وعطاء والشعبي،
وزر بن حبيش، والاسود بن يزيد، وابراهيم النخعي، ويحيى بن
وثاب، والاعمش، وطلحة بن مصرف، وعيسى الكوفي، وطلحة بن
سليمان، وخلف بن هشام، وابن أبي ليلى، وأبان بن ثعلب، وعاصم
الجحدري، وعمرو بن ميمون، والحكم بن عتيبة، ويونس بن عبيد،
وحمزة، والكسائي، وابن ادریس.
واختلف في ذلك عن عاصم، والحسن، وابن سيرين، وكل هؤلاء
يرون الحد على الامة إذا زنت، وهي مسلمة ذات زوج كانت أو غير
ذات زوج خمسين جلدة، وتأويل أحصن عند هؤلاء من أهل العلم
على وجهين: أحدهما: اسلمن، والثاني: عففن، وليس عففن
بشيء، لأنه يستحيل ان يكون عففن، فإن اتين بفاحشة يعني الزنا
والله أعلم.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك،
قال: حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل، قال : حدثني أبي، قال:
حدثنا حجاج، قال هارون: أخبرني معمر عن الزهري، قال: سألته
عنها فقال تقرأ أحصن- مفتوحة الالف- وتفسيره على وجهين: على
أسلمن وعففن .
ورواه وهيب عن هارون، فجعل التفسير من قول هارون، قال
وهيب: أخبرنا هارون عن معمر، عن الزهري: فإذا أحصن منصوبة-

فتح البر
(٤٧٦
قال هارون: وتفسير هذا على وجهين: بعضهم يقول: اذا أسلمن،
وبعضهم يقول: اذا عففن.
وروى الثوري عن حماد عن ابراهيم، أن معقل بن مقرن المزني،
جاء الى عبد الله بن مسعود فقال: ان جارية لي زنت، قال: اجلدها
خمسين. قال: ليس لها زوج، قال: إسلامها احصانها (١)، وروى أبو
اسحاق، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان
يقرأ: فإذا أحصن يقول: فاذا أسلمن (٢).
وروى أهل المدينة، عن عمر بن الخطاب ما وافق هذا المعنى وهو
أصح - إن شاء الله .
رواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار، قال:
أخبرني عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، قال: أحدث ولائد من رقيق
الامارة، فأمر بهن عمر بن الخطاب، وأمر شبابا من شباب قريش
فجلدوهن الحد، قال: فكنت فيمن جلدوهن(٣). رواه عن يحيى بن
سعيد، مالك وابن جريج، وابن عيينة، وغيرهم. وروى معمر عن
الزهري: أن عمر بن الخطاب جلد ولائد من الخمس أبكارا في
الزنا (٤).
قال أبو عمر:
فهذا خلاف حديث القت فروتها من وراء الدار عن عمر وهو
(١) هق: (٢٤٣/٨)، عبد الرزاق: في " المصنف": (١٣٦٠٤/٣٩٤/٧)، وابن جرير
الطبري: في التفسير: (٢٢/٥).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: (٢٣/٥).
(٣) هق: (٣٤٢/٨)، وعبد الرزاق: "المصنف" (١٣٦٠٩/٣٩٥/٧).
(٤) أخرجه عبد الرزاق: في المصنف: (١٣٦١١/٢٩٦/٧)، وابن جرير الطبري في التفسير
(٢٣/٥).

الحدود
٤٧٧
أثبت. واختلف عن أنس في هذه المسألة. فروى سلام بن مسكين عن
حبيب بن أبي فضالة، عن صالح بن كريز، عن أنس، أنه قال في أمة
له: لا تجلدوها، وما كان عليك من ذنب فعلي(١).
وروى هشيم عن داود، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال:
شهدت انس بن مالك يضرب إماءه الحد إذا زنين- تزوجن أو لم
يتزوجن. وروى معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر في الامة
إذا زنت، قال: اذا كانت ليست ذات زوج، جلدها سيدها نصف ما
على المحصنات من العذاب، وان كانت ذات زوج، رفع أمرها الى
السلطان(٢).
قال أبو عمر:
ظاهر قول اللهعز وجل يقضي أن لا حد على الأمة، وإن كانت
مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وان لم تحصن،
فكان ذلك زيادة بیان.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾
[النساء: (٢٥)]. فوصفهن بالإِيمان ثم قال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ
بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: (٢٥)].
والإحصان التزويج ههنا، لان ذكر الإيمان قد تقدم، ثم جاءت
السنة في الامة إذا زنت ولم تحصن. فقيل جلد دون الحد، وقيل: بل
الحد، ويكون زيادة بيان كنكاح المرأة على عمتها وخالتها، ونحو ذلك
(١) أخرجه عبد الرزاق: "المصنف": (٣٩٨/٧/ ١٣٦٢٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق: "المصنف": (١٣٦١٠/٣٩٥/٧).

فتح البر
٤٧٨
مما يطول ذكره. وقد مضى مكررا هذا المعنى في غير موضع من كتابنا
هذا- والحمد لله. قال الزهري: مضت السنة أن يحد العبد والامة
أهلوهم في الزنا، إلا أن يرفع أمرهم الى السلطان، فليس لأحد أن
يفتات عليه(١) .
قال أبو عمر:
روى الثوري عن عبد الأعلى، عن ميسرة، عن علي، أن النبي
وَلَّه قال: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم(٢).
واختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث، فقال مالك: يحد المولى
عبده وامته في الزنا وشرب الخمر، والقذف، إذا شهد عنده الشهود،
ولا يقطعه في السرقة، وإنما يقطعه الإمام. وهو قول الليث. وقال
أبو حنيفة: يقيم الحدود على العبيد والاماء السلطان دون المولى في
الزنا، وفي سائر الحدود. وهو قول الحسن بن حي. وقال الثوري في
رواية الاشجعي عنه: يحده المولى في الزنا. وهو قول الاوزاعي.
وقال الشافعي: يحده المولى في كل حد. ويقطعه. وحجته قول
رسول الله : اذا زنت أمة احدكم، فليجلدها. وقوله وَله، أقيموا
الحدود على ما ملكت أيمانكم.
(١) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف": (١٣٦٠٦/٣٩٥/٧).
(٢) أخرجه: حم: (٩٥/١-١٣٥-١٤٥)، د: (٤٤٧٣/٦١٧/٤)، هق: (٢٢٩/٨-٢٤٥)،
قط: (١٥٨/٣)، البغوي في شرح السنة: (١٠/ ٢٥٨٩/٣٠٠)، والطحاوي في شرح معاني
الآثار: (١٣٦/٣)، وعبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي، فيه ضعف. وقد تابعه عبد الله بن
أبي جميلة عند البيهقي (٢٤٥/٨) وهو مجهول كما في التقريب (٤٨٤/١) قال الحافظ في
التلخيص (٥٩/٤) بعد ذكره للحديث: ((وأصله في مسلم موقوف من لفظ علي في حديث.
وغفل الحاكم فاستدركه)) .
قلت: أخرجه: م: (٣/ ١٧٠٥/١٣٣٠[٣٤])، ت: (١٤٤١/٣٧/٤) وصححه،
هق: (٢٤٤/٨-٢٤٥)، والطيالسي في " مسنده" (١١٢).

٤٧٩
الحدود
وروي عن جماعة من الصحابة، أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم،
منهم ابن عمر، وابن مسعود، وانس، ولا مخالف لهم من الصحابة.
وروي عن ابن أبي ليلى قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة
من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم.
وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله: ما روي عن الحسن، وعبدالله
ابن محيريز، ومسلم بن يسار، انهم قالوا: الجمعة والزكاة والحدود
والفيء والحكم، الى السلطان. وروي عن الاعمش، أنه ذكر له إقامة
عبد الله بن مسعود حدا بالشام، فقال الاعمش: هم أمراء حيثما
كانوا .
وأما قوله ◌َّ في حديثنا المذكور في هذا الباب: ثم ليبعها ولو
بضفير. فهذا على وجه الاختيار والحض على مباعدة الزانية، لما في
ذلك من الاطلاع ربما على المنكر والمكروه، ومن العون على الخبث،
قالت أم سلمة: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا
كثر الخبث(١)، وتفسيره عند أهل العلم: أولاد الزنا.
وقد احتج بهذا الحديث من لم ير نفي الإماء بعد إقامة الحد
عليهن، لقوله وَّ: ثم ان زنت فاجلدوها، ثم بيعوها، ولم يقل:
فانفوها. وقد تقدم اختلاف العلماء في نفي الزناة في الباب قبل هذا-
والحمد لله.
وأجمع الفقهاء أن الأمة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربها-
وإن اختاروا له ذلك. وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها إذا زنت في
الرابعة، منهم داود وغيره.
(١) أخرجه من حديث زينب بنت حجش: حم: (٤٢٨/٦)، خ: (٧٠٥٩/١٣/١٣).
م: (٤ /٢٢٠٧- ٢٢٠٨ / ٢٨٨٠[١-٢])، ت: (٤١٦/٤-٤١٧ /٢١٨٧).
ن: في الكبرى: (٦/ ٣٩١-١١٣١١/٤٠٧-١١٣٣٣).

فتح البر
٤٨٠
وفي هذا الحديث دليل على أن التغابن في البيع، وان المالك
الصحيح الملك جائز له أن يبيع ما له القدر الكبير بالتافه اليسير، وهذا
لاخلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك. واختلفوا فيه إذا لم
يعرف قدر ذلك، فقال قوم، إذا عرف قدر ذلك جاز، كما تجوز الهبة
لو وهب، وقال آخرون: عرف قدر ذلك أو لم يعرف، فهو جائز إذا
کان رشیدا، حرا بالغا.
والحجة لمن ذهب هذا المذهب، قوله وَ له: دعوا الناس يرزق
الله بعضهم من بعض، ولا يبع حاضر لباد. وسنوضح هذا المعنى في
أولى المواضع به من كتابنا هذا- إن شاء الله، والضفير الحبل قيل من
سعف النخيل، وقيل حبل الشعر- والله أعلم بالصواب.