Indexed OCR Text

Pages 181-200

الغنائم
١٨١.
النصف وهي الكتيبة والوطيح وسلالم ووخدة. وكان الباقي
للمسلمين: نطاة والشوق. قال موسى بن عقبة: ولم يقسم من خيبر
شيء إلا لمن شهد الحديبية. قال ابن عقبة: وقد ذكروا والله أعلم أنه
قدم على رسول الله ناس كثير بخيبر، فرأى أن لا يخيب مسيرهم،
وسأل أصحابه أن يشركوهم. قال: ولما قدم رسول اللّه عليه من
الحديبية، مكث عشرين ليلة أو قريبا منها، ثم خرج غازيا الى خيبر،
وكان اللهوعده اياها وهو بالحديبية. وقال ابن اسحاق: كانت قسمته
خيبر لأهل الحديبية، مع من شهدها من المسلمين ممن حضر خيبر، أو
غاب عنها من أهل الحديبية، وذلك أن الله أعطاهم اياها في سفره
ذلك. قال ابن اسحاق: وحدثنا نافع مولى ابن عمر أن عمر قال: أيها
الناس أن رسول الله ﴾ عامل يهود خيبر على أن نخرجهم اذا شئنا،
فمن کان له مال فلیلحق به ، فاني مخرج یهود فأخرجهم(١). وروی
ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما
افتتحت خيبر، سألت يهود رسول الله عليه أن يقرهم على أن يعملوا
على النصف مما يخرج منها ، فقال رسول الله عنه: أقركم فيها ما
شئنا، فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السهام من نصف
خيبر يريد - والله أعلم- ما افتتح عنوة منها بالغلبة والقتال قسم على
السهام كما يقسم السبي، وما كان فيئا، كان له ولأهله ولنوائب
المسلمين (٢). وعلى هذا تأتلف معاني الآثار في ذلك عند أهل العلم.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود،
حدثنا يعقوب بن ابراهيم، وزياد بن أيوب، أن اسماعيل بن ابراهيم
(١) د: (٣٠٠٧/٤٠٩/٣) من طريق ابن إسحاق حدثني نافع مولى ابن عمر
[عن ابن عمر] × أن عمر قال: فذكره.
(*) ما بين المعقوفتين ساقط من التمهيد.
(٢) م: (١٥٥١/١١٨٧/٣[٤])، ود: (٤٠٩/٣ - ٣٠٠٨/٤١٠).

فتح البر
١٨٢
حدثهم عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، أن رسول الله علّه غزا
خيبر، فأصبناها عنوة مجمع السبي(١) وليس هذا بخلاف لما ذكرنا، ألا
ترى الى ماذكر ابن اسحاق عن الزهري، وعبد الله بن ابي بكر، أن
حصونا من خيبر لما رأى أهلها ما افتتح عنوة منها تحصنوا، وسألوا
رسول الله عَّ أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل
فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول اللّه عَلَّه خاصة، لانه لم
يوجف عليها بخيل ولا ركاب(٢) ، وخرج عنها أهلها للرعب، فهذا
قول ابن شهاب، وهو القائل فيما حكاه عنه يونس ومعمرقال: خمس
رسول الله عَّه خيبر، ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها
من أهل الحديبية (٣). ومعلوم أنه لا يخمس ما لم يوجف عليه بخيل
ولا ركاب، ولا يجعل نصفها لنوائبه ونصفها للمسلمين، على ما قال
بشير بن يسار وغيره وهو عنوة، فهذا كله يدل على أن ما كان منها
مأخوذا بالغلبة قسم على أهل الحديبية ومن شهدها وخمس، وما كان
منها مما انجلى عنه أهله وأسلموه بلا قتال، حكم فيه رسول الله عَ ليه
بحكم الفيء، واستخلص منه لنفسه، كما فعل بفدك، فقف على هذا
وتدبر الآثار، تجدها على ذلك ان شاء الله. وحدثنا عبد الوارث بن
سفيان، قال: حدثنا أحمد بن دحيم، قال: حدثنا ابراهيم بن حماد،
قال: حدثني عمي اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا سليمان بن
حرب، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن
(١) د (٣/ ٣٠٠٩/٤١٠)، من طريق اسماعيل بن ابراهيم عن عبد العزيز به. وأخرج نحوه: م
(١٣٦٥/١٤٢٧/٣[١٢٠]) بنفس الطريق.
(٢) د (٣٠١٦/٤١٤/٣) من طريق محمد بن اسحاق عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر.
والحديث مرسل.
(٣) د (٣٠١٩/٤١٥/٣) وهو مرسل.

١٨٣
الغنائم
أبي عمار، عن أبي هريرة قال: كانت خيبر لأهل الحديبية خاصة (١).
قال: وحدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال:
حدثنا يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، أن النبي عَّ قسم خيبر
على ستة وثلاثين سهما، فجعل لنفسه النصف ثمانية عشر سهما،
وللناس النصف (٢).
قال أبو عمر:
روى هذا الحديث الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن
يسار، عن سهل بن ابي حثمة، قال: قسم رسول الله عَّ خيبر
نصفين، نصفا لنوائبه وحاجته، ونصفا بين المسلمين، قسمها بينهم
على ثمانية عشر سهما (٣). قال اسماعيل، وحدثنا ابراهيم بن حمزة،
قال حدثنا حاتم بن اسماعيل عن أسامة بن يزيد، عن الزهري، عن
مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قال عمر بن الخطاب: كان الرسول
الله عَّ ثلاث صفايا بني النضير وخيبر وفدك (٤)، قال اسماعيل:
يعني خيبر ما كان بغير قتال، فجرى مجرى بني النضير. قال وكذلك
فدك، إنما صالح أهلها حين بلغهم ما كان من أمر خيبر، فصالحوا
رسول الله ﴾ حتى حقن دماءهم.
قال: ولم تختلف الرواية في أن خيبر قسمت على أهل الحديبية من
حضر خيبر ومن لم يحضر، وإنما اختلفت الرواية فيمن حضر فتح
خيبر ولم يحضر الحديبية، فقال بعضهم: قد أدخلوا في قسمتها،
(١) حم: (٥٣٥/٢)، والدارمي (٢٢٦/٢)، وفيه علي بن زيد بن جدعان.
(٢) د (٤١٢/٣-٣٠١٣/٤١٣-٣٠١٤) مرسلا. وأخرجه موصلا
(٤١١/٣-٣٠١١/٤١٢-٣٠١٢).
(٣) د: (٤١٠/٣-٣٠١٠/٤١١) من طريق سفيان عن يحيى به؛ والحديث سكت عنه المنذري.
(٤) هق: (٢٩٦/٦).

فتح البر
١٨٤
وقال بعضهم: لم يدخلوا في ذلك: قال اسماعيل: فاذا كان أمر خيبر
على هذه الصفة، وعلى هذا الخصوص الذي وقع فيها، فكيف يجوز
أن يجعل أصلا يقاس عليه ما افتتح بعدها من السواد وغيره، قال:
ويجب على من قاس أمر السواد وغيره على أمر خيبر أن يقسم السواد
على من حضر الوقعة وعلى من لم يحضرها قسمت خيبر على من
حضر الوقعة وعلى من لم يحضرها من أهل الحديبية. وهذا الموضع
الذي ذكرت أنه لم تختلف الرواية فيه. قال وكيف يجوز أن يترك
ظاهر ما أنزل الله على رسوله فيما أفاء الله على رسوله من أهل القرى
ويحتج في ذلك بأمر خيبر الذي هذه صفته.
قال أبو عمر:
وزعم أبو جعفر الطحاوي أن خيبر لم تقسم في عهد رسول الله
عَّ، وإنما قسمت في زمن عمر بن الخطاب، قال: وأما ما كان على
ذلك من رسول الله عَّه فيها، فإنما هوقسمة جمع لانه جعل كل مائة
سهم كسهم واحد، ثم جزأ غلاتها على ذلك، ولم يقسم الأرض.
أخبرنا بذلك أحمد بن عبدالله، قال: حدثنا الميمون بن حمزة، قال:
سمعت الطحاوي فذكره.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة قال: حدثنا بن
فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار، عن رجال من
أصحاب رسول الله عَّ أدركهم أن رسول الله عَّ لما ظهر على خيبر،
وصارت خيبر لرسول الله عَّ وللمسلمين ضعفوا عنها، فدفعها رسول
الله عَّ الى اليهود على أن له النصف، ولهم النصف، فجعلها رسول

الغنائم
١٨٥
١
الله عليه نصفين، فكان في ذلك النصف سهام المسلمين وسهم النبي
عَّ معها، وجعل النصف الآخر لمن نزل به من الوفود والامور
ونوائب الناس(١).
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود،
حدثنا محمد بن مسكين اليمامي قال: حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا
سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، أن رسول
الله وَ له لما أفاء الله عليه خيبر، قسمها ستة وثلاثين سهما جمع
للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهما جمع كل سهم مائة سهم، والنبي
◌َّ معهم كسهم أحدهم، وعزل رسول الله عَّه ثمانية عشر سهما،
وهو الشطر لنوائبه وما ينزل من أمر الناس، فكان ذلك الوطيح،
والكتيبة، والسلالم وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبي عَّ لم
يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله عَّ اليهود
فعاملهم(٢).
وهذا الحديث أهذب ما روي في هذا الباب معنى، وأحسنه اسنادا،
وهو يوضح ما ذكرنا وبالله توفيقنا، وقد روي هذا الحديث عن بشير،
عن سهل بن ابي حثمة، رواه وكيع عن الثوري، عن يحيى بن
سعيد، عن بشير، عن سهل مختصرا (٣).
وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
عبيد بن عبد الواحد، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال:
حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق، قال: حدثني عبد الله بن
أبي بكر، عن عبد الله بن مكتف أحد بني حارثة، قال: لما أخرج عمر
(١) حم: (٣٦/٤-٣٧)، د: (٣/ ٣٠١٢/٤١٢).
(٢) د: (٤١٢/٣-٣٠١٤/٤١٣) مرسلا ، وقد تقدم موصولا.
(٣) سبق تخريجه في هذا الباب.

فتح البر
= ١٨٦
يهود خيبر، ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه بجبار بن
صخر بن أمية بن كعب، وكان خارص المدينة وحاسبهم، وزيد بن
ثابت، فهما قسما خيبر على أهلها على أصل جماعة السهمان التي
کانت علیھا .
وقال اسماعيل: وأما قول أبي عبيد انه يجوز للإمام أن يقسم ما
افتتح عنوة، كما قسمت خيبر، ويجوز أن لا يقسم ذلك ويفعل فيه
كما فعل عمر في أرض السواد، فهو كلام من لا يحصل ما يقول،
لأن الذي يحصل كلامه لا يقول في رجل ملكه اللهشيئا، ان للإمام إن
شاء أعطاه، وإن شاء منعه، هذا ما لا يجوز عند ذي نظر ولا فهم.
قال أبو عمر:
أراد اسماعيل بقوله هذا أن الأرض ليس للغانمين فيها شيء، لانه
لو كان لهم فيها شيء، ما أعطى رسول الله عَّ ذلك الشيء أو بعضه
لغيرهم ولما منعوه، والذي ذهب اليه اسماعيل تخصيص آية الانفال
﴿ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَ لِلَّهِ مُسَهُ ﴾
في قوله: ﴿
[الأنفال: (٤١)].
وإن هذا لفظ عموم بقوله ( من شيء) يريد به الخصوص، والمراد
بذلك عنده الذهب والفضة وسائر الامتعة والسعي، وأما الأرض فغير
داخلة في عموم هذا اللفظ، واستدل على ما ذهب اليه من ذلك
بأشياء، منها: ظاهر قوله عز وجل: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ اٌلْقُرَى﴾ [الحشر: (٧)]. إلى قوله ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ إلى
قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ جَلَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: (١٠)]. ومنها فعل عمر
ابن الخطاب في توقيفه أرض السواد. ومنها أن الغنائم التي أحلت
للمسلمين، هي التي كانت محرمة على الامم قبلهم وهي التي كانت
النار تأكلها. قال: ولم تختلف الرواية في أن هارون عليه السلام أمر

الغنائم
١٨٧
بني اسرائيل أن يحرقوا ما كان بأيديهم من متاع فرعون، فجمعوه
وأحرقوه ، وألقى السامري فيه القبضة التي كانت بيده من أثر الرسول
يقال من أثر جبريل، فصارت عجلا له خوار. ومعلوم أن الأرض لم
تجر هذا المجرى، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال: ﴿كَمْ
ا وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ
٢٦
وَزُرُوِعٍ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ !
٢٥
تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُودٍ
٢١
كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ [الدخان: (٢٥ - ٢٨)]. وهذا الذي ذهب
اليه اسماعيل واحتج له، هو مذهب مالك وأصحابه، وهو الصحيح
في هذا الباب ان شاء الله، لان عمر بن الخطاب لم يقسم أرض
السواد ومصر والشام، وجعلها مادة للمسلمين، ولمن يجيء بعد
الغانمين، واحتج بالآية التي في سورة الحشر التي احتج بها اسماعيل
ولا أعلم أحدا من الصحابة روي عنه بعد عمر انكار لفعل عمر.
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو علي محمد بن القاسم بن
معروف، قال حدثنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا احمد بن سنان،
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن
أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: لولا آخر الناس ما افتتحت قرية إلا
قسمتها، كما قسم رسول الله عَ﴾ خيبر (١).
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود،
حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن مالك، عن زيد بن
أسلم، عن أبيه، عن عمر، قال: لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية
(١) حم: (٤٠/١)، د: (٣٠٢٠/٤١٥/٣)، وأخرجه: خ: (٢٣٣٤/٩٩/٣) من طريق
عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه.
(٢) سبق تخريجه : انظر الحديث الذي قبله.

فتح البر
١٨٨
إلا وقسمتها، كما قسم رسول الله عَّه خيبر(٢). وكذلك رواه عبد الله
ابن ادريس، عن مالك، عن زيد، عن أبيه، عن عمر. كما رواه ابن
مهدي وغيرهما يرسله عن مالك، عن زيد، عن عمر. ومما يصحح
هذا المذهب أيضا، مارواه أبو هريرة عن النبي ◌َّ انه قال: منعت
العراق قفيزها ودرهمها الحديث(١) بمعنى ستمنع. فدل ذلك على انها
لا تکون للغانمین، لان ما ملکه الغانمون لا یکون فیه قفیز ولا درهم،
ولو كانت الأرض تقسم كما تقسم الاموال، ما بقي لمن جاء بعد
الغانمين شيء، والله تعالى يقول: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾
[الحشر: (١٠)]. وذلك دليل على أن الأرض لا تقسم وإنما يقسم ما ينقل
من موضع إلى موضع.
قال اسماعيل: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا أبو
معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عليه: لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل
نار من السماء فتأكلها وذكر تمام الخبر(٢).
حدثنا عبد الوارث وسعید، قالا: حدثنا قاسم، حدثنا محمد،
حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّة: لم تحل الغنائم
لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها (٣).
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو
(١) حم: (٢٦٢/٢)، د: (٣٠٣٥/٤٢٦/٣)، وأخرجه:
م: (٤ /٢٢٢٠-٢٢٢١ /٢٨٩٦ [٣٣]) من طريقين آخرين عن زهير بهذا الإسناد.
(٢) حم: (٢٥٢/٢)، ت: (٢٥٣/٥-٣٠٨٥/٢٥٤)، وقال: حسن صحيح غريب.
حب: الإحسان (١١/ ٤٨٠٦/١٣٤).
(٣) تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله.

الغنائم
١٨٩
داود، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير يعني ابن معاوية، قال:
أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَّة: منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها
ودينارها ومنعت مصر اردبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم،
شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه (١). قال أبو جعفر الطحاوي
منعت بمعنى ستمنع. واحتج بهذا الحديث لمذهب عمر في إيقاف
الأرض وضرب الخراج عليها، على مذهب الكوفيين. وكان الثوري
وأبو حنيفة وأصحابه يذهبون، الى أن الإمام بالخيار، ان شاء قسمها
وأهلها بين الغانمين، وإن شاء أقر أهلها عليها، وجعل عليها وعليهم
الخراج، وتكون الأرض ملكا لهم، يجوز بيعهم لها وشراؤهم. وقال
الشافعي: ماكان عنوة فخمسها لأهلها، وأربعة أخماسها للغانمين،
فمن طاب نفسا عن حقه، جاز لإمامه أن يجعلها وقفا على المسلمين،
ومن لم تطب نفسه بذلك، فهو أحق بماله، وكان الشافعي يذهب الى
أن الأرض العنوة غير مملوكة، ولا يجوز بيعها ولا رهنها، وهو قول
ابن شبرمة، وعبيد الله في جملة بيعها ولا رهنها، وهو قول ابن
شبرمة، وعبيد الله بن الحسن، وقول مالك بن أنس أيضا في جملة
أرض العنوة على ما ذكرنا من أقوالهم في قسمتها أو توقيفها، فاذا
قسمت، ملك كل نصيبه في قول من أجاز قسمتها، فإن وقفت على
الوجوه التي ذكرنا عن طيب نفس من الغانمين، أو على مذهب
عمر في قول مالك وغيره، فهي غير مملوكة. وذهب أبو حنيفة والثوري
وابن أبي ليلى الى انها مملوكة لأهلها الذين أقرت في أيديهم على ما
ذكرنا عنهم، وأجاز مالك بيع أرض الصلح ورهنها، وجعلها ملكا
لأهلها الذين صالحوا عليها، قال: ومن أسلم منهم، كان أحق بأرضه
وماله، قال: ومن أسلم من أهل العنوة أحرز نفسه وصارت أرضه
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
١٩٠
للمسلمين، لان بلادهم صارت فيئا للمسلمين، وحكم الأرض عندهم
حكم الفيء.
وقال الشافعي: كل ما حصل، من الغنائم من أهل دار الحرب من
شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك، قسم، إلا
الرجال البالغون فإن الإمام فيهم مخير بين أن يمن أو يقتل أو يفادي أو
یسبي .
وسبيل ما سبي منهم، أو أخذ من شيء على اطلاقهم، سبيل
الغنيمة. ومن الحجة لمن قال تقسم الارض كما تقسم سائر الغنائم،
عموم قول الله عز وجل: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: (٤١)].
والأرض مغنومة لا محالة كسائر الغنيمة، فوجب ان تقسم كما تقسم
الغنائم كلها، وقد قسم رسول اللّه ◌َّ﴾ ما افتتح عنوة من خيبر، على
قسمة الغنائم الأربعة أخماس لأهل الحديبية، وهم الذين وعدهم الله
بها وشهدوا فتحها، قالوا: وهذا أمريستغني فيه عن نقل الاسناد،
لشهرته عند جميع أهل السير والاثر، ولم يستثن اللهعز وجل أرضا
من غيرها من الغنائم. ولو جاز أن يدعى الخصوص في الأرض، جاز
أن يدعى في غير الأرض، فيبطل حكم الآية. قالوا: ولا معنى لما
احتج به مخالفنا من آية سورة الحشر، لان ذلك إنما هو في الفيء،
لا في الغنيمة، وجملة الفيء ما رجع الى المسلمين من المشركين بلا
قتال، مثل من يترك بلاده ويخرج عنها لما لحقه من الرعب الذي به
نصر رسول الله عَّه، قال عَّة: نصرت بالرعب مسيرة شهر (١). ومثل
ما صالح عليه أهل الكفر، وما يؤخذ منهم من الجزية، وما تأتى به
(١) حم: (٣٠٤/٣)، خ: (٣٣٥/١٠٩/١)، م: (١/ ٣٧٠ - ٣/٣٧١)، ن:
(٢٢٩/١-٤٣٠/٢٣١) من طريق هشيم عن سيار أبي الحكم عن يزيد بن صهيب الفقير عن
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

١٩١
الغنائم
الريح من مراكب العدو بغير أمان، أو يموت منهم ميت في بلاد
المسلمين لا وارث له فكل هذا وما كان مثله مما يفيئ الله على المسلمين
بغير قتال ولا مؤونة حرب، فهو الفيء الذي قصد بالآية التي في
سورة الحشر، فقسم على ما ذكر فيها، نحو قسم خمس الغنيمة، ولم
يقصد بذلك إلى الأرض المغنومة. قالوا: ولا دليل في الآية على
ما ذهب إليه مخالفنا، لأن قوله عز وجل: ﴿وَلَّذِينَ جَلَّمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾
[الحشر: (١٠)]. إنما هو استئناف كلام للدعاء لهم بدعائهم لمن
سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك، قالوا وليس يخلو فعل عمر رضي الله
عنه في توقيفه الأرض من أحد وجهين، إما أن تكون غنيمة استطاب
أنفس أهلها، فطابت بذلك فوقفها، وكذلك روى جرير أن عمر
استطاب نفوس أهلها، وكذلك صنع رسول الله عَّ في سبي هوازن،
استطاب أنفس الغانمين عما كان بأيديهم على ما نقله ثقات العلماء،
وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئا، فلم يحتج في ذلك الى مراضات
أحد .
قال أبو عمر:
القول في هذه المسألة طويل بين العلماء المختلفين فيها، وفيما ذكرنا
منها كفاية لمن فهم. فهذا ما أوجبه العلم من القول في فتح خيبر، وما
جرى مجراها من أرض الغنائم. حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث
ابن سفيان قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا جعفر بن محمد
الصائغ، قال حدثنا محمد بن سابق، قال حدثنا ابراهيم بن طهمان،
عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: أفاء الله على رسوله خيبر،
(١) حم: (٣٦٧/٣) مطولا، ود: (٣٤١٤/٦٩٩/٣)، وفيه عنعنة أبي الزبير عن جابر وسيأتي
التصريح بالسماع في موضع أخر من هذا الباب.

فتح البر
١٩٢
فأقرهم رسول الله وَلّ كما كانوا، وجعلها بينهم وبينه، وبعث
عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم(١).
حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم ، قال حدثنا عبيد بن
عبد الواحد بن شريك، قال حدثنا احمد بن محمد بن أيوب، قال
حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن اسحاق، قال: حدثني نافع، عن
ابن عمر، قال: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود الى أموالنا
بخيبر نتعهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال فعدي علي تحت
الليل وأنا نائم، ففدعت يداي من مرفقي، فلما أصبحت استصرخ
علي صاحباي فأتياني فسألاني من صنع هذا بك؟ فقلت لا أدري؟
قال: فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر، فقال: هذا عمل
يهود. ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس، أن رسول الله عَ ليه
كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على
عبد الله بن عمر ففدعوا يديه، كما قد بلغكم، مع عدوتهم على
الأنصار قبله، لا نشك أنهم أصحابه، ليس لنا عدو غيرهم، فمن كان
له مال بخيبر فلیلحق به، فاني مخرج يهود، فأخرجهم(١). وروی
الحجاج بن أرطاة عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله عَّهُ دفع خيبر
إلى أهلها بالشطر، فلم يزل معهم حياة رسول الله عَّة كلها، وحياة
أبي بكر كلها حتى بعثني اليهم عمر لاقاسمهم، فسحروني فتكوعت
يداي، فانتزعها عمر منهم (٢) وأما قوله في هذا الحديث أقركم ما
أقركم الله. فالمعنى في ذلك والله أعلم أنه عَّه كان يكره ان يكون
بأرض العرب غير المسلمين، وكان يحب أن لا يكون فيها دينان،
كنحو محبته في استقبال الكعبة، حتى نزلت ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِی
(١) حم: (١٥/١)، خ: (٢٧٣٠/٤٠٩/٥) بنحوه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر
رضي الله عنهما.
(٢) حم: (٢/ ٣٠) وفيه الحجاج بن أرطاة وفيه ضعف

١٩٣
الغنائم
السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ [البقرة: (١٤٤)]. وكان لا يتقدم في
شيء إلا بوحي، وكان يرجوا ان يحقق الله رغبته ومحبته، فذكر
لليهود ما ذكر، منتظرا للقضاء فيهم بإخراجهم عن أرض العرب، فلم
يوح إليه في ذلك شيء الى أن حضرته الوفاة، فأتاه في ذلك ما أتاه،
فذكر أن لا يبقى دينان بأرض العرب، وأوصى بذلك (١). وقد ذكرنا
جملا من هذا المعنى فيما سلف من كتابنا هذا، وقد ذكر معمر عن
ابن شهاب في هذا الحديث ما يدل رسول الله عَّ كأني بك وقد
وضعت كورك على بعيرك، ثم سرت ليلة بعد ليلة، فقال عمر: إنه
والله لا تمسون بها، فقال اليهودي: ما رأيت كلمة كانت أشد على من
قالها، ولا أهون على من قيلت له منها .
واختلف الفقهاء في المساقاة أيضا، فممن أجازها من فقهاء
الأمصار مالك والشافعي وأصحابهما، وجماعة أهل الحديث،
والثوري والأوزاعي، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وابن أبي
ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وكرهها أبو حنيفة وزفر
والحجة عليهما ثابتة بسنة رسول الله عَّه. حدثنا عبد الله بن محمد،
قال: حدثنا محمد بن بکر بن داسة، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا
أحمد بن حنبل، قال حدثنا يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن
-
(١) تقدم تخريجه في العقيدة - كتاب استثابة المرتدين- باب قاتل الله اليهود والنصارى ومن
شاكلهم .
(٢) م: (١٥٥١/١١٨٦/٣[١])، ود: (٦٩٥/٣-٣٤٠٨/٦٩٧). وأخرجه: حم: (١٧/٢)،
خ: (٢٣٢٩/٩٧/٣)، ت: (٦٦٦/٣-١٣٨٣/٦٦٧)، جه: (٢٤٦٧/٨٢٤/٢)، من طريق
يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما .

فتح البر
١٩٤
نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله عَّ عامل أهل خيبر بشطر ما
يخرج من ثمر أو زرع (٢). قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن الليث،
عن محمد بن عبد الرحمن بن غنم، عن نافع، عن ابن عمر، أن
النبي ◌َّ دفع الى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من
أموالهم، وأن رسول الله عَّه شطر ثمرها (١)، لم يذكر في هذا الخبر
أنه أخذ من الأرض شيئا وإنما أخذ من الثمرة، وهو حجة لمالك في
الغابة البياض للعامل. وقوله ان البياض كان بخيبر بين النخل تبعا لها
والله أعلم. والأحاديث في المساقاة متواترة، والمساقاة عند مالك
والشافعي جائزة سنين، لان المساقاة لما انعقدت فيما لم يخلق من
الثمرة في عام، كان كذلك ما بعده من الأعوام، ما لم يطل على
حسبما ذكرناه فيما تقدم من هذا الباب. وقد أجمعوا على أنه لا تجوز
المساقاة في ثمر قد بدا صلاحه، لانه يجوز بيعه إلا قولة عن الشافعي
وفرقة، والمشهور عن الشافعي أن ذلك لا يجوز. وأجمعوا على أنه لا
تجوز المساقاة إلا على جزء معلوم قل أوكثر، واختلفوا فيما تجوز فيه
المساقاة: فقال مالك تجوز المساقاة في كل أصل نحو النخل والرمان
والتين والفرسك والعنب والورد والياسمين والزيتون، وكل ما له أصل
ثابت يبقى. قال ولا تجوز المساقاة في كل ما يجنى ثم يخلف، نحو
القصب والبقول والموز، لان بيع ذلك جائز، وبيع ما يجنى بعده.
وقال مالك كان بياض خيبر يسيرا بين أضعاف سوادها، فاذا كان
البياض قليلا، فلا بأس أن يزرعه العامل من عنده. قال ابن القاسم
(١) ن: (٦٣/٧-٣٩٣٩/٦٤)، ود: (٣٤٠٩/٦٩٧/٣)، حدثنا قتيبة بن سعيد عن الليث بن
سعد عن محمد بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه: م:
(١٥٥١/١١٨٧/٣[٥])، ن: (٣٩٤٠/٦٤/٧) من طريق الليث بهذا الإسناد المذكور أعلاه
(*) في التمهيد: محمد بن عبد الرحمن بن غنم: بالميم، وفي سنن أبي داود: ابن غنج:
بالجیم.

الغنائم
١٩٥
فما نبت منه كان بين المساقين على حسب شركتهما في المساقاة، قال:
وأحل ذلك أن يلغى البياض اليسير في المساقاة للعامل، فيزرعه لنفسه
فما نبت من شيء كان له، وهو قول مالك، وقدر اليسير أن يكون
قدر الثلث من السواد. قال مالك: وتجوز المساقاة في الزرع إذا استقل
وعجز صاحبه عن سقيه ولا تجوز مساقاة إلا في هذه الحال بعد عجز
صاحبه عن سقيه. قال مالك: ولا بأس بمساقاة القثاء والبطيخ اذا
عجز عنه صاحبه، ولا تجوز مساقاة الموز، ولا القصب، حكى هذا
كله عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم وابن وهب. وقال محمد بن
الحسن: تجوز المساقاة في الطلع ما لم يتناه عظمه، فاذا بلغ حالا لا
يزيد بعد ذلك، لم يجز وان لم يرطب. وقال في الزرع: جائز
مساقاته مالم يستحصد، فان استحصد لم يجز. وقال الشافعي: لا
تجوز المساقاة إلا في النخل والكرم، لان ثمرها بائن من شجره، ولا
حائل دونه يمنع لاحاطة النظر اليه، وثمر غيرهما متفرق بين أضعاف
ورق شجره، لا يحاط بالنظر اليه، واذا ساقاه على نخل فيها بياض
عند الشافعي، فانه قال: ان كان لا يوصل إلى عمل البياض إلا
بالدخول على النخل، وكان لا يوصل إلى سقيه، إلا بشرك النخل في
الماء، وكان غير مثمر، جاز أن يساقى عليه في النخل، لا منفردا
وحده. قال: ولولا الخبر بقصة خيبر، لم يجز ذلك، قال: وليس
لمساقي النخل أن یزرع البیاض إلا باذن ربه، فان فعل، کان کمن زرع
أرض غيره. واختلفوا في مساقاة البعل: فأجازها مالك وأصحابه،
والشافعي، ومحمد بن الحسن، والحسن بن حي، وذلك عندهم على
التلقيح والزبر والحفر والحفظ وما يحتاج اليه من العمل. وقال الليث
لا تجوز المساقاة إلا فيما يسقى، قال الليث ولا تجوز المساقاة في
الزرع، استقل أو لم يستقل. قال: وتجوز في القصب، لان القصب
أصل. وأجاز الليث، وأحمد بن حنبل، وجماعة، المساقاة في النخل

فتح البر
١٩٦
والأرض بجزء معلوم كان البياض يسيرا أو كثيرا، وقد بينا مذهب
هؤلاء وغيرهم في كراء الأرض في باب داود وربيعة والحمد لله.
واختلفوا في الحين الذي لا تجوز فيه المساقاة في الثمار، فقال مالك:
لا يساقى من النخل شيء اذا كان فيها ثمر قد بدا صلاحه وطاب،
وحل بيعه، ويجوز قبل أن يبدو صلاحه ويحل بيعه. واختلف قول
الشافعي: فقال مرة يجوز وإن بدا صلاحه، وقال مرة لا يجوز. ولا
يجوز عند الشافعي أن يشترط على العامل في المساقاة ما لا منفعة فيه
في أصل الثمرة، وفيما يخرجه.

الغنائم
١٩٧
وفي الركاز الخمس
[١٠] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة، أن رسول الله عَّه قال: ((جرح
العجماء جبار وفي الركاز الخمس)) قال مالك: وتفسير الجبار انه لا دية
فیه(١).
وأما قوله تعَّه ((وفي الركاز الخمس)) فان العلماء اختلفوا في
الركاز، وفي حكمه، فقال مالك: الركاز في أرض العرب للواجد،
وفيه الخمس، قال: وما وجد من ذلك في أرض الصلح، فإنه لأهل
تلك البلاد، ولا شيء للواجد فيه، قال: وما وجد في أرض العنوة
فهو للجماعة الذين افتتحوها، وليس لمن أصابه دونهم. ويؤخذ
خمسه، قال ابن القاسم: كان مالك يقول في العروض والجوهر
والحديد والرصاص ونحوه يوجد ركازا، ان فيه الخمس، ثم رجع ،
فقال: لا أرى فيه شيئا، ثم آخر ما فارقناه عليه: ان قال فيه الخمس.
وقال اسماعيل بن اسحاق: كل ما وجده المسلمون في خرب الجاهلية
من أرض العرب التي يفتتحها المسلمون من اموال الجاهلية ظاهرة أو
مدفونة في الأرض، فهو الركاز ويجرى مجرى الغنائم يكون لمن وجده
أربعة أخماس ويكون سبيل خمسه، سبيل خمس الغنائم، يجتهد فيه
الإمام على ما يراه من صرفه في الوجوه التي ذكر الله من مصالح
المسلمين، قال :
(١) أخرجه من طرق عن أبي هريرة:
حم : (٢/ ٢٢٨ - ٢٣٩ - ٢٥٤ -٢٨٥ - ٣١٩ -٣٨٢ -٣٨٦ -٤١٥ - ٤٥٤ - ٤٥٦ - ٤٨٢ - ٤٩٣ -٤٩٩)
خ (١٤٩٩/٤٦٤/٣)، م(١٣٣٤/٣/ ١٧١٠[٤٥]). د(٣٠٨٥/٤٦٢/٣)،
ـه (٢/ ٨٩١ / ٢٦٧٣).
و(٣/٧١٥/٤-٤٥). ت (١٣٧٧/٦٦١/٣). جــ
ن(٤٧/٥-٤٨ /٢٤٩٤-٢٤٩٥-٢٤٩٦-٢٤٩٧)، الدارمي (٣٩٣/١) و (١٩٦/٢).

فتح البر
١٩٨٠
-
وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة لأنه مال كافر وجده مسلم، فأنزل
منزلة من قاتله وأخذ ماله، فان له أربعة أخماسه، وقال الثوري في
الركاز يوجد في الدار: إنه للواجد دون صاحب الدار. وفيه الخمس.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: الركاز من الذهب والفضة
وغيرهما مما كان من دفن الجاهلية أو البدرة أو القطعة يكون تحت
الأرض فيوجد بلا مؤنة وفيه الخمس وقول الطبري كقولهم سواء.
وقال أبو حنيفة ومحمد في الركاز يوجد في الدار: إنه لصاحب الدار،
دون الواجد. وفيه الخمس، وقال أبو يوسف هو للواجد، وفيه
الخمس، وان وجد في فلاة فهو للواجد في قولهم جميعا، وفيه
الخمس، ولا فرق عندهم بين أرض الصلح وأرض العنوة، وسواء
عندهم أرض العرب وغيرها، وجائز عندهم لواجده أن يحبس الخمس
لنفسه، إذا كان محتاجا، وله أن يعطيه للمساكين.
قال أبو عمر:
وجه هذا عندي من قولهم: أنه أحد المساكين، وانه لا يمكن
السلطان ان صرفه عليهم أن يعمهم به. وقال الشافعي: الركاز دفن
الجاهلية العروض وغيرها. وفيه الخمس، وسواء وجده في أرض عنوة
أو صلح، بعد ان لا يكون في ملك أحد، فان وجده في ملك غيره
فهو له ان ادعاه، وفيه الخمس، وان لم يدعه فهو للواجد، وفيه
الخمس، قال: وإن أصاب شيئا من ذلك في أرض الحرب أو منازلهم
فهو غنيمة له وللجيش وإنما يكون للواجد مالا يملكه العدو. مما لا
يوجد إلا في الفيافي.
قال أبو عمر:
أصل الركاز في اللغة: ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة وسائر
الجواهر. وهو عند الفقهاء أيضا كذلك، لأنهم يقولون في البدرة التي

الغنائم
١٩٩
توجد في المعدن مرتكزة بالأرض. لا تنال بعمل ولا بسعي
ولانصب، ففيها الخمس، لانها ركاز. ودفن الجاهلية لاموالهم عند
جماعة العلماء ركاز، لا يختلفون فيه اذا كان دفنه قبل الإسلام، من
الأمور العادية. وأما ما كان من ضرب الإسلام، فحكمه عندهم حكم
اللقطة لانه ملك مسلم، لا خلاف بينهم في ذلك، فقف على هذا
الأصل. وقد استدل بعض أصحابنا وغيرهم من هذا الحديث بقوله
عَّ: ((والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)) على ان الحكم في زكاة
المعادن غير الحكم في الركاز، لانه معَّه قد فصل بين المعادن والركاز،
بالواو الفاصلة. ولو كان المعدن والركاز حكمهما سواء لقال ﴾ ((
والمعدن جبار وفيه الخمس)) فلما قال: ((العجماء جرحها جبار والبئر
جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)) فلما قال: ((العجماء جرحها
جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)) علم ان حكم
الركاز غير حكم المعدن فيما وجد منه والله أعلم، وقد استدل قوم بما
ذكرنا وفي ذلك عندي نظر. وقد اختلف الفقهاء فيما يؤخذ من
المعادن .
فقال أبو حنيفة وأصحابه فيما خرج من المعادن من الذهب والفضة
والحديد والنحاس والرصاص، الخمس، وما كان في المعدن من
الذهب والفضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد فيما حصل بيده
مايجب فيه الزكاة، فزكاه لتمام الحول إن أتى عليه وهو نصاب عنده
الحول، هذا اذا لم يكن معه ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة، وإن كان
عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه الى ذلك، وزكاه. وكذلك
عندهم كل فائدة تضم في الحول الى النصاب من جنسها، وتزكى
بحول الاصل، وهو قول الثوري. قالوا وكلما ارتكز بالأرض من
ذهب أو فضة أو غيرهما من الجواهر، فهو ركاز، وفيه الخمس في

فتح البر
٢٠٠
قليله وكثيره على ظاهر قوله عَّة: ((وفي الركاز الخمس)). وقال
الاوزاعي: في ذهب المعدن وفضته الخمس ولا شيء غيرهما. وقال
مالك وأصحابه: لاشيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة
حتى يكون عشرين مثقالا ذهبا أو خمس أواقي فضة. واذا بلغتا هذا
المقدار. وجب فيهما الزكاة، ومازاد فبحساب ذلك ، ما دام في المعدن
نيل، فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر، فانه يبتدأ فيه الزكاة
مكانه، والمعدن عندهم بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه، ولا
ينتظر به حولا. فان انقطع عمله، ولم يكمل فيما خرج بذلك العمل
نصاب ثم ابتدأ العمل لم يضم ما خرج الى ما حصل بالعمل الأول.
كزرع ابتدئ حصاده. قال: وان وجد الذهب والفضة في المعدن من
غير كثير عمل كالبدرة وشبهها، فهو بمنزلة الركاز. وفيه الخمس، قال
مالك: وما وجد في المعدن بغير عمل فهو ركاز ، فيه الخمس. وقد
مضى ذكر زكاة المعدن خاصة. في باب ربيعة، وهذا كله تحصيل
مذهب مالك عند جماعة أصحابه. وروى ابن سحنون عن أبيه عن
ابن نافع عن مالك في البدرة تخرج من المعدن. ان فيها الزكاة، وإنما
الخمس في الركاز، وهودفن الجاهلية، قال مالك: ولا شيء فيما
يخرج من المعادن من غير الذهب والفضة، والمعادن في أرض العرب
والعجم. وقال في المعدن في أرض الصلح: اذا ظهر فيها فهو لأهلها.
ولهم أن يمنعوا الناس من العمل فيها، وان يأذنوا لهم، ولهم ما
يصالحون عليه من خمس أو غيره، قال مالك: وما فتح عنوة فهو الى
السلطان يفعل فيه ما يشاء، وقال سحنون في رجل له معادن: انه لا
يضم ما في واحد منها إلى غيرها، ولا يزكى إلا عن مئتين درهم أو
عشرين دينارا في كل واحد. وقال محمد بن مسلمة يضم بعضها الى
بعض، ويزكى الجميع كالزرع، وذكر المزني عن الشافعي قال: وأما