Indexed OCR Text

Pages 501-520

الطلاق
الخيار بعد العتق
[٣] مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أم المؤمنين،
قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن، وكانت احدى السنن الثلاث انها اعتقت
فخيرت في زوجها، وقال النبي ◌َليّة: الولاء لمن اعتق، ودخل رسول الله وَ لآه
والبرمة تفور بلحم، فقرب اليه خبز وادم من ادم البيت، فقال رسول الله وَلات: الم
أر البرمة فيها لحم؟ فقيل: بلى يا رسول الله، لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا
تأكل الصدقة، فقال رسول الله وَلقول: هو عليها صدقة وهو لنا هدية(١).
قال أبو عمر:
قد أكثر الناس في تشقيق معاني الاحاديث المروية في قصة بريرة،
وتفتیقها، وتخريج وجوهها:
فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة في ذلك کتاب،
ولجماعة في ذلك أبواب أكثر ذلك تكلف، واستنباط، واستخراج محتمل،
وتأويل ممكن، لا يقطع بصحته، ولا يستغنى عن الاستدلال عليه.
والذي قصدته عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث هو عظم الامر في
قصة بريرة، لأن ذلك أصول، وأحكام، وأركان من الحلال والحرام، وأنا
أورد في تلك المعاني من البيان ما يوقف الناظر على بلوغ المراد منها، وبالله
التوفيق.
وقد تقصينا القول فيها توجبه ألفاظ حديث بريرة من الاحكام، والمعاني
في باب حديث هشام بن عروة من هذا الكتاب، والحمد لله.
(١) حم (٤٥/٦-٤٦)، خ (٥٠٩٧/١٧٢/٩) و(٥٢٧٩/٥٠٥/٩)، م (١٠٧٥/٧٥٥/٢[١٧٢])
و(١٥٠٤/١١٤٣/٢[١٠ و١١ و١٤])، جه (٢٠٧٦/٦٧١/١)، ن (٣٤٤٧/٤٧٤/٦
و ٣٤٤٨).

١ =٥٠٢
فتح البر
٥٠٢=
وقد روي عن ابن عباس ان رسول الله پڼ قضی في بريرة بأربع قضايا،
وهو على نحو ما قلنا في حديث عائشة هذا.
وحديث ابن عباس: حدثناه سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم ابن
أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأخبرنا
عبيد الله بن محمد، ومحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا عبد الله بن مسرور
العسال، قال: حدثنا عیسی بن مسکین، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
سنجر، قالا: حدثنا، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة عن عكرمة عن
ابن عباس ان زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا فقضى رسول الله وَلاقه
فيها بأربع قضيات، وذلك ان مواليها شروها، واشترطوا الولاء فقضى ان
الولاء لمن أعطى الثمن، وخيرها، وأمرها ان تعتد، وتصدق عليها بصدقة
فأهدت منها إلى عائشة فذكرت ذلك للنبي وَلقه، فقال: هو لها صدقة ولنا
هدية(١).
فأما قول عائشة: ان بريرة اعتقت، فخيرت في زوجها، فكانت سنة،
ولکن من ذلك سنة مجتمع عليها، ومنها ما اختلف فيه:
فأما المجتمع عليه الذي لا خلاف بين العلماء فيه، فهو ان الأمة إذا
اعتقت تحت عبد قد كانت زوجت منه فإن لها الخيار في البقاء معه، أو
مفارقته، فإن اختارت المقام في عصمته لزمها ذلك، ولم يكن لها فراقه بعد،
وان اختارت مفارقته فذلك لها، هذا ما لا خلاف علمته فيه.
واختلف الفقهاء في وقت خيار الأمة إذا اعتقت.
فقال أبو حنيفة، وأصحابه، وسائر العراقيين: إذا علمت بالعتق، وبان لها
الخيار، فخيارها على المجلس.
(١) حم (١ / ٢٨١)، وأخرج بعضه البخاري (٩/ ٥٢٨٠ - ٥٢٨٢).

الطلاق
٥٠٣ = ١١
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي: إذا جامعها وهي لا تعلم بالعتق
فلها الخيار لأنها جومعت ولا تعلم، فإن علمت فجامعها بعد العلم، فلا
خیارها.
قال الثوري: فإن ادعت الجهالة حلفت ثم يكون لها الخيار، وقال مالك،
وأصحابه، والشافعي، ومن سلك سبيله، والأوزاعي: لها الخيار ما لم
يمسها زوجها.
قال الشافعي: لا أعلم في ذلك وقتا الا ما قالته حفصة رضي الله عنها.
قال أبو عمر:
روي عن حفصة، وعبد الله ابني عمر رضي الله عنهما أن للأمة الخيار إذا
اعتقت ما لم يمسسها زوجها.
قال مالك: فإن مسها زوجها، فادعت انها جهلت ان لها الخيار، فإنها
تتهم ولا تصدق بما ادعت من الجهالة، ولا خيار لها بعد ان يمسها، هذا
قوله في الموطأ.
وجملة قوله، وقول أصحابه: لا ينقطع خيارها إذا اعتقت، حتى يطأها
زوجها بعد علمها بعتقها، أو توقف فتختار، ولا توقف بعد المسيس، ولا
يمين عليها، وإذا صحت جهالتها بعتقها، فلا يضرها مسه لها.
وقال الشافعي: ان اصابها زوجها، فادعت الجهالة ففيها قولان:
أحدهما: لا خيار لها
والآخر: أن لها الخيار، وتحلف، وهو أحب الينا.
وقال الأوزاعي: إذا لم تعلم ان لها الخيار حتى غشيها زوجها، ثم
علمت، فلها الخيار، وهذا كقول مالك.

فتح البر
١ = ٥٠٤
وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير ان مولاة لبني عدي،
يقال لها زبراء أخبرته انها كانت تحت عبد، وهي أمة يومئذ، فعتقت، قالت:
فأرسلت إلى حفصة زوج النبي ◌َّي، فدعتني فقالت: اني مخبرتك خبرا، ولا
أحب أن تصنعي شيئا، ان أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فإن مسك
فليس لك من الأمر شيء، قالت فقلت: هو الطلاق، ثم الطلاق، ثم
الطلاق، ففارقته ثلاث(١). وحدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر انه كان يقول
في الأمة تكون تحت العبد فتعتق: ان لها الخيار ما لم يمسها.
قال أبو عمر:
لا أعلم لا بن عمر وحفصة في ذلك مخالفا من الصحابة، وقد روي عن
النبي وَالله في قصة بريرة من حديث ابن عباس ما فيه دليل واضح على ما
ذهبنا الیه.
وروى سعيد بن منصور، عن هشيم، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: لما خيرت بريرة رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة، ودموعه
تسيل على لحيته، فكلم الناس له رسول الله وَ ﴿ أن يطلب اليها، فقال لها
رسول الله وَليه: زوجك وأبو ولدك، فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال:
انما أنا شافع، فقالت: ان كنت شافعا فلا حاجة لي فيه، واختارت نفسها،
وكان يقال له مغيث، وكان عبدا لآل المغيرة من بني مخزوم(٢)).
ففي هذا الحديث مرورها في السكك، ومراجعتها النبي عليه السلام، ولم
يبطل ذلك خيارها، فبطل قول من قال: ان خيارها انما هو ما داما في
مجلسهما.
(١) هق (٢٢٥/٧)، عبد الرزاق (١٣٠١٧/٢٥١/٧).
(٢) خ (٩/ ٥٢٨٣/٥١٠)، د (٢/ ٢٢٣١/٦٧٠)، جه (٢٠٧٥/٦٧١/١)، ن (٥٤٣٢/٦٣٦/٨)،
ت: (١١٥٦/٤٦٢/٣)، حب: الإحسان (٤٢٧٣/٩٦/١٠).

الطلاق
٥٠٥=
واختلف الفقهاء أيضا في فرقة المعتقة إذا اختارت فراق زوجها.
فقال مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد: هو طلاق بائن.
قال مالك: هي تطليقة بائنة الا ان تطلق نفسها ثلاثا، فإن طلقت نفسها
ثلاثا، فذلك لها، ولها ان تطلق نفسها ما شاءت من الطلاق، فإن طلقت
نفسها واحدة فهي بائنة.
قال أبو عمر:
حديث ابن شهاب عن عروة في قصة بريرة دليل على صحة ما قلنا، وما
ذهب اليه مالك في ان لها ان توقع من الطلاق ما شاءت، وقد قال قوم من
العلماء: انها لا تطلق نفسها الا واحدة بائنة، وقد روي ذلك عن مالك،
وقال به بعض أصحابه.
والمشهور عنه وعن جملة أصحابه ما قدمنا من مذهبه على حدیث زبراء،
وهو أصل لا يدفع، لأنه لم يبلغنا ان أحدا من الصحابة انكر عليها ذلك،
وقد کان کثیر من الصحابة في حياة حفصة متوافرین، وفي القیاس من کان
له ان یوقع طلقة کان له ان یوقع ثلاثا.
قال أبو عمر:
قد احتج بهذا الحديث من أصحابنا من أجاز لها ان توقع الثلاث
تطلیقات في اختیارها نفسها ولیس ذلك على أصل مذهب مالك من
وجهين:
أحدهما: انه لا يجب لأحد إيقاع الثلاث مجتمعات؟.
والثاني: انه طلاق معلق بعبد، لا مدخل فيه للثلاث، لأن الطلاق منوط
بأحوال الرجال، لا بالنساء، وطلاق العبد انما هو تطليقتان.

فتح البر
:٥٠٦!
=
وقد حكى أبو الفرج أن مالكا لا يجيز لها أن توقع الا واحدة، فتكون
بائنة، أو تطليقتين، فلا تحل له الا بعد زوج، وهو أصل مالك.
وروي عن بعض العلماء انها طلقة رجعية.
قال الأوزاعي: لو اعتق زوجها في عدتها، فإن بعض شيوخنا يقول: هو
أملك بها، وبعضهم يقول: هي بائنة.
وقد روى ابن نافع عن مالك ان للعبد الرجعة ان اعتق، قال ابن نافع:
ولا أرى ذلك، ولا رجعة له، وان اعتق.
وروى عيسى عن ابن القاسم في الأمة تعتق، وهي حائض، قال: لا تختار
نفسها حتى تطهر، قال: وان اعتق زوجها قبل ان تطهر، فلا أرى ذلك
يقطع خيارها، لأنه قد وجب لها الخيار، وانما منعها منه الحيض.
وقال ابن عبدوس: لا خيار لها إذا اعتق قبل ان تطهر، وتختار نفسها.
قال أبو عمر:
لا معنى لقول من قال: انها طلقة رجعية، لأن زوجها لو ملك رجعتها لم
يكن لاختيارها معنى، وأي شيء كان يفيدها فرارها عن زوجها، ومفارقتها
ایاه، بتطليقها نفسها، وهو يملك رجعتها، هذا ما لا معنى له، لأنها انما
اختارت نفسها لتخلصها من عصمته، فلو ملك رجعتها لم تتخلص منه،
وإذا استحال ذلك فمعلوم ان الطلاق إذا وقع بائنا لم یکن رجعیا بعد،
و کیف یکون بائنا عند وقوعه وتکون لزوجها رجعتها ان اعتق؟ هذا محال،
ومثله في الضعف قول ابن القاسم ان لها الخيار، وزوجها قد اعتق وكيف
يكون ذلك والعلة الموجبة لها الاختيار قد ارتفعت؟ ألا ترى انها لو اعتقت
تحت حر لم يكن لها عنده، وعند جمهور أهل المدينة خيار، فكذلك إذا لم تختر
نفسها حتی عتق فلا خیار لها، لأن الرق قد زال.

الطلاق
II=
٥٠٧
وقال الثوري، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي،
وأصحابه: ان اختارت الأمة المعتقة نفسها فهو فسخ بغير طلاق، وهو قول
أحمد بن حنبل، وإسحاق.
وقال ابن أبي أويس: سئل مالك عن الجارية، نصفها حر، ونصفها
مملوك، يخطبها العبد، فتأبى أن تتزوجه، فيسئلها سيدها ذلك فتطاوعه، ثم
تعتق بعد ذلك، أترى لها الخيار؟ قال: نعم، اني لأرى ذلك لها فقيل: انه لم
يكن لها أن تأبى التزويج، ولا يكرهها سيدها على ذلك، قال: بلى، قيل له
فكيف يكون لها الخيار؟ قال: هي في حالها حال أمة، وانما ذلك بمنزلة ما لو
أن أمة ليس فيها عتق طلبت إلى سيدها أن يزوجها عبدا ففعل، فزوجها
فلها الخيار، فقيل له: ان هذه لو شاءت لم تفعل والاخرى لم يكن لها ان
تأبى، وهذه قد طاوعت، ولم يكن ليجبرها على النكاح، قال: لكنها في حالها
كلها في حدودها وكشف شعرها كالأمة، فما أرى الا أن يكون لها الخيار.
واختلفوا أيضا في الأمة تعتق تحت الحر، فقال الثوري، وأبو حنيفة،
وأصحابه، والحسن بن صالح: لها الخيار حرا كان زوجها، أو عبدا، ومن
حجتهم ان الأمة لم يكن لها في انكاحها رأي من أجل انها كانت أمة، فلما
عتقت كان لها الخيار، الا ترى إلى اجماعهم على ان الأمة يزوجها سيدها
بغير اذنها من أجل اموتها، فإذا كانت حرة كان لها الخيار.
قالوا وقد ورد عن النبي ◌ّيقول في تخيير بريرة عند عتقها ما فيه كفاية، ولم
يقل لها: ان خيارك انما وجب لك من أجل ان زوجك عبد، فواجب لها
الخيار ابدا متى ما عتقت تحت حر، وتحت عبد، على عموم الحديث.
ورووا عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ان زوج بريرة كان حرا، وعن
سعيد بن المسيب مثله.

فتح البر
٥٠٨
=
واحتجوا ايضا بما روي في بعض الآثار في قصة بريرة أن رسول الله وَله
قال لها: قد ملکت نفسك فاختاري قالوا: فكل من ملكت نفسها اختارت،
وسواء كانت تحت حر، أو عبد، وادعوا ان قول من قال: ان زوج بريرة كان
حرا أولى، لأن الرق ظاهر بزعمهم، والحرية طارئة.
ومن أنبأ عن الباطن كان أولى.
وقال مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي،
وابن أبي ليلى: إذا اعتقت الأمة تحت حر، فلا خيار لها، وهو قول أحمد،
واسحاق، ومن حجتهم: انها لم يحدث لها حال ترتفع بها عن الحر، فكأنهما لم
يزالا حرين، ولما لم ينقص حال الزوج عن حالها، ولم يحدث به عيب لم یکن
هاخیار.
وقد أجمع الفقهاء ان لا خيار لزوجة العنين إذا ذهبت العنة، وكذلك
زوال سائر العيوب تنفي الخيار.
واما حجتهم بقول رسول الله صل﴿ لبريرة: قد ملكت نفسك فاختاري
فانه خطاب، ورد فیمن کانت تحت عبد، فأما من اعتقت تحت حر، فلا
تملك بذلك نفسها، لأنه ليس هناك شيء يوجب ملكها لنفسها.
واما رواية الأسود بن يزيد عن عائشة ان زوج بريرة كان حرا(١) فقد
عارضه عن عائشة من هو مثله، وفوقه، وذلك القاسم بن محمد وعروة بن
الزبير رويا عن عائشة: ان زوج بريرة كان عبد(٢)، والقلب إلى رواية اثنين
(١)خ (٤٦/١٢ و ٦٧٥٤/٥٢ و ٦٧٥٨)، د(٢٢٣٥/٦٧٢/٢)، ت(١١٥٥/٤٦١/٣)
ن (٣٤٤٩/٤٧٥/٦)، جه (١/ ٢٠٧٤/٦٧٠).
(٢)م(٢/ ١٥٠٤/١١٤٣[٩])، د(٢٢٣٣/٦٧٢/٢-٢٢٣٤)، ت(١١٥٤/٤٦٠/٣)
ن (٦/ ٣٤٥١/٤٧٦) مطولا و(رقم ٣٤٥٢) مختصرا.

الطلاق
٥٠٩ _
أشد سکونا منه إلى رواية واحد، فکیف وقد روي عن ابن عباس وابن عمر
ان زوج بریدة کان عبدا.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يوسف بن عدي قال: حدثنا
عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن أيوب عن عكرمة عن ابن
عباس: ان زوج بريرة كان عبدا حين أعتقت(١).
وذكر ابن أبي شيبة عن عفان عن همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن
عباس ان زوج بریرة کان عبدا یسمی مغيثا.
وقال أبو بكر أيضا عن الحسين بن علي، عن زائدة، عن سماك بن حرب،
عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ان زوج بريرة كان عبدا.
حدثني عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا إبراهيم بن طيفور، قال: حدثنا عبد الله بن
موسى، عن أسامة بن زيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ان زوج بريرة
کان عبدا.
وذكر حديث عبد الرزاق عن الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن
ابن عمر، قال: إذا اعتقت تحت حر، فلا خيار لها.
وفي تغییر رسول الله څ﴾ بریرة بعد أن بيعت من عائشة دليل على ان بيع
الأمة ليس بطلاق لها، وفي ذلك بطلان قول من قال: بيع الأمة طلاقها، لأن
بيعها لو كان طلاقا لم يخيرها رسول الله ێ في ان تبقى مع من طلقت علیه،
(١)خ (٥٢٨٠/٥٠٨/٩)، د(٢٢٣١/٦٧٠/٢-٢٢٣٢)، ت (١١٥٦/٤٦٢/٣)،
ن: (٥٤٣٢/٦٣٦/٨)، جه (٢٠٧٥/٦٧١/١)، حب: الإحسان (٤٢٧٣/٩٦/١٠).

فتح البر
=٥٠
أو تطلق نفسها، لأنه محال ان تخير، وهي مطلقة، وهذا واضح يغني عن
الإكثار فيه، وهذا القول يروى عن بعض الصحابة، وأكثر الفقهاء على
خلافه بحديث بريرة هذا والله أعلم، وقد وضحنا هذا المعنى في باب هشام
ابن عروة.

الطلاق
٥١١
11
ما جاء في الخلع
[٤] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة
الأنصارية أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن
شماس، وأن رسول الله ◌َ ڑ خرج إلى الصبح، فو جد حبيبة بنت سهل عند بابه في
الغلس؛ فقال رسول الله وَّه: من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة ابنة سهل يا رسول الله،
قال: ما شأنك؟ قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت
ابن قيس، قال له رسول الله و الفر هذه حبيبة قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت
حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله مؤ لّ لثابت: خذ منها،
فأخذ منها وجلست في أهلها(١).
لم يختلف على مالك في هذا الحدیث، وهو حديث صحيح ثابت مسند
متصل، وهو الأصل في الخلع؛ وفيه اباحة اختلاع المرأة من زوجها بجميع
صداقها، وفي معنى ذلك جائز أن تختلع منه بأكثر من ذلك وأقل؛ لأنه
مالها، كما الصداق مالها، فجائز الخلع بالقليل والكثير إذا لم يكن الزوج
مضرا بها، فتفتدي من أجل ضرره.
وأجمع العلماء على إجازة الخلع بالصداق الذي أصدقها إذا لم يكن مضرا
بها، وخافا ألا يقيما حدود الله؛ واختلفوا في الخلع على أكثر مما أعطاها:
فذهب مالك والشافعي إلى جواز الخلع بقليل المال وكثيره، وبأكثر من
الصداق، وبمالها كله إذا كان ذلك من قبلها؛ قال مالك: لم أزل أسمع
إجازة الفدية بأكثر من الصداق، لقول الله عز وجل: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيما
آفندت په»﴾[البقرة: ٢٢٩]، و حدیث حبيبة بنت سهل مع ثابت بن قیس، قال:
(١) حم (٦/ ٤٣٣-٤٣٤)، د (٢ / ٦٦٧ /٢٢٢٧)، ن (٦/ ٣٤٦٢/٤٨١)، هق (٣١٢/٧ و ٣٢٣)،
حب: الإحسان (١٠/ ٤٢٨٠/١١٠).

فتح البر
=٥١٢
فإذا كان النشوز من قبلها، جاز للزوج ما أخذ منها بالخلع وإن كان أكثر
من الصداق إذا رضیت بذلك و کان لم یضر بها؛ فإن كان لخوف ضرره، أو
لظلم ظلمها أو أضر بها، لم يجز له أخذه؛ وإن أخذ شيئا منها على هذا
الوجه، رده ومضى الخلع عليه.
وقال الشافعي: الوجه الذي تحل به الفدية والخلع: أن تكون المرأة مانعة
لما يجب عليها غير مؤدية حقه كارهة له، فتحل الفدية حينئذ للزوج؛ قال
الشافعي: وإذا حل له أن یأکل ما طابت به نفسا له علی غیر فراق، جاز له
أن يأكل ما طابت له به نفسا، وتأخذه بالفراق إذا كان ذلك برضاها ولم
يضرها. قال الشافعي: والمختلعة لا يلحقها طلاق وإن كانت في العدة،
وهو قول ابن عباس وابن الزبير.
قال أبو عمر:
وبه قال مالك وهو القياس والنظر، لأنها ليست زوجة.
وقال إسماعيل القاضي: اختلف الناس فيما يأخذ منها على الخلع،
فاحتج الذين قالوا: يأخذ منها أكثر مما أعطاها بقول الله عز وجل: ﴿فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال إسماعيل: فإن قال قائل : إنما هو
معطوف على ما أعطاها من صداق أو بعضه، قيل له: لو كان كذلك لكان:
فلا جناح علیھما فيما افتدت به منه أو من ذلك. قال: وهو بمنزلة من قال:
لا تضربن فلانا إلا أن تخاف منه، فإن خفته فلا جناح علیک فیما صنعت به؛
فهذا إن خافه كان الأمر إليه فيما يفعل به، لأنه لو أراد الضرب خاصة،
لقال: من الضرب أو فیما صنعت به منه.
واحتج الذين قالوا: لا يحل له من ذلك شيء حتى يراها على
فاحشة بقوله: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: (١٩)].

الطلاق
٥١٣=
واحتج الذين قالوا إنه لا يجوز له الأخذ إذا كانت الإِساءة من قبله، بقوله:
﴿وَإِنْ أَرَدَتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنِطَارًا فَلَاَ
تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الآية . هكذا قال إسماعيل، قال: ومن قال
بأن قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] منسوخ بالآيتين، فإن
قوله مدفوع بأنه إنما يكون النسخ بالخلاف، ولا خلاف في الآيتين للآية
الأخرى، لأنهما إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فقد صار الأمر منهما جميعا،
والعمل في الآية الأخرى منسوب إلى الزوج خاصة؛ وذلك إرادته
لاستبدال زوج مكان زوج، ولأن الزوجة إذا خافت ألا تقيم حدود الله
فاختلعت منه، فقد طابت نفسها بما أعطت، وهو قول عامة أهل العلم؛
وذکر حدیث حبيبة بنت سهل، عن أبي مصعب، عن مالك؛ ثم قال: حدثنا
سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن رجاء بن حيوة،
عن قبيصة بن ذؤيب أنه تلا: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءُ ﴾
[البقرة: (٢٢٩)]. قال: هو أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها.
قال: وحدثنا سليمان بن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن
عروة، قال: كان أبي يقول إذا جاء الفساد من قبل المرأة، حل له الخلع؛ وإن
جاء من قبل الرجل، فلا ولا نعمة.
قال أبو عمر:
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: لا يحل للرجل أن يأخذ
من امرأته شيئا من الفدية حتى يكون النشوز من قبلها، قيل له: وكيف
يكون النشوز؟ قال: أن تظهر له البغضاء، وتسي عشرته، وتظهر له
الكراهة، وتعصي أمره، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له أن يقبل منها ما
أعطاها، لا يحل له أكثر مما أعطاها وهو قول أبي حنيفة.

-٥١٤
فتح البر
قال أبو عمر:
روي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع: لا يأخذ منها أكثر مما
أعطاها، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس؛ وعن ابن المسيب، والشعبي:
كرها أن يأخذ منها كل ما أعطاها. وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنه لا
بأس أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وهو قول عكرمة، وإبراهيم، ومجاهد،
وجماعة.
ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع أن ابن
عمر جاءته مولاة لا مرأته اختلعت من زوجها بكل شيء لها، وبكل ثوب
عليها، فلم ينكر ذلك عبد الله.
وقال عكرمة: يأخذ منها حتى قرطها. وقال مجاهد، وإبراهيم: يأخذ منها
حتی عقاص رأسها.
واختلفوا في فرقة الخلع: فذهب مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابهم
إلى أن الخلع تطليقة بائنة، وهو أحد قولي الشافعي وأحب إلى المزني.
وقال أحمد، وإسحاق: الخلع فرقة وليس بطلاق، وهو قول داود.
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن الرجل إذا خلع امرأته، فإن نوى بالخلع
طلاقا أو سماه، فهو طلاق، فإن كان سمى واحدة، فهي تطليقة بائنة، وإن لم
ينو طلاقا ولا شيئا لم تقع فرقة.
وقال أبو ثور: إذا لم يسم الطلاق، فالخلع فرقة ولیس بطلاق، وإن سمی
تطليقة، فهي تطليقة، والزوج أملك برجعتها ما دامت في العدة.
قال أبو عمر:
احتج من لم ير الخلع طلاقا بحديث ابن عيينة عن عمرو عن طاوس عن
ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته

الطلاق
١٥ ٥=
تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، لينكحها ليس الخلع
بطلاق. ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع فيما بين
ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قال: ﴿ اُلْطَّلَقُ مَنَّتَانٍ فَإِمْسَالُ مَعْرُوفٍ أَوْ
تَسْرِيجٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: (٢٢٩)] وقرأ: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: (٢٣٠)].
واحتج من جعل الخلع طلاقا بحديث شعبة عن الحكم عن خيثمة عن
عبد الله بن شهاب قال: شهدت عمر بن الخطاب أتته امرأة ورجل في خلع
فأجازه وقال: إنما طلقك بمالك، وبحديث مالك عن هشام بن عروة عن
أبيه عن جمهان مولى الأسلميين عن أم بكرة الأسلمية أنها اختلعت من
زوجها عبد الله بن أسيد ثم أتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: هي تطليقة
إلا أن تکون سمیت، فهو کما سميت.
قال إسماعيل: وكيف يجوز القول في رجل قالت له امرأته طلقني على
ماله فطلقها: أنه لا يكون طلاقا، وهو لو جعل أمرها بيدها من غير شيء
فطلقت نفسها کان طلاقا.
قال: فأما قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: (٢٣٠)] فهو
معطوف على ((الطلاق مرتان»، لان قوله:( ((أو تسريح)) إنما يعني به: أو
تطليق - والله أعلم؛ فلو كان الخلع معطوفا على التطليقتين، لكان لا يجوز
الخلع أصلا إلا بعد تطليقتين، وهذا لا يقوله أحد؛ قال: ومثل هذا في
القرآن كثير مثل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَّ ◌َلُغَ
الْحَدّىُ عَجِلَّمْ﴾ [البقرة: (١٩٦)]. وهي على كل من حلق محصر أو غير
محصر، لأنه لم يخص المحصر كما لم يخص بالفدية من قد طلق
تطليقتين بل هي للأزواج كلهم.

-٥١٦
فتح البر
واختلف الفقهاء أيضا في عدة المختلعة، فقال مالك والشافعي وابو
حنيفة وأصحابهم وهو قول أحمد بن حنبل: عدة المختلعة كعدة المطلقة، فإن
كانت ممن تحيض فثلاث حيض، وإن كانت من اليائسات، فثلاثة أشهر؛
ویروی هذا عن عمر وعلي وابن عمر.
وقال إسحاق وأبو ثور: عدة المختلعة حيضة، ويروى هذا عن النبي وَل
من حديث هشام بن يوسف عن معمر عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن
ابن عباس أن ثابت بن قيس اختلعت منه امرأته فجعل النبي والم عدتها
حيضة (١).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن إبراهيم بن حيون، حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال حدثنا علي بن
حرب، قال حدثنا هشام عن معمر - بإسناده.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلا.
وقد روي عن النبي ◌ّ﴾ أيضا من وجه آخر، وكلاهما ليس بالقوي؛
حدثناه عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، حدثنا ابن لهيعة، قال حدثني
أبو الأسود، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن
ثوبان، عن الربيع بنت معوذ، قالت: سمعت رسول الله وص له يأمر امرأة
ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة(٢).
وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك بما حدثناه عبد الرحمن
ابن یحیی، قال حدثنا أحمد بن سعید، قال حدثنا محمد بن زبان، حدثنا محمد
(١) خ (٩/ ٥٢٧٣/٤٩٤)، د(٢٢٢٩/٦٦٩/٢)، ت (١١٨٥/٤٩١/٣ مكرر)
ن (٦/ ٣٤٦٣/٤٨١)، هق (٧/ ٣١٣)، قط (٢٥٦/٣).
هز!
1
(٢) ن (٦/ ٣٤٩٧/٤٩٧-٣٤٩٨)، قط (٢٥٦/٣).

الطلاق
HI = ٥١٧
ابن رمح، قال حدثنا الليث بن سعد، عن نافع أنه سمع الربيع ابنة معوذ بن
عفراء تخبر عبد الله بن عمر أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان فجاء
معها عمها معاذ بن عفراء إلى عثمان، فقال: إن ابنة معوذ اختلعت من
زوجها افتنتقل؟ فقال عثمان: تنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها، ولكن
لا تنکح حتی تحیض حيضة خشية أن یکون بها حمل، فقال ابن عمر: عثمان
خيرنا وأعلمنا(١).
وفي رواية أيوب وعبيد الله بن عمر في هذا الحديث عن نافع عن ابن
عمر: ولا نفقة لها.
قال أبو عمر:
في هذا الحدیث أحكام وعلوم، منها أن عثمان رضي الله عنه أجاز الخلع،
وعلى ذلك جماعة الناس إلا بكر بن عبد الله المزني، فإنه قال: إن قوله عز
وجل: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهٌِ﴾ [البقرة: (٢٢٩)] منسوخ، نسخه
قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدَتُّمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَّوْجٌ وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ
قِنْطَارًا﴾ [النساء: (٢٠)] الآية.
قال عقبة بن أبي الصهباء: سألت بكر بن عبد الله المزني عن الرجل
يريد أن يخالع امرأته، فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً، قلت: فأين
قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِهُ﴾
[البقرة: (٢٢٩)]؟ قال: هي منسوخة، قلت: وما نسخها؟ قال: ما في
سورة النساء: قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَّيْتُمْ
إِحْدَ دُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ﴾ [النساء: (٢٠)] الآية.
(١) أخرجه من طرق عنها: ت (١١٨٥/٤٩١/٣) وصححه، جه (١/ ٦٦٣ /٢٠٥٨)،
ن (٦ / ٤٩٨ /٣٤٩٨).

فتح البر
= ٥١٨
=
قال أبو عمر:
قول بكر هذا خلاف السنة الثابتة في قصة ثابت بن قيس وحبيبة بنت
سهل، وخلاف جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز، والعراق، والشام، وكان
ابن سيرين وأبو قلابة يقولان: لا يحل للرجل الخلع حتى يجد على بطنها
رجلا، لأن الله يقول: ((إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)).
قال أبو قلابة: فإذا كان ذلك، جاز له أن يضارها ويشق عليها حتى
تختلع منه.
قال أبو عمر:
ليس هذا بشيء لأن له أن يطلقها أو يلاعنها؛ وأما أن يضارها ليأخذ
مالها، فليس ذلك له.
وفي حديث عثمان أيضا من الفقه إجازة الخلع عند غير السلطان، وهو
خلاف قول الحسن، وزیاد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سیرین؛ قال سعيد
ابن أبي عروبة قلت لقتادة: عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان؟ قال: عن
زياد. وفيه أنه جعله طلاقا، خلافا لقول ابن عباس أنه فسخ بغیر طلاق.
وفيه أنه أجازه بالمال، ولم يسأل: أهو أكثر من صداقها، أو أقل على خلاف
ما يقول أبو حنيفة، والزهري، وعطاء، ومن تابعهم في أن الخلع لا يكون
بأكثر من الصداق. وفيه أنه أجاز للمختلعة أن تنتقل، فلم يجعل لها سكنى
وجعلها خلافا للمطلقة، وهذا خلاف قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.
وفيه أنه لم يجعل عدتها عدة المطلقة، وجعل عدتها حيضة؛ وبهذا قال
إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وهو قول ابن عباس بلا اختلاف عنه، وأحد
قولي الشافعي، وروي عن ابن عمر مثل ذلك.

الطلاق
٥١٩ ١١١
وروي عنه أن عدة المختلعة عدة المطلقة، رواه مالك وغيره عن نافع،
عن ابن عمر، وهو أصح عن ابن عمر، وهو المشهور من قول الشافعي،
وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وسالم، وعروة، وعمر بن عبد
العزيز، والزهري، والحسن، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة،
وأحمد بن حنبل.
وفيه أن المختلعة أملك لنفسها لا تنكح إلا برضاها خلاف قول أبي ثور.
وفيه دليل على أن المختلعة لا يلحقها طلاق ولا ظهار ولا إيلاء ولا
لعان، لأنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ولا يتوارثان، وجعلها بخلاف
الرجعية. وقول أبي حنيفة إنها يلحقها الطلاق خلاف أقاويل الفقهاء
وكذلك ما رواه طاوس عن ابن عباس في أن الخلع ليس بطلاق («شذوذ في
الرواية)) وما احتج به فغير لازم، لأن قوله عز وجل: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾
[البقرة: (٢٢٩)] عند أهل العلم كلام تام بنفسه، وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ
تَأْخُذُواْ مِنَّآ ءَ اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: (٢٢٩)] حكم مستأنف فيمن طلقت وفيمن
لم تطلق؛ ثم قال: ((فإن طلقها)) فرجع إلى المعنى الأول في قوله: ((الطلاق
مرتان))، ومثل هذا التقديم والتأخير ودخول قصة على أخرى في القرآن
کثیر، ولطاوس مع جلالته روایتان شاذتان عن ابن عباس، هذه إحداهما في
الخلع، والأخرى في الطلاق الثلاث المجتمعات أنها واحدة.
وروی عن ابن عباس جماعة من أصحابه خلاف ما روی طاوس في
طلاق الثلاث أنها لازمة في المدخول بها وغير المدخول بها أنها ثلاث لا تحل
له حتى تنكح زوجا غيره، وعلى هذا جماعة العلماء والفقهاء بالحجاز
والعراق والشام والمشرق والمغرب من أهل الفقه والحديث، وهم الجماعة
والحجة؛ وإنما يخالف في ذلك أهل البدع الخشبية وغيرهم من المعتزلة
والخوارج عصمنا الله برحمته.

فتح البر
٥٢٠
وذكر إسماعيل القاضي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا سفيان بن عيينة،
عن ابن أبي نجيح، قال: تكلم طاوس فقال: الخلع ليس بطلاق هو فراق،
فأنكره عليه أهل مكة، فجمع ناسا منهم ابنا عباد وعكرمة بن خالد،
فاعتذر إليهم من هذا القول، وقال: إنما ابن عباس قاله.
قال القاضي: لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله إلا من رواية طاوس.
قال أبو عمر:
قال مالك رحمه الله: المختلعة هي التي اختلعت من جميع مالها، والمفتدية
هي التي افتدت ببعض مالها، والمبارئة هي التي بارأت زوجها من قبل أن
يدخل بها فقالت قد أبرأتك مما كان يلزمك من صداقي ففارقني، قال:
وكل هذا سواء هي تطليقة بائنة.
قال أبو عمر:
قد تدخل عند غيره من أهل العلم بعض هذه الألفاظ على بعض فيقال:
مختلعة وإن دفعت بعض مالها، وكذلك المفتدية ببعض مالها وكل مالها،
وهذا توجبه اللغة والله أعلم.
قال أبو عمر:
واختلف العلماء في المختلعة هل لزوجها أن يخطبها في عدتها ويراجعها
بإذنها ورضاها على حكم النكاح: فقال أكثر أهل العلم: ذلك جائز له
وحده، وليس لأحد غيره أن يخطبها في عدتها، وهو مذهب مالك،
والشافعي، وجمهور الفقهاء، وهو قول سعيد بن المسيب، والزهري،
وعطاء، وطاوس، والحسن، وقتادة، وغيرهم.
وقالت طائفة من المتأخرين: لا يخطبها في عدتها هو ولا غيره وهو وغيره
في نكاحها وعدتها سواء، وهذا شذوذ وبالله التوفيق والعصمة.