Indexed OCR Text

Pages 281-300

كتاب الأضاحى
٢٨١
أو يكون اذا رجع عن ذلك لم يخل من السهو، أو الكذب، وذلك لا
يعزى الى الله، ولا الى رسوله فيما يخبر به عن ربه في دينه، وأما
الأمر والنهى فجائز عليهما النسخ للتخفيف، ولما شاء الله من مصالح
عباده، وذلك من حكمته لا إله إلا هو.
وقد أنكر قوم من الروافض، والخوارج النسخ في القرآن، والسنة،
وضاهوا في ذلك قول اليهود، ولو أمعنوا النظر لعلموا أن ذلك ليس
من باب البداء كما زعموا، ولكنه من باب الموت بعد الحياة، والكبر
بعد الصغر، والغنى بعد الفقر، الى أشباه ذلك من حكمة الله تعالى،
ولكن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء، وليس هذا موضع الكلام
في هذا المعنى لئلا نخرج عما قصدناه.
وفيه أن النهي حكمه إذا ورد إن يتلقى باستعمال ترك ما نهى عنه
والامتناع منه، وأن النهى محمول على الحظر، والتحريم، والمنع،
حتى يصحبه دليل من فحوى القصة، والخطاب، أو دليل من غير ذلك
يخرجه من هذا الباب إلى باب الارشاد، والندب.
وفيه أن الآخر من أمر رسول الله وَخلال ناسخ لما تقدم منه، اذا لم
يمكن استعماله، وصح تعارضه، ولذلك لا خلاف علمته من العلماء
في اجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وقبل ثلاث، وأن النهى عن
ذلك منسوخ على ما جاء في هذا الحديث، لاخلاف بين فقهاء
المسلمين في ذلك.
وقد روت عمرة عن عائشة بيان العلة في النهى عن أكل لحوم
الأضاحي بعد ثلاث، وأن ذلك انما كان محبة في الصدقة من أجل
الدافة التي كانت قد دفت عليهم يعنى الجماعة، من الفقراء القادمة

فتح البر
٢٨٢
عليهم.
وروى ذلك مالك عن عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة،
وسنذكره في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله.
وأخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال: حدثنا محمد بن
بكر، قال: حدثنا سليمان بن الاشعث، قال: حدثنا مسدد، قال:
حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن
نبيشة، قال: قال رسول الله وَ جلول: ((انا كنا نهيناكم عن لحومها أن
تأكلوها فوق ثلاث، لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا،
وادخروا، وائتجروا، الا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله عز
وجل(١))).
قال أبو عمر:
هكذا في حديث نبيشة الخبر عن النبي وَله: فكلوا، وادخروا،
وانتجروا، ومعناه اتخذوا الاجر فيما تتصدقون به منها، يبين ذلك
حديث عمرة عن عائشة المتقدم ذكره، فيه: فكلوا، وتصدقوا،
وادخروا، ومعناهما - عندي واحد - والله أعلم.
وأما قوله: فكلوا، وتصدقوا، وادخروا، على لفظ الامر، فإن
معناه الإباحة: لا الإيجاب، وهكذا كل أمر يأتي في الكتاب، والسنة
بعد حظر، ومنع تقدمه، فمعناه الاباحة لا غير، الا ترى ان الصيد لما
حظر على المحرم، ومنع منه، ثم قيل له بعد ان حل: اصطد اذا
حللت كان ذلك إباحة له في الاصطياد، لا إيجابا لذلك عليه، قال
(١) حم (٧٥/٥-٧٦)، د (٢٨١٣/٢٤٣/٣)، جه (٢ /٣١٦٠/١٠٥٥)،
البغوي (٣٦١/٤)، هق (٢٩٢/٩)، الدارمي (٧٩/٢).

كتاب الأضاحى
٢٨٣
[المائدة: (٢)] ومثل ذلك: ﴿فَإِذَا
الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾
[الجمعة: (١٠)] وهو كثير في
قُضِيَتِ الضَلَوَةُ فَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ
القرآن والسنة، والحمد لله، وهذا أصل جسيم في العلم، فقف عليه،
واذا كان هذا كما ذكرنا فجائز للمضحى أن يأكل أضحيته كلها،
وجائز أن يتصدق بها كلها، وجائز ان يدخر، وأن لا يدخر، وعلى
هذا جماعة العلماء الا انهم يستحبون للمضحى ان يأكل، ويتصدق
ويكرهون له ان لا يتصدق منها بشيء.
وكان الشافعي رحمه الله يستحب ان ياكل من أضحيته ثلثها،
ويتصدق بثلث، ويدخر ثلثا، على ما جاء في الحديث.
وكان غيره يستحب أن يتصدق بنصف، ويأكل نصفاً، لقول الله في
ج
البدن ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَزَّ﴾ [الحج: (٣٦)].
وأما مالك رحمه الله فلم يحد في ذلك حدا، وکان يستحب ان
يأكل منها، ويتصدق من غیر ان يحد في ذلك حدا.
حدثني أحمد بن عمر، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن علي،
قال: حدثنا محمد بن فطيس، قال: حدثنا يونس بن عبدالاعلى،
قال: حدثنا معن بن عيسى، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية،
عن جبير بن نفير، عن ثوبان، قال: ((ذبح رسول الله وَ خله ضحيته ثم
قال: يا ثوبان، أصلح لحم هذه الأضحية، فلم أزل أطعمه منها حتى
قدم المدينة(١)).
ففى هذا الحديث ادخار لحم الاضحية، وفيه الضحية في السفر.
(١) حم (٢٧٧/٥-٢٧٨-٢٨١)، م (١٥٦٣/٣/ ١٩٧٥[٣٥])، د (٢٨١٤/٢٤٣/٣)، الدارمي
(٧٩/٢)، حب: الإحسان (٥٩٣٢/٢٥٥/١٣).

فتح البر
٢٨٤
باب منه
[٥] مالك، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عبدالله بن واقد، انه قال: «نھی رسول
الله ◌َ﴿ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام)). قال عبدالله بن أبي بكر:
فذكرت ذلك لعمرة بنت عبدالرحمن فقالت: صدق، سمعت عائشة
تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الاضحى في زمن رسول الله والتر:
فقال رسول الله وَ في ((ادخروا لثلاث، وتصدقوا بما بقي)) قالت: فلما كان
بعد ذلك، قيل لرسول الله -ر -: لقد كان الناس ينتفعون بضحاياهم،
ويحملون منها الودك. ويتخذون منها الاسقية، فقال رسول الله قال: ((وما
ذاك؟)) أو كما قال، قالوا: نهيت عن لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال:
رسول الله وقتية: ((إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا
وتصدقوا وادخروا)). يعني بالدافة قوما مساكين قدموا المدينة(١).
قال أبو عمر: عبدالله بن واقد هذا هو: عبدالله بن واقد بن عبدالله
ابن عمر، تابعي، ثقة، شريف، جليل، سمع عبدالله بن عمر، وأمه:
أمة الله بنت عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة، ومات عبدالله بن واقد
في سنة سبع عشرة ومائة، في خلافة هشام بن عبدالملك.
قال أبو عمر:
وأما قول عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث: دف ناس. فمعناه
عند أهل اللغة: دف ناس الينا وأتونا، وأصله عندهم من دفيف الطائر
اذا حرك جناحيه، ورجلاه في الأرض، يقال في ذلك: دف الطائر
يدف دفيفا، وقال الخليل: والدافة: قوم يدفون أي يسيرون سيرا لينا،
وتداف القوم: اذا ركب بعضهم بعضا في قتال أو نحوه، وأما قولها:
(١) حم (٥١/٦)، م (١٩٧١/١٥٦١/٣)، د (٢٤١/٣-٢٨١٢/٢٤٢)،
ن (٢٦٩/٧ - ٤٤٤٣/٢٧٠)، حب: الإحسان (١٣/ ٥٩٢٧/٢٥٠).

كتاب الأضاحى
٢٨٥
حضرة الاضحى: فمعناه: في وقت الاضحى، وفي حين الاضحى،
وأما قوله. ويحملون من الودك، فمعناه: يذيبون منها الشحم،
والودك الشحم، يقال منه: جملت الشحم وأجملته واجتملته أي
أذبته، والاجتمال: الادهان بالجميل وهي الإهالة، واما قوله في هذا
الحديث: ((نهى رسول الله وَّل عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث)).
فقد بان في هذا الحديث الوجه والعلة التي من أجلها نهى رسول الله
- 3َ﴾- عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، وأن ذلك إنما كان من
أجل الدافة التي دفت عليهم من المساكين ليطعموهم ويواسوهم.
حدثنا إبراهيم بن شاكر، حدثنا عبدالله بن محمد بن عثمان،
وأخبرنا عبدالعزيز بن عبدالرحمن، حدثنا أحمد بن مطرف قالا:
حدثنا سعيد بن عثمان الاعناقي، حدثنا أحمد بن عبدالملك بن
صالح، حدثنا محمد بن عبدالله الرقاشي، حدثنا یزید بن زريع،
حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة بنت
عبدالرحمن، عن عائشة قالت: ((كان رسول الله وَلخلاه قد نهى عن لحوم
الأضاحي بعد ثلاث، فلما كان في العام القابل، وضحى الناس،
قالت: قلت يا رسول الله: ان كانت هذه الأضاحي لترفق الناس،
كانوا يدخرون من لحومها وودكها، قال: فما منعهم من ذلك؟ قلت:
يا نبي الله، أو لم تنهاهم عام الأول عن ان يأكلوا لحومها بعد ثلاث؟
قال: انما نهيت عن ذلك للحاضرة التي حضرتهم من أهل البادية ليبثوا
لحومها فيهم، فاما الآن، فليأكلوا وليدخروا(١)))، وقد ثبت عن النبي
وَ للّ انه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن
(١) الدارمي (٧٩/٢) من طريق محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن عمرة ومحمد بن
إسحاق مدلس وقد صرح بالتحديث، والحديث صحيح انظر ما قبله وما بعده.

فتح البر
= ٢٨٦
لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وادخروا وتزودوا(١)) وقد ذكرنا
الآثار بذلك في باب ربيعة من كتابنا هذا، وتكلمنا على معاني هذا
الحديث هناك بما يغني عن إعادته ههنا، وبالله توفيقنا.
أخبرنا خلف بن القاسم، وعبدالله بن محمد بن أسد، قالا: حدثنا
عبدالله بن جعفر بن الورد، حدثنا بكر بن سهل، والوليد بن العباس
ابن مسافر، قالا: حدثنا أبو صالح، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثنا
الليث، حدثني عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الاسود، عن هشام
ابن عروة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن
عائشة أنها قالت في لحم الضحايا: كنا نصلح منه، ويقدم فيه الناس
الى المدينة، وقال لنا رسول الله وَله: ((لا تاكلوا إلا ثلاثة أيام(٢))،
ليس بالعزيمة، ولكن أراد أن يطعموا منه، فهذا الحديث يبين لك معنى
النهي عن أكل لحوم الضحايا أنه كان ندبا الى الخير لا ايجابا.
وفي إسناد هذا الحديث رواية النظير عن النظير، والكبير عن
الصغير، وعلى هذا كان السلف رضي الله عنهم أجمعين.
(١) حم (١/ ٤٥٢)، ذكره الهيثمي (٢٩/٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى وفيه فرقد السبخي
وهو ضعيف.
(٢) خ (٢٩/١٠/ ٥٥٧٠)، الطحاوي (١٨٩/٤) شرح المعاني. هق (٢٩٣/٩).

كتاب الأضاحى
٢٨٧
باب منه
[٦] مالك، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبدالله، أن رسول الله قال# نهى
عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال: ((كلوا وتزودوا وادخروا(١)).
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث مستوعبا في باب ربيعة بن
أبي عبدالرحمن، وهو الحديث الحادي عشر من حديثه في كتابنا هذا،
فلا وجه لتكرار القول فيه ههنا.
(١) م (٣/ ١٥٦٢/ ١٩٧٢).

٤٩ - كتاب العقيقة

كتاب العقيقة
٢٩١
العقيقة وأحكامها
١- مالك، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن أبيه أنه قال: سئل
رسول الله مَ عن العقيقة؟ فقال: ((لا أحب العقوق، وكأنه انما كره
الاسم، وقال: من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل(١)).
روى هذا الحديث ابن عيينة عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني
ضمرة، عن أبيه، أو عن عمه هكذا على الشك. والقول في ذلك
قول مالك، ولا أعلمه روي معنى هذا الحديث عن النبي وَلّ إلا من
هذا الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن
النبي وَجُلّ واختلف فيه على عمرو بن شعيب أيضا.
ومن أحسن أسانيد حديثه، ما ذكره عبدالرزاق قال: أخبرنا داود بن
قیس، قال: سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال:
سئل النبي وَّ عن العقيقة؟ فقال: ((لا أحب العقوق، وكأنه كره
الاسم))، قالوا: يا رسول الله ينسك أحدنا عن ولده، فقال: ((من
أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل: عن الغلام شاتان مكافأتان،
وعن الجارية شاة (٢))).
وقد روي عن النبي ◌َّ في العقيقة آثار سنذكرها هنا، إن شاء الله
تعالى .
وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول
(١) حم (٣٦٩/٥ - ٤٣٠)، وذكره الهيثمي (٤/ ٦٠) وقال: رواه كله أحمد وفيه رجل لم يسم
وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) حم (١٩٤/٢)، د (٢٦٢/٣-٢٨٤٢/٢٦٣)، ن (٤٢٢٣/١٨٣/٧)، ك (٢٣٨/٤) وقال:
صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. هق (٩/ ٣٠٠).

فتح البر
٢٩٢
الله وَخلّ يحب الاسم الحسن، ويعجبه الفال الحسن. وقد جاء عنه في
حرب، ومرة، ونحوهما، ما رواه مالك وغيره، وذلك معروف،
ستراه في بابه من كتابنا هذا إن شاء الله .
وكان الواجب بظاهر هذا الحديث، أن يقال للذبيحة عن المولود
نسيكة، ولا يقال عقيقة، لكني لا أعلم أحدا من العلماء مال إلى ذلك
ولا قال به، وأظنهم - والله أعلم - تركوا العمل بهذا المعنى المدلول
عليه من هذا الحديث، لما صح عندهم في غيره من لفظ العقيقة،
وذلك أن سمرة بن جندب روى عن النبي وَ له أنه قال: (الغلام مرتهن
بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه(١))).
وروى سلمان الضبي عن النبي ◌َ ◌ّو أنه قال: ((مع الغلام عقیقته،
فأهرقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى(٢)). وهما حديثان ثابتان، إسناد
كل واحد منهما خیر من إسناد حديث زيد بن أسلم هذا.
حدثني عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
أملى علينا علي بن عبدالعزيز بمكة في المسجد الحرام قال:
حدثنا معلى بن أسد، قال أخبرنا سلام بن أبي مطيع، قال حدثنا
قتادة عن الحسن عن سمرة، قال: قال رسول الله وَخلاله: ((الغلام مرتهن
بعقيقته تذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه ويسمى(٣)).
(١) حم (٧/٥-٨-١٢ -١٧-٢٢)، د (٢٨٣٧/٢٥٩/٣)، ت (١٥٢٢/٨٥/٤) وقال: حسن
صحيح. ن (١٨٦/٧-٤٢٣١/١٨٧)، جه (٣١٦٥/١٠٥٦/٢)،
الدارمي (٨١/٢)، ك (٢٣٧/٤) وسكت عنه وصححه الذهبي. هق (٢٩٩/٩).
(٢) حم (٤/ ١٧-١٨-٢١٤-٢١٥)، خ (٧٣٦/٩/ ٥٤٧١)، د (٢٨٣٩/٢٦١/٣)،
ت (١٥١٥/٨٢/٤)، ن (١٨٤/٧-١٨٥ /٤٢٢٥)، جه (٣١٦٤/١٠٥٦/٢)، الدارمي (٨١/٢).
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

كتاب العقيقة
٢٩٣
وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: أخبرنا عفان، قال: حدثنا أبان، قال:
حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي وَجُل قال: ((كل غلام مرتهن
بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويماط عنه الأذى ويسمى(١))).
قال أحمد بن زهير: وحدثنا أبي، قال: حدثنا قريش بن أنس، عن
حبيب بن الشهيد، قال: قال لي ابن سيرين: سل الحسن ممن سمع
حديث العقيقة؟ فسألته عن ذلك فقال من سمرة. وحدثنا سعيد بن
نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق
القاضي، قال حدثنا حجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة
قال: أخبرنا أيوب وقتادة ويونس وهشام وحبيب بن الشهيد، عن
صَلىالله
محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبى، أن رسول الله
وسلم
قال: ((مع الغلام عقيقته، فأهرقوا عنه دما، واميطوا عنه الأذى(١)).
وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبو غسان، قال: أخبرنا اسرائيل
عن عبدالله بن المختار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال:
سمعت النبي وَل* يقول: ((الغلام مرتهن بعقيقته(٢)).
فهذا لفظ العقيقة قد صح عن النبي وَ جُله من وجوه ثابتة، أثبت من
حديث زيد بن أسلم هذا، وعليها العلماء، وهو الموجود في كتب
الفقهاء وأهل الأثر في الذبيحة عن المولود: العقيقة دون النسيكة.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) ذكره الهيثمي (٦١/٤) بفلظ: ((مع الغلام عقيقة فاهرقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى)) وقال:
(رواه البزار ورجاله رجال الصحيح)).

فتح البر
٢٩٤=
وأما العقيقة في اللغة، فزعم أبو عبيد عن الاصمعي وغيره، أن
أصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، قال: وانما
سميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة، لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند
الذبح، قال: ولهذا قيل في الحديث: وأميطوا عنه الأذى يعني بالاذى
ذلك الشعر.
قال أبو عبيد: وهذا مما قلت لك أنهم ربما سموا الشيء باسم غيره
إذا كان معه أو من سببه، فسميت الشاة عقيقة لعقيقة الشعر، وكذلك
كل مولود من البهائم، فان الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة
وعقة. قال زهیر یذکر حمار وحش:
أذلك أم شتيم الوجه جأب
عليه من عقيقته عفاء
يعني صغار الوبر.
وقال ابن الرقاع في العقة يصف حمارا:
تحسرت عقة عنه فأنسلها
واجتاب أخرى جديدا بعد ما ابتقلا
قال: يريد أنه لما فطم من الرضاع، وأكل البقل ألقى عقيقته،
واجتاب أخرى، وهكذا زعموا يكون. قال أبو عبيد: العقة والعقيقة
في الناس والحمر، ولم يسمع في غير ذلك.
قال أبو عمر:
هذا كله كلام أبي عبيد وحكايته، وما ذكره في تفسير العقيقة، وقد
أنكر أحمد بن حنبل تفسير أبي عبيد هذا للعقيقة، وما ذكره عن

كتاب العقيقة
٢٩٥
الأصمعي وغيره في ذلك، وقال: انما العقيقة الذبح نفسه، قال: ولا
وجه لما قال أبو عبيد.
واحتج بعض المتأخرين لأحمد بن حنبل في قوله هذا، بأن قال ما
قال أحمد من ذلك، فمعروف في اللغة، لأنه يقال: عق: إذا قطع،
ومنه يقال: عق والديه إذا قطعهما .
قال أبو عمر:
يشهد لقول أحمد بن حنبل قول الشاعر:
بلاد بها عق الشباب تمائمي
وأول أرض مس جلدي ترابها
يريد أنه لما شب، قطعت عنه تمائمه.
ومثل هذا قول ابن ميادة واسمه: الرماح:
بلاد بها نيطت على تمائمي
وقطعن عني حين ادركني عقلي
وقول أحمد في معنى العقيقة في اللغة، أولى من قول أبي عبيد
وأقرب وأصوب، والله أعلم.
قال أبو عمر:
في هذا الحديث: قوله وَجَلّه: ((من ولد له ولد، فأحب أن ينسك
عن ولده فليفعل)). دليل على أن العقيقة ليست بواجبة، لأن الواجب
لا یقال فيه: من أحب فليفعله.

فتح البر
٢٩٦
وهذا موضع اختلف العلماء فيه، فذهب أهل الظاهر إلى أن العقيقة
واجبة فرضا، منهم داود بن علي وغيره. واحتجوا لوجوبها بأن رسول
الله وَّه أمر بها وفعلها، وكان بريدة الأسلمي يوجبها وشبهها بالصلاة
فقال: الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة، كما يعرضون على
الصلوات الخمس.
وكان الحسن البصرى يذهب إلى أنها واجبة عن الغلام يوم سابعه،
فإن لم یعق عنه، عق عن نفسه.
وقال الليث بن سعد: يعق عن المولود في أيام سابعه، في أيها
شاء؛ فان لم تتهيأ لهم العقيقة في سابعه، فلا بأس أن يعق عنه بعد
ذلك، وليس بواجب أن يعق عنه بعد سبعة أيام، وكان الليث يذهب
إلى أنها واجبة في السبعة الأيام.
وكان مالك يقول: هي سنة واجبة يجب العمل بها، وهو قول
الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، والطبري.
قال مالك: لا يعق عن الكبير، ولا يعق عن المولود، إلا يوم سابعه
ضحوة؛ فإن جاوز يوم السابع، لم یعق عنه. وقد روى عنه أنه يعق
عنه في السابع الثاني.
قال: ويعق عن اليتيم، ويعق العبد المأذون له في التجارة عن ولده،
إلا أن يمنعه سيده.
قال مالك: ولا يعد اليوم الذي ولد فيه، إلا أن يولد قبل الفجر من
ليلة ذلك اليوم.
وروى عن عطاء: ان أخطأهم أمر العقيقة يوم السابع، أحببت أن
يؤخروه إلى يوم السابع الآخر .

كتاب العقيقة
٢٩٧.
وروى عن عائشة أنها قالت: إن لم يعق عنه يوم السابع، ففي أربع
عشرة، فان لم يكن، ففي إحدى وعشرين. وبه قال إسحاق بن
راهويه، وهو مذهب ابن وهب، قال ابن وهب: قال مالك بن أنس:
إن لم يعق عنه في يوم السابع، عق عنه في السابع الثاني.
قال ابن وهب: ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث.
وقال مالك: ان مات قبل السابع لم يعق عنه. وروى عن الحسن
مثل ذلك.
وقال الليث بن سعد في المرأة تلد ولدين في بطن واحد: أنه يعق
عن كل واحد منهما.
قال أبو عمر:
ما أعلم عن أحد من فقهاء الأمصار خلافا في ذلك والله أعلم.
وقال الشافعي: لا يعق المأذون له المملوك عن ولده، ولا يعق عن
الیتیم، کما لا یضحی عنه.
وقال الثوري: ليست العقيقة بواجبة، وان صنعت فحسن.
وقال محمد بن الحسن: هي تطوع، كان المسلمون يفعلونها،
فنسخها ذبح الاضحى، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل.
وقال أبو الزناد: العقيقة من أمر المسلمين الذين كانوا يكرهون تركه.
قال أبو عمر:
الآثار كثيرة مرفوعة عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين في
استحباب العمل بها، وتأكيد سنتها، ولا وجه لمن قال: ان ذبح

فتح البر
٢٩٨
الأضحى نسخها .
واختلفوا في عدد ما يذبح عن المولود من الشياه في العقيقة عنه،
فقال مالك: يذبح عن الغلام شاة واحدة، وعن الجارية شاة، الغلام
والجارية في ذلك سواء. والحجة له ولمن قال بقوله في ذلك: ما
حدثناه عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال: حدثنا أبو معمر عبدالله بن عمرو، قال: حدثنا
عبدالوارث، قال حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول
الله وَله عق عن الحسن والحسين كبشا، كبشا(١).
وروى جعفر بن محمد عن أبيه، أن فاطمة ذبحت عن حسن
وحسين كبشا، كبشا. وكان عبدالله بن عمر يعق عن الغلمان والجواري
من ولده شاة، شاة. وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين
كقول مالك سواء.
وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: يعق عن الغلام
شاتان، وعن الجارية شاة، وهو قول ابن عباس وعائشة، وعليه جماعة
أهل الحديث؛ وحجتهم في ذلك ما حدثناه أبو القاسم عبدالوارث بن
سفيان قراءة منى عليه، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بكر
ابن حماد، قال: حدثنا مسدد. وحدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر قراءة
منی علیه أيضا، واللفظ له، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا الحميدي، قالا جمیعا: حدثنا
سفيان، قال أخبرنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح،
(١) د (٢٦١/٣-٢٨٤١/٢٦٢)، ن (٧ /١٨٦ / ٤٢٣٠) عن قتادة عن عكرمة.
طب (١١٨٥٦/٣١٦/١١)، هق (٢٩٩/٩-٣٠٢)، ابن الجارود (ح ٩١١).

كتاب العقيقة
٢٩٩
أن حبيبة بنت ميسرة الفهرية مولاته أخبرته أنها سمعت أم كرز الخزاعية
تقول: سمعت رسول الله وَله قال: ((في العقيقة عن الغلام شاتان
مكافأتان، وعن الجارية شاة(١)).
وعند ابن عيينة أيضا في هذا الحديث إسناد آخر، عن عبيدالله بن
أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز: حدثنيه سعيد
ابن نصر، قال حدثنا قاسم بن اصبغ، قال حدثنا الترمذي، قال حدثنا
الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، قال
أخبرني أبي انه سمع سباع بن ثابت يحدث انه سمع أم كرز الكعبية
تقول: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((اقروا الطير على مكناتها)).
قالت وسمعته وَجُلّ يقول: ((عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، ولا
يضركم ذكرانا كن أو اناثا(٢)).
هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث عن عبيد الله بن أبي يزيد عن
أبيه، وخالفه حماد بن زيد فلم يقل عن أبيه .
حدثنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبو داود، قال: حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله
ابن أبي يزيد، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت قال رسول الله
وَالخلية: ((عن الغلام شاتان مثلان، وعن الجارية شاة (٣)).
قال أبو داود: هذا هو الصحيح، وهم ابن عيينة فيه.
(١) د (٢٨٣٦/٢٥٨/٣) وقال: هذا هو الحديث وحديث سفيان وهم.
ت (٤ /١٥١٦/٨٣) وقال: حديث حسن صحيح. ن (١٨٥/٧/ ٤٢٢٧)،
جه (٣١٦٢/١٠٥٦/٢)، هق (٣٠١/٩)، الدارمي (٢/ ٨١).
(٢) د (٢٨٣٥/٢٥٧/٣)، ت (١٥١٨/٨٣/٤)، ن (٧ /١٨٥ / ٤٢٢٨)، ك (٢٣٧/٤) وقال:
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. هق (٣٠١/٩).
(٣) تقدم في الباب نفسه.

فتح البر
٣٠٠
-
قال أبو عمر:
لا أدري من أين قال هذا أبو داود؟ وابن عيينة حافظ، وقد زاد في
الإسناد، وله عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه عن سباع بن ثابت،
عن أم كرز ثلاثة أحاديث.
وحدثنا بحديث حماد بن زيد أيضا، عبدالوارث بن سفيان قراءة
منى عليه، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد،
قال حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد بن زيد، فذكره باسناده حرفا
بحرف .
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: مكافأتان: مستويتان
متقاربتان .
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
عبدالله بن نمير، قال حدثنا داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه عن جده، قال: سئل رسول الله وَّله عن العقيقة؟ فقال: ((لا
أحب العقوق)). فقال: أي رسول الله انما أسألك عن أحدنا يولد له
المولود، فقال: ((من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل: عن الغلام
شاتان وعن الجارية شاة (١)).
قال أبو عمر:
انفرد الحسن وقتادة بقولهما: أنه لا يعق عن الجارية بشيء، وإنما
يعق عن الغلام فقط بشاة، وأظنهما ذهبا إلى ظاهر حديث سلمان:
مع الغلام عقيقته. وإلى ظاهر حديث سمرة: الغلام مرتهن بعقيقته.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.