Indexed OCR Text
Pages 201-220
كتاب فضائل المدينة ٢٠١ ذر، قال: أقبلنا مع رسول الله وَله فنزلنا ذا الحليفة، فتعجل رجال الى المدينة فباتوا بها، فلما أصبح، سأل عنهم، فقيل: تعجلوا الى المدينة والى النساء، فقال: تعجلوا إلى المدينة؟ أما أنهم سيتركونها. وهي أحسن ما كانت(١). وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا أبان، قال حدثنا يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة، أن النبي وَلّ قال: ليتركن المدينة أهلها خير ما كانت نصفين: رطبا وزهوا. قال: ومن يخرجهم منها يا أبا هريرة؟ قال: أمراء السوء. قال إسماعيل: هكذا حدثنا به مسلم - مرفوعا إلى النبي وَلاه. (١) حم (١٤٤/٥)، ذكره الهيثمي في المجمع (١٥/٨) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير حبيب بن جماز وهو ثقة. حب: الإحسان (٦٨٤١/٢٥٥/١٥). فتح البر ٢٠٢٠ ما بين لا بتيها حرام وما ورد فى فضل أحد [١٢] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال رسول الله وعليه: ((ما بين لابتيها حرام(١)). لم يختلف رواة الموطأ في إسناده ولا متنه. وفي هذا الحديث من الفقه تحريم المدينة، وإذا كانت حراما لم يجز فيها الاصطياد، ولا قطع الشجر، كهيئة مكة، إلا أنه لا جزاء فيه عند العلماء، كذلك قال مالك، والشافعي، وأصحابهما. وقال أبو حنفية: صيد المدينة غير محرم، وكذلك قطع شجرها. وهذا الحديث حجة عليه مع سائر ما في تحريم المدينة من الآثار. واحتج لابي حنيفة بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي وَجُلّ، أنه قال: من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع من شجرها فخذوا سلبه(٢). وأخذ سعد سلب من فعل ذلك. قال: وقد اتفق الفقهاء على انه لا يؤخذ سلب من صاد في المدينة، فدل ذلك على أنه منسوخ، قال: وقد يحتمل أن يكون معنى النهي عن صيد المدينة، وقطع شجرها، لأن الهجرة كانت إليها، فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها، ويدعو الى ألفتها، كما روى عن نافع عن ابن عمر أن النبي وَّ نهى عن هدم آطام المدينة(٣)، فانها من زينة المدينة. (١) حم (٢٣٦/٢)، خ (٤ / ١١٠/ ١٨٧٣)، م (٩٩٩/٢ - ١٠٠٠/ ١٣٧٢ [٤٧١])، ت (٣٩٢١/٦٧٧/٥). (٢) حم (١/ ١٧٠)، د (٢/ ٢٠٣٧/٥٣٢)، هق (١٩٩/٥-٢٠٠)، الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٩١). (٣) الطحاوي "شرح معاني الآثار" (١٩٤/٤)، ذكره الهيثمي (٣٠٤/٣) وقال: رواه البزار عن الحسن بن يحيى ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. كتاب فضائل المدينة ٢٠٣ قال أبو عمر: لیس في هذا کله حجة، لان حديث سعد ليس بالقوى، ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة، وما تأوله في زينة المدينة فليس بشيء، لان الصحابة تلقوا تحريم المدينة بغير هذا التأويل، وسعد قد عمل بما روى فأي نسخ ههنا؟ وفي قول أبي هريرة: ما ذعرتها دليل على أنه لا يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة، كما لا يجوز ترويعه في الحرم - والله أعلم. وكذلك نزع زيد بن ثابت من يد الرجل النهس، وهو طائر كان صاده بالمدينة، دليل على أن الصحابة فهموا مراد رسول الله وَخله في تحريمه صيد المدينة، فلم يجيزوا فيها الاصطياد، ولا تملك ما يصطاد، ولذلك نزع زيد النهس وسرحه من يد صائده، يقال ان ذلك الرجل: شرحبيل بن سعيد. وقال ابن مهدي عن مالك حرم المدينة بريد في بريد يعنى من الشجر. قال: واللابتان هما الحرتان. وقال ابن حبيب: اللابة الحرة، وهي الأرض التي ألبست الحجارة السود الجرد، وجمع اللابة لابات، فإذا كثرت جدا فهي لوب. قال: وتحريم النبي وَّ ما بين لابتى المدينة، إنما يعنى في الصيد، فأما في قطع الشجر، فبريد في بريد في دور المدينة كلها محرم، كذلك اخبرني مطرف عن مالك، وعمر بن عبدالعزيز. فقول رسول الله وَله: ((ما بين لابتيها)) يعنى حرتيها الشرقية والغربية، وهي حرار أربع، لكن القبلية والجوفية متصلتان بها وقد ردها حسان بن ثابت الى حرة واحدة لاتصالها فقال: بنى العز فيها بيته فتأثلا لنا حرة مأطورة بجبالها فتح البر ٢٠٤ قال: وقوله مأطورة بجبالها يعني معطوفة بجبالها لاستدارة الجبال بها، وإنما جبالها تلك الحجارة السود التي تسمى الحرار. قال أبو عمر: وكذلك فسر ابن وهب ما بين لابتيها، قال: مابين حرتيها، قال: وهو قول مالك. قال ابن وهب وهذا الذي حرمه رسول الله وعلاجالقدم فيها، إنما هو في قتل الصيد، قيل لابن وهب: فما حرمه فيها في قطع الشجر؟ قال: حد ذلك بريد في بريد، بلغني ذلك عن عمر بن عبدالعزيز. وقال ابن نافع: اللابتان هما الحرتان، احداهما التي ينزل بها الحاج إذا رجعوا من مكة وهي بغربي المدينة، والاخرى مما يليها من شرقي المدينة، قال: فما بين هاتين الحرتين، حرام أن يصاد فيها طير، أو صيد. قال ابن نافع: وحرة اخرى مما يلي قبلة المدينة، وحرة رابعة من جهة الجوف، فما بين هذه الحرار كلها في الدور محرم أن يصاد فيها، ومن فعل ذلك اثم، ولم يكن عليه جزاء ما صاده كما يكون عليه في حرم مكة إذا صاد فيه؛ وجملة مذهب مالك، والشافعي، في صيد المدينة، وقطع شجرها: ان ذلك مكروه لا جزاء فيه. وقال مالك لا يقتل الجراد في حرم المدينة وكان يكره أكل ما قتل الحلال من الصيد في حرم المدينة. وقال أبو حنيفة واصحابه: صيد المدينة غير محرم، وكذلك قطع شجرها، واحتج الطحاوي لهم بحديث أنس يا أبا عمير ما فعل النغير؟ (١) قال: فلم ينكر صيده وامساكه . (١) حم (١١٥/٣)، خ (٦١٢٩/٦٤٤/١٠)، م (٢١٥٠/١٦٩٣/٣)، ت (٤/ ١٩٨٩/٣١٤)، د (٤٩٦٩/٢٥١/٥)، جه (٣٧٢٠/١٢٢٦/٢)، حب: الإحسان (٢٣٠٨/٨٢/٦). كتاب فضائل المدينة ٢٠٥, قال أبو عمر: هذا قد يجوز أن يكون صيد في غير حرم المدينة، فلا حجة فيه. واحتج أيضا بحديث يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن عائشة: كان لرسول الله وَلله، وحش، فإذا خرج لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله وَالر، ربض، فلم يترمرم كراهية أن يؤذيه(١). والقول -عندي- في هذا الحديث كالقول في حديث النغير - والله أعلم -. قال إسماعيل ابن إسحاق بعد أن ذكر الآثار في تحريم ما بين لابتي المدينة: اني لأعجب ممن رد هذه الأحاديث، بحديث أنس يا أبا عمير، ما فعل النغير؟! قال أبو عمر : قد زدنا هذا الباب بيانا عند ذكر قوله وَالر، في حديث مالك، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس: ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة، واني أحرم ما بين لابتيها(٢)). وليس في سقوط الجزاء عمن اصطاد بالمدينة، دليل على سقوط تحريم صيدها؛ ألا ترى إلى قول رسول الله وَالفقه : ((اني حرمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة؟(٣)) قال إسماعيل، وغيره: لم يبلغنا انه كان في شريعة إبراهيم جزاء صيد، وظاهر الآية يدل على أنه أمر شرعه الله لهذه الأمة بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (١) حم (١١٢/٦-١١٣) بلفظ: ((كان لآل رسول الله وَل وحش .. )). ذكره الهيثمي (٦/٩-٧) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح. أبو يعلى (٤٤٤١/٤١٨/٧). (٢) حم (١٤٩/٣)، خ (٣٣٦٧/٥٠٢/٦)، م (٢ / ١٠٠١/ ١٣٧٤ [٤٧٥])، ت (٦٧٨/٥/ ٣٩٢٢). (٣) م (٢ / ٩٩١/ ١٣٦٠ [٤٥٤])، من طريق عبدالله بن زيد بن عاصم. هق (١٩٨/٥) من طريق أبي سعيد. فتح البر ٢٠٦ لِيَبْلُوَتَكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيَدِيكُمْ وَرِمَلُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَ نَقْتُلُواْ ج اَلْصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: (٩٤ - ٩٥)]. قال إسماعيل: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول الله رَله: ((ما بين لابتي المدينة حرام كما حرم إبراهيم مكة، اللهم اجعل البركة فيها بركتين وبارك لهم في صاعهم ومدهم(١)». (١) حم (١٦٩/١). كتاب فضائل المدينة ٢٠٧ باب منه [١٣] مالك، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك أن رسول الله وَل# طلع له أحد، فقال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لا بتيها(١))). لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه فيما علمت، ورواه سفيان بن بشر عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة فأخطأ فيه والصواب ما في الموطأ: مالك عن عمرو عن أنس. حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبدالرحمن بن معاوية بن عبدالرحمن بن محمد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، قال حدثنا أبو شيبة داود بن إبراهيم البغدادي، قال حدثنا عبدالأعلى بن حماد، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس أن رسول الله وَ لاّ طلع له أحد فقال: ((إن هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لا بتيها يعني المدينة(١)). حدثنا خلف، قال حدثنا عبدالله بن عمر بن إسحاق، حدثنا محمد ابن جعفر بن أعين. وحدثنا خلف، حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمد الكندي، ومحمد بن عبدالله، قالا: حدثنا عبدالله بن عبدالعزيز البغوي، قالا حدثنا عبدالأعلى بن حماد، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، أن النبي وَُّلّ طلع له أحد (١) حم (١٤٩/٣)، خ (٣٣٦٧/٥٠٢/٦)، م (٢ / ١٠٠١/ ١٣٧٤ [٤٧٥])، ت (٣٩٢٢/٦٧٨/٥). فتح البر ٢٠٨ فذكره. قال أبو عمر: للناس في هذا مذهبان: أحدهما أن ذلك مجاز، ومجازه أن رسول الله وَلّ كان يفرح بأحد إذا طلع له استبشارا بالمدينة ومن فيها من أهلها، ويحب النظر إليه لقربه من النزول بأهله، والأوبة من سفره؛ فلهذا -والله أعلم- كان يحب الجبل. وأما حب الجبل له، فكأنه قال: وكذلك كان يحبنا لو كان ممن تصح وتمكن منه محبة، وقد مضى هذا المعنى في باب عبدالله بن يزيد واضحا عند قوله وَله: اشتكت النار إلى ربها الحديث، والحمد لله، ومن هذا قول عمر بن الوليد بن عقبة . بکی أحد إن فارق اليوم أهله فكيف بذي وجد من القوم آلف وقد قيل معنى قوله: يحبنا، أي يحبنا أهله يعني الأنصار الساكنين قربه، وكانوا يحبون رسول الله وَالله ويحبهم لأنهم آووه ونصروه، وأقاموا دينه؛ فخرج قوله وسّ على هذا التأويل مخرج قول الله عز وجل: ﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيَهَا﴾ [يوسف: (٨٢)] يريد أهل القرية، وهذا معروف في لسان العرب، وقد تكون الإرادة للجبل مجازا أيضا، فيكون القول في حب الجبل، كالقول في إرادة الجدار أن ينقض سواء، ومن حمل ذلك على المجاز جعله كقول الشاعر: يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل وزعم أن العرب خوطبت من ذلك بما تعرفه بينها من مخاطباتها كتاب فضائل المدينة ٢٠٩ ومفهوم كلامها؛ فهذا كله مذهب من حمل هذه الألفاظ وما كان مثلها في الكتاب والسنة على المجاز المعروف من لسان العرب؛ والمذهب الآخر أن ذلك حقيقة، ومن حمل هذا على الحقيقة، جعل للجدار إرادة يفهمها من شاء الله، وجعل لكل شيء تسبيحا حقيقة لا يفقهها الناس بقوله عز وجل: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُمْ﴾ [سبأ: (١٠)] وقوله: ﴿ وَإِنمِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: (٤٤)] وجعل السماوات والأرض بكاء وقولاً في مثل هذا المعنى صحيحاً؛ والقول في كلا المذهبين يتسع، وقد أكثر الناس في هذا وبالله التوفيق. وأما قوله: إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لا بتيها. فقد روى هذا المعنى أبو هريرة ورافع بن خديج، عن النبي وَّ: حدثنا عبدالوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا قتيبة ابن سعيد حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهادي، عن أبي بكر بن محمد، عن عبدالله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله وَالاول: ((إن إبراهيم حرم مكة(١)). وقال أحمد بن زهير: حدثنا مصعب بن عبدالله، حدثنا عبدالعزيز ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله صَل قال: ((إن إبراهيم حرم مكة (٢)). ورواه جابر وسعد بن أبي وقاص أيضا كذلك: حدثنا عبدالوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي ، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله 3 0* يوم (١) حم (٤/ ١٤١)، م (٢ / ٩٩١/ ١٣٦٠[٤٥٦])، هق (١٩٨/٥). (٢) الطحاوي "شرح معاني الآثار" (١٩٣/٤). فتح البر ٢١٠ فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها (١))، وذكر تمام الحديث. وحدثنا عبدالوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يونس بن یزید يحدث عن الزهري، عن مسلم بن يزيد أحد بني سعد بن بكر، أنه سمع أبا شريح الخزاعي ثم الكعبي يقول: ثم قام رسول الله وَّه فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد، فإن الله حرم مكة لم يحرمها الناس، وإنما أحلها لي ساعة من النهار آمن، وإنها اليوم حرام كما حرمها أول مرة، وإني أحرم ما بين لا بتيها))، يعني المدينة(٢). أخبرنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا الفضل بن سليمان، حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((ما بين لا بتي المدينة حرام، كما حرم إبراهيم مكة، اللهم اجعل البركة فيها بركتين، وبارك لهم في صاعهم ومدهم، وإني أحرم ما بين لابتيها)). يعني المدينة (٣). ففي هذا كله تصريح بتحريم المدينة، وأنها لا يجوز الاصطياد فيها؛ وفي تلك ما يبطل قول الكوفيين، ويشهد لصحة قول أهل المدينة. (١) حم (٣١٥/١)، خ (١٥٨٧/٥٧٣/٣)، م (٩٨٦/٢ / ١٣٥٣ [٤٤٥])، ن (٥/ ٢٢٣-٢٢٤ /٢٨٧٤). (٢) حم (٣٢/٤)، هق (١٢٢/٩-١٢٣)، وأخرجه مطولا من طريق عبدالله بن عمر: حب: الإحسان (١٣ / ٢٤٠ /٥٩٩٦). (٣) حم (١٦٩/١). كتاب فضائل المدينة ٢١١ قال عبدالملك بن عبدالعزيز بن الماجشون: التحريم للصيد بالمدينة حق، لقول رسول الله وَة: ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لا بتيها)). قال عبدالملك: وحد ذلك ما لو التقت الحرتان كانت البيوت شاغلة عنه، وما فوق ذلك وأسفل فمباح. قال: وقال مالك: أكره ما قرب جدا من فوق وأسفل. وبلغنا أن سعدا أخذ ثوب من فعل ذلك وفأسه، فكلم فيه؟ فقال: لا أدع ما أعطانيه رسول الله وَّله، قال: وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال لمولى لقدامة بن مظعون يدعى بسالم: إذا رأيت من يقطع من الشجر يعني شجر المدينة شيئا فخذ فأسه. قال: وثوبه ياأمير المؤمنين، قال: لا، ولكن فأسه. قال أبو عمر: لم يختلف العلماء أنه لا يجوز أخذ فأس من اصطاد بالمدينة اليوم ولا ثوبه، وقد احتج بذلك من زعم أن تحريم صيدها منسوخ بذلك، وهذا ليس بشيء؛ لأن الحديث في ذلك عن سعد وعمر رضي الله عنهما ضعيف الإسناد، ولا يحتج به؛ وقد ثبت تحريمها، من الطرق الصحاح، وليس في سقوط وجوب الجزاء على من اصطاد فيها ما يسقط تحريمها، لما قدمناه من الحجة في ذلك في باب ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ وثم أشبعنا القول في هذه المسألة. ولم يكن في شريعة إبراهيم جزاء صيد فيما قال أهل العلم، والنبي وَ لّ إنما حرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ووجوب الجزاء في صيد الحرم شيء ابتلى الله به هذه الأمة، ألا ترى إلى قوله عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَلِكُمُ اللّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: (٩٤)] ولم يكن قبل ذلك فتح البر ٢١٢ والله أعلم؛ والصحابة فهموا المراد في تحريم صيد المدينة فتلقوه بالوجوب دون جزاء، كذلك قال أبو هريرة، وزيد بن ثابت، وأبوسعيد . ذكر إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي وَلّ حرم ما بين لابتي المدينة، وأنه حرم شجرها أن يعضد(١)؛ قالت زينب: فكان أبو سعيد يضرب بنيه إذا صادوا فيها ويرسل الصيد. قال: وحدثنا مسدد، قال حدثنا عبدالواحد بن زياد، قال حدثنا عاصم الأحول، قال: قلت لأنس بن مالك: حرم رسول الله وَ له المدينة؟ قال: نعم(٢). وقد قالت فرقة في صيد المدينة جزاء، واحتجوا بأنه حرم نبي كما مكة حرم نبي، واعتلوا بقوله إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها؛ والوجه المختار ما قدمنا ذكره، وهو قول مالك، والشافعي وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم، والأصل أن الذمة بريئة، فلا يجب فيها شيء إلا بیقین. وأما حرم المدينة وكم يبلغ من المسافة؟ ومعنى لا بتيها وهما الحرتان؟ فقد مضى في كتابنا هذا في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب والحمد لله. (١) م (٢ / ١٠٠٣ / ١٣٧٤ [٤٧٨])، هق (١٩٨/٥) كلهم من طريق عبدالرحمن بن أبي سعيد عن أبيه . (٢) م (٢ / ٩٩٤ / ١٣٦٦ [٤٦٤]). ٢١٣ كتاب فضائل المدينة باب منه [١٤] مالك، عن يونس بن يوسف، عن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب الأنصاري أنه وجد غلمانا قد ألجؤوا ثعلبا إلى زاوية، فطردهم عنه. قال مالك: لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله وَلل يصنع هذا؟. قال التنيسي؛ في هذا الحديث عن مالك فيه: أفي حرم الله؟ وقال معن وغيره عن مالك فيه: أفي حرم رسول الله صَ ل# كما قال يحيى. وقد تقدم القول في تحريم المدينة وحدود حرمها في الصيد وغيره في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب من هذا الكتاب، وفي باب عمرو بن أبي عمرو أيضا، ولم يختلف الرواة فيما علمت عن مالك في اسم شيخه في هذا الحديث، وكلهم قال فيه: يونس بن يوسف، وقد قيل إنه غير ابن حماس وليس بشيء، وهو ابن حماس؛ وهذا يقضي لرواية معن، وأبي المصعب بالصواب - والله أعلم. ولمالك عن يونس بن يوسف هذا حديث آخر في الموطأ في كتاب البيوع عن سعيد بن المسيب أن عمر مر بحاطب وهو يبيع زبيبا في السوق . فتح البر ٢١٤ باب منه [١٥] مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول ويليقول طلع له أحد فقال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه(١))). وهذا مرسل في الموطأ عند جماعة الرواة، وهو مسند عن مالك من حديثه عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك عن النبي وَال وهو محفوظ من حديث أنس ومن حديث سويد بن النعمان الأنصاري. حدثنا عبدالله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل، قال حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز البغوي، قال حدثنا عبيد الله بن محمد العيشي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن جميل بن عبدالله عن أنس بن مالك أن النبي وَ له قال: ((أحد جبل يحبنا ونحبه، وانه لعلى ترعة من ترع الجنة(٢)). وحدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر ابن راشد بدمشق، قال حدثنا أبو زرعة، قال حدثنا أبو اليمان الحكم ابن نافع، قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، قال أخبرني عقبة بن سويد الأنصاري أن أباه أخبره أنهم قفلوا مع رسول الله وستـ من غزوة تبوك فلما قدمنا المدينة بدا لنا أحد، فقال رسول الله وَلخلقه : («هذا جبل يحبنا ونحبه(٣)). (١) عبدالرزاق (١٧١٦٩/٢٦٨/٩). (٢) حم (١٤٠/٣)، خ (٣٣٦٧/٥٠٢/٦)، م (٢/ ١٣٦٥/٩٩٣ [٤٦٢]). (٣) حم (٤٤٣/٣)، طب (٦٤٦٧/١٠٦/٧)، ذكره الهيثمي (١٦/٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وعقبة ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا، وبقية رجاله رجال الصحيح. كتاب فضائل المدينة ٢١٥ قال أبو عمر: ذهب جماعة من أهل العلم إلى حمل هذا القول على الحقيقة، وقالوا: جائز أن يحبهم الجبل كما يحبونه، وعلى هذا حملوا كل ما جاء في القرآن وفي الحديث من مثل هذا نحو قوله عز وجل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ﴾ [الدخان: (٢٩)] و ﴿قَالَتَآَ أَنَيْنَا طَآَيِعِينَ [فصلت: (١١)] و ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: (١٠)] أي سبحي معه و﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: (٧٧)] ومثله في القرآن كثير. وأما الحديث، ففيه ما لا يحصى من مثل هذا نحو ما روي أن البقاع لتتزين للمصلي، وأن البقاع لينادي بعضها بعضا هل مر بك الیوم ذاکر لله. وقال آخرون: هذا مجاز، يريد أنه جبل يحبنا أهله ونحبهم، وأضيف الحب إلى الجبل لمعرفة المراد في ذلك عند المخاطبين، مثل قوله: ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ يريد أهلها، وقد ذكرنا هذا المعنى بدلائل المجاز فيه وما للعلماء من المذاهب في ذلك عند قوله الفر: ((اشتكت النار إلى ربها)) في باب عبد الله بن يزيد وباب زيد بن أسلم والحمد لله . فتح البر ٢١٦ فضيلة الصلاة فى المسجد النبوى والمسجد الحرام [١٦] مالك، عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبدالله الأغر، عن أبي عبدالله الأغر، عن أبي هريرة، أن رسول الله وسلم قال: ((صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام(١)). لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث في الموطأ، ورواه محمد بن مسلمة المخزومي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس قال: قال رسول الله وَخلاله: ((صلاة في مسجدي)) فذكره. وهو غلط فاحش، واسناد مقلوب؛ ولا يصح فيه عن مالك إلا حديثه في الموطأ عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن أبي عبدالله الأغر، عن أبي عبدالله الأغر، عن أبي هريرة. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبدالله بن جعفر بن الورد، وعبدالله ابن عمر بن إسحاق بن معمر، قالا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر القطان، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا مالك، عن زيد بن رباح، وعبيد الله بن سلمان الأغر، عن أبي عبدالله الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَجُل: ((صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام(١)). وقد روى عن أبي هريرة من طرق ثابتة صحاح متواترة والحمد لله . وأبو عبدالله الأغر اسمه سلمان مولى جهينة، من تابعي المدينة؛ وأصله من أصبهان، وهو ثقة كبير، حجة فيما نقل؛ روى عنه ابن (١) حم (٤٦٦/٢)، خ (١١٩٠/٨١/٣)، م (١٠١٢/٢/ ١٣٩٤)، ن (٣٦٥/٢ /٦٩٣)، جه (١ / ٤٥٠ / ١٤٠٤). كتاب فضائل المدينة ٢١٧ شهاب، وابنه عبيد الله. وعبيد الله أيضا ثقة؛ وحديثه هذا صحيح مجتمع على صحته، إلا أنهم اختلفوا في تأويله ومعناه؛ فتأوله قوم، منهم أبو بكر عبدالله بن نافع الزبيري صاحب مالك، على أن الصلاة في مسجد الرسول وَّ، أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون ألف درجة، وافضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة. وقال بذلك جماعة من المالكيين، رواه بعضهم عن مالك. وذكر أبو يحيى الساجي قال: اختلف العلماء في تفضيل مكة على المدينة: فقال الشافعي: مكة خير البقاع كلها، وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين. وقال مالك والمدنيون: المدينة افضل من مكة. واختلف البغداديون وأهل البصرة في ذلك: فطائفة تقول: مكة، وطائفة تقول المدينة. وقال عامة أهل الأثر والفقه: ان الصلاة في المسجد الحرام، أفضل من الصلاة في مسجد الرسول وَالله بمائة صلاة. وروی یحیی بن يحيى عن ابن نافع، انه سأله عن معنى هذا الحديث فقال: معناه ان الصلاة في مسجد النبي ◌َّله، افضل من الصلاة في المسجد الحرام، بدون ألف صلاة، وفي سائر المساجد بألف صلاة. قال أبو عمر: أما القول في فضل مكة والمدينة، فقد مضى منه في كتابنا هذا ما فيه كفاية. وأما تأويل ابن نافع، فبعيد عند أهل المعرفة باللسان، ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد الرسول وَخّل، أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف، وتسعة وتسعين ضعفا. فتح البر ٢١٨ وإذا كان هكذا، لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد، إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع، وحسبك ضعفا بقول يؤول إلى هذا؛ فان حد حدا في ذلك، لم يكن لقوله دليل ولا حجة، وكل قول لا تعضده حجة ساقط: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد ابن مطرف، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا إسحاق بن إسماعيل الايلي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن عتيق قال: سمعت ابن الزبير قال: سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام، خير من مائة ألف صلاة فيما سواه يعني من المساجد، إلا مسجد رسول الله وَّله. فهذا عمر بن الخطاب، وعبدالله بن الزبير ولا مخالف لهما من الصحابة يقولان بفضل الصلاة في المسجد الحرام على مسجد النبي وَلآه. وتأول بعضهم هذا الحديث عن عمر أيضا على ان الصلاة في مسجد النبي وَله، خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام. وهذا كله تأويل لا يعضده أصل، ولا يقوم عليه دليل. وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا ان الصلاة في مسجد النبي ◌َّ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة، وفي غيره بألف صلاة؛ واحتج لذلك بما رواه سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن ابن عتيق، قال: سمعت عمر يقول: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فیما سواه. وحديث سليمان بن عتيق هذا لا حجة فيه، لانه مختلف في إسناده وفي لفظه، وقد خالفه فيه من هو أثبت منه. فمن الاختلاف عليه في ذلك، ما حدثنا أحمد بن قاسم، قال: كتاب فضائل المدينة ٢١٩ حدثنا ابن أبي دلیم، وقاسم بن اصبغ، قالا: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا حامد بن يحيى، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد الخراساني أبي عبدالرحمن، قال: حدثنا سليمان بن عتيق، قال: سمعت عبدالله بن الزبير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: صلاة في المسجد الحرام، أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي وَله . وحدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا أحمد بن دحيم وكتبته من اصله، قال: حدثنا أبو جعفر الديبلي محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن ابن عتيق، قال: سمعت ابن الزبير على المنبر يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: صلاة في المسجد الحرام، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد رسول الله وَخله، فإنما فضله عليه بمائة صلاة. فهذا خلاف ما ذكروه في حديث ابن عتيق، عن ابن الزبير، عن عمر، فكيف بحديث قد روى فيه ضد ما ذكروه نصا من رواية الثقات، إلى ما في اسناده من الاختلاف أيضا. وقد ذكره عبدالرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرنا سليمان بن عتيق وعطاء، عن ابن الزبير، أنهما سمعاه يقول: صلاة في المسجد الحرام، خير من مائة صلاة فيه ويشير إلى مسجد المدينة. وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، ومحمد بن عبدالسلام الخشني، قالا: حدثنا محمد بن أبي عمر، قال حدثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن سليمان بن عتيق، قال: سمعت ابن الزبير يقول: سمعت عمر بن الخطاب فتح البر ٢٢٠ يقول: صلاة في المسجد الحرام، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد رسول الله وَله، فإن فضله عليه بمائة صلاة. فهذا حديث سليمان بن عتيق محتمل للتأويل، لأن قوله فضله عليه يحتمل الوجهين، إلا أنه قد جاء عن عبدالله بن الزبير نصا من نقل الثقات، خلاف ما تأولوه عليه؛ على أنه لم يتابع فيه سليمان بن عتيق على ذكر عمر، وهو مما اخطأ فيه عندهم سليمان بن عتيق، وانفرد به؛ وما انفرد به، فلا حجة فيه؛ وإنما الحديث محفوظ عن ابن الزبير على وجهين: طائفة توقفه عليه فتجعله من قوله؛ وطائفة ترفعه عنه عن النبي ◌َّ بمعنى واحد: ان الصلاة في المسجد الحرام، أفضل من الصلاة في مسجد النبي ◌َّ بمائة ضعف. هكذا رواه عطاء بن أبي رباح، عن عبدالله بن الزبير، واختلف في رفعه عن عطاء على حسب ما نذكره؛ ومن رفعه عنه عن النبي ◌َّ، أحفظ وأثبت من جهة النقل؛ وهو أيضا صحيح في النظر، لان مثله لا يدرك بالرأي، ولا بد فيه من التوقيف؛ فلهذا قلنا ان من رفعه أولى، مع شهادة أئمة الحديث للذي رفعه بالحفظ والثقة؛ فممن وقفه على ابن الزبير من رواية عطاء: الحجاج بن أرطاه، وابن جريج؛ على أن ابن جريج، رواه عن سليمان بن عتيق ايضا، مثل روايته عن عطاء سواء. فحديث الحجاج، حدثناه عبدالوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الحجاج، عن عطاء، عن عبدالله بن الزبير قال: الصلاة في المسجد الحرام، تفضل على مسجد النبي وَ لّ بمائة ضعف. قال عطاء: فنظرنا