Indexed OCR Text

Pages 141-160

كتاب بناء الكعبة
١٤١
قال أبو عمر:
اجمع الفقهاء على ان المبيت للحاج غير الذين رخص لهم ليالي
منى بمنى، من شعائر الحج ونسكه، والنظر يوجب على كل مسقط
لنسکه دما، قياسا على سائر شعائر الحج ونسكه، وأحسن ما في هذا
الباب: ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: لا
يبيتن أحد من الحاج من وراء العقبة، وكان يوكل بذلك رجالا لا
يتركون أحدا من الحاج يبيت من وراء العقبة، الا ادخلوه، وهذا يدل
على ان المبيت من مؤكدات امور الحج، والله أعلم.

فتح البر
١٤٢
الرخصة للحائض فى طواف الوداع
[٣٨] مالك، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن
عائشة، أنها قالت: يا رسول الله، إن صفية بنت حيي قد حاضت، فقال
رسول الله صلى: ((لعلها تحبسنا، ألم تكن طافت معكن بالبيت؟)) قلن: بلى،
قال: ((فاخرجن))(١).
هذا حديث صحيح، لم يختلف في إسناده ولا في معناه، وروي
عن عائشة من وجوه كثيرة صحاح.
وفيه من الفقه: أن الحائض لا تطوف بالبيت، وهو أمر مجتمع
عليه، لا أعلم خلافا فيه، إلا أن طائفة منهم أبو حنيفة قالوا: لا
ينبغي أن يطوف أحد إلا طاهرا فإن طاف غير طاهر من جنب أو
حائض، فيجزئه، وعليه دم، وقال مالك، والشافعي، وأكثر أهل
العلم: لا يجزئه، وعليه أن يعود اليه طاهرا ولو من بلده إن كان
طوافا واجبا، وقد بينا الحجة في ذلك في باب ابن شهاب، عن عروة،
وقد قيل: إن منع الحائض من الطواف إنما كان من أجل أنه في
المسجد، والحائض لا تدخل في المسجد، لانه موضع الصلاة،
والطواف الذي أشار إليه رسول الله وَ ل# في هذا الحديث بقوله: ((ألم
تكن طافت؟)) هو طواف الإفاضة، وذلك ظاهر في حديث مالك، عن
عبدالله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أم سليم أنها
حاضت أو ولدت بعدما أفاضت(٢)، وفي حديث ابن شهاب، عن أبي
(١) خ (٣٢٨/٥٦٣/١)، م (١٢١١/٩٦٥/٢[٣٨٥])، ن (٣٨٩/٢١٢/١)،
هق (٥/ ١٦٣).
(٢) انفرد به مالك.

كتاب بناء الكعبة
١٤٣
سلمة، وعروة، عن عائشة قالت: حاضت صفية بعدما أفاضت(١)،
وفي حديث الاعرج، عن أبي سلمة عن عائشة قالت: خرجنا حجاجا
مع رسول الله وَجلا فأفضنا يوم النحر، وحاضت صفية(٢)، وفي حديث
مالك، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن صفية
بنت حيي، حاضت، فذكروا ذلك لرسول الله وَجَله، فقال: ((أحابستنا
هي؟)) فقيل: إنها قد أفاضت(٣)، فهذه الآثار كلها قد أوضحت: أن
الطواف الحابس للحائض الذي لابد منه هو طواف الإفاضة، وكذلك
يسميه أهل الحجاز طواف الإفاضة، ويسميه أهل العراق: طواف
الزيارة. وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وهو واجب فرضا عند
الجميع، لا ينوب عنه دم، ولا بد من الاتيان به، واياه عنى الله عز
وجل بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلَيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ
اٌلْعَنِيقِ﴾ [الحج: (٢٩)] إلّ أن مذهب مالك في هذا الطواف: أنه ينوب
عنه غيره، مع وجوبه عنده، على حسب ما بيناه من مذهبه في ذلك في
الكتاب الكافي .
وفي هذا الحديث دليل واضح أيضا على وجوبه، وإن كان الاجماع
يغني عن ذلك، ألا ترى إلى قوله وَجله: (لعلها تحبسنا)) ثم قال: ((ألم
تكن طافت معكن؟)) فلما قيل له: بلى، قال: ((فاخرجن)) فلو قيل له:
لم تطف، لاحتبس عليها حتى تطهر من حيضتها وتطوف، لأن من
أدرك عرفة قبل انفجار الصبح من يوم النحر، فقد أدرك الحج، فكل
(١) م (٢ / ٣٨٢/٩٦٤)، جه (٣٠٧٢/١٠٢١/٢)، هق (١٦٢/٥).
(٢) خ (١٧٣٣/٧٢٣/٣) من طريق الأعرج عن أبي سلمة. وأخرجه: حم (٨٥/٦)،
م (٢/ ٩٦٥/ ١٢١١ [٣٨٦]) من طرق عن أبي سلمة به.
(٣) حم (٩٩/٦-١٩٢-٢٠٧)، خ (١٧٥٧/٧٤٧/٣)، م (٢ / ١٢١١/٩٦٤[٣٨٤])،
ت (٣/ ٩٤٣/٢٨٠) وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح. هق (١٦٢/٥)، البغوي
(١٩٧٤/٢٣٣/٧).

فتح البر
١٤٤
فرض فيه سواه، يجيء به متى ما امكنه وقدر عليه، وكل سنة فيه
جبرها بالدم، فالمرأة الحائض قبل طواف الإفاضة، تبقى ويحبس عليها
كريها حتى تطهر فتفيض، فاذا كانت قد أفاضت ثم حاضت وخرج
الناس، لم يكن عليها البقاء لوداع البيت، ورخص لها في أن تنفر
وتدع السنة في طواف الوداع رخصة لها وعذار وسعته.
ذكر ابن عبدالحكم، عن مالك قال: إذا حاضت المرأة او نفست قبل
الافاضة، فلا تبرح حتى تطهر وتطوف بالبيت ويحبس عليها الكري ما
يحبس على الحائض خمسة عشر يوما، ويحبس على النفساء حتى
تطهر بأقصى ما يحبس النساء الدم، ولا حجة للكري أن يقول: لم
أعلم انها حامل، وليس عليها ان تعينه في العلف، قال: وان حاضت
بعد الافاضة، فلتنفر، قال وان اشترطت عليه عمرة المحرم، فحاضت
قبل ان تعتمر، فلا يحبس عليها كريها، ولا يرجع عليها من الكراء
شيء قال: وان كان بين الحائض وبين طهرها اليوم واليومان، اقام معها
ابدا، وان كان بين ذلك ايام لم يحبس الا كريها وحده، وقال محمد
ابن المواز: لست اعرف حبس الكري وحده، کیف یحبسه وحده،
يعرضه ليقطع عليه الطريق الموحدة.
وفي الحديث المذكور في هذا الباب: دليل واضح على ما ذكرنا،
الا ان الفقهاء اختلفوا فيمن ترك طواف الوداع غير الحائض:
فقال مالك: من ترك وداع البيت أساء، ولا دم عليه؛ لأن الوداع
عنها من مستحبات الحج، بدليل قوله وَجاله: ((فاخرجن)). وفي غير هذا
الحديث: ((فلا إذا)) وهذا تنبيه على انه لم يبق عليها من النسك شيء،
ومما يدل على ذلك: ان أهل مكة والمقيمين بها، لا وداع عليهم، فعلم

كتاب بناء الكعبة
١٤٥
انه استحباب، والمستحب إذا ترك ليس فيه دم، ولما كان طواف الوداع
بعد استباحة وطء النساء، أشبه طواف المكي والمعتمر، فلا شيء فيه،
وقال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي واصحابهم: عليه دم، ومن
حجتهم: ان ابن عباس كان يقول: من ترك شيئا من نسكه، فعليه دم،
ومن اصحاب الشافعي من يقول: ان هذا الدم استحباب وقد اجمعوا:
ان طواف الوداع، من النسك، ومن سنن الحج المسنونة .
قال أبو عمر: قد روي ذلك عن عمر، وابن عباس، وغيرهم، ولا
مخالف لهم من الصحابة، وروى معمر، عن الزهري، عن سالم،
عن أبيه، أن عمر بن الخطاب، خطب الناس فقال: إذا نفرتم من
منى: فلا يصدر احد حتى يطوف بالبيت، فان آخر المناسك الطواف
بالبيت، ونافع، عن ابن عمر، عن عمر، مثله، ومعمر، عن ايوب،
عن نافع، وعن الزهري، عن سالم، ان صفية بنت ابي عبيد حاضت
يوم النحر بعدما طافت بالبيت، فأقام ابن عمر عليها سبعا حتى
طهرت، فطافت، فكان آخر عهدها بالبيت، قال الزهري: وأخبرني
طاوس: انه سمع ابن عمر قبل ان يموت بعام او بعامين يقول: اما
النساء: فقد رخص لهن، قال الزهري: ولو رأيت طاوسا علمت انه
لا يكذب، قال معمر: وأخبرنا ابن طاوس، عن ابيه، أنه سمع ابن
عمر يقول: لا ينفرن احد من الحاج حتى يطوف بالبيت، فقلت ما له
لم يسمع ما سمع اصحابه، ثم جلست اليه من العام القابل: فسمعته
يقول: اما النساء فقد رخص لهن، قال عبدالرزاق: واخبرنا معمر،
عن ابن طاوس، عن أبيه، ان زيد بن ثابت، وابن عباس تماريا في
صدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، فقال ابن
عباس: تنفر، وقال زيد: لا تنفر، فدخل زيد على عائشة، فسألها:

فتح البر
__ ١٤٦
فقالت: تنفر، فخرج زيد وهو يتبسم، ويقول: ما الكلام الا ما قلت.
قال أبو عمر: هكذا يكون الانصاف، وزيد معلم ابن عباس، فما
لنا لا نقتدي بهم، والله المستعان.
قال أبو عمر: كل من لم يطف طواف الوداع، وأمكنه الرجوع اليه
بغیر ضرر يدخل عليه، رجع فطاف ثم نفر، وقد كان عمر بن الخطاب
يرد من لم يودع البيت بالطواف من مر الظهران، وقال مالك: هذا
عندي بعيد، وفيه ضرر داخل على الناس، وانما يرجع إلى طواف
الوداع من كان قريبا ولم يكن عليه في انصرافه ضرر، يقال: ان بين
مر الظهران ومكة، خمسة عشر ميلا، واهل العلم كلهم يستحب ان لا
يدع احد وداع البيت، إذا كان عليه قادرا، فان نفر ولم يودع، فقد
ذكرنا ما للعلماء في ذلك من ايجاب الدم، وقال مالك: إذا حاضت
المرأة بمنى قبل ان تطوف للافاضة، فانها تقيم حتى تطهر، ثم تطوف
بالبيت للافاضة، ثم تخرج إلى بلدها، قال مالك: وليس عليها ان
تعينه في العلف.
قال أبو عمر: فهذان الطرفان، قد مضى حكمهما أو الاجماع
والاختلاف فيها، وبقي الطواف الثالث، وهو طواف الدخول الذي
يصله الحاج بالسعي بين الصفا والمروة إذا لم يخش فوت عرفة، ولا
خلاف بين العلماء ان هذا الطواف من سنن الحج وشعائره ونسكه،
واختلفوا فيمن قدم مكة، وهو قادر على الطواف، غير خائف فوت
عرفة، فلم يطف، فقال مالك بن أنس فيمن قدم يوم عرفة: إن شاء
أخر الطواف إلى يوم النحر، وان شاء طاف وسعى، ذلك واسع كله،
قال: وان قدم يوم التروية، فلا يترك الطواف.

كتاب بناء الكعبة
١٤٧٠
قال أبو عمر: فان تركه، فتحصيل مذهب مالك والشافعي: ان
عليه لتركه دما، والدم عندهم خفيف في ذلك، لأنه نسك ساقط عن
المكي، وعن المراهق الذي يخاف فوت عرفة، وقال ابو حنيفة ، وابو
يوسف، ومحمد: إذا ترك الحاج طواف الدخول، فطاف طواف
الزيارة، رمل في ثلاثة اشواط منه، وسعى بين الصفا والمروة، ولم
يكن عليه شيء، وقال أبو ثور: ان ترك الحاج إذا قدم مكة، الطواف
للدخول، وهو بمكة، حتى اتى منى، كان عليه دم، وذلك ان هذا
شيء من نسکه ترکه.
قال ابو عمر:
حجة من أوجب فيه الدم: أن النبي ربَّ فعله في حجته، وقال:
((خذوا عني مناسككم)) وهو المبين عن الله مراده، فصار من مناسك
الحج وسننه؛ فوجب على تاركه الدم، وحجة من لم ير فيه شيئا: ان
الله لم يامر بذلك الطواف ولا رسوله، ولا اتفق الجمع على وجوبه
سنة، والقول الاول اصح واقيس، والله أعلم.

فتح البر
١٤٨
باب منه
[٣٩] مالك، عن عبدالله بن أبي بكر عن أبيه، أن أبا سلمة بن عبدالرحمن،
أخبره أن أم سلیم بنت ملحان استفتت رسول الله ێ وحاضت أو ولدت
بعدما أفاضت يوم النحر، فأذن لها رسول الله وَ ل﴾، فخرجت(١).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك فيما
علمت ولا أحفظه عن أم سليم إلا من هذا الوجه، وهو منقطع،
وأعرفه أيضا من حديث هشام، عن قتادة، عن عكرمة، أن أم سليم،
استفتت رسول الله وَله: بمعناه، وهذا أيضا منقطع، والمحفوظ في هذا
الحديث عن أبي سلمة، عن عائشة، قصة صفية، وحديث عائشة في
قصة صفية متواتر الطرق عن عائشة.
وأما حديث أبي سلمة، عن عائشة في ذلك: فحدثناه محمد بن
إبراهيم، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا
قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعروة
أن عائشة قالت: حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت، قالت
عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله وَله، فقال رسول الله وَلاقه :
((أحابستنا هي؟)) فقلت يا رسول الله: إنها قد كانت أفاضت وطافت
بالبيت، ثم حاضت بعد الافاضة، فقال رسول الله وَجاله: ((فلتنفر))(٢)
ورواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة عن عروة،
عن عائشة مثله، ورواه محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي
سلمة، عن عائشة مثله بمعناه.
(١) انفرد به مالك.
(٢) م (٢ / ٩٦٤ / ١٢١١ [٣٨٢])، جه (٣٠٧٢/١٠٢١/٢)، هق (١٦٢/٥).

كتاب بناء الكعبة
١٤٩
وأخبرنا عبدالله بن محمد، أخبرنا حمزة بن محمد، حدثنا أحمد
ابن شعيب، أخبرنا عبدالملك بن شعيب بن الليث بن سعد، أخبرني
أبي، عن جدي، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبدالرحمن بن هرمز،
عن أبي سلمة، أن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله وَل*، فأفضنا
يوم النحر، وحاضت صفية، فأراد رسول الله وَله منها ما يريد الرجل
من امرأته، فقالت يا رسول الله: إنها حائض، فقال: ((أحابستنا هي؟))
قالوا يا رسول الله، قد أفاضت يوم النحر، قال: ((اخرجوا(١)) وقد
روى هذا الحديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:
أن صفية حاضت، الحديث. والصواب عند أهل العلم بالحديث في
هذا الاسناد قول الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وقد مضى
القول في معنى هذا الحديث فيما تقدم في باب عبدالله بن أبي بكر من
كتابنا هذا والحمد لله. وبه التوفيق.
(١) خ (١٧٣٣/٧٢٣/٣) من طريق الأعرج عن أبي سلمة. وأخرجه: حم (٨٥/٦)،
م (٢ / ٩٦٥ / ١٢١١ [٣٨٦]) من طرق عن أبي سلمة به.

فتح البر
١٥٠
باب منه
[٤٠] مالك، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن صفية بنت
حيي حاضت، فذكروا ذلك لرسول الله وسلم فقال: ((أحابستنا هي؟)) فقيل:
إنها قد أفاضت، قال: ((فلا إذا(١))).
صفية هذه بنت حيي بن أخطب، إحدى أزواج النبي ◌َّ قد ذكرناها
وأخبارها في كتاب النساء من كتاب الصحابة، وقد مضى القول في
معاني هذا الحديث وما فيه السلف والخلف من المذاهب والوجوه في
باب عبدالله بن أبي بكر، عن أبيه من كتابنا هذا، فلا معنى لإعادة
ذلك ههنا إن شاء الله.
(١) خ (١٧٥٧/٧٤٧/٣)، هق (١٦٢/٥)، البغوي (١٩٧٤/٢٣٣/٧)،
حب: الإحسان (٣٩٠٢/٢١٢/٩) من طريق مالك. وأخرجه:
حم (٩٩/٦-١٩٢-٢٠٧)، م (٢ /٩٦٤ / ١٢١١[٣٨٤])، ت (٣/ ٢٨٠ / ٩٤٧) وقال:
حديث عائشة حسن صحيح. من طرق عن عبدالرحمن بن القاسم به.

كتاب بناء الكعبة
١٥١
باب منه
[٤١] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله وَ ل* ذكر
صفية بنت حيي فقيل: إنها قد حاضت، فقال رسول الله وَله: ((لعلها
حابستنا))، فقالوا: يا رسول الله، إنها قد طافت، فقال رسول الله وي لقى: ((فلا
إذا(١))».
هذا حديث لا خلاف بين فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام
في القول به، وأن المرأة إذا حاضت بعد طوافها بالبيت طوافها
للإفاضة، أنها تنفر ولا تنتظر طهرها لطواف الوداع، وأن طواف الوداع
ساقط عنها، ولا شيء في ذلك عليها؛ ولا يحبس عليها كري ولا
غيره اتباعا لهذا الحديث، وهو أمر مجتمع عليه عندهم، وقد ذكرنا
هذه المسألة وما فيها عن السلف، وما يجب في المرأة لو كان حيضها
قبل طواف الإفاضة، وما في ذلك كله ووجوهه ممهدا في باب عبدالله
ابن أبي بكر من هذا الكتاب والحمد لله.
(١) د (٢ / ٢٠٠٣/٥١٠)، هق (١٦٢/٥)، الطحاوي (٢٣٤/٢).

فتح البر
١٥٢
لا ينبغى لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل
[٤٢] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَلي أناخ بالبطحاء التي بذي
الحليفة فصلى بها(١).
قال نافع: وكان عبدالله يفعل ذلك، وهذا عند مالك وغيره من أهل
العلم مستحب مستحسن مرغوب فيه، كما يستحبون أن لا يكون
اهلال المحرم من ذي الحليفة وغيرها الا بإثر صلاة، لان رسول الله
وَ ◌ّ كذلك كان احرامه بإثر صلاة صلاها يومئذ، وليس شيء مما في
هذا الحديث من سنن الحج ومناسكه التي يجب فيها على تاركها فدية،
أو دم عند أهل العلم، ولكنه حسن كما ذكرت لك عند جميعهم الا
ابن عمر، فإنه جعله سنة، وهذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث
يعرفها أهل المدينة بالمعرس، وقال مالك في الموطأ: لا ينبغي لاحد أن
يجاوز المعرس إذا قفل راجعا إلى المدينة حتى يصلي به ما بدا له، لانه
بلغني أن رسول الله ◌َ ل عرس به.
وقال أبو حنيفة: من مر بالمعرس من ذي الحليفة راجعا من مكة،
فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل، وليس عليه ذلك بواجب.
وقال محمد بن الحسن - محتجا له -: بلغنا أن رسول الله وَ ل عرس
به، وان ابن عمر أناخ به، وليس ذلك عندنا من الامر الواجب، انما
هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله وَ له من منازل طريق مكة،
وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره تلك فينزل بها، فلذلك فعل مثل
(١) خ (١٥٣٢/٤٩٩/٣)، م (٢/ ١٢٥٧/٩٨١)، د (٢٠٤٤/٥٣٥/٢)،
ن (٢٦٦٠/١٣٦/٥).

كتاب بناء الكعبة
١٥٣
ذلك بالمعرس، لا أنه كان يراه واجبا على الناس، ولو كان واجبا،
لقال فيه رسول الله وَ طله وأصحابه للناس ما يقفون عليه.
وقال إسماعيل بن إسحاق: ليس نزوله - رَله - بالمعرس كسائر
منازل طريق مكة، لانه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرس انما
كان يصلي نافلة، ولا وجه لمن زهد الناس في الخير، قال: ولو كان
المعرس كسائر المنازل، ما أنكر ابن عمر على نافع ما توهمه عليه من
التأخر عنه .
قال: وحدثنا أبو ثابت، عن ابن أبي حازم، عن موسى بن عقبة،
عن نافع، ان ابن عمر سبقه إلى المعرس، وأبطأ عليه نافع، فقال له:
ما حبسك؟ قال : فأخبرته، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق
الاخرى، لو فعلت لأوجعتك ضربا.
وروى الليث عن نافع مثله، قال إسماعيل، وحدثنا إبراهيم بن
الحجاج، عن عبدالعزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، عن سالم،
عن أبيه، أن النبي وَّ نزل في المعرس من ذي الحليفة في بطن
الوادي، فقيل له: انك ببحطاء مباركة(١).
قال أبو عمر: وأما المُحَصَّبُ فموضع قرب مكة في أعلى المدينة،
نزله أيضا رسول الله وَجلد، وكان مالك وغيره يستحبون النزول به
والمبيت والصلاة فيه، وجعله بعض أهل العلم من المناسك التي ينبغي
للحجاج نزولها والمبيت فيها، وأكثرهم على أن ذلك ليس من مناسك
الحج ومشاعره في شيء - وهو الصواب - والمحصب يعرف بالابطح،
والبطحاء أيضا خيف بني كنانة، والخيف: الوادي.
(١) حم (٢/ ٩٠)، م (٢ / ١٣٤٦/٩٨١)، طب في الكبير (١٣١٧٢/٢٩٩/١٢).

فتح البر
٤٤ ١٥-
=
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي الظهر
والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم يدخل مكة من الليل،
ويطوف بالبيت(١).
ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ◌َّ صلى الظهر
والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع بها هجعة، ثم دخل
مکة، وكان ابن عمر یفعله.
وروى أيوب، وحميد الطويل، عن بكر بن عبدالله المزني، عن ابن
عمر، عن النبي ◌َّ مثله سواء حرفا بحرف، ذكره حماد بن سلمة،
عن أیوب وحمید جميعا.
وروى الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن
رسول الله وَل قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غدا - إن
شاء الله - بخيف بني كنانة - يعني المحصب، وذلك أن بني كنانة
تقاسموا على بني هاشم، وبني المطلب - وذكر الحديث.
وروى معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين عن عمرو بن
عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قلت يا رسول الله، أين تنزل غدا؟
- في حجته - قال: هل ترك لنا عقيل منزلا؟ ثم قال: نحن نازلون
بخيف بني كنانة حيث تقاسمت قريش على الكفر، يعني المحصب،
وذكر الحديث.
وروى هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: المحصب ليس بسنة،
وإنما هو منزل نزله رسول الله وَل# ليكون أسمح لخروجه، فمن شاء
نزله، ومن شاء لم ينزله.
(١) خ (١٧٦٨/٧٥٥/٣).

كتاب بناء الكعبة
١٥٥
باب منه
[٤٣] قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل - يعني من حجته -
حتى يصلي فيه، وإن مر به في غير وقت صلاة، فليقم حتى تحل الصلاة
ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله و الر عرس به، وأن عبدالله بن
عمر أناخ به.
قال أبو عمر :
المعرس هو البطحاء التي تقرب من ذي الحليفة فيما بينهما وبين
المدينة، فبلاغ مالك في هذا الموضع هو مسند قد تقدم ذكره في باب
نافع، لان مالكا روى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَل أناخ
بالبطحاء التي بذي الحليفة، فصلى بها، قال نافع: وكان عبدالله بن
عمر يفعل ذلك(١).
وذكره ابن وهب عن مالك أنه أخبره أن نافعا حدثهم أن عبدالله بن
عمر قال: إن رسول الله وَّله كان إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ
بالبطحاء التي بذي الحليفة، فصلى بها (٢)، قال نافع: وكان عبدالله بن
عمر يفعل ذلك، وهذا يدل على أن بلاغات مالك لا يحيل فيها الا
على ثقة .
وقد مضى القول في هذا الحديث في موضعه من هذا الكتاب.
وأما المحصب فيقال له: الابطح، وهو قرب مكة وفيه مقبرة مكة،
وهو منزل نزله رسول الله وَخلال في حجته قبل دخوله مكة، وفي
(١) خ (١٥٣٢/٤٩٩/٣)، م (٢/ ٩٨١/ ١٢٥٧)، د (٢٠٤٤/٥٣٥/٢)،
ن (١٣٦/٥ / ٢٦٦٠).
(٢) م (٢ / ٩٨١ / ١٢٥٧ [٤٣٢]).

فتح البر
١٥٦
خروجه عنها منصرفا، فقال قوم: النزول به سنة، وقال آخرون: ليس
بسنة، وكان مالك يستحب ذلك.
أخبرنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، أخبرنا سليمان بن داود، والحارث بن مسكين -
قراءة عليه - وأنا أسمع - عن ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن
الحارث أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه أن النبي وَخلاله صلى
الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى
البيت فطاف به(١).
وذكر مالك في الموطأ عن نافع - أن عبدالله بن عمر كان يصلي
الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب ثم يدخل مكة من الليل
فيطوف بالبيت(٢).
وروى الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله وَال اله
قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن نازلون غدا - إن شاء الله -
بخيف بني كنانة يعني المحصب(٣).
وروى نزوله في المحصب جماعة، منهم: عائشة، وأبو جحيفة،
وأنس، وغیرهم.
وذكر معمر عن الزهري، عن سالم، أن أبا بكر، وعمر، وابن
عمر، كانوا ينزلون الأبطح(٤).
(١) خ (١٧٦٤/٧٥٣/٣)، الدارمي (٥٥/٢)، هق (١٦٠/٥)، البغوي (١٩٧١/٢٣٠/٧).
(٢) خ (١٧٦٨/٧٥٥/٣).
(٣) حم (٢٣٧/٢)، خ (١٥٨٩/٥٧٧/٣) و(٣٨٨٢/٢٤٤/٧)،
م (٢/ ٩٥٢ / ١٣١٣ [٣٤٤]).
(٤) م (٢ / ٩٥١ / ١٣١١ [٣٤٠]).

كتاب بناء الكعبة
١٥٧ -
وعن الزهري، عن عروة، عن عائشة - أنها لم تكن تفعل ذلك -
وقالت: إنما نزله النبي وَّ لانه كان منزلا أسمح لخروجه(١).
وروى الزهري، وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت:
ليس المحصب بسنة، إنما هو منزل نزله رسول الله وَل لانه كان أسمح
لخروجه(١).
وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس،
قال: ليس المحصب بشيء، انما هو منزل نزله رسول الله وَ لاو (٢).
قال أبو عمر:
يقال أيضا للمحصب الابطح:
أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا عبدالله بن داود، قال
حدثنا الحسن بن صالح، قال سألت عمرو بن دينار عن التحصيب
بالابطح، فقال: قال ابن عباس: انما كان منزلا نزله رسول الله
وَال * (٢) .
وفي حديث أبي جحيفة قال: دفعت إلى رسول الله وَظله وهو
بالابطح في قبة يعني المحصب.
وقال مالك: من تعجل في يومين، فلا نعلمه يحصب.
حدثنا إسماعيل بن عبدالرحمن، حدثنا ابن شعبان، حدثنا محمد
(١) خ (١٧٦٥/٧٥٣/٣)، م (١٣١١/٩٥١/٢)، د (٢٠٠٨/٥١٣/٢)،
ت (٩٢٣/٢٦٤/٣)، جه (٣٠٦٧/١٠١٩/٢).
(٢) خ (١٧٦٦/٧٥٣/٣)، م (١٣١٢/٩٥٢/٢).

فتح البر
١٥٨
ابن أحمد، حدثنا يونس، عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، وغيره،
عن ابن شهاب، أنه لا حصبة لمن تعجل في يومين. قال أبو إسحاق
ابن شعبان: انما التحصيب لمن صدر آخر أيام منى، وبذلك سميت
تلك الليلة ليلة الحصبة .

كتاب بناء الكعبة
١٥٩
باب منه
[٤٤] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول: لما
صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالابطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم
طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء فقال: اللهم كبرت
سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رغبتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا
مفرط، ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم
السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، الا أن تضلوا
بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الاخرى، ثم قال: إياكم
أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد
رجم رسول الله * وقد رجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس:
زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما
البتة، فإنا قد قرأناها. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن
المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر - رحمه الله - قال مالك:
الشيخ والشيخة الثيب والثيبة فارجموهما البتة(١).
قال أبو عمر: هذا حديث مسند صحيح، والذي يستند منه قوله:
فقد رجم رسول الله وَخُل وأما سماع سعيد بن المسيب من عمر بن
الخطاب فمختلف فيه: قالت طائفة من أهل العلم: لم يسمع من عمر
شيئا ولا أدركه ادراك من يحفظ عنه، وذكروا ما رواه ابن لهيعة، عن
بكير بن الاشج، قال: قيل لسعيد بن المسيب: أدركت عمر بن
الخطاب؟ قال: لا.
(١) حم (٣٦/١-٤٣) مختصرا من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب به.
ت (٢٩/٤/ ١٤٣١) من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر به، وقال:
حديث حسن صحيح.

٠ ١٦٠
فتح البر
وقال آخرون: قد سمع سعيد بن المسيب من عمر أحاديث حفظها
عنه، منها: هذا الحديث، ومنها قوله حين رأى البيت، وزعموا أن
سعيد بن المسيب شهد هذه الحجة مع عمر، وحفظ عنه فيها أشياء
وأداها عنه، وهي آخر حجة حجها عمر، وكانت خلافته عشر سنين
وستة أشهر وأربعة أيام، وقتل بعد انصرافه من حجته تلك لاربع بقين
من ذي الحجة سنة أربع وعشرين.
حدثني عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا نصر بن المهاجر، قال حدثنا عبدالصمد،
قال حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيب: رأيت عمر
ابن الخطاب؟ قال: نعم، قال ابن وضاح: ولد سعيد بن المسيب
لسنتين مضتا من خلافة عمر، وسمع منه كلامه الذي قال حين نظر
إلى الكعبة: اللهم أنت السلام، ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام.
کذلك قال لي ابن کاسب وغير واحد ابن وضاح يقوله.
قال أبو عمر:
أصح ما قيل في قوله يقصد أنه لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقد
قيل لسنتين بقيتا .
وقال مالك والليث: كان سعيد بن المسيب يقال له راوية عمر.
وذكر الحلواني فقال: حدثنا أسباط، عن الشيباني، عن بكير بن
الاخنس، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عمر يقول على هذا
المنبر: لا أجد أحدا جامع ولم يغتسل أنزل أو لم ينزل الا عاقبته.
قال الحسن بن علي الحلواني: وحدثنا الاصمعي، قال حدثنا طلحة
ابن محمد بن سعيد بن المسيب، عن سعيد بن المسيب، قال أنا في