Indexed OCR Text
Pages 61-80
كتاب بناء الكعبة ٦١ = الرمي في غير يوم النحر، بعد زوال الشمس. وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو يوسف: لا يجزئ الرمي في غير يوم النحر، الا بعد الزوال. وقال أبو حنيفة ان فعله أحد قبل الزوال أجزأه، وعن عطاء وطاوس وعكرمة مثل قول أبي حنيفة الا أن طاوسا قال: إن شاء رمى من أول النهار ونفر، وقال عكرمة: ان رمى أول النهار، لم ينفر حتى تزول الشمس، وعن عمر وابن عباس وابن عمر وجماعة التابعين، مثل قول مالك في ذلك. أخبرنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله، يقول: رأيت رسول الله وَ* يرمي يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس، وكان يرميها على راحلته، ويقول لنا: ((خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد حجتي هذه(١)). وقال مالك في الموطأ: السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا: أن أحدا لا يحلق رأسه، ولا يأخذ من شعره، حتى ينحر هديا ان كان معه، وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه ﴿ وَلَا غَمْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَتْلُغَ اَلْهَدْىُ عَجِلَّهُ ﴾ [البقرة: (١٩٦)] وقال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن من قرن بين الحج والعمرة، لم يأخذ من شعره شيئا، حتی ینحر هديا ان كان معه، ولا يحل من شيء كان حرم عليه، حتى يحل يوم النحر بمنى. وسئل مالك عن الرجل ينسى الحلاق في الحج بمنى: أواسع له أن يحلق بمكة؟ قال: ذلك واسع، والحلاق بمنى أحب الي. قال (١) حم (٣٠١/٣)، م (١٢٩٤/٩٤٣/٢)، د (٤٩٦/٢/ ١٩٧٠-١٩٧١)، ت (٨٩٤/٢٤١/٣)، ن (٣٠٦٢/٢٩٨/٥)، جه (٣٠٥٣/١٠١٤/٢). وقد تقدم تخريجه في الباب نفسه. ٦٢ فتح البر أبو ثابت: قلت لابن القاسم: ما قول مالك فيمن حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة؟ فقال: قال مالك: عليه الفدية، قيل له: فما قول مالك فيمن حلق قبل أن يذبح؟ قال: لا شىء عليه وهو يجزئه. قيل له: فما قول مالك ان ذبح قبل أن يرمي؟ قال: يجزئه، ولا شيء عليه. قال أبو عمر: لم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن حلق قبل أن يرمي جمرة العقبة، أن عليه الفدية ويمر بعد ذلك الموسى على رأسه. وذكر ابن عبدالحكم فيمن طاف طواف الإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر، أنه يرمي، ثم يحلق رأسه ثم يعيد الطواف الإفاضة. قال: ومن طاف للإفاضة قبل الحلاق الا أنه قد رمى جمرة العقبة فإنه يحلق رأسه ثم يعيد طواف الإفاضة، فان لم يعد الطواف فلا شيء عليه، لأنه قد طاف. وقال إسماعيل القاضي: من حلق قبل أن يذبح، لم يكن عليه شىء، لأن الظاهر يدل على أنه من رمى جمرة العقبة، ثم حلق قبل أن يذبح فلا شيء عليه وقد كان ينبغي له أن يذبح ثم يحلق بعد الذبح، فلما بدأ بالحلاق كان قد أخطأ، ولم يكن عليه شيء، لأن الرمي يحل به الحلق. ألا ترى أن رجلا لو لم يكن معه هدي، ثم رمى جمرة العقبة، حل له الحلق ولبس الثياب وما أشبه ذلك فلهذا المعنى لم يكن على من بدأ بالحلق قبل الذبح شيء. قال إسماعيل: وإذا نحر قبل أن يرمي، لم يكن أيضا عليه شيء، لأن الهدي قد بلغ محله، الا ترى أن معتمرا لو ساق معه هديا، فنحره حين بلغ مكة، قبل أن يطوف ويسعى، لكان قد أخطأ، ولم یکن علیه ابدال الهدي، وانما كان ينبغي له أن لا ینحر الهدي، حتی كتاب بناء الكعبة ٦٣ يفرغ من طوافه وسعيه، فينحر الهدي، ثم يحلق، فلما أخطأ، لم يكن عليه الابدال. لان الهدي قد بلغ محله، ولم يكن في شيء من ذلك انتقاص لعمرته، لأن الرجل قد يعتمر، ولا يسوق هديا فتكون عمرته تامة، ولو نحر هديه قبل أن يبلغ محله في الحج، لم يكن عليه غير ابدال الهدي خاصة، ولا يكون عليه في ذلك انتقاص لشيء من أمر الحج. قال إسماعيل: وهاتان الخلتان هما المبتغتان في حديث الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبدالله بن عمرو. قال إسماعيل: والذي رواه هشام بن حسان عن عطاء عن ابن عباس مثله في المعنى، والذي رواه وهيب عن ابن طاوس مجمل، غير أنه لا يبين فيه خلاف حديث الزهري، والذي رواه خالد عن عكرمة عن ابن عباس ذكر فيه أنه رمى بعدما أمسى وهذا أيضا ليس فيه انتقاص للحج، وانما كان ينبغي له أن يرمي جمرة العقبة في ذلك اليوم، قبل الزوال. فلما أخطأ وأخرها إلى بعد الزوال، لم يكن عليه شيء لأن مالكا قال: إذا رمى جمرة العقبة، يوم النحر، في بقية النهار، لم يكن عليه شيء. وان اخرها إلى الليل، فان أبا ثابت حكى عن ابن القاسم، قال: كان مالك مرة يقول: عليه دم، ومرة لا يراه عليه، قال: وقد تأخرت صفية امرأة ابن عمر عن ابنة أخيها حتى أتت منى، بعد ما غابت الشمس يوم النحر، فرمت ولم يبلغنا أن ابن عمر أمرها بشىء. قال أبو عمر: قد روى سحنون عن ابن القاسم: أن مالكا لم يأخذ برخصة ابن عمر لصفية في ذلك، ورأى أن من أخر رمى جمرة العقبة، حتى الليل، ورماها بالليل، عليه لذلك دم. والذي رواه أبو ثابت عن ابن ٦٤ فتح البر القاسم أتم. وأكثر العلماء على أنه ليس في ذلك دم، وقد ذكرنا هذه المسألة وما للعلماء فيها من الاقوال فيما تقدم من هذا الباب والحمد لله. قال إسماعيل: وحديث عكرمة يدل على أن الرجل رمى بالعشي، لأنه حكى أن النبي ◌ِّيو سئل يومئذ، فعلم أن المسألة كانت في اليوم، قال: والظاهر أيضا في قوله بعدما أمسيت، يدل على العشي، لأنه الغالب في كلام الناس، فهذا هو النص القوي في الحديث الصحيح عن النبي ◌َّ 9. فأما ما يزاد في الاحاديث الضعيفة، فهو شيء لا يدرى كيف صحته؟ والله أعلم به. قال أبو عمر: اللفظ الذي أنكره إسماعيل في هذا الحديث على من ذكره وزاده وأتى به هو قوله حلقت قبل أن أرمي، وهو محفوظ في الأحاديث، ثم ذكر إسماعيل حديث ابن شهاب فقال: حدثنا علي بن المديني، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا خالد، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان رسول الله و ل﴿ يسأل يومئذ، فيقول: ((لا حرج(١))) فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، فقال: ((لا حرج)) فقال رميت بعد ما أمسيت قال: ((لاحرج)) قال إسماعيل: وثنا نصر بن علي، عن يزيد بن زريع مثله. قال: وحدثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن طاوس عن ابن عباس أن النبي بَّ قيل له يوم النحر، وهو بمنى، في الرمي والحلق، والتقديم والتأخير. فقال: ((لا حرج(٢)) قال إسماعيل: وثنا نصر بن علي، قال حدثنا هشام عن (١) خ (١٧٣٥/٧٢٥/٣)، د (١٩٨٣/٥٠١/٢)، ن (٣٠١٧/٣٠٠/٥)، جه (١٠١٣/٢/ ٣٠٥٠). (٢) خ (١٧٣٤/٧٢٥/٣)، م (٢ /١٣٠٧/٩٥٠). كتاب بناء الكعبة ٦٥ - عطاء، عن ابن عباس: أن النبي رَّ سئل يوم النحر عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ أو ذبح قبل أن يرمي وأشباه هذا، فأكثروا في التقديم والتأخير، فما سأله أحد يومئذ عن شيء من هذا النحو الا قال: ((لا حرج)). وقال أبو ثابت عن ابن القاسم قال مالك: ان ذبح المحرم ذبيحته قبل الفجر، أعاد ذبيحته. قال أبو عمر: قوله هذا، معناه عندي على أصله أن الذبح بالليل لا يجزئ في الهدي والضحايا، ولا وجه له عندي غير ذلك، على مذهبه، ألا ترى إلى ما قدمنا من قوله: أن من رمى قبل الفجر وان كان لا يجزئه رميه أن النحر قد حل له، وقوله: ان من قدم نحره قبل رميه، لا شيء عليه. قال إسماعيل: ولا يضره ذلك، ولا ينتقص من حجه شيء، لأن هدیه قد بلغ محله، فإذا لم يفسد عليه ما قدمه من نحره قبل رميه شيئا من حجه، ولا أوجب عليه شيئا، فلا وجه لاعادة ما نحره من هديه، الا من أجل أنه ذبحه بالليل وذلك لا يجزئه عنده، لقول الله عز وجل: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَثْعَمِّ﴾ [الحج: (٢٨)] فذكر الأيام دون الليالي، وعند غيره: الليالي تبع للأيام، والله أعلم. قال أبو عمر: اختلف العلماء فيمن قدم نسكا قبل نسك، أو أخره مما يصنعه الحاج يوم النحر خاصة مثل تقديم النحر قبل الرمي، أو الحلق قبل النحر أو قبل الرمي، فأما اختلافهم فيمن حلق قبل أن يرمي، فان مالكا قال ما تقدم ذكره عنه، وعليه أصحابه في ايجاب الفدية في ذلك. قال: ومن فتح البر ٦٦ ذبح قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن يذبح، فلا شيء عليه. وروي عن ابن عباس أنه قال: من قدم من حجه شيئا أو أخره، فعلیه دم، ولا يصح ذلك عنه، وعن ابراهيم وجابر بن زيد مثل قول مالك في ايجاب الفدية على من حلق قبل أن يرمي، وهو قول الكوفيين. وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود والطبري: لا شىء على من حلق قبل أن يرمي، ولا على من قدم شيئا، أو أخره ساهيا مما يفعل يوم النحر؛ وروى عن الحسن وطاوس أنه لا شيء على من حلق قبل أن يرمي مثل قول الشافعي ومن تابعه، وعن عطاء بن أبي رباح: من قدم نسكا قبل نسك فلا حرج، وروى ذلك عن سعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وعكرمة وقتادة. وذكر ابن المنذر عن الشافعي في هذه المسألة: من حلق قبل أن يرمي، أن عليه دما، وزعم أن ذلك حفظه عن الشافعي، وهو خطأ على الشافعي. والمشهور من مذهبه في كتبه، وعند أصحابه: أنه لا شيء على من قدم أو أخر من أعمال الحج كلها شيئا إذا كان ساهيا. وأما اختلافهم فيمن حلق قبل أن يذبح فجمهور العلماء على أن لا شيء عليه كذلك قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير. وقال إبراهيم النخعي من حلق قبل أن يذبح أهراق دما. وقال جابر بن زيد: عليه الفدية، وقال أبو حنيفة: عليه دم، قال: وان كان قارنا، فعليه دمان دم للقران، ودم للحلق، وقال زفر: على القارن إذا حلق قبل أن ينحر ثلاثة دماء دم للقران، ودمان للحلق قبل النحر. ولا أعلم خلافا فيمن نحر قبل أن يرمي، أنه لا شيء عليه وذلك والله أعلم لأن الهدي قد بلغ محله، كتاب بناء الكعبة ٦٧ مع ماجاء في حديث ابن شهاب هذا من قوله و ◌ّ لمن نحر قبل أن يرمي أو حلق قبل أن يذبح ((لا حرج)). وحجة من لم يوجب على من قدم شيئا من نسك يوم النحر أو أخره ساهيا: الأخبار التي رويت عن النبي ◌َّر، ففي بعضها: من قدم نسكا قبل نسك لا حرج، وفي بعضها: أن القائل قال: حلقت قبل أن أرمي وحلقت قبل أن أذبح، وذبحت قبل أن أرمي. أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد ابن معاوية قال حدثنا محمد بن شعيب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبدالله بن عمرو قال: سئل النبي و8َ# عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ قال ((اذبح ولا حرج)) وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال ((ارم ولا حرج)) قال: فما سئل عن شيء قدمه رجل قبل شيء الا قال ((افعل ولا حرج)). قال أبو عمر: فقوله في هذا الحديث: فما سئل عن شيء قدم ولا أخر الا قال: ((افعل ولا حرج))، من رواية مالك وغيره، به احتج الشافعي ومن تابعه، وبالله التوفيق. حدثنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن زيد عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع النبي وَ لّ حاجا، فكان الناس يسألونه، فمن قال: سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئا، أو قدمت شيئا، فكان يقول ((لا حرج(١)». واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي، فكان ابن عمر يقول: يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض، وقال عطاء ومالك والشافعي وسائر الفقهاء: تجزئه (١) د (٢ / ٥١٧ / ٢٠١٥). فتح البر ٦٨ الافاضة ويحلق أو يقصر، ولا شيء عليه، وهذا كله في معنى الحديث. أخبرنا محمد بن ابراهيم قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: أخبرنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي وَ ل سئل عمن حلق قبل أن يذبح؟ أو ذبح قبل أن يرمي؟ فجعل يقول ((لا حرج، لا حرج (١)) ورواه قيس بن سعد عن عطاء عن جابر مرفوعا مثله، وزاد فيه: وقال آخر: طفت بالبيت قبل أن أذبح؟ قال ((اذبح ولا حرج)) وحديث قيس بن سعد عن عطاء عن جابر، رواه حماد بن سلمة عن قیس هکذا کما ذکرنا. وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا المعلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب، عن عبدالله بن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس: عن النبي ◌ُّر: أنه قيل له يوم النحر، بمنى، في النحر والحلق والرمي، والتقديم والتأخير؟ فقال: ((لا حرج)). (١) حم (٢١٦/١)، خ (١٧٢١/٧١٣/٣)، هق (١٤٣/٥)، الطحاوي (٢٣٦/٢) من طرق عن هیشم بهذا الإسناد. ٦٩ كتاب بناء الكعبة مني كلها منحر، وكل فجاج مكة وطرقها منحر [٢٨] مالك أنه بلغه أن رسول الله قال بمنى: «هذا المنحر وكل منى منحر، وقال في العمرة: هذا المنحر وكل فجاج مكة وطرقها منحر(١)). قال ابن وهب: منى كلها منحر إلى العقبة، وما وراء العقبة فليس بمنحر؛ ومكة في العمرة منحر فجاجها بين بيوتها وما قاربها وما تباعد من البیوت فلیس بمنحر. قد مضى في الباب قبل هذا كثير من أحاديث هذا الباب. وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا عامر بن محمد القرمطي، قال حدثنا أبو مصعب الزبيري، قال حدثنا الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله وَّيه نحر بدنة بالحربة وهو بمنى، وقال: ((هذا المنحر وكل منى منحر(٢)). قال أبو عمر: المنحر في الحج بمنى اجماع من العلماء. وأما العمرة فلا طريق لمنى فيها، فمن أراد أن ينحر في عمرته وساق هديا يتطوع به، نحره بمكة حيث شاء منها؛ وهذا إجماع أيضا لا خلاف فيه يغني عن الإسناد والاستشهاد، فمن فعل ذلك، فقد أصاب السنة؛ ومن لم يفعل ونحر في غيرهما، فقد اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أن النحر (١) حم (٣٢٦/٣)، د (١٩٣٧/٤٧٨/٢)، جه (٣٠٤٨/١٠١٣/٢)، الدارمي (٥٦/٢-٥٧)، هق (١٢٢/٥). (٢) حم (٣٢١/٣)، م (١٢١٨/٨٩٣/٢[١٤٩])، هق (١١٥/٥). فتح البر ٧٠ لا يجوز في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة؛ ومن نحر في غيرهما، لم يجزه؛ ومن نحر في الحج أو في العمرة في أحد الموضعين أجزأه؛ لأن رسول الله وَ ◌ّيه جعلهما موضعا للنحر، وخصهما بذلك؛ وقال الله عز وجل: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ [المائدة: (٩٥)]، فلا بد من أن يبلغ به البیت، ومنی من مكة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه، قالوا: وإنما لمكة ومنى اختصاص الفضيلة، والمعنى في ذلك الحرم، لأن مكة ومنى حرم؛ وقد أجمعوا أن من نحر في غير الحرم لم يجزه. ومن أحسن طرق حديث هذا الباب: ما حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو الطيب وجيه بن الحسن بن يوسف، قال حدثنا بكار بن قتيبة القاضي، قال حدثنا عبدالله بن الزبير الحميدي، قال حدثنا سفيان، عن عبدالرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن زيد ابن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، قال: وقف رسول الله وَله بعرفة فقال: ((هذه عرفة وهذا الموقف، وعرفة كلها موقف))؛ ثم أفاض حين غربت الشمس فأردف أسامة، وجعل يسير على يمينه والناس يضربون يمينا وشمالا وهو يقول: ((يا أيها الناس، عليكم بالسكينة))؛ ثم أتى جمعا فصلى بها الصلاتين جمعا؛ فلما أصبح أتى قزح فقال: ((هذا قزح، وهذا الموقف، وجمع كلها موقف))؛ ثم أفاض فلما انتهى إلى وادي محسر، قرع ناقته حتى جاز الوادي؛ ثم وقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر بمنى فقال: ((هذا المنحر ومنى كلها منحر))؛ فاستقبلته جارية من خثعم شابة، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته كتاب بناء الكعبة ٧١ فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ فقال: ((حجي عن أبيك)) ولوى عنق الفضل؛ فقال له العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك؟ فقال: ((رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما)). فأتى رجل فقال: يا رسول الله، إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: ((ارم ولا حرج))؛ ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال: ((يا بني عبد المطلب، سقايتكم، فلولا أن يغلبكم الناس عليها، لنزعت منها(١)). وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن محمد، قال حدثني أبي، قال حدثنا جابر، قال قال نبي الله وَلو: ((منى كلها منحر)). قال أبو عمر: هذا القول خرج على المنحر في الحج، لأنه قاله في حجته وَله . (١) د (١٩٣٥/٤٧٨/٢) مختصرا. ت (٨٨٥/٢٣٢/٣) وقال: حديث علي حديث حسن صحيح. جه (٢/ ٣٠١٠/١٠٠١) مختصرا. ٧٢ فتح البر ينحر هديه بيده إن شاء وإن شاء نحره غيره [٢٩] مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ◌َفي نحر بعض هديه بيده ونحر غيره بعضه(١). هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث عن علي. وتابعه القعنبي فجعله عن علي أيضا كما رواه يحيى. ورواه ابن بكير وسعيد ابن عفير وابن القاسم وعبدالله بن نافع وأبو مصعب والشافعي فقالوا فيه عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وأرسله ابن وهب عن مالك عن جعفر عن أبيه أن رسول الله ﴿ه الحديث، لم يقل عن جابر ولا عن علي. قال أبو عمر: الصحيح فيه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وذلك موجود في رواية محمد بن علي عن جابر في الحديث الطويل في الحج، وانما جاء حديث علي رضي الله عنه من حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى عنه لا أحفظه من وجه آخر. وهذا المتن صحیح ثابت من حديث جابر وحديث علي. وفيه من الفقه أن يتولى الرجل نحر هديه بيده، وذلك عند أهل العلم مستحب مستحسن لفعل رسول الله ◌َ# ذلك بيده، ولانها قربة إلى الله عز وجل فمباشرتها أولى. وجائز أن ينحر الهدي والضحايا غير صاحبها. ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نحر بعض هدي رسول الله ◌َ ه. وهو أمر لا خلاف بين العلماء في (١) الحديث أخرجه مالك من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب، والصحيح فيه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، أما حديث علي فجاء من طريق عبدالرحمن بن أبي لیلی عنه وسیأتي تخریج کل حديث منهما. كتاب بناء الكعبة ٧٣ اجازته، فأغنى عن الكلام فيه. وقد جاءت رواية عن بعض أهل العلم أن من نحر أضحيته غيره كان عليه الاعادة ولم يجزه. وهذا محمول عند أهل الفهم على انها نحرت بغير اذن صاحبها، وهو موضع اختلاف. وأما إذا كان صاحب الهدى أو الضحية قد أمر بنحر هديه أو ذبح أضحيته فلا خلاف بين الفقهاء في اجازة ذلك. كما لو وكل غيره بشراء هديه فاشتراه جاز بإجماع. وفي نحر غير رسول الله وَ الر هديه دليل على جواز الوكالة، لانه معلوم انه لم يفعل ذلك بغير اذنه. وإذا صح انه كذلك صحت الوكالة وجازت في كل ما يتصرف فيه الإنسان انه جائز أن يوليه غيره فينفذ فيه فعله. وقد روى سفيان بن عيينة عن شبيب بن غرقدة في ذلك حديث عروة البارقي. أخبرنا عبدالوارث بن سفیان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بکر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن شبيب بن غرقدة قال حدثني الحسن عن عروة أن النبي ◌َّ أعطاه دينارا يشترى له به أضحية أو قال شاة فاشترى له اثنتين فباع احداهما بدينار وأتى بشاة ودينار فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه (١). وهكذا رواه الشافعي عن ابن عيينة بنحو روایة مسدد. وقد روی من حدیث حكيم بن حزام نحو هذا المعنى. ولا خلاف في جواز الوكالة عند العلماء. قال أبو عمر: وقد اختلف العلماء أيضا في معنى هذا الحديث في الوكيل يشترى زيادة على ما وكل به هل يلزم الامر ذلك أم لا، کرجل قال له رجل اشتر لي بهذا الدرهم رطل لحم صفته كذا فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم والذي عليه مالك وأصحابه ان الجميع يلزمه (١) حم (٣٧٥/٢)، د (٣٣٨٤/٦٧٧/٣)، جه (٢٤٠٢/٨٠٣/٢). فتح البر ٧٤ إذا وافق الصفة وزاد من جنسها، لانه محسن. وهذا الحديث يعضد قولهم في ذلك وهو حديث جيد. وفيه ثبوت صحة ملك النبي عليه السلام للشاتين ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع. وقد اختلف عن مالك وأصحابه فيمن نحرت أضحيته بغير اذنه ولا أمره فروى عنه انها لا تجزئ عن الذابح، وسواء نوى ذبحها عن نفسه أو عن صاحبها. وعلى الذابح ضمانها. وروى عنه ان الذابح لها إذا كان مثل الولد أو بعض العيال فانها تجزئ وقال محمد بن الحسن في رجل تطوع عن رجل فذبح له ضحية قد أوجبها انه ان ذبحها عن نفسه متعمدا لم تجز عن صاحبها، وله ان يضمن الذابح، فان ضمنه اياها اجزت عن الضامن، وان ذبحها عن صاحبها بغير أمره اجزت عنه. وقال الثوري لا تجزئ ويضمن الذابح. وقال الشافعي تجزئ عن صاحبها ويضمن الذابح النقصان. وروى ابن عبدالحكم عن مالك ان ذبح رجل ضحية رجل بغير أمره لم تجز عنه وهو ضامن لضحيته الا أن يكون مثل الولد أو بعض العيال انما ذبحوها على وجه الكفاية له فأرجو أن تجزئ. وقال ابن القاسم عنه: إذا كانوا كذلك فانها تجزئ ولم يقل أرجو. وإن أخطأ رجلان فذبح كل واحد منهما ضحية صاحبه لم تجز عن واحد منهما في قول مالك وأصحابه. ويضمن عندهم كل واحد منهما قيمة ضحية صاحبه لا أعلم خلافا بين أصحاب مالك في الضحايا. واما الهدى فاختلف فيه عن مالك، والاشهر عنه ما حكاه ابن عبدالحكم وغيره انه لو أخطأ رجلان كل واحد منهما بهدى صاحبه أجزأهما ولم يكن عليهما شيء. وهذا هو تحصيل المذهب في الهدى خاصة. وقد روى عن مالك في المعتمرين إذا أهديا شاتين فذبح كل واحد منهما شاة صاحبه خطأ ان ذلك يجزئ كتاب بناء الكعبة ٧٥ عنهما، ويضمن كل واحد منهما قيمة ما ذبح، وائتنفا الهدي. وقال الشافعي: يضمن كل واحد منهما ما بين قيمة ما ذبح حيا ومذبوحا، وأجزت عن كل واحد منهما أضحيته أو هديه. وقال الطبري يجزئ عن كل واحد منهما أضحيته أو هديه التي أوجبها ولا شيء على الذابح، لأنه فعل ما لا بد منه. ولا ضمان على واحد منهما الا أن يستهلك شيئا من لحمها فيضمن ما استهلك، وقال ابن عبدالحكم أيضا عن مالك أو ذبح احدهما يعنى المعتمرين شاة صاحبه عن نفسه ضمنها ولم تجزه، وذبح شاته التي أوجبها، وغرم لصاحبه قيمة شاته التي ذبحها واشترى صاحبه شاة وأهداها. قال ابن عبدالحكم والقول الأول أعجب الينا يعني المعتمرين يذبح احدهما شاة صاحبه وهو قد أخطأ بها ان ذلك یجزئهما . قال أبو عمر: في حديث مالك الذي قدمنا ذكره أن رسول الله وَظله نحر بعض هديه بيده ونحر غيره بعضه. وغيره في هذا الموضع هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وذلك صحيح في حديث جابر وحديث علي أيضا. أخبرنا عبدالوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني وهارون بن معروف قالا حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه في حديثه الطويل في الحج قال: ثم انصرف يعنى رسول الله وَظله بعد أن رمى الجمرة من بطن الوادى بسبع حصيات فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر سائرها وذكر الحديث(١). أخبرنا أحمد بن محمد قال (١) جزء من حديث جابر الطويل في وصف حجة رسول الله وَ﴿. وقد تقدم تخريجه في باب · ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال". فتح البر ٧٦ حدثنا وهب بن مسرة قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في الحديث الطويل في الحج مثله قال: فنحر رسول الله وَالجاهل ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وذكر الحديث(١). وأخبرنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرنا علي بن حجر قال حدثنا إسماعيل بن جعفر قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله قال: ساق رسول الله وَال مائة بدنة فنحر منها رسول الله وَطله ثلاثا وستين بيده ونحر علي ما بقي ثم أمر رسول الله و18َ ان تؤخذ بضعة من كل بدنة فتجعل في قدر فاكلا من لحمها وحسيا من مرقها(١) . وأخبرنا عبدالله بن محمد الجهنى قال حدثنا حمزة بن محمد الكناني قال حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قال حدثنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم عن شعيب ابن الليث قال حدثني الليث عن ابن الهادي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله قال قدم علي من اليمن بهدى لرسول الله وَ خلر وكان الهدى الذي قدم به رسول الله وَخَل وعلي من اليمن مائة بدنة، فنحر رسول الله وَ له منها ثلاثا وستين بدنة، ونحر علي سبعا وثلاثين، وأشرك عليا في بدنه ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلت في قدر فطبخه فأكل رسول الله وَله وعلي رضي الله عنه من لحمها، وشربا من مرقها (١). هكذا قال أكثر الرواة لهذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله وَ له نحر من تلك البدن المائة ثلاثا وستين، ونحر علي بقيتها، إلا سفيان بن عيينة فانه روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال ونحر رسول الله وَال (١) سبق تخريجه في الباب نفسه. كتاب بناء الكعبة ٧٧ ستا وستين بدنة ونحر علي أربعا وثلاثين. واما رواية علي بن أبي طالب في ذلك فحدثناه أبو محمد عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن قال حدثنا محمد بن بکر التمار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبدالله قال حدثنا محمد ویعلی ابنا عبيد قالا حدثنا محمد بن إسحاق عن أبي نجيح عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه قال لما نحر رسول الله وَل بدنه فنحر ثلاثين بدنة بيده أمرني فنحرت سائرها(١). حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبدالكريم الجزرى قال سمعت مجاهدا يقول: سمعت عبدالرحمن بن أبي ليلى يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: أمرني رسول الله وَخلال ان أقوم على بدنه وأن أقسم جلالها وجلودها وان لا أعطي الجازر منها شيئا وقال: ((نحن نعطيه من عندنا(١)). قال سفيان وحدثنا به ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن علي وحديث عبدالكريم أتم. قال أبو عمر: في حديث هذا الباب أن رسول الله وَلّ أكل من هديه الذي ساقه في حجته وهديه ذلك كان تطوعا عند كل من جعله مفردا وأجمع العلماء على جواز الاكل من التطوع إذا بلغ محله لقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: (٣٦)] واختلفوا في جواز الأكل مما عدا هدى التطوع فقال مالك يؤكل من كل هدى سيق في (١) خ (٣/ ١٧٠٧/٧٠٠)، م (٢/ ١٣١٧/٩٥٤) من طريق أبي نجيح عن مجاهد به. خ (١٧١٧/٧٠٩/٣)، م (١٣١٧/٩٥٤/٢[٣٤٨])، د (٣٧١/٢ /١٧٦٩)، جه (٣٠٩٩/١٠٣٥/٢)، الدارمي (٧٤/٢) من طرق عن مجاهد به. فتح البر ٧٨ الاحرام الا جزاء الصيد وفدية الأذى وما نذر للمساكين. والأصل في ذلك عند مالك وأصحابه ان كل ما دخله الاطعام من الهدى والنسك لمن لم يجده فسبيله سبيل ما جعل للمساكين، ولا يجوز الاكل منه، وما سوى ذلك يؤكل منه لان الله قد أطلق الأكل من البدن وهي من شعائر الله فلا يجب أن يمتنع من أكل شيء منها الا بدليل لامعارض له، أو بإجماع. وقد أجمعوا على إباحة الأكل من هدي التطوع إذا بلغ محله ولم يجعلوه رجوعا فيه، فكذلك كل هدى الا ما اجتمع عليه. وقال أبو حنيفة يأكل من هدى المتعة، وهدى التطوع إذا بلغ محله لا غيره. وقال الشافعي لا يأكل من شيء من الهدى الواجب. وقال في معنى قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ أن ذلك في هدى التطوع لا في الواجب بدليل الاجماع على انه لا يؤكل من جزاء الصيد وفدية الأذى. فكانت العلة في ذلك انه دم واجب في الاحرام من أجل ما اتاه المحرم. فكل هدى وجب على المحرم بسبب فعل أتاه فهو بمنزلته والواجبات لا يجوز الرجوع في شيء منها كالزكاة وبالله التوفيق. كتاب بناء الكعبة ٧٩ إذا عطب الهدى ينحر ثم يخلي بينه وبين الناس [٣٠] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن صاحب هدي رسول الله وَ يرٍ قال: يارسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال رسول الله وقالفيه: ((كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بین الناس وبينها يأكلونها(١))). هذا حديث مرسل في الموطأ وهو في غير الموطأ مسند، لأن جماعة من الحفاظ رووه عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الأسلمي صاحب بدن رسول الله وَل﴿ وغير نكير أن يسمع عنه عروة. حدثنا محمد بن عبدالله بن حكم، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبدالرحمن، قال حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة أبو خليفة قال حدثنا محمد بن كثير، قال حدثنا سفيان بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الأسلمي أن النبي بَّل بعث معه بهدي قال إن عطب فانحره ثم أصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس(٢). حدثنا أحمد بن عبدالله، قال حدثنا الميمون بن حمزة، قال حدثنا الطحاوي، قال حدثنا المدني، قال حدثنا الشافعي، قال أخبرنا سفيان ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية صاحب بدن رسول الله ◌َ﴿ أنه قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: ((انحره ثم اغمس قلائده في دمه ثم اضرب بها صفحة عنقه ثم (١) هكذا رواه مالك مرسلا ومن طريق مالك أخرجه: البغوي (١٩٥٣/١٩٢/٧)، الطحاوي "مشكل الآثار" (١٣٢/٢). (٢) حم (٤/ ٣٣٤)، د (٢/ ٣٦٨/ ١٧٦٢)، ت (٩١٠/٢٥٣/٣) وقال: حسن صحيح. جه (٣١٠٦/١٠٣٦/٢)، ك (٤٤٧/١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. هق (٢٤٣/٥). فتح البر ٨٠ خل بينه وبين الناس(١)». أخبرنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهب بن خالد، قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية صاحب هدي رسول الله ◌َي أنه سأل رسول الله وَله: كيف يصنع بما عطب من الهدي، فأمره أن ينحر كل بدنة عطبت ثم يلقي حبلها في دمها ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها(١)، كذا وقع عنده حبلها في دمها، وإنما هو نعلها في دمها. وناجية هذا هو ناجية بن جندب الأسلمي، وقد ذكرناه ورفعنا في نسبه في كتاب الصحابة. وروى ابن عباس هذا الحديث عن النبي وَّ وزاد فيه: ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك وسنذكره ههنا إن شاء الله. وفي هذا الحديث من الفقه أن الهدي يقلد، وأن التقليد من شأنه وسنته، والتقليد أن يعلق في عنق البدن نعل علامة ليعرف أنها هدي. وروي أن رسول الله ◌َ ليل قلد هديه نعلين، وكذلك كان ابن عمر يفعل، وبه قال الشافعي واستحسنه، والنعل عندي تجزئ، وهو قول مالك والزهري وجماعة العلماء كلهم لا يختلفون في تقليد الهدي؛ ويجزئ عند جميعهم نعل واحدة، والذي أجمعوا عليه من تقليد الهدي الإبل والبقر. واختلفوا في تقليد الغنم، فكان مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهم ينكرون تقليد الغنم، وأجاز تقليده الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبوثور لقول عائشة: كنت أقلد الغنم لرسول الله وَلق-، (١) سبق تخريجه في الباب نفسه.