Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَيَجُ التَرِّ
في التِّيِّبُ الفِقْ هِيِّ
لَِّ هَيِّدُ التََّّدِالَّ
٠١٤/
وَمَعَّةُ
فتح المجيدّ
فِي اخْتْصَارِ تخريج أحَاديث التّهيد
رتبَه واختصَر تخريجه
الشيخُ محَمَّد بْن عَبْد الرّحمن المغْرَوي
الجُزْء الشَّاسِعْ
كتاب: بناء الكعبة وبقية المناسك (تتمة)
فضائل المدينة - الأضاحى- الحقيقة- الأشربة
مَمُوُ التحقَ النَّقَائِ الَّوليّة
للنشر وَالتوزيع

جـ
1

قَبْتَعُ الْكَرِّ
في التّتِيبْ الفِقْ هِيِّ
مـ
٩

حقوق الطّبْع مَحْفُوظة
الطّبْعَة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٦مـ
◌َجْتَوَةُ الشَّفِ النَّقَاتِ الْدَوْلِيَةُ
للنشر وَالتوزيع
هَاتف: ٤٧٨٢٠٥٢ - فَاكس: ٤٧٩٤٥٦٠
صب: ٤٣٣٥٢ - الهْز البهديُّ: ١١٥٦١
الهَاض - المملكة العربيّة السّعُوديَّة

٩ - كتاب بناء الكعبة
وبقية المناسك , تتمة،

٧
كتاب بناء الكعبة
كيف كان رسول الله
مَىاللّه
وسيلة
يسير فى حجة الوداع
[١٩] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: سئل أسامة بن زيد وأنا
جالس: كيف كان رسول الله وَله يسير في حجة الوداع حين دفع من
عرفة؟ فقال: كان يسير العنق، فإذا وجد فرجة نصّ(١).
قال هشام: والنص: فوق العنق.
هكذا قال يحيى: فرجة، وتابعه جماعة، منهم: أبو المصعب، وابن
بكير، وسعيد بن عفير؛ وقالت طائفة منهم ابن وهب، وابن القاسم،
والقعنبي: فإذا وجد فجوة، والفجوة والفرجة سواء في اللغة، وليس
في هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية السير في الدفع من عرفة، وهو
شيء يجب الوقوف عليه وامتثاله على أئمة الحاج فمن دونهم، لأن
في استعجال السير إلى مزدلفة استعجال الصلاة بها؛ ومعلوم أن
المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء، وتلك سنتهما، فيجب أن
يكون ذلك على حسب ما فعله رسول الله صل98: فمن قصر عن ذلك أو
زاد، فقد أساء إذا كان عالما بما جاء في ذلك. وأما حكم الجمع بين
الصلاتين في المزدلفة، فقد ذكرناه في باب ابن شهاب من هذا الكتاب
والحمد لله.
والعنق مشي معروف للدواب لا يجهل، وقد يستعمل مجازا في
غير الدواب، قال الشاعر:
يا جارتي يا طويلة العنق
أخرجتني بالصدود عن عنق
(١) خ (٣/ ١٦٦٦/٦٦٠)، م (٢٨٣/٩٣٦/٢)، ن (٣٠٢٣/٢٨٥/٥)، جـ
(٣٠١٧/١٠٠٤/٢).
ـه
-

٨
فتح البر
والنص ههنا كالخبب، وهو فوق العنق وأرفع في الحركة، وأصل
النص في اللغة الرفع، يقال منه: نصصت الدابة في سيرها. قال
الشاعر :
ألست التي كلفتها سير ليلة
من أهل منی نصا إلى أهل يثرب
وقال اللهبي :
يا رب بيداء وليل داج
قطعته بالنص والإدلاج
وقال آخر :
ونص الحديث إلى أهله
فإن الوثيقة في نصه
أي ارفعه إلى أهله وانسبه إليهم.
وقال أبو عبيد: النص: التحريك الذي يستخرج به من الدابة أقصى
سيرها. وأنشد قول الراجز:
تقطع الخرق بسیر نص.
وأما النص في الشريعة، فما استوى من خطاب القرآن وغيره ظاهره
مع باطنه، وفهم مراده من ظاهره؛ ومنهم من قال: النص ما لا يصح
أن يرد عليه التخصيص ويسلم من العلل، ولهم في حدوده كلام كثير
ليس هذا موضع ذكره وبالله التوفيق.

كتاب بناء الكهبة
=
٩ =
الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة
[٢٠] مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول
الله ◌َ يُ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا(١).
هكذا رواه جماعة الرواة، عن مالك فيما علمت، إلا محمد بن
عمرو الغزي، فانه ذكر فيه الظهر والعصر بعرفة، وزاد ألفاظا ليست
في الموطأ عند أحد من الرواة: أخبرني محمد، حدثنا علي بن عمر
الحافظ، حدثنا علي بن محمد بن أحمد المصري، حدثنا بكر بن سهل
الدمياطي، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا مالك بن أنس، عن
الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: جمع رسول الله مَلآل بين
الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة لم يناد في واحدة
منهما إلا بالإقامة، ولم يفصل بينهما تطوعا، ولا اثر واحدة منهما،
قلت: فما بال الأذان؟ قال: إنما الأذان داع يدعو الناس إلى الصلاة،
فمن يدعو وهم معه(١)؟ لم يتابع عليه عن مالك، وزاد فيه قوم من
أصحاب ابن شهاب ألفاظا سنذكرها ونوضح القول في معانيها إن
شاء الله .
قال أبو عمر:
لا خلاف علمته بين علماء المسلمين من الصحابة والتابعين، ومن
بعدهم من الخالفين؛ أن المغرب والعشاء، يجمع بينهما في وقت
العشاء ليلة النحر بالمزدلفة لامام الحاج والناس معه.
(١) خ (٦٦٧/٣/ ١٦٧٣)، م (٩٣٧/٢/ ١٢٨٧[٢٨٦])، د (٢/ ١٩٢٦/٤٧٤)، ن
(٦٠٦/٣١٧/١)

فتح البر
١٠
واختلف العلماء فيمن لم يدفع مع الإمام على ما سنذكره إن شاء
الله. والمزدلفة هي المشعر الحرام، وهي جمع، ثلاثة أسماء لموضع
واحد، ومن الدليل على ان ذلك كذلك لامام الحاج والناس في تلك
الليلة، قوله وي لأسامة بن زيد: ((الصلاة امامك بالمزدلفة(١))).
وسنذكر هذا الحديث ووجه القول فيه، في باب موسى بن عقبة من
كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
واختلف العلماء في هيئة الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة على
وجهين، أحدهما: الأذان والإقامة، والآخر: هل يكون جمعهما
متصلا لا يفصل بينهما بعمل، أم يجوز العمل بينهما بعمل مثل
العشاء، وحط الرحال، ونحو ذلك.
واما اختلافهم في الأذان والإقامة، فإن مالكا وأصحابه يقولون:
يؤذن لكل واحدة منهما ويقام بالمزدلفة، وكذلك قوله في الظهر
والعصر بعرفة أيضا، إلا أن ذلك في أول وقت الظهر بإجماع. قال
ابن القاسم: قال لي مالك في جمع الصلاتين بعرفة والمشعر الحرام،
قال: لكل صلاة أذان وإقامة. وقال مالك: كل شيء إلى الأئمة،
فلكل صلاة أذان وإقامة.
قال أبوعمر :
لا أعلم فيما قاله مالك في هذا الباب حديثا مرفوعا إلى النبي وَل
بوجه من الوجوه، ولكنه روى عن عمر بن الخطاب من حديث
اسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن حميد - أبي قدامة -
أنه صلاها مع عمر بالمزدلفة كذلك. واختلف فيه وليس بقوي
(١) سيأتي تخريجه في الباب نفسه.

كتاب بناء الكعبة
١١
الحديث. وروي عن ابن مسعود من حديث أبي إسحاق، عن
عبدالرحمن بن يزيد، قال: خرجت مع عبدالله بن مسعود إلى مكة،
فلما أتى جمعا صلى الصلاتين كل واحد منهما بأذان وإقامة، ولم
يصل بينهما شيئا - رواه الثوري وشعبة وجماعة عن أبي إسحاق.
والذي يحضرني من الحجة لمالك في هذا الباب من جهة النظر، أن
رسول الله 18ّ سن في الصلاتين بعرفة والمزدلفة- أن الوقت لهما
جميعا وقت واحد، وإذا كان وقتهما واحدا وكانت كل واحدة تصلى
في وقتها، لم تكن واحدة منهما أولى بالأذان والإقامة من الأخرى،
لان ليس واحدة منهما فائتة تقضى، وإنما هي صلاة تصلى في وقتها،
وكل صلاة صليت في وقتها، فسنتها أن يؤذن لها ويقام في الجماعة،
وهذا بين - والله أعلم.
وقال آخرون أما الاولى منهما فتصلى بأذان وإقامة، وأما الثانية
فتصلى بلا أذان ولا إقامة، قالوا: وإنما أمر عمر بالتأذين للثانية، لان
الناس كانوا قد تفرقوا لعشائهم، فأذن ليجمعهم، قالوا: وكذلك نقول
نحن إذا تفرق الناس عن الإمام لعشاء أو غيره، أمر المؤذنين فأذنوا
لجمعهم، وإذا أذن أقام. قالوا: فهذا معنى ما روى عن عمر - رضي
الله عنه -. قالوا: والذي روي عن ابن مسعود، فمثل ذلك أيضا.
وذكروا ما حدثناه محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن
مطرف، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا يونس بن
عبدالأعلى، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن
يزيد، قال: كان ابن مسعود يجعل العشاء بالمزدلفة بين الصلاتين.

فتح البر
= ١٢
وذكر عبدالرزاق قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق،
عن عبدالرحمن بن يزيد، قال: كنت مع ابن مسعود بجمع، فجعل
بين المغرب والعشاء- العشاء، وصلى كل صلاة بأذان وإقامة(١). وذكر
الطحاوي قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا أحمد بن يونس،
قال حدثنا اسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، أنه صلى
الصلاتين مرتين بجمع كل صلاة بأذان واقامة، والعشاء بينهما(٢).
وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بإقامة واحدة ولا يؤذن
في شيء منهما.
واحتجوا بما رواه شعبة عن الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل، قالا :
صلى بنا سعيد بن جبير بإقامة- المغرب ثلاثا، فلما سلم، قام فصلى
ركعتي العشاء، ثم حدث عن ابن عمر أنه صنع بهم في ذلك المكان
مثل ذلك .
وحدث ابن عمر، أن رسول الله وَّي صنع بهم في ذلك المكان مثل ذلك.
وذكر عبدالرزاق وعبدالملك بن الصباح، عن الثوري، عن سلمة بن
كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: جمع رسول الله وَله
بين المغرب والعشاء بجمع، صلاة المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بإقامة
واحدة(٣). وقالا أيضا عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن
مالك قال: صليت مع ابن عمر المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بالمزدلفة
بإقامة واحدة(٤)، فقال مالك بن خالد: قال عبدالرزاق: هو الحارثي،
(١) خ (١٦٨٣/٦٦٨/٣).
(٢) الطحاوي (٣٩٤٩/٢١١/٢).
(٣) م (٩٣٨/٢ /١٢٨٨[٢٩٠])، د (١٩٣٢/٤٧٧/٢)، ن (٣٠٣٠/٢٨٨/٥)،
حب: الإحسان (٣٨٥٩/١٧١/٩) من طرق عن سلمة بن كهيل به.
(٤) حم (١٨/٢)، د (١٩٢٩/٤٧٥/٢)، ت (٨٨٧/٢٣٥/٣) وقال: صحيح حسن.

١٣
كتاب بناء الكعبة
وقال عبدالملك: هو المحاربي، ما هذه الصلاة يا أبا عبدالرحمن؟ قال:
صليتها مع رسول الله ◌َّ ر في هذا المكان بإقامة واحدة.
قال أبو عمر:
الصواب الحارثي، وقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي إسحاق،
عن عبدالملك بن الحارث، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ كما رواه
الثوري، ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن مالك بن
الحارث، عن ابن عمر، عن النبي وَلَهُ. والصواب ما قاله شعبة
والثوري- والله أعلم.
وحدثنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا
سعيد بن عثمان، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا سفيان عن ابن أبي
نجيح، عن مجاهد، قال: حدثني أربعة كلهم ثقة، منهم سعيد بن
جبير، وعلي الأزدي، عن ابن عمر أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة
بإقامة واحدة. وذكر عبدالرزاق عن ابن عيينة، عن ابن أبي حسين،
عن علي الأزدي، عن ابن عمر مثله. وبه يقول سفيان الثوري
وجماعة، وقد حمل قوم حديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، عن
سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه أن رسول الله وَظله صلى المغرب
والعشاء بالمزدلفة جميعا لم يناد في واحدة منهما إلا بالاقامة (١)- على
هذا أيضا أي بإقامة واحدة. وحمله غيرهم على الاقامة لكل صلاة
منهما دون أذان- وهو الصواب. وهو محفوظ في حديث ابن أبي
ذئب من رواية الحفاظ الثقات. وكذلك ذكر معمر وغيره في هذا
الحديث عن ابن شهاب على ما سنذكره- إن شاء الله.
(١) خ (١٦٧٣/٦٦٧/٣)، د (١٩٢٨/٤٧٥/٢)، ن (٣٠٢٨/٢٨٧/٥)،
الدارمي (٥٨/٢)، هق (٥/ ١٢٠).

١٤
فتح البر
وقد روى من حديث أبي أيوب الانصاري، عن النبي بَ خلال أنه صلى
المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة(١)، ولا يصح قوله فيه بإقامة
واحدة، لان مالكا وغيره من الحفاظ لم يذكروا ذلك فيه. وروى ذلك
أيضا من حديث البراء وهو عند أهل الحديث خطأ، وسنذكر ذلك في
بابه من كتابنا هذا إن شاء الله.
وقال آخرون: تصلى الصلاتان جميعا بالمزدلفة بأذان واحد
وإقامتين. واحتجوا بحديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر،
عن النبي ◌َّ بذلك(٢). وهو أكمل حديث روى في الحج، وأتمه
وأحسنه مساقا، رواه بتمامه عن جعفر بن محمد، يحيى بن سعيد
القطان، وحاتم بن إسماعيل وجماعة، وإلى هذا ذهب أبو جعفر
الطحاوي واختاره، وزعم أن النظر يشهد له، لأن الاثار لم تختلف ان
الصلاتين بعرفة صلاهما رسول الله وَليه بأذان واحد وإقامتين. فكذلك
صلاتا المزدلفة في القياس، لأنهما في حرمة الحج، والاثار مختلفة في
ذلك بالمزدلفة، وغير مختلفة في ذلك بعرفة. وخالف الطحاوي في
ذلك أبا حنيفة وأصحابه، لانهم يقولون ان الصلاتين تصليان بالمزدلفة
بأذان واحد وإقامة واحدة. وذهبوا في ذلك إلى ما رواه هشيم عن
يونس بن عبيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه جمع بين
المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة واحدة، ولم يجعل بينهما
(١) حم (٤٢١/٤) و(٤١٩/٥)، خ (١٦٧٤/٦٦٧/٣) و(٤٤١٤/١٣٨/٨)،
م (٢/ ١٢٨٧/٩٣٧)، ن (٦٠٤/٣١٧/٢) و(٣٠٢٦/٢٨٧/٥)،
جه (٣٠٢٠/١٠٠٥/٢)، البغوي (١٩٣٦/١٦٩/٧)، هق (١٢٠/٥)،
الدارمي (٥٨/٢).
(٢) م (٢ / ١٢١٨/٨٨٦)، د (١٩٠٥/٤٥٥/٢)، ن (٢٧١١/١٥٦/٥)،
جه (٢/ ٣٠٧٤/١٠٢٢).

١٥
كتاب بناء الكعبة
شيئا (١). قالوا: فكان محالا أن يكون ابن عمر أدخل بينهما أذانا الا
وقد علمه من رسول الله وَلّ، وروي مثل هذا مرفوعا من حديث
خزيمة بن ثابت وليس بالقوي.
وقد حكى الجوزجاني، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف،
عن أبي حنيفة، أنهما تصليان بأذان وإقامتين، يؤذن للمغرب ويقام
للعشاء فقط، وإلى هذا ذهب الطحاوي، وبه قال أبو ثور.
وحجتهم في ذلك، حدیث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر،
عن النبي وَخُلّ. واعتلوا بنحو ما قدمنا ذكره من أن عمر وابن مسعود،
إنما أذنا للثانية من أجل تأخيرهما العشاء. وقال آخرون: تصلى
الصلاتان جميعا بإقامتين دون أذان لواحدة منهما، وممن قال ذلك:
الشافعي وأصحابه، ومن حجة من ذهب إلى ذلك، ما ذكره عبدالرزاق
عن معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي ◌َّ آ لما
جاء المزدلفة، جمع بين المغرب والعشاء، صلى المغرب ثلاثا والعشاء
ركعتين بإقامة لكل واحدة منهما، ولم يصل بينهما شيئا(٢). ورواه
الليث بن سعد عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب،
عن سالم بن عبدالله، عن أبيه، عن النبي بَالّ مثله. وليس في حديث
مالك هذه الزيادة، وهؤلاء حفاظ زيادتهم مقبولة. وذكر الشافعي عن
عبدالله بن نافع، عن ابن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن
أبيه- مثله، غير أنه قال: لم يناد بينهما، ولا على اثر واحدة منهما الا
بإقامة(٢).
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

١٦
فتح البر
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن
ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ◌َّ صلى
بجمع بإقامة، إقامة، لم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما (١).
واحتج الشافعي أيضا بحديث مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب
مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أنه سمعه يقول: دفع رسول الله
وَله من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ، فلم يسبغ
الوضوء، فقلت له الصلاة؟ فقال: الصلاة أمامك، فركب حتى جاء
المزدلفة، فنزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى
المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء،
فصلاها ولم يصل بينهما شيئا(٢).
قال أبو عمر:
هذه الآثار ثابتة عن ابن عمر، وهي من أثبت ما روي في هذا
الباب عنه، ولكنها محتملة للتأويل، وحديث جابر لم يختلف عليه
فيه: أخبرني عبدالرحمن بن يحيى وغيره، عن أحمد بن سعيد، قال:
سمعت أحمد بن خالد يعجب من مالك في هذا الباب، إذ أخذ
بحديث ابن مسعود ولم يروه، وترك الأحاديث التي روی.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم (٢٠٨/٥)، خ (١٣٩/٣١٩/١) و(١٦٧٢/٦٦٦/٣)، م (٢ /٩٣٤ / ١٢٨٠)،
د (٢ / ٤٧٣ - ٤٧٤ /١٩٢٥)، البغوي (١٦٦/٧ - ١٦٧ / ١٩٣٧)،
حب: الإحسان (١٥٩٤/٤٦٦/٤)، من طرق عن مالك به.

١٧
كتاب بناء الكعبة
قال أبو عمر:
فهذا اختصار ما بلغنا من الآثار، واختلافها في هذا الباب عن النبي
وَ له وأصحابه وتهذيب ذلك: وأجمع العلماء أن رسول الله وحَ ل دفع
من عرفة بالناس بعدما غربت الشمس يوم عرفة، فأفاض إلى المزدلفة،
وأنه عليه السلام أخر حينئذ صلاة المغرب، فلم يصلها حتى أتى
المزدلفة، فصلى بها بالناس بالمغرب والعشاء جميعا بعدما غاب الشفق
ودخل وقت العشاء الآخرة. وأجمعوا أن ذلك سنة الحاج في ذلك
الموضع، وقد قدمنا ذكر ما اختلف فيه عنه- 03 8 *- من كيفية الأذان
والإقامة في حين جمعه للصلاتين بالمزدلفة، أما اختلاف الفقهاء في
ذلك، فإن مالكا ذهب إلى أن كل صلاة منهما يؤذن لها ويقام واحدة
بإثر أخرى، وعلى ذلك أصحابه، وذهب الثوري إلى أنهما- جميعا-
تصليان بإقامة واحدة ولا يفصل بينهما الا بالتسليم. وذهب الشافعي
إلى أن كل واحدة منهما تصلى بإقامة إقامة، ولا يؤذن لواحدة منهما،
وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو أحد قولي أحمد بن حنبل، وروی
ذلك عن سالم والقاسم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهما يصليان
بأذان واحد وإقامتين، وهو قول أبي ثور، واحتج بحديث جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر، عن النبي ◌َلا و بذلك(١)؛ وقد ذكرنا حجة
كل واحد منهم من جهة الأثر. ولامدخل في هذه المسألة للنظر، وإنما
فيها الاتباع، واختلفوا فيمن صلى الصلاتين المذكورتين قبل أن يصل
إلى المزدلفة، فقال مالك: لا يصليهما أحد قبل جمع إلا من عذر،
فإن صلاهما من عذر لم يجمع بينهما حتى يغيب الشفق. وقال
الثوري: لا يصليهما حتى يأتي جمعا، وله السعة في ذلك إلى نصف
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.

١٨
فتح البر
الليل، فإن صلاهما دون جمع أعاد. وقال أبو حنيفة: إن صلاهما
قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة، وسواء صلاهما قبل مغيب الشفق
أو بعده، عليه أن يعيدهما إذا أتى المزدلفة .
واختلف عن أبي يوسف ومحمد، فروي عنهما مثل ذلك، وروي
عنهما إن صلاهما بعرفات أجزأه.
وعلى قول الشافعي: لا ينبغي أن يصليهما قبل جمع، فإن فعل
أجزأه، وبه قال أبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وروي ذلك عن عطاء،
وعروة، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير.
وقد روي عن جابر بن عبدالله قال: لا صلاة الا بجمع.
ومن الحجة لمن ذهب إلى ذلك، قوله وَله: ((خذوا عني
مناسككم(١)))، وصلاهما جميعا بعد مغيب الشفق بجمع، فليس لأحد
أن يصليهما إلا في ذلك الموضع كذلك، إلا من عذر- كما قال
مالك- والله أعلم.
وقد ذكرنا أقوال الفقهاء فيمن فاتته الصلاة مع الإمام بالمزدلفة، هل
له أن يجمع بين الصلاتين أم لا في كتابنا هذا عند ذكر الصلاة بعرفة.
واختلفوا فيمن لم يمر بالمزدلفة ليلة النحر ولم يأتها ولم يبت بها غداة
النحر، فقال مالك: من لم ينخ بالمزدلفة ولم ينزل بها، وتقدم إلى
منى فرمى الجمرة، فإنه يهريق دما، فإن نزل بها ثم دفع منها في أول
الليل أو وسطه أو آخره، وترك الوقوف مع الإمام، فقد أجزأه ولا دم
عليه .
(١) حم (٣٠١/٣)، م (١٢٩٧/٩٤٣/٢)، د (١٩٧٠/٤٩٥/٢)، ن (٣٠٦٢/٢٩٨/٥).

كتاب بناء الكعبة
١٩
وقال الثوري: من لم يقف بجمع، ولم يقف بها ليلة النحر، فعليه
دم، وهو قول عطاء في رواية، وقول الزهري، وقتادة، وبه قال أحمد
وإسحاق وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: إذا ترك الوقوف بالمزدلفة
ولم يقف بها ولم يمر بها ولم يبت فيها، فعليه دم، قالوا: فإن بات
وتعجل في الليل، رجع إذا كان خروجه من غير عذر حتى يقف مع
الإمام أو يصبح بها، فإن لم يفعل، فعليه دم، قالوا: وإن كان رجل
مريض أو ضعيف أو غلام صغير فتقدموا من المزدلفة بالليل فلا شيء
عليهم.
وقال الشافعي: إن نزل وخرج منها بعد نصف الليل، فلا شيء
عليه، وإن خرج قبل نصف الليل فلم يعد اليها ليقف بها مع الإمام
ويصبح، فعليه شاة. قال: وإنما حددنا نصف الليل، لأنه بلغنا أن
النبي ◌َّ أذن لضعفة أهله أن يرتحلوا من آخر الليل، ورخص لهم في
أن لا يصبحوا بها، ولا يقفوا مع الإمام(١)، والفرض على الضعيف
والقوي سواء، ولكنه تأخر لمواضع الفضل وتعليم الناس، قال: وما
كان بعد نصف الليل فهو من آخر الليل. وروي عن عطاء أنه ان لم
ينزل بجمع فعليه دم، وان نزل بها ثم ارتحل بليل فلا شيء عليه. رواه
ابن جريج وغيره، وهوالصحيح عنه، وکان عبدالله بن عمرو يقول:
إنما جمع منزل تدلج منه إذا شئت.
وقال علقمة، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري:
(١) من حديث ابن عباس من طرق كثيرة منها ما أخرجه: حم (٣٧٢/١)،
خ (١٦٧٧/٦٧١/٣-١٦٧٨)، م (١٢٩٣/٩٤١/٢)، د (١٩٣٩/٤٧٩/٢)،
ن (٣٠٣٢/٢٨٨/٥-٣٠٣٣-٣٠٣٤)، جه (٣٠٢٦/١٠٠٧/٢).

فتح البر
٢٠
من لم ينزل بالمزدلفة، وفاته الوقوف بها، فقد فاته الحج، ويجعلها
عمرة، وهو قول عبدالله بن الزبير، وبه قال الأوزاعي ان الوقوف
بالمزدلفة فرض واجب، يفوت الحج بفواته، وقد روي عن الثوري مثل
ذلك ولا يصح عنه، والأصح عنه - إن شاء الله - ما قدمنا ذكره.
وروى عن حماد بن أبي سليمان أنه قال: من فاتته الافاضة من
جمع، فقد فاته الحج، فلیحل بعمرة ثم یحج قابلا .
وحجة من قال بهذا القول، قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم
مِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: (١٩٨)].
وقول رسول الله وَله: ((من أدرك جمعاً مع الناس حتى يفيض، فقد
أدرك)). وهذا المعنى رواه عروة بن مضرس عن النبي وَلـ
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا بن
أبي زائدة، عن عامر، قال: حدثني عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة
ابن لام، أنه حج على عهد رسول الله وَلا فلم يدرك الناس إلا ليلا -
وهم بجمع- فانطلق إلى عرفات ليلا فأفاض منها، ثم رجع إلى جمع،
فأتى رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله أتعبت نفسي، وأنصبت
راحلتي، فهل لي من حج؟ فقال: ((من صلى معنا الغداة بجمع،
ووقف معنا حتی نفیض، وقد أفاض من عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا،
فقد تم حجه، وقضى تفثه(١)). رواه عن الشعبي جماعة، منهم: إسماعيل
ابن أبي خالد، وعبدالله بن أبي السفر، وداود بن أبي هند، وكان
سفيان بن عيينة يقول: زكريا أحفظهم لهذا الحديث عن الشعبي.
(١) حم (١٥/٤) و(٢٦١/٤-٢٦٢)، د (١٩٥٠/٤٨٦/٢)، ت (٨٩١/٢٣٨/٣) وقال: حديث
حسن صحيح. ن (٥/ ٣٠٤٢٠٠٣٠٣٩/٢٩٠)، جه (٣٠١٦/١٠٠٤/٢)، الدارمي (٥٩/٢).