Indexed OCR Text

Pages 521-540

بناء الكعبة وبقية المناسك
- ٥٢١ =
راكبة من وراء الناس(١). ومما يدل على كراهة الطواف راكبا من غير عذر،
انى لا أعلم خلافا بين علماء المسلمين انهم لا يستحبون لاحد أن يطوف بين
الصفا والمروة على راحلة راكبا. ولو كان طوافه راكبا لغير عذر لكان ذلك
مستحبا عندهم أو عند من صح عنده ذلك منهم .
وقد روينا عن عائشة وعروة بن الزبير كراهية أن يطوف أحد بين الصفا
والمروة راكبا. وهو قول جماعة الفقهاء. فاما مالك فلا احفظ له فيه نصا، الا
أنه قال: من طاف بالبيت محمولا أو راكبا من غير عذر لم يجزه وأعاد.
وكذلك السعي بين الصفا والمروة عندي في قوله. بل السعي أوكد ماشيا لما
ورد فیه من اشتداد رسول الله القر في سعیه ماشیا علی قدمیه. وقال مالك
انه ان سعى أحد حاملا صبيا بين الصفا والمروة أجزأه عن نفسه وعن الصبي
إذا نوی ذلك. وقال في الطائف بالبيت محمولا ان رجع الى بلاده کان عليه أن
لا يهريق دما. وقال الليث بن سعد الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة
سواء، لا یجزء واحد منھما راکبا إلا أن یکون له عذر وکذلك قال أبو ثور من
سعى بين الصفا والمروة راكبا لم يجزه وعليه أن يعيد. وقال مجاهد لا يركب الا
من ضرورة. وهو قول مالك، وقال الشافعي لا ينبغي له أن يطوف بالبيت
ولا یسعی راکبا، فان فعل فلا دم علیه من عذر کان ذلك أو من غير عذر.
وذکر ان انس بن مالك وعطاء طافا راکبین. وقال أبو حنيفة إن سعی راكبا
بين الصفا والمروة أعاد ما دام بمكة، وإن رجع الى الكوفة فعليه دم. وكذلك
إن طاف بالبيت راکبا عنده. وقال هشام بن عبيد الله عن محمد بن الحسن :
لو طاف بأمه حاملا لها أجزأه عنه وعنها. وكذلك لو استأجرت امرأة رجلا
يطوف بها كان الطواف لهما جميعا وكانت الأجرة له .
(١) حم (٦/ ٢٩٠-٣١٩)، خ (٣/ ٦١٢ /١٦١٩)، م (٢ / ٩٢٧ /١٢٧٦)،
د (١٨٨٢/٤٤٣/٢)، ن (٢٩٢٥/٢٤٥/٥)، جه (٢/ ٩٨٧ / ٢٩٦١)،
حب: الإحسان (٣٨٣٠/١٣٩/٩).

٥٢٢
فتح البر
قال أبو عمر:
قول مالك والليث بن سعد وأبي ثور أسعد بظاهر الحديث وأقيس في
قول من أوجب السعي بين الصفا والمروة فرضا واما قول من قال ان رسول الله
کان شاکیا فحجته في ذلك حدیث عكرمة عن ابن عباس حدثنا عبد
الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بکر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد
قال حدثنا خالد بن عبد الله قال حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن
عباس ان رسول الله وقيل قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته كلما
أتى على الركن استلم بمحجن(١)، فلما فرغ من طوافه اناخ فصلى ركعتين.
ومثل هذا قوله ◌َّيوَ لأم سلمة حين اشتكت اليه ((طوفي من وراء الناس وانت
راكبة (٢)) وقد اختلف الفقهاء في السعي بين الصفا والمروة على الهيئة المذكورة
فيه هل هو من فروض الحج أو من سننه؟ فالذي ذهب اليه مالك والشافعي
ومن اتبعهما وقال بقولهما ان ذلك فرض لا ينوب عنه الدم ولا بد من الإتيان
به كالطواف بالبيت الطواف الواجب سواء. وهو قول أحمد بن حنبل
واسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري
السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب، فان تركه أحد من الحجاج حتى
يرجع الى بلاده جبره بالدم؛ لأنه سنة من سنة الحج، وسنن الحج تجبر بالدم
إذا سقط الاتيان بها. هذا قول الثوري وروى عن قتادة والحسن البصري
مثله. واما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا ان ترك أربعة أشواط من السعي بين
الصفا والمروة فعليه دم وان ترك أقل كان عليه لكل شوط اطعام مسكين
نصف صاع من حنطة. قالوا وان ترك ذلك في العمرة أو في الحج ناسيا فعليه
(١) الحديث بهذا الإسناد أخرجه: د(٢/ ١٨٨١/٤٤٣)، وهو متفق عليه بإسناد آخر عن ابن
عباس: خ (١٦٠٧/٦٠٣/٣)، م (٢ / ٩٢٦ / ١٢٧٢).
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

بناء الكهبة وبقية المناسك
٥٢٣=
دم. وقال قوم هو فرض في العمرة وليس بفرض في الحج. وقال طاوس من
ترك السعي بينهما فعليه عمرة واختلف فيه قول عطاء. وروى عن ابن عباس
وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين أنه تطوع، وحجة أبي حنيفة ومن
قال بقوله في السعي بين الصفا والمروة انه ليس بفرض قول رسول الله ولاچ.
((الحج عرفات فمن أدركها فقد أدرك الحج (١)) قالوا فصار ما سواه ينوب عنه
الدم. قالوا وانما السعي بين الصفا والمروة تبع للطواف كما ان المبيت بالمزدلفة
تبع للوقوف بعرفة. فلما ناب عن المبيت بجمع الدم فكذلك ينوب عن
السعي الدم.
قال أبو عمر:
اما الوقوف بعرفة ففرض مجتمع عليه واما المبيت أو حضور المزدلفة
للصلاة والذكر بها فمختلف في فرضه، وان كان مالك وأبو حنيفة والشافعي
لا يرونه فرضا. وسيأتي ذكر حكم الوقوف بعرفة والمبيت بجمع في باب ابن
شهاب عن سالم ان شاء الله. والحجة لمن أوجب السعي بين الصفا والمروة
فرضا على من لم يوجبه أن رسول الله وَ لل فعله وقال: ((خذوا عني
مناسککم» فصار بیانا لمجمل الحج. فالواجب ان یکون فرضا کبیانه
لركعات الصلوات وما كان مثل ذلك اذ لم يتفق على أنه سنة أو تطوع، وقد
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ
قال الله عز وجل ـ
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فإن احتج محتج بقراءة ابن
مسعود وما في مصحفه وذلك قوله فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، قيل له
ليس فيما سقط من مصحف الجماعة حجة، لانه لا يقطع به على الله عز
(١) حم (٤ /٣٠٩ -٣١٠)، ن (٥ / ٢٨٢ / ٣٠١٦)، د (٢ /٤٨٥ /١٩٤٩)،
ت (٣/ ٨٨٩/٢٣٧)، حب (٣٨٩٢/٢٠٣/٩).

فتح البر
=٥٢٤
وجل ولا يحكم بأنه قرآن الا بما نقلته الجماعة بين اللوحين. وأحسن ما روى
في تأويل هذه الآية ما ذكره هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كانت
مناة على ساحل البحر وحولها الفروث والدماء مما يذبح بها المشركون فقالت
الانصار يا رسول الله انا كنا إذا أحرمنا بمناة في الجاهلية لم يحل لنا في ديننا أن
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَبِرِ
نطوف بين الصفاوالمروة فأنزل الله عز وجل ﴿
اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال عروة: أما
انا فلا ابالي الا أطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة لم يا ابن اختي قال لأن
الله يقول فلا جناح عليه أن يطوف بهما، فقالت عائشة لو كان كما تقول
لکان فلا جناح علیه الا يطوف بهما فلعمری ما تمت حجة أحد ولا عمرته ان
لم يطف بين الصفا والمروة. ورواه الزهري عن عروة عن عائشة مثله وقال فيه
معمر عن الزهري، فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام فقال
هذا العلم. وقد روى مالك هذا الحديث عن هشام بن عروة بمعنى واحد
وسنذكره في باب هشام من هذا الكتاب ان شاء الله. وروى ابن جريج عن
عطاء عن عائشة أن رسول الله وَ الر قال لها: ((طوافك بالبيت وبين الصفا
والمروة يجزئك أو يكفيك لحجك وعمرتك(١)).
قال أبو عمر:
ولو لم يكن واجبا لما قال يجزئك والله أعلم. فقد تبين بما ذكرته عائشة
مخرج نزول الآية على أي شيء كان وبين رسول الله ◌َفقير ذلك بطوافه بين
الصفا والمروة وقوله («اسعوا بينهما فان الله كتب عليكم السعي (٢)) وكتب
(١) م (٢ / ٨٨٠ / ١٢١١[١٣٣])، د (٢/ ١٩٨٤/٤٥١).
(٢) حم (٦/ ٤٢١)، طب في الكبير (٥٧٢/٢٢٥/٢٤)، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد
والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال يخطيء وضعفه غيره.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٢٥ =
بمعنى أوجب كقول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: (١٨٣)]
وكقول رسول الله وَيقر في الخمس الصلوات ((كتبهن الله على العباد (١)
ومثله كثير. أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال
حدثنا أحمد بن زهیر قال حدثنا سريج بن النعمان قال حدثنا عبد الله بن
المؤمل عن عطاء عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت رأيت
رسول الله ◌َ﴾ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو
یسعی حتی اری رکتیه من شدة السعي وهو يقول: ((اسعوا فان الله کتب
عليكم السعي (٢)) هكذا قال عن عبد الله بن المؤمل عن عطاء وبين عطاء
وعبد الله بن المؤمل في هذا الحديث عمر بن عبد الرحمن بن محيصن
السهمی. أخبرنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا
عيسى بن مسكين قال أخبرنا محمد بن سنجر قال أخبرنا الفضل بن دكين
قال حدثنا عبد الله بن المؤمل عن عمر ابن عبد الرحمن السهمي عن عطاء
عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراه امرأة من أهل اليمن قالت: لما
سعى النبي ◌َّه بين الصفا والمروة دخلنا في دار آل أبي حسين في نسوة من
قريش فرأيت النبي وَيقر يسعى بين الصفا والمروة في بطن الوادي وهو يقول
((اسعو فان الله كتب عليكم السعي(٣)) حتى أن ثوبه يديره من شدة
السعي. وكذلك رواه الشافعي عن عبد الله بن المؤمل. أخبرنا أحمد بن عبد
الله بن محمد بن علي قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال أخبرنا أبو
جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا عبد الله
ابن المؤمل العابدي عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي
(١) حم (٣١٥/٥)، د (٢/ ١٣٠/ ١٤٢٠)، ن (٤٦٠/٢٤٨/١)، جه (٤٤٨/١ /١٤٠١)،
حب: الإحسان (١٧٣٢/٢٣/٥).
(٢) سبق تخريجه .
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
١١ =٥٢٦
رباح عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني ابنة أبي تجراة احدى نساء بني عبد
الدار قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار أبي حسين ننظر الى رسول الله
رَله وهو يسعى بين الصفا والمروة فرأيته یسعی وان مئزره ليدور من شدة
السعي حتی أقول اني لارى ركبتيه، وسمعته يقول: «اسعوا فان الله كتب
عليكم السعي(١)) وذكره أبو بكر بن أبي شيبة فأخطأ في إسناده إما هو وإما
محمد بن بشر.
حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن
وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا
عبد الله بن المؤمل قال حدثنا عبد الله بن أبي حسين عن عطاء عن حبيبة
بنت أبي تجرأة قالت: نظرت الى رسول الله وي ليه فذكر الحديث بمعنى ما تقدم
سواء، ولكنه أخطأ في موضعين من الاسناد، أحدهما انه جعل في موضع
عمر بن عبد الرحمن، عبد الله بن أبي حسين والآخر انه أسقط صفية بنت
شيبة من الاسناد فافسد اسناد هذا الحديث، ولا أدرى ممن هذا أمن أبي بكر
أم من محمد بن بشر؟، ومن أيهما كان فهو خطأ لا شك فيه. وقد رواه محمد
ابن سنان العوفي عن عبد الله بن المؤمل فجعله بالطواف بالبيت. ذكر أبو
جعفر العقيلي قال حدثنا محمد بن أيوب قال أخبرنا محمد بن سنان العوفي
قال أخبرنا عبد الله بن المؤمل المكي قال أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن
محيصن السهمى عن صفية بنت شيبة عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبي تجراة
قالت: دخلت المسجد انا ونسوة معى من قريش قالت والنبي وَ لا يطوف
بالبیت قالت وانه لیسعی حتی أنی لارثی له وهو يقول لاصحابه «اسعو فان
الله كتب عليكم السعي(٢))) هكذا قال يطوف بالبيت واسقط من اسناد
(١) طب في الكبير (٢٢٦/٢٢٦/٢٤)، هق (٩٨/٥). وفيه عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف. لكن
للحديث طرق أخرى بعضها جيد بينها الشيخ ناصر في الإرواء (٢٦٨/٤/ ١٠٧٢).
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٢٧
الحديث عطاء والصحيح في اسناد هذا الحديث ومتنه ما ذكره الشافعي وأبو
نعيم الا أن قول أبي نعيم امرأة من أهل اليمن ليس بشيء والصواب ما قال
الشافعي والله أعلم. فان قال قائل ان عبد الله بن المؤمل ليس ممن يحتج
بحديثه لضعفه وقد انفرد بهذا الحديث قيل له، هو سىء الحفظ فلذلك
اضطربت الرواية عنه وما علمنا له خربة تسقط عدالته. وقد روى عنه جماعة
من جلة العلماء، وفي ذلك ما يرفع من حاله، والاضطراب عنه لا يسقط
حديثه لأن الاختلاف على الائمة کثیر ولم يقدح ذلك في روايتهم وقد اتفق
شاهدان عدلان عليه وهما الشافعي وأبونعيم وليس من لم يحفظ ولم يقم حجة
على من أقام وحفط. ومما يشد حديث عبد الله بن المؤمل هذا حديث المغيرة
ابن حكيم عن صفية بنت شيبة، فانه يبين صحة ما قاله عبد الله بن المؤمل .
أخبرنا عبد الله بن محمد الجهني قال أخبرنا حمزة بن محمد قال أخبرنا أحمد بن
شعیب قال أخبرنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا حماد بن زيد عن بديل عن
المغيرة بن حكيم عن صفية بنت شيبة عن امرأة قالت: رأيت النبي
وَل يسعى في بطن المسيل ويقول: ((لا يقطع الوادي إلا شدا (١)» وقد ذكر
أبو جعفر العقيلي قال حدثنا محمد بن موسى النهرتیری قال أخبرنا
يوسف بن موسى القطان قال أخبرنا مهران بن أبي عمر الرازي قال أخبرنا
سفيان عن مثنى بن الصباح عن المغيرة بن حكيم عن صفية بنت شيبة عن
تملك قال العقيلي يعنى الشيبيه قالت نظرت إلى النبي ◌َّ وانا في غرفة لي بين
الصفا والمروة وهو يقول ((يا أيها الناس ان الله كتب عليكم السعي
فاسعوا(٢)).
(١) ن (٢٩٨٠/٢٦٨/٥)، جه (٢٩٨٧/٩٩٤/٢).
(٢) هق (٩٨/٥)، طب في الكبير (٥٢٩/٢٠٦/٢٤)، ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٥٠) وقال
رواه الطبراني في الكبير وفيه المثني بن الصباح وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه جماعة.

فتح البر
٥٢٨
قال أبو عمر:
فهذا القول مع قول رسول الله ولو لعائشة طوافك بالبيت وبين الصفا
والمروة يكفيك لحجتك وعمرتك يوضح وجوب السعي وبالله التوفيق.
وقد ذكرنا اختلاف أصحابنا فيمن ترك الرمل في الطواف بالبيت أو ترك
الهرولة في السعي بين الصفا والمروة فيما تقدم من كتابنا هذا، والذي عليه أكثر
الفقهاء ان ذلك خفيف لا شيء فيه، وذلك والله أعلم لما ذكره عبد الرزاق
عن الثوري عن عبد الکریم الجزري عن سعيد بن جبير قال رأيت ابن عمر
يمشى بين الصفا والمروة ثم قال: ان مشيت فقد رأيت رسول الله صل يمشي
وان سعيت فقد رأيت رسول الله يسعى(١). وروى سفيان أيضا عن عطاء بن
السائب عن كثير بن جمهان عن ابن عمر مثله سواء وزاد وأخبرنا شیخ
کبیر(٢).
قال أبو عمر:
لا ينبغي لاحد قوى على السعي والهرولة والاشتداد تركه، ومن كان
شيخا ضعيفا أو مريضا فالله أعذر بالعذر ويجزئه المشي لأن السعي العمل
وقد عمله بالمشي. واختلف العلماء فيمن قدم السعي بين الصفا والمروة على
الطواف بالبيت فقال عطاء بن أبي رباح يجزئه ولا يعيد السعي ولا شيء
عليه. وكذلك قال الأوزاعي وطائفة من أهل الحديث واختلف في ذلك عن
الثوري فروى عنه مثل قول الاوزاعي وعطاء. وروى عنه أنه يعيد السعى
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم لا يجزئه وعليه أن يعيد الا أن
مالكا وأبا حنيفة قالا يعيد الطواف والسعي جميعا .
(١) ن (٥/ ٢٦٧/ ٢٩٧٧)، ابن خزيمة (٢٧٧٢/٢٣٧/٤).
(٢) د (٢/ ٤٥٤/ ١٩٠٤)، ت (٣/ ٢١٧ / ٨٦٤) وقال: حديث حسن صحيح.
ن (٥/ ٢٦٤/ ٢٩٧٦)، جه (٢/ ٢٩٨٨/٩٩٥)، ابن خزيمة (٢٧٧٠/٢٣٦/٤).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٢٩ ـ
وقال الشافعي: يعيد السعي وحده ليكون بعد الطواف ولا شيء
عليه. واختلفوا والمسألة بحالها إذا خرج من مكة فابعد أو وطىء النساء فقال
مالك یرجع فيطوف ویسعی. وان كان وطیء النساء اعتمر وأهدی یعنی اذا
كان وطؤه بعد رميه جمرة العقبة وبعد الوقوف بعرفة. وقال الشافعي يرجع
حیث کان فیسعی ويهدى. ولا معنى للعمرة ها هنا. وروى عن أبي حنيفة
مثل قول الشافعي سواء. وروى عنه إذا بلغ بلاده أهدى وأجزاه .
قال أبو عمر:
لا فرق عند مالك والشافعي بين من نسي السعي بين الصفا والمروة
وبين من قدم السعي على الطواف، وعليه أن يأتي بالسعي عندهما أبدا وان
أبعد على ما قدمنا من اختلافهما في اعادة الطواف معه، فان وطئکان علیه
هدى بدنة عند الشافعي لا غير، مع الاتيان بالسعي. وكان عليه عند مالك
أن يطوف ويسعى ويعتمر ويهدي وكذلك من نسى الطواف الواجب بالبيت
سواء عندهما لا فرق بين شيء من ذلك عندهما وعند من قال بقولهما. قال
مالك في موطاه من نسى السعي بين الصفا والمروة في عمرة فلم يذكر حتى
يستبعد من مكة انه يرجع فيسعى. وان أصاب النساء فليرجع فليس بين
الصفا والمروة حتى يتم ما بقي عليه من تلك العمرة ثم عليه عمرة أخرى
والهدي.
قال أبو عمر:
انها أوجب مالك في هذه المسألة العمرة والهدي لیکون سعیه في إحرام
صحیح لا في إحرام فاسد بالوطء وليكون طوافه بالبيت في إحرام صحيح لا
في احرام فاسد والله أعلم.

: ٥٣٠
فتح البر
باب منه
[١٤] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال: قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا
يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ((إن الصفا والمروة من شعائر
الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)) فما على الرجل
شيء ألا يطوف بهما؟ قالت عائشة: كلا لو كان كما تقول، لكانت: فلا جناح
عليه ألا يطوف بهما؛ إنما أنزلت هذه الآية في الانصار كانوا يهلون لمناة، وكانت
مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة؛ فلما جاء
الإسلام، سألوا رسول الله وَ ل عن ذلك، فأنزل عز وجل: ((إن الصفا والمروة من
شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما(١))).
قال ابن وهب: مناة: حجر كان أهل الجاهلية يعبدونه، وكان في
المشلل الجبل الذي تصدر منه إلى قدید .
قال أبو عمر:
في هذا الحديث من قول عائشة: دليل على وجوب السعي بين الصفا
والمروة في الحج، وقد بينت عائشة معنى نزول الآية ومخرجها، وجاءت بالعلم
الصحيح في ذلك؛ وعلى قولها على وجوب السعي بين الصفا والمروة:
مالك، والشافعي، وأصحابهما؛ وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ وكل
هؤلاء يقول: إن السعي بين الصفا والمروة واجب فرضا، وعلى من نسيه أو
نسي شوطا واحدا منه أن ینصرف إلیه حیث ذكره في بلده أو غیر بلده حتى
يأتي به كاملا، كمن نسي الطواف الواجب طواف الإفاضة سواء، أو نسي
(١) خ (٣ / ٧٨٣/ ١٧٩٠)، د (٢ / ١٩٠١/٤٥٢)، وأخرجه مسلم من طرق عن هشام بن عروة به
(١٢٧٧/٩٢٨/٢)، جه (٢٩٨٦/٩٩٤/٢). وأخرجه من طريق هشام بن عروة عن عائشة: ن
(٢٩٦٨/٢٦٣/٥).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٣١ =
شيئا منه؛ ولا خلاف بين علماء المسلمين في وجوب طواف الإفاضة، وهو
الذي يسميه العراقيون طواف الزيارة يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة؛ إلا أن
منهم من يقول: إن عمل الحج ينوب فيه التطوع عن الفرض على ما بيناه
عنهم في غير هذا الموضع؛ واختلفوا في وجوب السعي بين الصفا والمروة:
فذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، إلى ما
ذكرنا، وهو مذهب عائشة رضي الله عنها، ومذهب عروة، وغيره .
وكان أنس بن مالك وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن سيرين يقولون :
هو تطوع وليس ذلك بواجب، وروي ذلك عن ابن عباس، ويشبه أن يكون
مذهب أبي بن كعب، وابن مسعود؛ لأن في مصحف أبي، ومصحف ابن
مسعود: (فلا جناح علیہ أن لا یطوف بهما)).
وقال أبو حنيفة، والثوري: من ترك السعي بين الصفا والمروة، فعليه
دم وهو قول الحسن البصري؛ إلا أن تلخيص مذهب أبي حنيفة في ذلك: إن
طاف أربعة أشواط وترك ثلاثة، فعليه إطعام ثلاثة مساكين، لكل مسكين
نصف صاع من حنطة؛ وإن ترك شوطین، أطعم مسکینین کذلك نصف
صاع لكل واحد منهما؛ وإن ترك شوطا واحدا، أطعم مسكينا واحدا نصف
صاع من حنطة، إلا أن يكون طعامه هذا يبلغ دما؛ فإن بلغ دما، أطعم من
ذلك ما شاء فأجزى عنه، وإن ترك السعي كله بين الصفا والمروة في الحج
ناسيا أو في العمرة، فعليه دم.
وروي عن طاوس في هذا المسألة أنه قال: على من ترك السعي بين
الصفا والمروة عمرة .
واختلف عن عطاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا
شيء على من ترك السعي بين الصفا والمروة، والآخر أنه عليه دم، والثالث أنه
إن شاء أطعم مساكين، وإن شاء ذبح شاة فأطعمها المساكين.

فتح البر
٥٣٢
قال أبو عمر:
قد مضت هذه المسألة مجودة ممهدة مبسوطة بما فيها من الحجة لمن قال
بقولنا من جهة الأثر، إذ لا مدخل فيها للنظر في باب جعفر بن محمد من
کتابنا هذا، فکرهنا إعادة ذلك ههنا .

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٣٣
باب منه
[١٥] مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَال كان
إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع
على المروة مثل ذلك(١).
في هذا الحديث أن الوقوف على الصفا والمروة والمشي بينهما والسعي من
شعائر الحج، لقوله ويليه خذوا عني مناسككم(٢). وفيه ان الصفا والمروة
موضع دعاء ترجى فيه الاجابة وفيه أن الدعاء يفتتح بالتكبير والتهليل. وفيه
ان عدد التكبير في ذلك الموضع ثلاث، والتهليل مرة واحدة، ثم الدعاء
والذكر.
والدعاء في ذلك الموضع غيره من سائر مواقف الحج مندوب اليه
مستحب لما فيه من الفضل ورجاء الاجابة. وليس بفرض عند الجميع. ومن
زاد على ما ذكر في هذا الحديث من التهليل والتکبیر والذکر فلا حرج وأحب
إلى استعمال ما فيه على حسبه وبالله التوفيق. وكذلك أحب للمرتقي على
الصفا والمروة أن يعلو علیهما حتى يبدو له البيت، لما رواه عبد الرزاق عن
مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي وَلو كان يصعد على الصفا والمروة
حتى يبدو له البيت، وهو حديث انفرد به عبد الرزاق عن مالك. فإن لم
يفعل فلا حرج. وكذلك انفرد الوليد بن مسلم عن مالك عن جعفر بن
محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله وَلاو لما انتهى إلى المقام قرأ
(١) ن (٥/ ٢٦٥/ ٢٩٧٢)، البغوي (١٩١٩/١٣٥/٧)،
حب: الإحسان (٣٨٤٢/١٥١/٩).
(٢) حم (٣/ ٣٠١-٣١٨ - ٣٣٢ - ٣٣٧ - ٣٦٧ - ٣٧٨)، م (٢ / ٩٤٣ / ١٢٩٧)،
د (٢ / ٤٩٥ / ١٩٧٠)، ن (٢٩٨/٥/ ٣٠٦٢)

= ٥٣٤
فتح البر
وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾ فصلى ركعتين قرأ فيهما بفاتحة الكتاب
و ﴿قُلْ يَأَيُّهَا اُلْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ ثم عاد إلى الركن
فاستلمه ثم خرج إلى الصفا فقال: ((نبدأ بما بدأ الله به)) ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ (١)﴾ والذي انفرد به الوليد وأغرب فيه عن مالك
قوله لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّ﴾
وسائر ذلك في الموطأ.
(١) ن (٢٩٦٣/٢٦١/٥).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٣٥=
التخيير بين التكبير والتهليل من منى إلى عرفة
[١٦] مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي انه سأل انس بن مالك وهما غاديان من منى
إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم، مع رسول الله ◌َليه؟ .
قال: كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه(١).
قال أبو عمر: هذا حديث صحيح، وفيه ان الحاج جائز له قطع
التلبية قبل الوقوف بعرفة، وقبل رمي جمرة العقبة وهو موضع اختلف فيه
السلف والخلف، فروی انس بن مالك ما ذكرنا وعن ابن عمر مثله مرفوعا .
وهو فعل ابن عمر وقوله في ذلك. اخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا
محمد بن بکر قال حدثنا ابو داود، قال: حدثنا احمد بن حنبل قال: حدثنا
عبد الله بن نمير، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة
عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: غدونا مع رسول الله
وَالر، من منى إلى عرفات، فمنا الملبي، ومنا المكبر(٢).
أخبرنا خلف بن سعيد قراءة مني علیه، ان عبد الله بن محمد،
حدثهم قال: حدثنا احمد بن خالد، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال:
حدثنا القعنبي قال: حدثنا يحيى بن عمير ان عمر بن عبد العزيز قال لعبيد
الله بن عبد الله بن عمر: سألت أباك عن اختلاف الناس في التلبية؟ فقال:
أخبرني أبي أنه غدا مع رسول الله وَللتر ، من منى غداة عرفة، حین صلى
الصبح، قال: فلم تكن لي همة إلا أن أرمق الذي أراه يصنع، فسمعته يهلل
ویکبر، والناس کھیاته يهللون ویکبرون، ویلبون، ورسول الله ێل ، يسمع
(١) خ (٩٧٠/٥٨٦/٢)، م (٢/ ١٢٨٥/٩٣٣)، ن (٢٧٦/٥ -٣٠٠٠/٢٧٧)،
جه (٢/ ٣٠٠٨/١٠٠٠).
(٢) م (٢/ ١٢٨٤/٩٣٣)، د (٤٠٥/٢ -١٨١٦/٤٠٦)، ن (٢٩٩٨/٢٧٦/٥-٢٩٩٩).

= ٣٦
فتح البر
ذلك كله، فلم أره ينهى عن شيء من ذلك كله، ولزم التهليل والتكبير.
وحدثنا خلف بن سعید، قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا
احمد بن خالد، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن
يونس قال: حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن ابيه، وعلاج، جميعا، عن
ابن عمر، انه لم يفتر من التهليل والتكبير، حين دفع من عرفة، حتی اتی
المزدلفة، فاذن، واقام، وذكر الحديث.
وذکر اسماعيل بن اسحاق، قال: حدثنا سليمان بن حرب قال :
حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن
عمر، قال: غدونا مع رسول الله وَّر، من منى إلى عرفة، فمنا الملبي، ومنا
المكبر (١).
قال اسماعيل: وحدثنا به علي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد،
عن یحیی بن سعید، فذكره، قال اسماعيل: وحدثنا مسدد، قال حدثنا
یوسف الماجشون، عن ابیه، ان عبد الله بن عمر قال: غدونا مع رسول الله
وَي إلى عرفة، فمنا الملبي، ومنا المكبر، فلا يعاب على الملبي تلبيته، ولا
على المكبر تكبيره، قال: وكان عبد الله بن عمر يكبر(٢).
قال أبو عمر: فقال قوم من العلماء بهذه الاحاديث، قالوا: جائز قطع
التلبية للحاج إذا راح من منى إلى عرفة، فيهلل ويكبر ولا يلبي واستحبوا
ذلك، قالوا: وان أخر قطع التلبية إلى زوال الشمس، بعرفة، فحسن لیس
به بأس، وأما عبد الله بن عمر فكان يقطع التلبية في رواحه من منى إلى
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه دون قوله: ((فلا يعاب على الملبي تلبيته، ولا على المكبر تكبيره)) وهذه
الزيادة قد وردت من حديث محمد بن أبي بكر الثقفي عن أنس كما في حديث الباب.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٣٧ =
=
عرفة. وروی مالك، عن نافع، ان عبد الله بن عمر کان إذا غدا من منی
إلى عرفة قطع التلبية. وروى حماد بن زيد، عن أيوب عن نافع، عن ابن
عمر، انه كان يلبي حين يغدو من منى إلى عرفة، وروى ابن علية، عن
أيوب، عن بكر ابن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: إذا أصبحت غاديا
من منى إلى عرفة فأمسك عن التلبية فانما هو التكبير. وذكر اسماعيل القاضي
قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال: غدونا
من منى إلى عرفة مع نافع، فكان يكبر أحيانا ويلبي أحيانا .
قال أبو عمر: كان ابن عمر إذا قدم حاجا أو معتمرا فرأى الحرم ترك
التلبية حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يعود في التلبية إلى
صبيحة يوم عرفة، فاذا غدا من منى إلى عرفة قطع التلبية، وأخذ في التهليل
والتكبير.
ذكر مالك، عن نافع، ان عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج
إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حين
يغدو من منى إلى عرفة، فاذا غدا ترك التلبية. وكان يترك التلبية في العمرة إذا
دخل الحرم.
وبما روي عن ابن عمر في هذا الباب كان الحسن البصري وغيره
يقولون .
ذكر اسماعيل القاضي قال: حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا عبد
الاعلى، قال: حدثنا هشام، عن الحسن، في الذي يهل بالحج من مكة،
قال: يلبي حتى يغدو الناس من منى إلى عرفات.
وحدثنا نصر، قال: حدثنا عبد الاعلى، قال: حدثنا هشام، عن
عطاء قال: احسبه مثل ذلك. وحدثنا نصر قال: حدثنا اسماعيل بن أبي

=٥٣٨
فتح البر
أويس، قال: قال محمد بن هلال: رأيت عمر بن عبد العزيز يصيح
بالناس، بعد ما صلى الصبح يوم عرفة بمنى: أيها الناس انه التهليل
والتكبير، وقد انقطعت التلبية قال: وحدثنا علي، قال: حدثنا الفضل بن
زكين، قال: حدثنا معمر بن يحيى بن سام، سمعت أبا جعفر، يقول: إذا
رجعت إلى عرفة فاقطع التلبية، وهلل وکبر.
فهذا کله وجه واحد، وقول واحد.
وكانت جماعة آخرون لا يقطعون التلبية الا عند زوال الشمس بعرفة.
روي ذلك عن جماعة من السلف، وهو قول مالك بن أنس، وأصحابه،
وأكثر أهل المدينة .
ذکر اسماعیل قال: حدثنا يعقوب بن حمید بن کاسب، قال: حدثنا
الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، قال: كانت
الائمة يقطعون التلبية إذا زالت الشمس يوم عرفة، وسمى ابن شهاب أبا
بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وسعيد بن المسيب .
قال أبو عمر:
أما عثمان وعائشة فقد روي عنهما غير ذلك، وكذلك سعيد بن
المسيب، وسنذكره في هذا الباب. وهو قريب مما حكى عنهم ابن شهاب.
وأما علي بن ابي طالب فلم يختلف عنه في ذلك فيما علمت، روی
مالك عن جعفر بن محمد، عن ابيه، ان علي بن ابي طالب کان يلبي في
الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة، قطع التلبية قال مالك: وذلك
الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وكذلك أم سلمة كانت تقطع التلبية،
إذا زاغت الشمس من عرفة. روى ذلك ابن أبي فديك، عن موسى بن
يعقوب الزمعي عن عمته عنها. وقد روي عن ابن عمر مثل ذلك، والرواية

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٣٩
الاولى عنه أثبت. روى علي بن المديني، عن الفضل بن العلاء، عن ابن
خثیم، عن یوسف بن ماهك، قال: حججت مع عبد الله بن عمر ثلاث
حجج، فخرجنا معه من مكة حتى صلى بنا الصلوات كلها بمنى، ثم غدا
إلى عرفة وغدونا معه، حتى أتى نمرة، فلما زاغت الشمس أمسك عن
التلبية .
وهو قول السائب بن يزيد، وسليمان بن يسار، وابن شهاب. ذکر
اسماعيل عن إبراهيم بن حمزة، حدثنا الدراوردي، عن ابن أخي ابن
شهاب، عن عمه، انه كان يقطع التلبية يوم عرفة إذا زاغت الشمس.
وفي هذه المسألة قول ثالث، وهو ان التلبية لا يقطعها الحاج حتى
يروح من عرفة إلى الموقوف، وذلك بعد جمعه بين الظهر والعصر في أول وقت
الظهر، وهذا القول قريب من القول الذي قبله، روى أيضا عن جماعة من
السلف، منهم عثمان، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب
وغيرهم.
وروی الدراوردي، وابن ابي حازم، عن ابن حرملة، انه سأل سعید بن
المسيب حتى متى ألبي في الحج؟ قال: حتى تروح من عرفة إلى الموقف،
والدراوردي أيضا، عن علقمة، عن ابن ابي علقمة، عن أمه، عن عائشة،
انها كانت تنزل عرفة في الحج، وكانت تهل في المنزل ويهل من كان معها،
وتصلي الصلاتين كلتيهما: الظهر، والعصر، في منزلها، ثم تروح إلى الموقف،
فاذا استوت على دابتها قطعت التلبية، ذكره اسماعيل بن اسحاق.
حدثنا إبراهيم بن حمزة، وحدثنا الدراوردي، وروی مالك، عن عبد
الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، انها كانت تترك التلبية إذا راحت
إلى الموقف. ومالك، عن علقمة بن ابي علقمة، عن امه، عن عائشة مثله
بمعناه .

فتح البر
٥٤٠
وحماد بن زيد وغيره عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة
مثله .
وروى ابن وهب، وعبد الله بن نافع، والمغيرة بن عبد الرحمن، كلهم
عن عبد الله بن عمر، عن نافع، أن عثمان كان يقطع التلبية، إذا راح إلى
الموقف .
وروی علي بن المديني، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو،
قال: صليت مع عمر بن عبد العزيز الصبح بمنى، ثم غدا وغدونا معه،
فرأى الناس مكبرين لا يلبي أحد، فأمر صاحب شرطته عبد الله بن سعد،
فركب بغله، فأمره ان يطوف في الناس، فينادي: أخبر الناس ان الامير
يأمركم ان تلبوا فانما هي التلبية، حتى تروحوا إلى الموقف.
قال أبو عمر: هذه الرواية عن عمر بن عبد العزيز أصح من التي
تقدمت عنه في هذا الباب من حديث ابن ابي أویس.
وروي عن سالم، ومحمد بن المنكدر، ما يدخل في معنى هذا القول،
وروى حماد بن زيد عن أيوب قال: كنا بعرفة، فجعل سالم بن عبد الله
یکبر، وصلى ابن المنكدر الظهر بعرفة فلما سلم، لبی ابنه فحصبه .
وفيها قول رابع ان المحرم بالحج يلبي أبدا حتى يرمي جمرة العقبة يوم
النحر، ثبت ذلك عن النبي وَلّر، وهو قول عمر، وعبد الله بن مسعود،
وعبد الله بن عباس، وميمونة، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وطاوس،
وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، وأهل
الحديث، وممن قال بذلك منهم سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه،
وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن
راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي، والطبري، وأبو عبيد، إلا أن هؤلاء