Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ بناء الكعبة وبقية المناسك بناء الكعبة [١] مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، أخبره عن عبد الله بن عمر، عن عائشة أن رسول الله وَ الر قال: ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة، اقتصروا عن قواعد ابراهيم؟ قالت: فقلت يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد ابراهيم؟ فقال رسول الله وَطاهر: لولا حدثان قومك بالكفر، لفعلت. فقال ابن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله وَلّ ما أرى رسول الله وَل ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم(١) . في هذا الحديث من العلم، أن قريشا بنت الكعبة ولم تتمها على قواعد إبراهيم. وقوله ◌َّ لعائشة: ألم تري إلى قومك، ولولا حدثان قومك بالكفر. إنما عنى بذلك قريشا لبنيانهم الكعبة. قال الله عز وجل لنبيه وَل قوله : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: (٦٦)]. وقال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: (٤٤)] قال المفسرون: يعني قريشاً، والقواعد أساس البيت، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ [البقرة: (١٢٧)] قال أهل اللغة الواحدة منها قاعدة، قالوا: والواحد من النساء قاعد. وفيه حديث الرجل مع أهله في باب العلم وغيره من أيام الناس. وفيه أن رسول الله ويله لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر قال الشافعي: وذلك فيما نرى والله أعلم لأنهما كسائر البيت الذي لا يستلم ولانهما ليسا بركنين علي حقيقة، لما لم يكونا تامين على قواعد ابراهيم. وسنذكر ما للعلماء في ذلك من الأقاويل بعد ذكر جملة كافية من خبر بنيان الكعبة، يشفي الناظر في هذا الباب إن شاء الله . (١) حم (٦/ ١٧٦-١٧٧-٢٤٧)، خ (٣ / ٥٦٠/ ١٥٨٣) و(٤٤٨٤/٢١٥/٨)، م (٢/ ٩٦٩/ ١٣٣٣[٣٩٩])، ن (٢٩٠٠/٢٣٥/٥). فتح البر = ٤٤٢ حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال حدثنا أبو الاحوص، قال: حدثنا الاشعث، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: سئل رسول الله وَله عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت، وألصق بابه بالارض(١). قال أبوعمر: الجدر لغة في الجدار، والجدر ايضا والجدير: مكان بني حوله جدار قاله الخلیل. أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا ابراهيم بن المنذر، قال حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: كان بين الفجار وبنيان الكعبة خمس عشرة سنة. قال ابن شهاب: وكان بين الفيل والفجار أربعون سنة، قال ابن شهاب: ثم ان الله بعث محمدا على رأس خمس عشرة من بنيان الكعبة فكان بين مبعثه وبين الفيل سبعون سنة. قال ابراهيم بن المنذر: قول ابن شهاب هذا وهم لا یشك فیه احد من علمائنا، وذلك أن رسول الله وَلّ ولد عام الفيل، لا يختلفون في ذلك، ونبيء على رأس أربعين سنة من الفيل - وَل ـ (١) خ (٣/ ١٥٨٤/٥٦٠)، م(٢/ ٩٧٣/ ١٣٣٣[٤٠٥])، جه (٢/ ٩٨٥/ ٢٩٥٥)، هق (٨٩/٥)، الدارمي (٥٤/٢). بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٤٣ أخبرني عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال حدثنا محمد بن مسلمة، قال أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: إن الله بعث محمدا ◌َّل على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، وكان بين غزوة أصحاب الفيل وبین الفجار أربعون سنة . أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر، قال: أنبأنا عبد العزيز ابن ابي ثابت، قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان النوفلي، عن أبيه ، عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: بني البيت على خمس وعشرين سنة من الفیل کذا قال، وخالفه غيره فقال خمسا وثلاثین، کذلك قال ابن اسحاق، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: كان- يعني البيت- عريشا تقتحمه العتر، حتى إذا كان قبل مبعث النبي الآ بخمس عشرة سنة، بنته قریش. قال أبو عمر: الآثار في بنيان الكعبة وابتداء أمرها كثيرة، يطول ذكرها، وأنا أذكر منها ما یکتفي به الناظر في كتابنا هذا- بحول الله وعونه- إن شاء الله تع إلى ذكر سنيد قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة وذكره عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] قال أول بيت وضعه الله في الأرض، فطاف به آدم فمن بعده. وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء وابن المسيب وغيرهما، ان الله عزوجل أوحى إلى آدم- إذ أهبط إلى الأرض: ابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء قال عطاء: فزعم ٤٤٤ فتح البر الناس أنه بناه من خمسة اجبل من حراء، ومن طور سيناء، ومن لبنان، ومن الجودي، ومن طور زيت، وكان ربضه من حراء، فكان هذا بناء آدم صلوات الله عليه، ثم بناه ابراهيم عليه السلام(١). قال ابن جريج: وقال ناس: أرسل الله اليه سحابة فيها رأس، فقال: الرأس يا ابراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة، فجعل ينظر اليها ويخط قدرها. ثم قال الرأس: أقد فعلت؟ قال: نعم. فارتفعت، فحفر، فأبرز عن أساس ثابت في الارض(٢). وقال معمر عن أيوب السختياني: بنيت الكعبة من خمسة أجبل: لبنان، وطور زيت، وطور سيناء، وحراء، ومن الجودي، وكان ربضه من حراء(٣). قال أبو عمر: الربض ههنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر، ومنه يقال لما حول المدينة: ربض، هذا معنى ما ذكره الخليل وقالت طائفة من أهل العلم بالسير والخبر، منهم وهب بن منبه وغيره إن شئت بن آدم هو الذي بنى الكعبة، وزعم عبد المنعم بن ادريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال : وکان شئت وصي أبيه آدم، وهو الذي ولد البشر كلهم، وهو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة. وكانت هناك خيمة لآدم- عليه السلام، وضعها الله- عز وجل - له من الجنة. أخبرنا عبد الرحمن بن یحیی، قال حدثنا أحمد بن سعید، قال حدثنا محمد بن ابراهيم بمکة قال: حدثنا أبو عبيد الله، قال حدثنا سفيان بن (١) عبد الرزاق (٩٠٩٢/٩٢/٥). (٢) عبد الرزاق (٩٠٩٤/٩٣/٥). (٣) عبد الرزاق (٩٠٩٣/٩٢/٥). بناء الكعبة وبقية المناسك :٤٤٥ سـ عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: ان ابراهيم خليل الله أقبل من ارمينيا ومعه السكينة تدله على موضع البيت، فجاءت حتى تبوأت البيت كما تبوأ العنكبوت، قال: فرفع ابراهيم عن أحجار يطيقها ثلاثون رجلا، أو قال: لا يطيقها ثلاثون رجلا، قال بشر بن عاصم: فقلت لسعيد بن المسيب: فإن الله عزوجل يقول: ﴿وَ إِذْ يَرْفَعُ إِنْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ [البقرة: (١٢٧)] - قال: إنما كان هذا بعد، قال: وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر، عن سلمة، عن أبي الأحوص، قال: قال علي رضي الله عنه السكينة لها وجه كوجه الانسان، ثم هي بعد ريح هفافة. قال أبو عمر: كان علي رضي الله عنه يذهب والله أعلم إلى أن آدم لم بين الكعبة : حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا يحيى بن أيوب، قال حدثنا عباد بن عباد، قال: حدثني شعبة بن الحجاج، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: خرج علينا علي، فقام إليه ابن الكواء فقال: ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببکة» أهو أول بيت وضع للناس؟ قال: فأين كان قوم نوح وعاد، ولكنه أول بيت وضع للناس- مباركا، فيه آيات بينات، مقام ابراهيم. قال: وحدثنا موسى بن اسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي مثله. قال: إنه ليس أول بيت، كان نوح قبله، فكان في البيوت، وكان ابراهیم قبله، فكان في البيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس فیه آيات بينات، مقام ابراهيم- ومن دخله كان آمنا. = ٤٤٦ ٤٤٦ فتح البر قال أبو عمر: يحتج من ذهب إلى هذا بحديث أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الارض أولا؟ قال المسجد الحرام. قلت: ثم أي، قال المسجد الاقصى قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة (١). ففي هذا الحديث أنه ليس بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى إلّ أربعون سنة . حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن ابراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ـر (١). وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، ما يخالف قول علي هذا، ويوافق قوله الأول، وذلك أنهما قالا: إن الله عز وجل أمر ابراهيم -عليه السلام- أن يبني هو وإسماعيل البيت، فقاما -عليهما السلام- وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحا يقال له: الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لابراهيم واسماعيل عن أساس البيت الاول، وهذا يوافق ما رواه سعید عن علي، وهو أولی - و الله أعلم. وأما بنیان قریش البيت، فذكر عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، لیس فيها مدر، وکانت قدر ما تقتحمها العناق، وکانت ثيابها توضع عليها، تسدل سدلا عليها، وكان الركن الاسود موضوعا على سورها (١) حم (١٥٠/٥)، خ (٣٣٦٦/٥٠٢/٦)، م(٥٢٠/٣٧٠/١)، ن (٢/ ٣٦٢/ ٦٨٩)، جه(٢٤٨/١/ ٧٥٢). بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٤٧ _ باديا، وكانت ذات ركنين هيئة هذه الحلقة، فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبا من جدة، انكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميا عندها، فأخذوا الخشب فأعطاهم إياها وكانت السفينة تريد الحبشة، كان الرومي الذي في السفينة نجارا، فقدموا بالخشب، وقدموا بالرومي، وقالت قريش: نبني بهذا الخشب بيت ربنا فلما أرادوا هدمه، إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الجائز سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما أتى أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من أحجاره، سعت اليه فاتحة فاها، فاجتمعت قريش عند المقام، فعجوا إلى الله، فقالوا: ربنا لم ترع، أردنا تشريف بیتك وتزیینه، فان كنت ترضى بذلك، وإلا فما بدا لك فافعل، فسمعوا خواتا في السماء، فإذا هم بطائر أعظم من النسر، أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، فغرز مخالبه في قفا الحية، ثم انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا، حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبي وَّ يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه فتری عورته من صغر النمرة، فنودي : یا محمد، خمر عورتك، فلم ير عریانا بعد ذلك، وکان بین بنیان الکعبة وبین ما أنزل الله علیه خمس سنين، وبین مخرجه وبنيانها خمس عشرة سنة، فلما كان جيش الحصين بن نمير، فذكر حريقها في زمن ابن الزبير، فقال ابن الزبير: إن عائشة أخبرتني أن رسول الله وَلقر قال: لولا حداثة قومك بالكفر، لهدمت الكعبة، فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحجر، ضاقت بهم النفقة والخشب(١). قال ابن خثيم: فأخبرني ابن أبي مليكة عن عائشة، انها سمعت ذلك (١) عبد الرزاق (٩١٠٦/١٠٢/٥)، ذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه الطبراني بطوله وروى أحمد طرفا منه رجالهما رجال الصحيح. ٤٤٨ فتح البر من رسول الله وَه قال: وقال النبي وَيقول: ولجعلت لها بابين، شرقيا وغربيا يدخلون من هذا، ويخرجون من هذا، ففعل ذلك ابن الزبير، وكانت قريش قد جعلت لها درجا يرقى الذي يأتيها عليها، فجعلها ابن الزبير لاصقة بالارض. قال ابن خثيم: وأخبرني ابن سابط، ان زيدا أخبره أنه لما بناها ابن الزبير كشفوا عن القواعد، فإذا الحجر مثل الخلفة، فرأى الحجارة مشتبكة بعضها ببعض، إذا حركت بالعتلة، تحرك الذي من الناحية الاخرى. قال ابن سابط: فأرانيه زيد ليلا بعد العشاء في ليلة مقمرة، فرأيتها أمثال الخلف مشتبكا أطراف بعضها ببعض . قال معمر: وأنبأنا الزهري قال: لما بلغ رسول الله وَليل الحلم، أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوا هدمها، فقال لهم الوليد بن المغيرة: ما تريدون بهذا، الاصلاح تريدون أم الفساد؟ فقالوا: بل نريد الاصلاح، قال: فإن الله تع إلی لا يهلك المصلح، قالوا: فمن الذي يعلوها؟ قال الوليد بن مغيرة: أنا أعلوها وأهدمها، فارتقى الوليد بن المغيرة على ظهر البيت ومعه الفاس، فقال: اللهم انا لا نریدإلا الاصلاح، ثم هدم، فلما رأته قریش قد هدمٍ منها ولم يأتهم ما خافوا من العذاب، هدموا معه، حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الرکن، اختصمت قریش في الرکن : أي القبائل تلي رفعه، حتی کاد يشجر بينهم، فقالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة، فاصطلحوا علی ذلك، فأطلع عليهم رسول الله ژ وهوغلام عليه وشاحا نمرة، فحکموه، فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة، فأعطاه بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٤٩ ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو، فرفعوا اليه الركن، فكان هو يضعه (١). وذكر ابن جريج عن مجاهد معنى حديث أبي الطفيل المتقدم ذكره ومعنی حدیث الزهري هذا وحديثهما أكمل وأتم وفي هذا الباب حديث تفرد إبراهيم بن طهمان عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: قالت: قال رسول الله وَله: لقد هممت أن أهدم الكعبة وأبنيها على قواعد ابراهيم، وأجعل لها بابين وأسويها بالارض، فانهم انما رفعوها أن لا يدخلها إلا من أحبوا . أخبرنا سعيد بن عثمان. قال: حدثنا أحمد بن دحيم، قال: حدثنا محمد بن ابراهيم، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ، أبو عبد الله المخزومي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، أنه سمع عبيد ابن عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان رومیا، وكان في سفينة فحمتها الريح يقول: حبستها فخرجت اليها قريش، فأخذوا خشبها، وقالوا له: ابنها على بنيان الكنائس. قال سفيان: قال عمرو بن دينار: لما أرادت قريش أن يبنوا الكعبة، خرجت منها حية، فحالت بينهم وبينها، وكانت تشرف على الجدار. قال عمرو: وسمعت عبيد بن عمير يقول: فجاء طائر أبيض، فأخذ بأنیابها، فذهب بها نحو أجياد فيما أحسب وذكر ابن اسحاق قال: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من شأن الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها : عجبت لما تصوبت العقاب إلى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت یکون لها كشيش وأحيانا يكون لها وثاب (١) عبد الرزاق (٩١٠٤/١٠٠/٥). ٤٥٠ فتح البر إذا قمنا إلى التأسيس شدت تهيبنا البناء وقد تهاب فلما أن خشينا الرجز جاءت عقاب تتلئب لها انصباب فضمتها اليها ثم خلت لنا البنیان ليس له حجاب فقمنا حاشدين إلى بناء لنا منه القواعد والتراب غداة نرفع التأسيس منه وليس على مسوينا ثياب أعز به المليك بني لؤي فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي ومرة قد تعمدها كلاب فيوأنا المليك بذاك عزا وعند الله يلتمس الثواب قال ابن اسحاق: فلما بلغ رسول الله وَالل خمسا وثلاثين سنة، وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وأنها كانت رضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في ٤٥١ بناء الكعبة وبقية المناسك بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى لبني مليح ابن عمرو بن خزاعة، فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى سفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها، وأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها، فتتشرف كل يوم على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد، إلا احزألت وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله اليها طائرا فاختطفها فذهب بها؛ فقالت قريش: انا لنرجو أن یکون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية؛ فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال يامعشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم. قال ابن اسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أنه حدث عن عبد الله بن صفوان، أنه قال حين نظر إلى ابن الجعد بن هبيرة بن ابي وهب يطوف بالبيت: جد هذا يعني ابا وهب، هو الذي أخذ حجرا من الكعبة، فذكر الخبر سواء إلى قوله: مظلمة أحد من الناس . قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وبني زهرة، وكان من الركن الاسود والركن اليماني لبني مخزوم، وقبائل قريش انضموا اليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمع وبني سهم ابني عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن = ٤٥٢ فتح البر قصي، ولبني أسد بن العزی بن قصي، ولبني عدي بن کعب بن لؤي وهو الحطيم. قال: ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع. قال ابن هشام: ويقال: لم نزغ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير؛ ثم هدم من ناحية الركن فتربص الناس تلك الليلة وقالوا: ننظر، فان أصيب. لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وان لم يصبه شيء، فقد رضي الله ما صنعنا بهدمها؛ فأصبح الولید من ليلته غادیا علی عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الاساس: أساس ابراهيم، أفضوا إلى حجارة خضر كالاسنة، أخذ بعضها بعضا قال ابن اسحاق: فحدثني بعض من روى هذا الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر، تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الاساس. قال: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات والارض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لاهلها في الماء واللبن. قال: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة بيت الله الحرام، يأتيها رزقها رغدا من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. قال ابن اسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا واعتدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاهدوا هم وبنو عدي بن کعب ابن لؤى على الموت، وادخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٥٣ لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا؛ ثم انهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية، أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان يومئذ أسن قریش کلها، فقال: یا معشر قریش، اجعلوا بینکم فيما تختلفون فیه أول من يدخل عليكم من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا فكان أول داخل رسول الله ◌َّلتر، فلما رأوه قالوا: هذا الامين رضينا، هذا محمد؛ فلما انتهى اليهم، أخبروه الخبر، فقال رسول الله گیقول: هلم إلي ثوبا، فأتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثم بني عليه. قال: وكانت قریش تسمي رسول الله وَّيه قبل أن ينزل عليه الوحي الامين، قال: وكانت الكعبة على عهد النبي ◌َّ ثماني عشرة ذراعا، كانت تكسى القباطي، ثم كسيت البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زھیر، قال: حدثنا موسی بن اسماعیل، قال حدثنا ثابت بن یزید أبو زيد، قال: حدثنا هلال بن خباب، عن مجاهد، عن مولاه، أنه حدثه أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية، قال: ولي حجر أنا نحته بيدي، أعبده من دون الله، وأجيء باللبن الخائر الذي أنفسه على نفسي وعلى ولدي، فأصبه عليه، فيجيء الكلب حتى يلحسه، ثم يشغر فيبول عليه؛ قال: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر، وما يرى الحجر أحد، ف إذا هو وسط حجارة تكاد أن تترايا فيها وجوهنا فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: نحن، فقالوا: اجعلوا بينكم حكما، قالوا: أو من يجيء من هذا الفج، فجاء النبي ◌ّ فقالوا: اتاكم الامين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحيه، فمشی معهم حتى وضعه هو. فتح البر ٤٥٤ وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن يحيى بن شبل، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وابراهيم عليه السلام بالارض حتى بنته قريش، وردموا الردم الاعلى، وصرفوا السيل عن الكعبة، وكسوا يومئذ البيت الوصائل. قال الواقدي: وحدثنا معمر، عن همام بن منبه، سمع أبا هريرة يقول: نهى رسول الله وَلول عن سب أسعد الحميري وهو تبع، وهو أول من كسا البيت، وهو تبع الآخر (١). أخبرنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا أحمد بن دحیم، قال حدثنا محمد ابن ابراهیم الدیبلي، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابيه، أن عمر بن الخطاب قدم مكة فأرسل إلى شيخ من بني زهرة وكان قد أدرك الجاهلية، قال عبيد الله بن أبي يزيد، قال أبي : فذهبت معه وعمر بن الخطاب جالس في الحجر فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشا تقربت لبناء الكعبة، فعجزت واستقصرت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت. وبهذا الاسناد، عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، قال: لما أراد ابن الزبير أن يهدم البيت ويبنيه، قال للناس: اهدموا، فأبوا أن يهدموا، وخافوا أن ينزل عليهم العذاب. قال مجاهد: فخرجنا إلى منى، فأقمنا بهما ثلاثا ننتظر العذاب. قال: وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه فهدم، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء، اجترءوا على ذلك، قال فهدموا؛ قال: فلما بناها، جعل لها بابين وأوطأهما بالارض، بابا يدخلون منه وبابا يخرجون منه؛ وزاد فيها مما يلي الحجر ستة أذرع، وزاد في طولها تسعة أذرع: قال: فلما ظهر الحجاج، رد الذي كان ابن الزبير أدخل من الحجر فيها فقال عبد (١) ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢٢٤٦/٦). بناء الكعبة وبقية المناسك ٤٥٥ الملك بن مروان: وددنا أنا كنا تركنا أبا خبيب وما تولى من ذلك يعني ابن الزبير. وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا ابي، قال: سمعت مرثد بن شراحيل يحدث أنه حضر ذلك قال: أدخل ابن الزبير على عائشة سبعين رجلا من خيار قريش، فأخبرتهم أن رسول الله وَ يول قال لها: لولا حداثة عهد قومك بالشرك، لبنيت البيت على قواعد اسماعيل وابراهيم، وتدري لم قصروا عن قواعد ابراهيم؟ قالت قلت: لا، قال: قصرت بهم النفقة، قال: وكانت الكعبة قد وهت من حريق اهل الشام، قال: فهدمها وأنا يومئذ بمكة، فكشف عن ربض الحجر أخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفا ثمانية أيام یتشهد علیه، قال: فرأیت ربضه ذلك کخلف الابل خمس حجارات، وجه حجر، وجه حجر، ووجه حجران. قال: ورأيت الرجل يأخذ العتلة، فيهزها من ناحية الركن الآخر فيهتز الركن الآخر. قال: ثم بناه على ذلك الربض، وصنع له بابين لا صقين بالارض، شرقيا وغريبا، فلما قتل ابن الزبير، هدمه الحجاج من ناحية الحجر، ثم أعاده على ما كان عليه قال: فکتب الیه عبد الملك: وددت أنك ترکت ابن الزبير وما تحمل. قال مرثد : وسمعت ابن عباس يقول: لو وليت منه ما كان ولي ابن الزبير. لأدخلت الحجر كله في البيت، وقال ابن عباس: فلم يطاف بالحجر إن لم يكن من البيت(١). وروينا أن الرشيد هارون، ذكر لمالك بن أنس، أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، وأن يرده إلى بنيان ابن الزبير، لما جاء في ذلك عن النبي وَله، وامتثله ابن الزبير، فقال له مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألّ (١) عبد الرزاق (٩١٥٧/١٣٠/٥)، ذكره الهيثمي (٢٩٣/٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير ومرثد هذا ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا وبقية رجاله ثقات . -= ٤٥٦ فتح البر تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هیبته من صدور الناس . قال أبو عمر: في حديث مالك عن ابن شهاب، عن سالم المذكور في هذا الباب، دليل على أن الحجر من البيت، وقد أوضحنا ذلك بما ذكرنا من الآثار، وإذا صح ان الحجر من البيت، فواجب إدخاله في الطواف. وأجمع العلماء أن كل من طاف بالبيت، لزمه أن يدخل الحجر في طوافه، وفي إجماعهم على ذلك ما يكفي . واختلفوا فيمن لم يطف من وراء الحجر، ولم يدخل الحجر في طوافه فالذي علیه جمهور أهل العلم، أن ذلك لا يجزيء، وان فاعل ذلك في حکم من لم يطف، فمن لم يطف الطواف الواجب كاملا رجع من بلاده حتى يطوف ويكمله، فهو فرض مجتمع عليه؛ وممن قال ما ذكرنا في الطواف وراء الحجر مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وهو قول عطاء، وابن عباس وروينا عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه المسألة: الحجر من البيت، ويتلو قول الله عز وجل ﴿ وَلَيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾[الحج: ٢٩] يقول: طاف رسول الله وَله من وراء الحجر. وقال مالك، والشافعي، ومن قال بقولهم: من لم يدخل الحجر في طوافه ولم يطف من ورائه في شوط أو شوطين أو أكثر ألغى ذلك، وبنى على ما كان طاف طوافا كاملا قبل أن يسلك في الحجر، ولا يعتد بها سلك في الحجر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من سلك في الحجر ولم يطف من ورائه، وذکر ذلك وهو بمكة، أعاد الطواف، وإن کان شوطا قضاه، وإن كان بناء الكهبة وبقية المناسك ٤٥٧ = أكثر، قضى ما بقي عليه من ذلك؛ فإن خرج عن مكة وانصرف إلى الكوفة، فعلیه دم وحجه تام. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك، قال: من فعل ذلك، فعليه الاعادة فإن حل، أهراق دما . وفي هذا الحديث أيضا أن رسول الله وَّي لم يستلم من الأركان إلا رکنین: اليماني والاسود. وعلى هذا مذهب مالك والشافعي وفقهاء الحجاز والعراق من أهل الرأي والحديث، ولا أعلم في ذلك خلافا إلا في الطبقة الأولى من الصحابة رضي الله عنهم، فإنه روي عن جابر بن عبد الله، ومعاوية بن ابي سفيان، وانس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، والحسن، والحسين، أنهم كانوا يستلمون الارکان کلها وروي عن عروة وأبي الشعثاء مثل ذلك، وروي عنهما خلافه . واختلف عن ابن عباس ومعاوية في ذلك، فروى شعبة عن قتادة عن ابي الطفيل، قال: قدم معاوية وابن عباس، فطاف ابن عباس فاستلم الاركان كلها؛ فقال معاوية: إنما استلم رسول الله مطلقة الركنین اليمانيين، وقال ابن عباس: ليس شيء من أركانه مهجورا. وروى هذا الخبر عبد الله ابن عثمان بن خثيم، عن ابي الطفيل، فقلب القصة فيه. وجعل مكان ابن عباس معاوية، ومكان معاوية ابن عباس(١): أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال حدثنا محمد ابن جریر، قال: حدثنا أبو کریب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسی عن شريك، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابي الطفيل، قال: طاف معاوية بالبيت ومعه ابن عباس، فكان معاوية يستلم الأركان كلها، فإذا (١) حم (١/ ٩٥)، ذكره الهيثمي (٢٤٣/٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. فتح البر = ٤٥٨ = = استلم الركنين اللذين في الحجر، فقال له ابن عباس إن رسول الله وَّه لم يكن يستلم هذين، فقال له معاوية: إنه ليس من البيت شيء مهجور. وجعل ابن عباس يتخافتها كلما استلم، ويقول: إن رسول الله وص يه لم يستلم هذين، ويقول له معاوية: ان ليس في البيت شيء مهجور(١). قال أبو عمر: هذه الرواية أثبت من رواية قتادة، لأن مجاهدا روی عن ابن عباس، عن النبي وَيّ أنه لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وأنه أنكر على معاوية استلامه الركنين الآخرين، فلما قال له معاوية: ليس من البيت شيء مهجور، قال له ابن عباس: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)). والذي عليه جماعة فقهاء الامصار وأهل المعرفة بالآثار استلام الركنين اليمانيين، وذلك لحديث ابن عمر، عن النبي ◌َّ # بذلك. وهو حديث لا مطعن لأحد فیه، رواه عن ابن عمر سالم، ونافع، وعبيد بن جريج ويوسف ابن ماهك، وغيرهم؛ والركنان اللذان لا يستلمان، هما: الركن الشامي الذي يلي الركن الأسود، والركن الغربي الذي يقابل اليماني، وهما اللذان يليان الحجر، وقد نهى عمر بن الخطاب يعلى بن أمية عن استلام الركنين الغربيين وهما هذان المذكوران؛ وقال عمر ليعلى: لنا في رسول الله أسوة حسنة. فحصلت الرواية في ذلك عن النبي ◌ّ﴾ من حديث ابن عمر، وعبد الله بن عباس، ولا حجة في قول أحد مع السنة الثابتة. روری معمر عن الزهري، عن سالم، أن أباه أخبر بقول عائشة: إن الحجر بعضه من البيت. فقال ابن عمر: والله إني لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول الله (١) ت (٣/ ٢١٣/ ٨٥٨) وقال: حسن صحيح. عبد الرزاق (٨٩٤٤/٤٥/٥)، وأخرجه: خ مرسلا عن أبي الشعثاء (١٦٠٨/٦٠٣/٣). بناء الكهبة وبقية المناسك ٤٥٩ وَله، إني لأظن أن رسول الله وليفيه لم يترك استلامهما، إلا أنهما، ليسا على قواعد البيت، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك. قال أبو عمر: مالك أحسن إقامة لاسناد هذا الحديث عن معمر، وأحسن سياقة له منه، ومالك أثبت الناس في الزهري والله أعلم. حدثنا سعيد بن نصر، ویحیی بن عبد الرحمن قراءة مني علیھما، أن محمد بن ابي دلیم حدثهما، قال: حدثنا ابن وضاح قال: حدثنا ابراهیم بن حسان، قال: حدثنا أنس ابن عياض، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما أبالي صليت في الحجر أو في البيت. ورواه مالك وابن عيينة، وجماعة عن هشام، عن ابيه عن عائشة مثله. ٤٦٠ فتح البر ما جاء في دخول الكعبة [٢] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَّيقول - دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة الحجبي، وبلال، فأغلقها عليه ومكث فيها . قال عبد الله بن عمر، فسألت بلال حين خرج: ماذا صنع رسول الله وَلخير؟ فقال: جعل عمودا عن يمينه، وعمودين عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى(١). هكذا رواه جماعة من رواة الموطأ عن مالك، قالوا فيه: عمودا عن یمینه، وعمودین عن يساره، منهم: یحیی بن یحیی النيسابوري، وبشر بن عمر الزهراني، وكذلك رواه الربيع عن الشافعي، عن مالك. ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره، وروى أبو قلابة، عن بشر بن عمر عن مالك: عمودا عن يمينه، وعمودا عن يساره، وكذلك رواه اسحاق بن الطباع عن مالك، وقد روي ذلك عن ابن مهدي، عن مالك في هذا الحديث: وجعل عمودین عن يمينه، وعمودا عن يساره، کذلك رواه بندار عنه، وكذلك رواه الزعفراني عن الشافعي، عن مالك، وكذلك رواه القعنبي، وأبو مصعب، وابن بكير، وابن القاسم، ومحمد بن الحسن الفقيه، عن مالك. وروت طائفة من رواة الموطأ عن مالك هذا الحديث، وانتهى حدثيهم الى: ثم صلی. وزاد ابن القاسم في هذا الحديث عن مالك بإسناده هذا: وجعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع. (١) حم (١١٣/٢)، خ (٥٠٥٨٦٠/١)، م(١٣٢٩/٩٦٦/٢)، د(٢٠٢٣/٥٢٤/٢)، ن (٢/ ٣٩٥/ ٧٤٨)، جه (١٠١٨/٢/ ٣٠٦٣).