Indexed OCR Text

Pages 261-280

الإحرام وصفاته
٢٦١
من حج بيته، والاقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه
في إيجاب الحج عليه، ومن أجل الاستجابة- والله أعلم- لبى؛ لان من
دعي فقال لبيك، فقد استجاب، وقد قيل إن أصل التلبية الاقامة على
الطاعة، يقال منه: ألب فلان بالمكان إذا أقام به.
وأنشد ابن الانباري في ذلك :
محل الهجر أنت به مقیم
ملب ما تزول ولا تريم
وقال آخر: لب بأرض ما تخطاها النعم.
قال: والى هذا المعنى كان يذهب الخليل والأحمر.
قال أبو عمر: وقال جماعة من أهل العلم إن معنى التلبية إجابة ابراهيم
عليه السلام حين أذن بالحج في الناس، ذكر سنيد قال: حدثنا جرير، عن
قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما فرغ ابراهيم من
بناء البيت، قيل له: اذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال
أذن وعلي البلاغ. فنادى ابراهيم: ايها الناس، كتب عليكم الحج الى البيت
العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والارض، أفلا ترون الناس يجيبون من
اقطار البلاد يلبون، قال: وحدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في
قوله: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ [الحج: (٢٧)] قال: قام إبراهيم على مقامه
فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم، فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فمن
حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ(١).
قال أبو عمر: معنى لبيك اللهم لبيك عند العلماء: أي إجابتي إياك
إجابة بعد إجابة، ومعنی قول ابن عمر وغيره: لبيك وسعديك، أي اسعدنا
(١) ابن جرير (١٤٥/١٧).

فتح البر
٢٦٢
=
سعادة بعد سعادة، وإسعادا بعد إسعاد، وقد قيل: معنى سعديك
مساعدة لك.
وأما قولهم: لبيك ان الحمد والنعمة لك. فيروى - بفتح الهمزة
وكسرها، وكان أحمد بن يحيى ثعلب يقول: الكسر في ذلك أحب إلي، لان
الذي يكسرها يذهب الى أن الحمد والنعمة لك على كل حال، والذي يفتح
يذهب الى أن المعنى لبيك، لان الحمد لك أي لبيك لهذا السبب.
قال أبو عمر:
المعنى - عندي- واحد، لانه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد
لبيك، لان الحمد لك على كل حال، والملك لك والنعمة وحدك دون غيرك
حقيقة، لا شريك لك ، واستحب الجميع أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية
بإثر صلاة يصليها نافلة أو فريضة من ميقاته-إذا كانت صلاة لا يتنفل بعدها،
فإن كان في غير وقت صلاة، لم يبرح حتى يحل وقت صلاة فيصلي ثم يحرم
إذا استوت به راحلته، وإن كان ممن يمشي، فإذا خرج من المسجد
الحرام، وقال أهل العلم بتأويل القرآن في قول الله عز وجل: ﴿فَمَن فَضَ
فِيهِنَ الْحَجَّ﴾ [البقرة: (١٩٧)] قالوا: الفرض التلبية، كذلك قال عطاء،
وعكرمة، وطاوس، وغيرهم، وقال ابن عباس: الفرض الاهلال، وهو ذلك
بعينه، والاهلال التلبية، وقد ذكرنا معنى الإهلال في اللغة في باب موسی بن
عقبة من كتابنا هذا، بما يغني عن اعادته ههنا، وذكرنا هناك مسألة من
معاني هذا الباب يجب الوقوف عليها .
وقال ابن مسعود: الفرض: الإحرام، وهو ذلك المعنى أيضا، وكذلك
قال ابن الزبير، وقالت عائشة: لا إحرام الا لمن أهل ولبى.
وقال الثوري: الفرض الاحرام، قال: والاحرام التلبية، قال : والتلبية

الإحرام وصفاته
٢٦٣ -
في الحج مثل التكبير في الصلاة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كبر أو هلل أو سبح - ينوي بذلك
الاحرام، فهو محرم، فعلى هذ القول التلبية عند الثوري، وأبي حنيفة، رکن
من أركان الحج، والحج اليها مفتقر، ولا يجزيء منها شيء - عندهم غيرها،
ولم أجد في هذه المسألة نصا عن الشافعي، وأصوله تدل على أن التلبية ليست
من أركان الحج عنده.
وقال الشافعي: تكفي النية في الاحرام بالحج من أن یسمی حجا
أوعمرة، قال: وإن لبى بحج -يريد عمرة- فهي عمرة، وإن لبى بعمرة
يريد حجا فهو حج، وإن لبى لا يريد حجا ولا عمرة، فليس بحج ولا
عمرة، وإن لبى ينوي الاحرام ولا ينوي حجا ولا عمرة، فله الخيار يجعله
أينما شاء، وإن لبى فقد نوى أحدهما فنسي فهو قارن لا يجزيه غير ذلك،
هذا کله قول الشافعي رحمه الله.
وذكر ابن خواز بنداد قال قال مالك: النية بالاحرام في الحج تجزيء،
وإن نسي فذلك واسع، قال: وهو قول أبي حنيفة أنه إن نوى فكبر ولم يسم
حجا ولا عمرة، أجزته النية، غير أن الاحرام -عنده- من شرطه التلبية، ولا
يصح عنده إلا بتلبية، قال: وكذلك قال الثوري، قال وقال الحسن بن
حي، والشافعي: التلبية إن فعلها فحسن، وإن تركها فلا شيء عليه.
قال أبو عمر:
وذكر اسماعيل بن اسحاق عن أبي ثابت قال قيل لا بن القاسم:
أرأيت المحرم من مسجد ذي الحليفة إذا توجه من فناء المسجد بعد أن صلى
فتوجه - وهو ناس - أيكون في توجهه محرما؟ فقال ابن القاسم: أراه محرما،
فإن ذكر من قريب، لبى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك عليه- ولم يذكر

فتح البر
٢٦٤
حتی خرج من حجه، رأيت أن يهریق دما، قال اسماعيل بن اسحاق: وهذا
يدل من قوله على أن الاهلال للاحرام ليس عنده بمنزلة التكبير للدخول في
الصلاة، لان الرجل لا يكون داخلا في الصلاة الا بالتكبير، ويكون داخلا
في الاحرام بالتلبية وبغير التلبية من الاعمال التي توجب الاحرام بها على
نفسه، مثل أن يقول: قد أحرمت بالحج والعمرة، أو يشعر الهدي-
وهو يريد بإشعاره الاحرام، أو يتوجه نحو البيت- وهو يريد بتوجهه الاحرام،
فيكون بذلك كله وما أشبهه محرما، وقد مضى القول في الحين الذي يقطع فيه
التلبية الحاج والمعتمر، وإلى أين تنتهي تلبيته في باب محمد بن أبي بكر-
والحمد لله.

الإحرام وصفاته
٢٦٥ :
رفع الصوت بالتلبية
[١٤] مالك، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن خلاد بن السائب الانصاري، عن
أبيه، أن رسول الله و له قال: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر اصحابي أو من معي أن
يرفعوا اصواتهم بالتلبية، أو بالإهلال)) يريد أحدهما (١).
هذا حديث اختلف في اسناده اختلافا كثيرا، وأرجو أن تكون رواية
مالك فيه أصح ذلك ان شاء الله.
فاما الثوري: فروی هذا الحدیث، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن
المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن خلاد بن السائب، عن زيد بن خالد
الجهني، قال: قال رسول الله وَله: ((جاءني جبريل، فقال: مر أصحابك
فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها شعار الحج(٢))، ذكره ابن أبي شيبة، عن
وكيع، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. وذكر ابن سنجر:
حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن ابي لبيد قال: أخبرنا
المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن خلاد بن السائب عن أبيه، عن زيد
ابن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلهو: ((أتاني جبريل فقال: ارفع
(١) حم (٤ / ٥٦)، د(٢ / ٤٠٤ / ١٨١٤)، الدارمي (٣٤/٢)، هق (٤١/٥- ٤٢)،
البغوي (٧/ ٥٣ / ١٨٦٧) من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر به.
(٢) حم (١٩٢/٥)، جه (٩٧٥/٢ /٢٩٢٤)، ابن خزيمة (٢٦٢٨/١٧٤/٤)،
ك (١/ ٤٥٠) وصححه ووافقه الذهبي. حب: الإحسان (٣٨٠٣/١١٢/٩) من طرق عن
سفيان بهذا الإسناد. قال أبو عيسى الترمذي عقب الحديث (٨٢٩): ((حديث خلاد عن أبيه
حديث حسن صحيح وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن
النبي وَل﴾، ولا يصح، والصحيح هو عن خلاد بن السائب عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن
خلاد بن سويد الأنصاري عن أبيه» .

فتح البر
= ٢٦٦
صوتك بالإهلال، فانه شعار الحج(١))). هكذا قال قبيصة: خلاد بن
السائب، عن ابيه، ولم يقل: وكيع، عن أبيه.
وقد مضى القول في معنى التلبية والإهلال فيما سلف من هذا الكتاب،
والمعنى فيهما واحد، وذلك رفع صوت الحاج بلبيك اللهم لبيك، على ما
مضى في حديث نافع، عن ابن عمر من ألفاظ التلبية .
واختلف العلماء في وجوب التلبية وكيفيتها، فذهب أهل الظاهر إلى
وجوب التلبية، منهم داود وغيره، وقال سائر أهل العلم: ذلك من سنن
الحج وزينته، وكان مالك يرى على من ترك التلبية من أول احرامه إلى آخر
حجه دما يهریقه، وكان الشافعي، وابوحنيفة: لا یریان علیه شيئا، وان
كان قد أساء عندهم، وقد مضت هذه المسألة في باب نافع من هذا الكتاب
مجودة، وكذلك أوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالتلبية، ولم يوجبه غيرهم،
وقال مالك: يرفع المحرم صوته بالتلبية قدر ما يسمع نفسه، وكذلك المرأة
ترفع صوتها قدر ماتسمع نفسها، وقال في الموطأ: لا يرفع المحرم صوته
بالإهلال في المساجد، مساجد الجماعة، ليسمع نفسه ومن يليه، الا المسجد
الحرام، ومسجد منى، فانه يرفع صوته فيهما: قال: ويلبي عند اصطدام
الرفاق، وقال اسماعيل بن اسحاق: الفرق بين المسجد الحرام، ومسجد
منى، وبين سائر المساجد في رفع الصوت بالتلبية: ان مساجد الجماعة انما
بنيت للصلاة خاصة، فكرة رفع الصوت فيها، وجاءت الكراهية في رفع
الصوت فيها عاما لم يخص احد من أحد الا الامام الذي يصلي بالناس فيها
فدخل الملبي في الجملة، ولم يدخل في ذلك المسجد الحرام، ومسجد منی،
لأن المسجد الحرام، جعل للحاج وغير الحاج، قال الله عز وجل: ﴿سَوَآءَ
(١) تقدم في الباب نفسه .

الإحرام وصفاته
٢٦٧
اُلْعَكِفُ فِيهِ وَآلْبَائِ﴾[الحج: ٢٥] و کان الملبي إنما يقصد إلیه فكان له فيه من
الخصوص ماليس في غيرها. واما مسجد منى: فان للحاج خاصة، قال:
وقد ذكر ابو ثابت، عن ابن نافع، عن مالك، انه سئل عن المحرم، هل
يرفع صوته بالتلبية في المساجد التي بين مكة والمدينة؟ قال: نعم، لا بأس
بذلك، قال إسماعيل: لأن هذه المساجد، انما جعلت للمجتازين،
وأكثرهم المحرمون، فهم من النحو الذي وصفنا، وقال الشافعي، وابو
حنيفة، والثوري، وأصحابهم: يرفع المحرم صوته بالتلبية، قال الشافعي
ويلبي عند اصطدام الرفاق، والاشراف والهبوط، واستقبال الليل، وفي
المساجد كلها، وقد كان الشافعي يقول بالعراق مثل قول مالك، ثم رجع إلى
هذا على ظاهر الحديث المذكور في هذا الباب وعمومه، لأنه لم يخص فيه
موضعا من موضع، وكان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية، وقال ابن عباس :
هي زينة الحج، وقال ابوحازم: كان أصحاب رسول الله مَّة، لا يبلغون
الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية، واجمع العلماء على ان السنة في المرأة،
ان لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها، فخرجت من جملة ظاهر
الحديث، وخصت بذلك، وبقي الحديث في الرجال، واسعدهم به من
ساعده ظاهره، وبالله التوفيق. وذكر عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري
عن سالم، قال: كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية، فلا يأتي الروحاء حتى
یصحل صوته، او یشخب صوته.
قال أبوعمر:
لا وجه لقوله: أو يشخب، والصحيح: يصحل، قال الخليل:
صحل صوته صحلا، فهو صحل، إذا كانت فيه بحة .

٢٦٨
فتح البر
ما جاء في التخيير في النسك عند الإهلال
[١٥] مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: خرجنا مع
رسول الله وَلقره عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله مَلل: من
معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل منهما حتى يحل منهما جميعا،
قالت: فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة،
فشكوت ذلك إلى رسول الله وَدية؛ فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج،
ودعى العمرة. قلت: ففعلت. فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله مَثّل، مع
عبد الرحمن بن أبي بكر، إلى التنعيم، فاعتمرت. فقال: هذه مكان عمرتك،
فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا
طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا أهلوا بالحج، أو جمعوا
الحج والعمرة، فانما طافوا طوافا واحداً(١).
روى هذا الحديث يحيى في الموطأ. عن مالك، عن عبد الرحمن ابن
القاسم، عن أبيه، عن عائشة. هكذا قالت: خرجنا مع رسول الله ێآر،
الحديث. حرفا بحرف ثم اردفه بحديث مالك، عن ابن شهاب، عن
عروة، عن عائشة، ولم يذكر في اسناد ابن شهاب عن عروة عن عائشة أكثر
من قوله بمثل ذلك، عطفا على حديث عبدالرحمن بن القاسم عن ابيه عن
عائشة ما ذكرنا لفظه وسياقته هنا، وهذا شيء لم يتابع يحيى عليه أحد من رواة
الموطأ فيما علمت، ولا غيرهم عن مالك، أعني اسناد عبد الرحمن بن القاسم
في هذا المتن وإنما رواه أصحاب مالك کلهم، کما ذکرنا، عن ابن شهاب،
عن عروة، عن عائشة، إلى قوله واما الذين كانوا أهلوا بالحج، فلم يذكروه،
وقالوا: واما الذين جمعوا الحج والعمرة، ورووا كلهم ويحيى معهم عن
(١) خ (٣١٦/٥٤٩/١-٣١٩) و(١٥٥٦/٥٢٩/٣) و(١٦٣٨/٦٣٠/٣)،
م (٢ / ٨٧٠- ٨٧١ / ١٢١١)، د (٢ / ٣٨٢ / ١٧٨١) من طريق مالك بهذا الاسناد.

الإحرام وصفاته
٢٦٩
مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة أنها قالت: قدمت
مكة، وانا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك
إلى رسول الله وَّل، فقال: إفعلي ما يفعل الحاج، غير ان لا تطوفي
بالبيت(١).
وسنذكر هذا الحديث في باب عبدالرحمن، ونذكر الاختلاف في ألفاظه
عن مالك وغيره، هناك ان شاء الله، فحصل ليحيى حديث هذا الباب
باسنادين، ولم يفعل ذلك أحد غيره، وانما هو عند جميعهم عن مالك،
باسناد واحد، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وهو المحفوظ المعروف
عن مالك، وسائر رواة ابن شهاب.
ومن الرواة عن مالك في غير الموطأ طائفة اختصرت هذا الحديث عن
مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، فجاءت ببعضه، وقصرت عن
تمامه. ولم تقم بسياقته، منهم عبد الرحمن بن مهدي، وأبو سعيد مولى بني
هاشم، وموسى بن داود وابراهيم ابن عمر بن أبي الوزير أبو المطرف ويحيى
ابن زكريا بن أبي زائدة ذكر ذلك الدارقطني وكذلك رواه عبد الله بن وهب،
وألفاظهم أيضا مع اختصارهم للحديث مختلفة، فلفظ حديث ابن مهدي
باسناده عن عائشة أن أصحاب رسول الله وَالل، الذين أهلوا بالعمرة، طافوا
بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى
لحجهم، والذين قرنوا، طافوا طوافا واحدا، ولفظ حديث أبي سعيد مولى
بني هاشم باسناده عن عائشة قالت: كان أصحاب رسول الله وَلقر، الذين
لبوا من مکة لم یطوفوا حتی رجعوا من منی. ولفظ حدیث موسی بن داود عن
مالك باسناده عن عائشة قالت ان أصحاب النبي ◌َّر، الذين كانوا معه، لم
(١) تقدم تخريجه (انظر ما قبله).

ـــ ٢٧٠
فتح البر
يطوفوا حتى رموا الجمرة. ولفظ ابن وهب حين اختصره قال: أخبرني مالك
عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله وَل
فاهللت بعمرة، فقدمت مکة، وانا حائض، فشکوت ذلك إلى رسول الله
وَالخير، فقال أهلي بالحج، ودعي العمرة، فلما قضینا الحج، ارسلني رسول الله
والقر، مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فاعتمرت فقال رسول الله قال : هذه مكان
عمرتك (١)، فهذه رواية ابن وهب المختصرة لهذا الحديث وقد رواه بتمامه،
كما رواه سائر رواة الموطأ وكل من رواه عن مالك بتمامه أو مختصرا لم يروه عنه
الا باسناد واحد، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، الا يحيى صاحبنا
فانه رواه باسنادين عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وعن ابن
شهاب، عن عروة عن عائشة فاعضل.
قال أبوعمر:
ذكر أبو داود حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، هذا عن
القعنبي، عن مالك. وذكره البخاري في موضع من كتابه عن القعنبي عن
مالك، وفي موضع آخر عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك.
ورواية القعنبي أتم، وليس في شيء منها ما ذكره يحيى أيضاً، من قول
عائشة. واما الذين اهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا
واحدا، وانما في روايتهم كلهم واما الذين جمعوا الحج والعمرة، فانما طافوا
طوافا واحدا ولم يذكروا الذين أهلوا بالحج، وذكره یحیی بالاسناد الذي ذكرنا
ثم عطف عليه ما وصفنا، وقال ابوداود في بعض النسخ باثر حديث مالك،
عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة، قال: وكذلك رواه ابراهيم بن
سعد، ومعمر، عن ابن شهاب نحوه، ولم يذكرا طواف الذين أهلوا بالعمرة،
(١) تقدم تخريجه (انظر ما قبله).

٢٧١
الإحرام وصفاته
ولم يذكرا طواف الذين أهلوا بالعمرة، وذكرا طواف الذين جمعوا الحج
والعمرة .
قال ابوعمر:
فأما حديث معمر فذكره عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن
الزهري، عن عروة عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله رَّ ، عام
حجة الوداع، فاهللت بعمرة، ولم أكن سقت الهدى، فقال النبي ◌َّ من
كان معه هدى، فليهل بحج مع عمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا،
فحضت، فلما دخلت ليلة عرفة قلت لرسول الله ◌َي اني كنت قد اهللت
بعمرة، فكيف أصنع بحجتي؟ فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وامسكي
عن العمرة، وأهلي بالحج، فلما قضيت الحج أمر عبد الرحمن بن أبي بكر،
فاعمرني من التنعيم مکان عمرتي التي سكت عنها.
هكذا ذكره عبد الرزاق، لم يذكر فيه طواف الذين أهلوا بعمرة، ولا
طواف الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، وأما حديث ابرهيم بن
سعید فحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
جعفر بن محمد بن شاكر، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، قال:
أخبرنا ابرهيم بن سعد، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، قالت:
اهللت مع رسول الله وَل، زمن حجة الوداع بعمرة، وكنت ممن تمتع ولم
يسق الهدى، فزعمت انها حاضت، ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة،
فقالت لرسول الله صل﴾: هذا يوم عرفة، ولم أطهر بعد، وكنت تمتعت
بالعمرة، فقال لها رسول الله وَلي: انقضي رأسك، وامتشطي، واهلي بالحج
وامسكي عن العمرة، قالت: ففعلت، حتى إذا قضيت حجتي، ونفر
الناس، أمر عبد الرحمن بن أبي بكر، ليلة الحصبة فاعمرني من التنعيم،

-= ٢٧٢
فتح البر
مكان عمرتي التي سكت عنها(١) ورواه ابن عيينة فاختصره، ولكنه جوده.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان: أخبرنا قاسم: حدثنا الخشني: حدثنا محمد
ابن أبي عمر: حدثنا سفيان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، انها
قالت: أهل رسول الله وَالله بالحج وأهل به ناس، وأهل ناس بالعمرة،
وكنت فيمن أهل بالعمرة(١).
قال أبو عمر: هذا يفسر رواية مالك في هذا الحديث عن عائشة قالت :
خرجنا مع رسول الله وَير عام حجة الوداع فاهللنا بعمرة، انها انما أرادت
نفسها لا رسول الله، وكذلك روى عنها القاسم، وغيره: ان رسول الله وَله
أفرد الحج.
قال أبو عمر:
مالك أحسن الناس سياقة لهذا الحديث، عن ابن شهاب، وفي حديثه
معان قصر عنها غيره، وکان اثبت الناس في ابن شهاب، رحمه الله، وفي
حديثه هذا عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة من الفقه ان التمتع جائز،
وأن الافراد جائز، وان القران جائز. وهذا لاخلاف فيه بين أهل العلم: لان
رسول الله ګ، رضي کلا، ولم ینکره في حجته على أحد من أصحابه، بل
اجازه لهم، ورضيه، واختلف العلماء في ما كان رسول الله ێ به محرما
يومئذ. وفي الافضل من الثلاثة لاوجه. فقال منهم قائلون: منهم مالك
رحمه الله، كان رسول الله وَليه، يومئذ مفردا، والإفراد أفضل من القران
والتمتع، قال: والقران أفضل من التمتع .
وروى مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وعن
محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله وَلفي إفرد
(١) تقدم تخريجه ، انظر حديث الباب.

الإحرام وصفاته
٢٧٣ =
الحج(١)، واحتج أيضا من ذهب مذهب مالك في ذلك بما رواه ابن عيينة،
وغيره، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، في هذا الحديث، قالت:
خرجنا مع رسول الله وَلخير، فقال: من أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد
أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة:
فاهل رسول الله وَيقول بالحج، وأهل به ناس معه، وذكر الحديث. وكذلك
رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة سواء، وقالوا فيه: قال
رسول الله ◌َي : واما انا فاهل بالحج، وهذا نص في موضع الخلاف، وهو
حجة من قال بالافراد وفضله، وقد روى الدراوردي، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه عن جابر أن رسول الله ێټ افرد بالحج(٢)، وروی الليث بن سعد،
عن أبي الزبير، عن جابر قال: اقبلنا مهلين بحج مفردا(٢).
وروى الحميدي أيضا، عن الدراوردي عن علقمة بن أبي علقمة، عن
أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ◌َليو، أفرد الحج(٣)، وقد روى هذ الحديث
أيضا عن مالك عن علقمة باسناده مثله: حدثنا به من طريق أبي مصعب،
عن مالك، وليس في الموطأ كذلك. وروی عباد بن عباد، عن عبيد الله بن
(١) م (٢ / ٨٧٥/ ١٢١١[١٢٢])، د (٢/ ٣٧٧-٣٧٨ / ١٧٧٧)، ت (٨٢٠/١٨٣/٣)،
ن (٥/ ٢٧١٤/١٥٨)، جه (٢٩٦٤/٩٨٨/٢).
(٢) م (٢ / ١٢١٣/٨٨١)، د(٢ / ٣٨٤/ ١٧٨٥)، الطحاوي (٢ / ١٤٠) من طريق أبي الزبير عن
جابر. وأخرجه: م (١٢١٨/٨٨٦/٢) مطولا. جه (٢٩٦٦/٩٨٨/٢)، الطحاوي (٢ /١٤٠)،
هق (٩٠٠٧/٥) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وأخرجه: خ
(٤١٦/١٣/ ٧٣٦٧)، م (٢ / ٨٨٤/ ١٢١٦[١٤٣])، من طريق عطاء عن جابر. وأخرجه: م
(١٢١٦/٨٨٦/٢ [١٤٦])، من طريق مجاهد عن جابر. وأخرجه: حم (٣١٥/٣)، هق (٤/٥)
من طریق ابي سفيان عن جابر.
(٣) أخرجه: الحميدي (١/ ١٠٣-٢٠٤/١٠٤)، من طريق الدراوردي عن علقمة عن أمه عن
عائشة قال حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على مسند الحميدي: في الأصول عن أبيه والصواب
عندي عن أمه. والدراوردي هو عبد العزيز بن محمد قال الحافظ في "التقريب" (١ / ٦٠٧):
صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطيء. وسيأتي تخريجه من طرق أخرى عن عائشة في باب ما
جاء ان النبي وَ أفرد الحج.

٢٧٤
=
فتح البر
عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: اهللنا مع رسول الله وَ بالحج
مفردا(١)، وذكر المزني عن ابن عمر مثله سواء. وحكى محمد بن الحسن عن
مالك أنه قال: إذا جاء عن النبي عليه السلام حديثان مختلفان، وبلغنا أن
أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن
الحق فيما عملا به. واستحب أبو ثور الإفراد أيضا، وفضله على التمتع
والقران، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة والاوزاعي، وعبد الله بن
الحسن، وهو احد قولي الشافعي، ان الافراد افضل وهو اشهر قولیه عنه،
وروی ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان وعائشة، وجابر.
واستحب آخرون التمتع بالعمرة الى الحج، وقالوا ذلك أفضل، وهو
مذهب عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وابن الزبير، وعائشة أيضا.
وبه قال أحمد بن حنبل، وهو احد قولي الشافعي، كان الشافعي يقول الافراد
أحب إلي من التمتع ثم القران. وقال في البويطي: التمتع أحب إلي من
الافراد ومن القران، واحتج القائلون بتفضيل التمتع بحديث معمر، عن
أيوب، قال: قال عروة لابن عباس: الا تتقي الله ترخص في المتعة؟ فقال
ابن عباس: سل امك يا عرية. فقال عروة: اما أبو بكر وعمر فلم يفعلا،
فقال ابن عباس : والله ما أراکم منتهین حتی یعذبکم الله، نحدثكم عن
رسول الله وَيه، وتحدثونا عن أبي بكر وعمر. وبحديث الليث، عن
عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر: تمتع رسول الله ◌َالهر في
حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدى معه من ذي الحليفة،
(١) أخرجه: م (٢/ ٩٠٤/ ١٢٣١)، قط (٢ / ٢٣٨) من طريق عباد بن عباد عن عبيد الله بن نافع
عن ابن عمر.

الإحرام وصفاته
٢٧٥
وبدأ رسول الله ◌َّله، فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول
الله وَل بالعمرة إلى الحج، قال عقيل: قال ابن شهاب: وأخبرني عروة،
عن عائشة بمثل خبر سالم، عن أبيه، في تمتع رسول الله وَيةل بالعمرة الى
الحج(١)، ذكره البخاري عن ابن بکیر عن اللیث.
واحتجوا أيضا بحديث سعد بن أبي وقاص في المتعة، صنعها رسول
الله ◌َله وصنعناها معه(٢)، وبحديث عمران بن حصين، قال: تمتعنا على
عهد رسول الله وَلقوله متعة الحج(٣)، وبحديث سعيد بن المسيب عن علي أن
رسول الله ويل تمتع(٤). رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، ورواه
حاتم بن اسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد. وبحديث
مالك، وعبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، انها قالت
لرسول الله عليه، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟
فقال: اني لبدت رأسي، وقلدت هديى، فلا أحل حتى انحر(٥). وسيأتي
القول في حدیث حفصة هذا في موضعه من کتابنا هذا ان شاء الله.
واحتجوا أيضا بما حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن
ابن عمر بن راشد بدمشق، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: حدثنا أحمد بن
خالد الوهبي، قال: حدثنا ابن إسحاق عن الزهري عن سالم، قال: إني
(١) خ (٣ /١٦٩١/٦٨٧-١٦٩٢)، م (١٢٢٧/٩٠١/٢-١٢٢٨).
(٢) حم (١ / ١٨١)، م(١٢٢٥/٨٩٨/٢)، ت(٨٢٣/١٨٥/٣)، ن (٢٧٣٣/١٦٦/٥).
(٣) حم (٤ /٤٢٧)، خ (٣/ ٥٥١/ ١٥٧١)، م (١٢٢٦/٨٩٩/٢)،
ن (٢٧٢٥/١٦٣/٥-٢٧٢٦ -٢٧٢٧)، جه (٢ / ٩٩١/ ٢٩٧٨) من طرق عن مطرف عن
عمران بن حصین. وأخرجه: حم (٢٣٦/٤)، خ (٨/ ٢٣٧ / ٤٥١٨)،
م (٢ / ٨٩٠/ ١٢٢٦ [١٧٢ - ١٧٣]) من طريق أبي رجاء عن عمران بن حصين.
(٤) خ (١٥٦٩/٥٣٩/٣)، م (٢/ ١٢٢٣/٨٩٦[١٥٨-١٥٩])، ن (٢٧٣٢/١٦٦/٥).
(٥) حم (٢٨٣/٦-٢٨٥)، خ (٥٣٨/٣/ ١٥٦٦)، م (٢/ ١٢٢٩/٩٠٢)،
د (٢ / ٣٩٨ / ١٨٠٦)، ن (٥/ ٢٦٨١/١٤٦)، جه (٣٤٦/١٠١٢/٢).

فتح البر
١١ = ٢٧٦
لجالس مع ابن عمر في المسجد، إذ جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن
التمتع بالعمرة الى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل، قال: فان أباك كان
ینھی عنها، فقال: ويلك! فان كان أبي ينهى عن ذلك، فقد فعله رسول
اللهِ وَله، وأمر به، افبقول أبي اخذ، أم بأمر رسول الله وَّهر!؟ قم
عني(١)، وقال عبد الله بن شريك: تمتعت فسألت ابن عمر، وابن عباس،
وابن الزبير، فقالوا: لسنة نبيك. وقال شعبة عن أبي حمزة: تمتعت، فنهاني
عنها اناس، فسألت ابن عباس، فقال: سنة أبي القاسم، وَّو، يعني
التمتع(٢).
واحتجوا بآثار كثيرة يطول ذكرها. منها حديث الثوري، عن ليث،
عن طاوس، عن ابن عباس، قال: تمتع رسول الله ێر ، حتى مات، وأبو
بکر حتی مات، وعمر حتی مات، وعثمان حتی مات، وأول من نهی عنها
معاوية(٣).
قال أبو عمر: حديث ليث هذا منكر، وهو ليث بن أبي سليم
ضعيف، والمشهور عن عمر، وعثمان، انهما كانا ينهيان عن التمتع، وإن
كان جماعة من أهل العلم قد زعموا ان المتعة التي نهى عنها عمر وضرب
(١) أخرجه: ت (٣/ ١٨٥/ ٨٢٤) من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله
حدثه أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع ... فذكره. وإسناده
صحيح .
(٢) حم (٢/ ١٣٩) وقال الهيثمي (٢٣٩/٣): ((رواه أحمد والطبراني في الكبير وعبد الله بن شريك
وثقه أبو زرعة وابن حبان وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) ت (٨٢٢/١٨٥/٣)، ابن أبي شيبة (١٣٦٩٩/٢٢٨/٣)، وفيه ليث بن أبي سليم وهو
ضعيف. وتابعه عند النسائي (١٦٨/٥/ ٢٧٣٦) هشام بن حجیر وهو صدوق له أوهام. کما في
التقریب (٢٦٥/٢) لکن لیس عند النسائي ذكر أبي بكر وعمر.

الإحرام وصفاته
٢٧٧
عليها، فسخ الحج في عمرة، فأما التمتع بالعمرة الى الحج فلا، وزعم من
صحح نهى عمر عن التمتع، انه انما نهى عنه لنتجع البيت مرتين أو أكثر في
العام، وقال آخرون: إنما نهى عنها عمر لأنه رأى الناس مالوا الى التمتع
ليسارته وخفته، فخشي ان يضيع الافراد والقران، وهما سنتان للنبي وَلقر ،
وذكر معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج
فأمر بها، فقيل له: انك لتخالف اباك. فقال: ان عمر لم يقل الذي
تقولون، انما قال عمر: افردوا الحج من العمرة، فانه اتم للعمرة أي أن العمرة
لا تتم في شهور الحج الا بهدي، وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج،
فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليه، وقد أحلها الله وعملها رسول
الله وَّله ، فإذا اكثروا عليه، قال: كتاب الله بيني وبينكم، كتاب الله أحق
أن يتبع، أم عمر؟ واحتج أحمد بن حنبل في اختيار التمتع بقوله: وَليو لو
استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة (١).
والاحاديث في التمتع كثيرة جدا .
وقال آخرون: القران أفضل، وهو احب اليهم، منهم أبو حنيفة،
والثوري، وبه قال المزني صاحب الشافعي، قال: لانه يكون مؤديا للفرضین
جمیعا، وهو قول اسحاق: كان رسول الله ◌ّالهول عام حجة الوداع قارنا، وهو
قول علي بن أبي طالب، وقال أبو حنيفة: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد،
وقال أبو يوسف: القران والتمتع سواء، وهما أفضل من الافراد.
واحتج من استحب القران وفضله، بآثار، منها حديث عمر بن
الخطاب قال: سمعت رسول الله وَالقول يقول وهو بوادي العقيق: اتاني الليلة
آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة(٢). رواه
(١) حم (١/ ٢٤)، خ (٣/ ١٥٣٤/٥٠٠)، د(٢/ ١٨٠٠/٣٩٤)، جه (٢٩٧٦/٩٩١/٢)،
الطحاوي (١٣٦/٢)، هق (١٣/٥)، من حديث ابن عباس عن عمر مرفوعا.
(٢) م (١٢١٨/٨٨٦/٢ [١٤٧-١٤٨])، د(١٩٠٥/٤٥٥/٢)، ن (٢٧١١/١٥٦/٥)، جه
(٣٠٧٤/١٠٢٢/٢)، وهو جزء من حديث جابر الطويل.

= ٢٧٨
فتح البر
الاوزاعي، وعلي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عن بن
عباس، سمع عمر، سمع رسول الله وَلقر بذلك، وحدثنا الصبي بن
معبد، عن عمر بن الخطاب، قال الصبي: اهللت بالحج والعمرة جميعا فلما
قدمت على عمر ذكرت ذلك له، فقال: هديت لسنة نبيك، وَِّ﴾ (١)،
وهو حديث كوفي، جيد الاسناد، ورواه الثقات الاثبات عن أبي وائل، عن
الصبي بن معبد، عن عمر، ومنهم من يجعله عن أبي وائل، عن عمر، رواه
هكذا عن أبي وائل عن عمر الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن
أبي النجود، وسيار أبو الحكم، ورواه الاعمش ومنصور، وعبدة بن أبي لبابة،
عن أبي وائل عن الصبي بن معبد، عن عمر وهؤلاء جودوه، وهم احفظ.
ورواه عن الصبي مسروق وأبو وائل. ومنها حديث حفصة الذي قدمنا
ذكره، ومنها حديث أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ◌َله ، يقول:
لبيك بحجة وعمرة معا. ورواه حميد الطويل، وحبيب بن الشهيد، عن بکر
المزنى، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ◌َلقول يلبى
بالحج والعمرة جميعا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال لي: بالحج
وحده، فلقيت انسا فحدثته، فقال: ما تعدوننا الا صبيانا، أنا سمعت
رسول الله صلله، يقول: لبيك بحجة وعمرة معا(٢).
(١) أخرجه: حم (١٤/١-٢٥-٣٤ -٣٧-٥٣)، د (٢ / ٣٩٣ / ١٧٩٩)،
ن (٢٧١٨/١٦٠/٥-٢٧١٩- ٢٧٢٠)، جه (٢٩٧٠/٩٨٩/٢)،
حب: الإحسان (٣٩١٠/٢١٩/٩-٣٩١١) عن الصبي بن معبد عن عمر بن الخطاب.
(٢) خ (١٥٢٥/٥٢٥/٣) من حديث طويل. م (٩٠٥/٢/ ١٢٣٢)،
د (٣٩١/٣/ ١٧٩٥)، ت (١٨٤/٣ / ٨٢١) وقال: حسن صحيح.
ن (١٦٤/٥/ ٢٧٢٨-٢٧٢٩)، جه (٢٩٦٨/٩٨٩/٢-٢٩٦٩) من حديث أنس بن مالك.

-
٢٧٩ =
الإحرام وصفاته
وهذا الحديث يعارض ما روي عن ابن عمر ان النبي ◌َّر تمتع، وفيهما
نظر، ويخرج على مذهب ابن عمر في التمتع انه لبى بالحج وحده من مكة،
وقد روى معمر وغيره، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن انس ان رسول الله
الت أهل بحجة وعمرة معا، وروی عن أنس من وجوه.
ومنها ما رواه قتادة عن مطرف، عن عمران بن حصين انه قال اني
احدثك حديثا لعل الله ينفعك به، اعلم أن رسول الله وَّلل قد جمع بين
حج وعمرة، ولم ينزل فيهما كتاب، ولم ينه عنهما رسول الله وَّله ، قال فيهما
رجل برأيه (١).
وهذا قد تأوله جماعة على التمتع، وقالوا: انما أراد عمران بقوله: أن
رسول الله وَ﴿ قد جمع بين حج وعمرة أي أنه جمع بينهما في سفرة واحدة،
وحجة واحدة، وقد روى عن عمران ما يعضد هذا التأويل، روى الحسن
وأبو رجاء عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى،
وفعلناها مع رسول الله وَيه ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنه حتى مات،
قال رجل بعد برأيه ماشاء(١). ومنها رواية شعبة، عن الحكم، عن علي بن
حسين، عن مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان وعليا بين مكة والمدينة،
وعثمان ينهى أن يجمع بين الحج والعمرة، فلما رأى ذلك علي لبى بهما جميعا،
فقال: لبيك بحج وعمرة معا. فقال له عثمان: تراني انهى عنها وتفعلها،
فقال علي: لم أكن لأدع سنة رسول الله وَل﴾(٢).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه .
(٢) خ (١٥٦٩/٥٣٩/٣)، م (٢/ ٨٩٧/ ١٢٢٣[١٥٩])، ن (٢٧٣٢/١٦٦/٥) من طريقين عن
سعيد بن المسيب قال: ((اختلف علي وعثمان وهما بعسفان .. فذكر معناه)). ورواه: م
(١٢٢٣/٨٩٦/٢) من طريق عبد الله بن شقيق قال: ((كان عثمان نهى عن المتعة وكان على يأمر
بها، فذکر معناه» .

٢٨٠
فتح البر
وهذا يحتمل أن يكون: لأن رسول الله وَّل - أباح ذلك، فصار سنة.
قال أبو عمر:
التمتع والقران والإفراد كل ذلك جائز بسنة رسول الله مَله ، وقد
مضى القول في معنی نهي عمر عن التمتع بما فيه بيان لمن فهم.
ولم یکن تمتع ولا قران في شيء من حج الجاهلية، وانما كانوا على الافراد
وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، لاخلاف بين أهل العلم
والسير في ذلك، والافراد أفضل ان شاء الله؛ لأن رسول الله وَلآل كان
مفردا، فلذلك قلت: انه أفضل لان آثاره أصح عنه في افراده بَالجهد . .
ولان الافراد أكثر عملا، ثم العمرة عمل آخر، وذلك كله طاعة،
والاكثار منها أفضل.
وأما قول عائشة في حديثها في هذا الباب: حديث مالك عن ابن
شهاب، عن عروة، عنها. قالت: فقدمت مكة وانا حائض، فلم أطف
بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. ففيه بيان ان الحائض لاتطوف بالبيت، وان
الطواف، لا يجوز على غير طهارة، وذلك حجة على أبي حنيفة وأصحابه
الذين يجيزون لغير الطاهر الطواف. ويرون على من طاف غير طاهر من
جنب أو حائض دما، ويجزيه طوافه. وعند مالك والشافعي لا يجزیه ولا بد
من إعادته، وحجتهم أن رسول الله و 18هل قال لعائشة حين حاضت:
اصنعي كل ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت(١)، وانه قال في
(١) خ (١٦٥٠/٦٤٢/٣)، م (٢/ ١٢١١/٨٧٣[١١٩])، د (٢/ ٣٨٣/ ١٧٨٢)،
ت (٩٤٥/٢٨١/٣)، جه (٢٩٦٣/٩٨٨/٢) من حديث عائشة.