Indexed OCR Text
Pages 221-240
صدقة التطوع
٢٢١ =
حدثنا محمد بن عبد العزیز، و کان فاضلا، قال سمعت ابن عيينة. حدثنا
أحمد بن زهير، حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز،
وكان فاضلا، قال: سمعت ابن عيينة يقول: من زعم أن سفيان لم يأخذ من
السلطان، أنا أخذت له منهم.
قال أبو عمر:
كان الثوري يحتج بقول ابن مسعود: لك المهنأ، وعليه المأثم.
وهذا لولا خروجنا بذكره عن معانی هذا الباب لذكرنا من ذلك ما
یطول به الكتاب، فقد جمعه منهم أحمد بن خالد وغيره.
وروي عن بكير بن الأشج أنه كان يقبل هدية امرأة سوداء تبيع المزر
بمصر، قال: لأني كنت أراها تغزل.
وقال اللیث: ان لم یکن له مال سوی الخمر، فیکف عنه.
قال: وأكره طعام العمال من جهة الورع من غير تحريم، وقال القاسم بن
محمد: لو كانت الدنيا كلها حراما لما كان بد من العيش فيها.
وقال مالك: فكل من عمل للسلطان عملا، فله رزقه من بيت المال،
قال: فلا بأس بالجائزة يجاز بها الرجل يراه الامام بجائزته أهلا لعلم، أو
دین علیه، ونحو ذلك.
قال أبو عمر:
اما من حد في الغنى حداً: خمسين درهما، أو أربعين درهما، أو مائتي
درهم، وزعموا أن المرء غني، بملكه هذا المقدار على اختلافهم فيه، ومن
قال: انه لا يعطي أحد من الفقراء أكثر من مائتي درهم أو أكثر من خمسين
در هما من الزكاة فانه يدخل علی کل واحد منهم ما يرد قوله من حديث
فتح البر
٢٢٢
سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ويلي: ودى الانصاري المقتول بخيبر بمائة
ناقة من ابل الصدقة ودفعها إلى أخيه عبد الله بن سهل(١).
قد نزع لهذا بعض أصحابنا وفي ذلك عندي نظر، فأما من جعل المرء
بملكه ما تجب فيه الصدقة غنيا، لقوله وسلم: أمرت ان آخذ الصدقة من
أغنيائكم، فانه يدخل عليه الاجماع على أن من ملك خمسة أوسق من شعير
قيمتها خمسة دراهم أو نحوها مما لا یکون غنی عند أحد، و کان ملكه اياها
بزرعه لها في أرضه ولم يملك من حصاده غيرها، ان الصدقة عليه فيها، وان
لم يملك شيئا سواها، وهذا عند جميعهم فقير مسکین، غير غنى، وقد
وجبت عليه الصدقة وهذا ينقض ما أصلوه، وما ذهب اليه مالك
والشافعي أولى بالصواب في هذا الباب والله أعلم.
أخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو سعید الاعرابي، قال: حدثنا
سعيد بن نصر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه
عن عبيد الله بن عدى بن الخيار عن رجلين قالا: أتينا رسول الله وَلافه وهو
يقسم نعم الصدقة، فسألناه، فصعد فينا البصر وصوب، وقال: ما شئتما؟
فلا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب(٢).
ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله وَ ليم قال: لا تحل
الصدقة لغني ولا لذى مرة، وبعضهم يقول فيه: ولا لذى مرة قوي(٣).
ومن أحسن ما رأيت من أجوبة في معاني السؤال وكراهيته ومذاهب
(١) حم: (٤ / ١٤٢)، خ: (٦/ ٨٣٣/ ١٣٧٣)، م: (٣/ ١٦٦٩/١٢٩١)، د (٤٥٢٠/٦٥٥/٣)
ت: (٤/ ١٤٢٢/٢٢) وقال: حديث حسن صحيح. ن: (٤٧٢٤/٧٣٤/٨) وجه:
(٢٦٧٧/٨٩٢/٢).
(٢) حم: (٢٢٤/٤)، د: (٢ /١٦٣٣/٢٨٥) ون: (٢٥٩٧/١٠٤/٥)، وذكره الزيلعي في النصب
(٢/ ٤٠١) وقال: ((قال صاحب التنقيح: حديث صحيح ورواته ثقات. قال الإمام أحمد رضي
الله عنه: ما أجوده من حديث هو أحسنها إسنادا.))
(٣) تقدم في الباب نفسه.
صدقة التطوع
٢٢٣ =
أهل الورع فيه، ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل: أخبرنا عبد الله بن محمد
ابن عبد المؤمن، قال: حدثنا عبد الحمید بن أحمد الوراق، قال: حدثنا
الخضر بن داود، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يعني
أحمد بن حنبل يسأل عن المسألة متى تحل؟ فقال: اذا لم يكن عنده ما يغذيه،
ويعشيه، على حديث سهل بن الحنظلية.
قيل لأبي عبد الله: فان اضطر الى المسألة، قال: هي مباحة له اذا اضطر.
قيل له: فان تعفف؟ قال: ذلك خير له.
ثم قال: ما أظن أحدا يموت من الجوع، الله يأتيه برزقه.
ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري: من استعف أعفه الله. وحديث أبي ذر
أن النبي ◌َّالقو، قال له: تعفف.
قال: وسمعت أبا عبد الله، وذكر حديث عبيد الله بن عدى بن الخيار عن
رجلين أتيا النبي وَ﴿ فسألاه عن الصدقة، فقال لهما: ان شئتما؟ ولا حق فيها
لغني ولا لقوي مكتسب(١). فقال: هذا أجودها اسنادا، ثم قال: قد يكون
قويا ولا يكون مكتسبا، لا يكون في يده حرفة، ولا يقدر على شيء فهذا تحل
له الصدقة وان کان قویا اذا کان غیر مکتسب، فإن کان یقدر علی أن
يكتسب فهو مضيق عليه في المسألة، فاذا غيب عليك أمره فلم تدر أيكتسب
أم لا؟ أعطيته، وأخبرته بما يحرم عليه. قال أبو بكر: وسمعته يسأل عن
قوله: ذي مرة قوي، قال: هو الصحيح. ثم قال: ما أحسنه وأجوده من
حدیث - یعنی حدیث عبيد الله بن عدی بن الخيار. وقد ذكرناه بسندنا فيه
قبل هذا والحمد لله.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
فتح البر
٢٢٤
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الحميد بن أحمد، قال: حدثنا
الخضر بن داود، قال: حدثنا أبو بكر، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لا
تحل المسألة الا لأحد ثلاثة - على حديث قبيصة بن المخارق: حتى يصيب
قواما أو سدادا من عيش، قيل له: ما السداد؟ قال: ما يعشيه.
قال أبو عمر:
هذا على نحو جواب مالك في هذا الباب.
قال أبو بكر: وسمعته يعنى أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل الذي لا يجد
شيئا: أيسأل، أم يأكل الميتة؟ فقال: أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله؟ هذا
شنيع! قال: وسمعته يسأل: هل يسأل الرجل لغيره؟ فقال: لا، ولكن
يعرض - كما قال النبي ◌َ﴿﴿ حين جاءه قوم مجتابى النمار، فقال: تصدقوا، ولم
يقل: أعطوهم(١).
قال أبو عمر: قد قال {يَا﴾ : اشفعوا تؤجرو(٢)، وفيه اطلاق السؤال
لغيره- والله أعلم. وقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه(٣).
قال أبو بكر: قيل له- يعني أحمد بن حنبل- فالرجل يذكر الرجل
فيقول: انه محتاج، فقال: هذا تعريض، وليس به بأس، فانما المسألة أن تقول:
أعطه، ثم قال: لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه، فكيف لغيره؟ والتعريض
ها هنا أعجب الي.
قلت لأبي عبد الله: رجل سأل وهو ممن تحل له المسألة فجاءه رجل بمائة
(١) م: (٢ / ٧٠٤ - ١٠١٧/٧٠٥)
(٢) حم: (٤٠٩/٤-٤١٣) خ: (١٤٣٢/٨٣٢/٣)، م: (١٤٣٢/٢٠٢٦/٤)،
د: (٥١٣٢/٤٣٧/٥) ت: (٢٦٧٢/٤١/٤) وقال: حديث حسن صحيح.
ن: (٢٥٥٦/٨١/٥).
(٣) انظر تخريجه في كتاب الصلاة
صدقة التطوع
٢٢٥
درهم؟ فقال: هذا رزق ساقه الله اليه، فان كان من الزكاة فهذا يضيق على
المعطي والمعطى، فان كان من عرض ماله فلا بأس به.
قال أبو عبد الله: لا يأخذ من الصدقة من له خمسون درهما، ولا يؤخذ
منها أكثر من خمسين درهما، قيل له: وما الأصل في أن لا يعطى أكثر من
خمسين؟ قال: لانه اذا أخذ خمسين، صار غنيا، الا أن يكون له عيال، أو
یکون غارما، أو یکون علیه دین.
ثم قال: حديث عبد الله بن مسعود في هذا الحديث حسن، واليه نذهب
في الصدقة.
قلت له: ورواه زبید وهو لحکیم بن جبير فقط؟ فقال: رواه زبید فيما قال
يحيى بن آدم: سمعت سفيان يقول: فحدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن
ابن يزيد، قلت لأبي عبد الله: لم يخبر به محمد بن عبد الرحمن؟ فقال: لا.
قال: وسمعته، وذكر حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌ّ﴾: من سأل
وله أو قية، أو قيمة أوقية، فهو ملحف. فقال: هذا یقوی حدیث عبد الله بن
مسعود، قیل لا بي عبد الله: حديث عبد الله بن مسعود من حديث من هو؟
فقال: من حديث عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه
قال: قلت: فان کان رجل له عیال، قال: يعطى كل واحد منهم خمسين،
خمسین، ومن کان له خمسون لم يعط منها شيئا، وان کان له دون خمسین بلغ
الخمسين، قيل له: فان كانت الخمسون لا تكفيه من سنة الى سنة انما تكفيه
ثلاثة أشهر، أو نحوها، وهو يشتهي أن لا يحوجه الى أحد، فقال: لا ينبغي
أن يعطيه أكثر من خمسين، فقلت انا للذي سأله: اذا فنيت الخمسون أعطاه
خمسين أخرى؟ قال: نعم، اذا فنيت أعطاه أخرى.
فتح البر
= ٢٢٦
قال أبو عمر:
اما اللقحة المذكورة في حديث هذا الباب: قول الاسدي: فقلت للقحة
لنا خير من أوقية، فاللقحة الناقة اللبون.
وذكر الحربي عن أبي نصر، عن الأصمعي أنه قال: لقاح الابل أن تحمل
سنة.
قال أبو عمر:
قال أحبحة بن الجلاح:
تبوع للحلية حيث كانت كما يعتاد لقحته الفصيل.
صدقة التطوع
٢٢٧
لا تحل الصدقة لغني
[١٧] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وَ له قال: لا تحل
الصدقة لغنى، الا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو
لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسکین، فأهدی
المسكين للغنى (١).
هكذا رواه مالك مرسلا، وتابعه على إرساله ابن عيينة، وإسماعيل بن
أمية.
ورواه الثوري عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: حدثني
الليث، عن النبي ◌َّ﴾ - فذكره.
ورواه معمر عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري، عن النبي ◌َآلآ.
فأما رواية ابن عيينة، فحدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن
مطرف، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل
الأيلي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
قال: قال رسول الله وَاليه: لا تحل الصدقة لغنى الا لخمسة: رجل اشتراها
بماله، أو رجل أهديت له، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لغاز في سبيل
الله (١).
وأما رواية إسماعيل بن أمية، فرواها ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، عن
(١) أخرجه: د(٢٨٦/٢-١٦٣٥/٢٨٧)، جه (٥٨٩/١-١٨٤١/٥٩٠) من حديث أبي سعيد
الخدري، ك (١/ ٤٠٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لإرسال مالك
ابن أنس إياه عن زيد بن أسلم. ووافقه الذهبي، والبغوي: شرح السنة (١٦٠٤/٨٩/٦).
-٢٢٨
فتح البر
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ◌َل ـ- بلفظ حديث مالك حرفا
بحرف(١).
وأما رواية معمر، حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ويعيش بن سعيد،
قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن غالب، قال: أخبرني أحمد
ابن عبد الله بن صالح، يعني الكوفي، قال حدثني أحمد بن صالح- يعني
المصري، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام بن نافع، قال: حدثنا معمر، عن
زید بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول
الله ◌َيُّه: لا تحل الصدقة لغنى، الا لخمسة: لعامل عليها، أو لرجل اشتراها
بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسکین تصدق عليه فأهدى منها
لغنى(٢).
وحدثنا خلف بن سعید، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أحمد
ابن خالد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق- فذكر
بإسناده مثله سواء.
وفي هذا الحديث من الفقه ما يدخل في تفسير قول الله عز وجل:
إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَاَلْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: (٦٠)] - الآية، وتفسير
لقول رسول الله وَطيقول: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي(٣).
وقوله هذا عموم مخصوص بقوله في هذا الحديث إلاّ لخمسة.
(١) انظر الذي قبله.
(٢) أخرجه: حم (٥٦/٣)، د(١٦٣٦/٢٨٨/٢)، جه (٥٨٩/١-١٨٤١/٥٩٠)، ك (١ / ٤٠٧)
وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، عبد الرزاق (٧١٥١/١٠٩/٤).
(٣)د.(١٦٣٤/٢٨٥/٢)،ت:(٦٢٥/٤٢/٣) وقال حديث حسن، ن: (٢٥٩٦/١٠٤/٥)، جه:
(١٨٣٩/٥٨٩/١)، ك: (٤٠٧/١)، البغوي (٦/ ١٥٩٩/٨٢) وقال: ((حديث حسن)). من
حدیث عبد الله بن عمرو بن العاص.
صدقة التطوع
٢٢٩ -
وأجمع العلماء أن الصدقة المفروضة لا تحل لأحد من الاغنياء، غير من
ذكر في هذا الحديث من الخمسة الموصوفين فيه. وكان ابن القاسم يقول: لا
يجوز لغنى أن يأخذ من الصدقة ما يستعين به على الجهاد، وينفقه في سبيل
الله، وانما يجوز ذلك للفقير، قال وكذلك الغارم لا يجوز له أن يأخذ من
الصدقة ما يفي بها ماله، ويؤدي منها دينه، وهو عنها غنى، قال: واذا احتاج
الغازي في غزوته- وهو غنى له مال غائب عنه- لم يأخذ من الصدقة شيئا،
واستقرض، فإذا بلغ بلده، أدى ذلك من ماله.
هذا كله ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم، وزعم أن ابن نافع وغيره
خالف في ذلك.
وذكر ابن أبي زيد وغيره عن ابن القاسم أنه قال في الزكاة: يعطى منها
الغازي وان کان معه في غزاته ما یکفیه من ماله، وهو غنی في بلده.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة، ومن لزم مواضع
الرباط، فقراء كانوا أو أغنياء. وذكر عيسى بن دينار في تفسير هذا الحديث
قال: تحل الصدقة لغاز في سبيل الله قد احتاج في غزوته، وغاب عنه غناه
ووفره، قال: ولا تحل لمن كان معه ماله من الغزاة، إنما تحل لمن كان ماله
غائبا عنه منهم، قال عيسى: وتحل لعامل عليها، وهو الذي يجمعها
للمساكين من عند أرباب المواشي والاموال، فهذا يعطى منها على قدر
سعيه، لا على قدر ما جمع من الصدقات والعشور، ولا ينظر الى الثمن،
وليس الثمن فريضة، وانما له قدر اجتهاده وعمله، قال: وتحل لغارم غرما
قد فدحه وذهب بماله، إذا لم يكن غرمه في فساد، ولا دينه في فساد، مثل أن
يستدين في نكاح أو حج، أو غير ذلك من وجوه الصلاح والمباح، قال:
وأما غارم لم يفدحه الغرم ولم يحتج، وقد بقى له من ماله ما يكفيه، فانه لا
فتح البر
= ٢٣٠
حق له في الصدقات، قال: وتحل لر جل اشتراها بماله، ولرجل له جار
مسکین تصدق علیه فأهدی المسکین للغنى.
وأما الشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وسائر أهل العلم - فيما
علمت- فانهم قالوا: جائز للغازي في سبيل الله، إذا ذهبت نفقته وماله
غائب عنه، أن يأخذ من الصدقة ما يبلغه، قالوا: والمحتمل بحمالة في صلاح
وبر، والمتداین في غیر فساد، كلاهما يجوز له أداء دینه من الصدقة، وان كان
الحميل غنيا، فانه جائز له أخذ الصدقة، إذا وجب عليه اداء ما تحمل به،
و کان ذلك يجحف بماله.
واحتج من ذهب الى هذا الحديث بحديث قبيصة بن المخارق، وبظاهر
حدیث زید بن أسلم هذا.
فأما حدیث قبیصة، فحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد بن مسرهد، قال:
حدثنا حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب، فال: حدثني كنانة بن نعیم، عن
قبيصة بن المخارق، قال: تحملت بحمالة، فأتيت النبي ◌َّي أسأله فيها، فقال:
أقم یا قبيصة حتى تأتینا الصدقة فنأمر لك بها؛ ثم قال لي رسول الله (ێ یا
قبيصة، ان المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل بحمالة، فحلت له
المسألة حتی یصیبها ثم یمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله،
فحلت له المسألة حتی یصیب قواما من عیش، أو سدادا من عیش، ورجل
أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: أصابت فلانا الفاقة،
فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش، فما
سواهن- يا قبيصة- من المسألة فسحت(١).
(١) حم (٣/ ٤٧٧) و(٦٠/٥)، م (١٠٤٤/٧٢٢/٢[١٠٩])، د (١٦٤٠/٢٩٠/٢)،
ن:(٩٣/٥-٢٥٧٨/٩٤).
صدقة التطوع
٢٣١ =
فقوله رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتی یؤدیہا ثم یمسك، دلیل
على أنه غنى، لأن الفقير ليس عليه أن يمسك عن السؤال مع فقره، ودليل
آخر وهو عطفه ذكر الذي ذهب ماله، وذكر الفقير ذي الفاقة، علی ذکر
صاحب الحمالة، فدل على أنه لم يذهب ماله، ولم تصبه فاقة والله أعلم.
وأجمع العلماء على أن الصدقة تحل لمن عمل عليها وان كان غنيا، وكذلك
المشتري لها بماله، والذي تهدى اليه- على ما جاء في هذا الحديث، وكذلك
سائر من ذكر فيه،- والله أعلم.
وظاهر هذا الخبر، يقتضي أن الصدقة تحل هؤلاء الخمسة في حال غناهم،
ولو لم يجز لهم أخذها الا مع الحاجة والفقر، لما كان للاستثناء وجه، لان الله
قد أباحها للفقراء والمساكين أباحة مطلقة، وحق الاستثناء أن یکون مخرجا
من الجملة ما دخل في عمومها، هذا هو الوجه- والله أعلم -.
روینا عن عبد الرحمن بن أبي نعم أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن
عمر، فجاءته امرأة فقالت: يا أبا عبد الرحمن، ان زوجي توفى، وأوصى بمال
في سبيل الله، قال: هو في سبيل الله كما قال. قلت انك لم تزدها الا غما، قد
سألتك فأخبرها، فأقبل علي فقال: يا ابن أبي نعم، أتأمرني ان آمرها أن
تدفعه الی هذه الجيوش، الذين يخرجون فيفسدون في الارض ويقطعون
السبيل؟ قال: فقلت فتأمرها بماذا؟ قال: آمرها أن تنفقه على أهل الخير،
وعلى حجاج بيت الله، أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان- يكررها
ثلاثا. قلت: وما وفد الشيطان؟ قال: قوم يأتون هؤلاء الامراء فيمشون
إليهم بالنميمة والكذب، فيعطون عليها العطايا، ويجازون عليها بالجوائز.
وفي هذا الحديث أيضا، دليل على أن من جاز له أخذ الصدقة وحلت له،
أنه يتصرف فيها ويملكها، ويصنع فيها ما شاء من بيع وهبة، وغير ذلك مما
= ٢٣٢
فتح البر
أحب، ولذلك ما يطيب أكلها لمن اشتراها، ولمن أهديت إليه. وقد تقدم
القول في معنى هدية المسكين من الصدقة للغنى في باب ربيعة في قصة لحم
بريرة، اذ قال رسول الله وي ليه: هو عليها صدقة، وهو لنا هدية(١).
حدثنا أحمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن
فطیس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن شیبویه السجستي، قال: حدثنا
عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن، عن أم سلمة، أن النبي ◌ّ* دخل عليها فقال: أعندك شيء؟ فقالت
لا، الا رجل شاة تصدق به على امرأة، فأهدته لنا، فقال النبي وَّ : قربيه،
فقد بلغت محلها(٢).
ومعنى قوله هذا- والله أعلم - أي قد بلغت حالا تحل لنا فيها، اذ هي
هدية أهداها من يملكها، وان كان أصلها صدقة فلا تضر، لانها ليست
بصدقة من المهدي.
ويحتمل أن يكون أراد بلغت موضعها الذي قدر الله ان تؤکل فيه، فهو
محلها، وهو من الوجه الأول: أنها بلغت حالا حل له فيها أكلها.
ويحتمل أن يكون أراد قد بلغت الحاجة محلها، فنحن نأكل الرجل وغير
الرجل لحاجتنا إلى ذلك- والله أعلم بما أراد بقوله ذلك.
حدثني محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن مطرف، قال: حدثنا سعيد
ابن عثمان، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي، قال: حدثنا سفيان بن
(١) خ (٩/ ٥٠٩٧/١٧٢)، م (٢/ ١٠٧٤/٧٥٥-١٠٧٥)، ن (٦/ ٣٤٤٧/٤٧٤).
(٢) وفي سند ابن عبد البر محمد بن إسحاق السجستي ذكره في لسان الميزان وقال عن ابن عدي
وأورد له عدة أحاديث عن عبد الرزاق وقال كلها غير محفوظة ولا يتبعه عليها الثقات، انظر بقية
الكلام: (٥/ ٦٧).
صدقة التطوع
٢٣٣ -
عيينة، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن جويرية بنت الحارث، قالت:
دخل على رسول الله وَ﴿ ذات يوم فقال: هل عندكن شيء؟ قلت لا، الا
عظم أعطيته مولاة لنا من الصدقة، قال: قربيه، فقد بلغت محلها(١).
وروى ابن علية عن خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية
قالت: بعث الي النبي ◌ٍّ﴿ شاة من الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها بشيء،
فلما خرج رسول الله وَ لقوله الى عائشة قال: هل عندكم من شيء؟ قالت: لا،
الا أن أم عطية بعثت الينا من شاتها التي بعثتم بها إليها، فقال: انها قد بلغت
محلها(٢) - كذا قال ابن علية، وخالفه أبو شهاب فقال فيه عن أم عطية:
قالت: بعثت نسيبة الانصارية بشاة وذكره.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، عن
أبي شهاب عن خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت:
بعثت الي نسيبة الانصارية بشاة، فأرسلت إلى عائشة منها فقال رسول الله
وَ ل ير: هل عندكم شيء؟ فقالت: لا، الا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة،
قال: هات، فقد بلغت محلها(٣).
(١) حم (٤٢٩/٦)، م (٢ / ٧٥٤/ ١٠٧٣).
(٢) حم (١٠٧/٦)، خ (٣/ ١٤٩٤/٤٥٤). م (٢ / ١٠٧٦/٧٥٦).
(٣) خ (٣/ ٣٩٤ -٣٩٥/ ١٤٤٦).
٢٣٤
فتح البر
صَلى الله
عَلـ
لا تحل الصدقة لآل محمد
وَسِ
[١٨] مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أم
المؤمنین، قالت: کانت في بریرة ثلاث سنن، و کانت احدی السنن الثلاث انها
اعتقت فخيرت في زوجها، وقال النبي ◌ّير: ((الولاء لمن اعتق))، ودخل رسول
الله ﴾﴾، والبرمة تفور بلحم، فقرب إلیه خبز وادم من ادم البيت، فقال رسول
الله وَلّى: ألم أر البرمة فيها لحم؟ فقيل بلى يا رسول الله، لحم تصدق به على بريرة،
وأنت لا تأكل الصدقة، فقال رسول الله وَ لا ت: هو عليها صدقة وهو لنا
هدیة»(١).
وأما قوله في الحديث ألم أر برمة فيها لحم؟ فقيل بلى يا رسول الله، ولكن
ذلك لحم تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال پيچ و هو عليها
صدقة وهو لنا هدية، ففيه إباحة أكل اللحم، وهو يرد قول من کرهه من
الصوفية، والعباد، ویبین معنی قول عمر: ((ایاکم واللحم، فان له ضراوة
کضراوة الخمر))، وقد روي عن رسول الله پژ انه قال: ((سید ادام الدنيا
والآخرة اللحم)(٢). وسيأتي من هذا المعنى ذكر عند قوله وَّ ل ((نكب عن
ذات الدر)» في موضعه من هذا الكتاب ان شاء الله.
(١) حم (٤٥/٦-٤٦). خ (٩ / ١٧٢ /٥٠٩٧) و(٥٢٧٩/٥٠٥/٩).
م: (١٠٧٥/٧٥٥/٢(١٧٢)) و(١٥٠٤/١١٤٣/٢(١٠)-(١١)-(١٤)).
جه: (٢٠٧٦/٦٧١/١). ن (٦/ ٤٧٤ /٣٤٤٧-٣٤٤٨).
(٢) ذكره الهيثمي في المجمع (٣٨/٥) من حديث بريدة وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد
ابن عبية القطان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. ورواه ابن ماجة
(٣٣٠٦/١٠٩٩/٢). عن أبي الدرداء بلفظ ((سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم)). قال
البوصيري في الزوائد: ((في إسناده أبو مشجعة وابن أخيه مسلمة بن عبد الله. لم أر من جرحهما
ولا من وثقهما. وسليمان بن عطاء ضعيف. قال السندي: قلت: قال الترمذي: وقد اتهم
بالوضع)).
صدقة التطوع
٢٣٥ =
ذکر الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا
بكار بن عبدالعزيز بن بريد الكندي، قال: حدثنا غالب القطان، قال: كان
للحسن كل يوم لحم بنصف درهم، وما وجدت مرقة قط أطيب ريحا من
مرقة الحسن.
قال وحدثنا عائذ، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، قال ما وجدت
مرقة أطيب ريحا من مرقة الحسن.
قال وحدثنا عبدالصمد، قال: حدثنا أبو هلال، قال: ما دخلنا على
الحسن قط الا وقدره تفور بلحم طيبة الريح، قال: ودخلت يوما على محمد،
وهو یأکل متكئا من سمك صغار.
وفي هذا الحديث أيضا ان الصدقة كان رسول الله وَ ل# لا يأكلها، وكان
يأكل الهدية.
وأجمع العلماء أن الصدقة كانت لا تحل له على لسانه وَله، ثبت عنه وَّله
انه قال: الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، وانه كان يأكل الهدية، ولا
يأكل الصدقة(١).
حدثنا خلف بن القاسم قال: حدثنا أبو طالب محمد بن زكياء المقدسي،
قال: حدثنا عبيد بن الغازي أبو ذهل، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال
حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن عائشة،
قالت: ((كان رسول الله وَلا يقبل الهدية، وكان لا يقبل الصدقة))(٢).
وقالت طائفة من أهل العلم: ان صدقة التطوع كان رسول الله وَآلآ يتنزه
عنها، ولم تكن عليه محرمة.
(١)م(٢/ ٧٥٢/ ١٠٧٢) مطولا.
(٢) حم (٩٠/٦). خ (٢٥٨٥/٢٦٢/٥). ت(٢٩٨/٤/ ١٩٥٣) وقال حسن غريب صحيح.
فتح البر
= ٢٣٦
وقال آخرون وهم أكثر أهل العلم: كل صدقة فداخلة تحت قوله عليه.
((ان الصدقة لا تحل لنا(١)) واستدلوا بانه كان ◌َ لي لا يأكل صدقة التطوع،
وقالوا في اللحم الذي تصدق به على بريرة انه كان من صدقات التطوع؛
لأن المعروف في الصدقات المفروضات انها لا تفرق لحما، وانما تفرق لحما
لحوم الاضحية، والعقيقة، وغير ذلك من التطوع.
قال أبو عمر: اما تحريم الصدقة المفترضة، علیه، وعلى أهله، فأشهر عند
أهل العلم من أن يحتاج فيها الى اكثار، ونحن نذكر ها هنا من ذلك ما فيه
کفایة ان شاء الله.
وذكر عبدالرزاق عن معمر عن همام بن منبه انه سمع أبا هريرة يقول :
قال رسول الله وَلفي: ((انى لأدخل بيتي فأجد التمرة ملقاة على فراشي، فلولا
انى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها)»(٢).
وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس ((ان النبي ولو كان يمر بالتمرة
فما يمنعه من أخذها الا مخافة ان تكون صدقة»(٣).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ويعيش بن سعيد، قالا: حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي العوام، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل،
(١) جزء من حديث أبي رافع رضي الله عنه أخرجه:
حم (١٠/٦). د (٢ /١٦٥٠/٢٩٨). ت (٦٥٧/٤٦/٣) وقال حسن صحيح. ن
(٢٦١١/١١٢/٥). ك (٤٠٤/١) وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه
الذهبي. البغوي (١٦٠٧/١٠٢/٦).
(٢) خ (١٠٨/٥/ ٢٤٣٢) من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة.
م (٢ / ٧٥١/ ١٠٧٠ (١٦٣)). عبد الرزاق في المصنف: (٤/ ٦٩٤٤/٥٢). ومن طريق عبد
الرزاق: البغوي (١٦٠٦/٩٩/٦)
(٣) حم (٣/ ١٨٤). خ (٢٠٥٥/٣٦٨/٤) و(٢٤٣١/١٠٨/٥) من طريق طلحة عن أنس.
م (٢ / ٧٥٣/ ١٠٧٢ (١٦٦)). د (٢ /٢٩٩/ ١٦٥١).
٢٣٧
صدقة التطوع
قال حدثنا ثابت بن عمارة عن ربيعة بن شيبان، قال: قلت للحسن بن علي:
هل حفظت من رسول الله وَيغير شيئا؟ قال نعم. دخلت غرفة الصدقة،
فأخذت تمرة من تمر الصدقة، فألقيتها في فمي، فقال النبي وَطلقة: ((انزعها فان
الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لاهله))(١).
روى شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: ((ان النبي وسّ اتى بتمر من
تمر الصدقة، فتناول الحسن بن علي منها تمرة، فلاكها، فقال له النبي وَالطيار:
(كخ، انه لا تحل لنا الصدقة))(٢).
قال أبو عمر:
اما الصدقة المفروضة، فلا تحل للنبي ◌َّة، ولا لبني هاشم، ولا لمواليهم،
لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك الا ان بعض أهل العلم قال: ان موالي
بني هاشم لا يحرم عليهم شيء من الصدقات، وهذا خلاف الثابت عن
النبي لة.
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد
ابن شعیب، قال حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا شعبة،
قال: حدثنا الحكم عن ابن أبي رافع عن أبيه ان رسول الله وَليه استعمل
رجلا من بني مخزوم على الصدقة فأراد أبو رافع أن يتبعه، فقال النبي وَله.
((ان الصدقة لا تحل لنا، وان مولى القوم منهم))(٣).
(١) حم (١/ ٢٠٠). ذكره الهيثمي في المجمع (٩٣/٣) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٢) حم (٤٠٩/٢ -٤١٠). خ (٣/ ١٤٩١/٤٥١). م (٢/ ١٠٦٩/٧٥١ (١٦١)).
هق (٢٩/٧). مي (٣٨٦/١). البغوي (١٦٠٥/٩٩/٦).
(٣) سبق تخريجه.
= ٢٣٨
=
فتح البر
وأبو رافع مولى النبي ◌َّ﴾، واسمه أسلم، وقيل إبراهيم، وقيل غيرذلك
على ما قد ذكرنا في كتاب الصحابة.
واختلف العلماء أيضا في جواز صدقة التطوع لبني هاشم، والذي عليه
جمهور أهل العلم، وهو الصحيح عندنا ان صدقة التطوع لا بأس بها لبني
هاشم، ومواليهم، ومما يدلك على صحة ذلك ان عليا، والعباس، وفاطمة،
رضي الله عنهم وغيرهم تصدقوا، وأوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم،
وصدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة.
ولا خلاف علمته بين العلماء في بني هاشم وغيرهم في قبول الهدايا،
والمعروف سواء، وقد قال وَّي: ((كل معروف صدقة))(١). وسنزيد هذا
الباب بيانا في أولى المواضع به من كتابنا هذا ان شاء الله.
واما امتناعه ولو من أكل صدقة التطوع، فمشهور، ومنقول من وجوه
صحاح.
حدثنا عبدالله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال:
حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا زياد بن أيوب، وحدثنا عبدالله بن محمد
ابن يوسف، قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن
الحسن بن هارون الصباحي، قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قالا:
حدثنا أبو عبيدة عبد الواحد بن واصل، قال: حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه
عن جده، قال: ((كان النبي ◌َّ إذا أتي بشيء سأل عنه: أصدقة، أم هدية))؟
فان قيل: صدقة، لم يأكل منه، وان قيل هدية بسط يده))(٢).
(١) من حديث حذيفة رضي الله عنه: م (٢/ ١٠٠٥/٦٩٧(٥٢)). د(٤٩٤٧/٢٣٥/٥).
من حديث جابر رضي الله عنه: حم (٣/ ٣٤٤). خ (١٠ / ٥٤٨/ ٦٠٢١).
ت (٤ / ٣٤٧/ ١٩٧٠) وقال حديث حسن. البغوي (٦/ ١٦٤٢/١٤٢-١٦٤٦).
(٢) ت (٦٥٦/٢٥/٣) وقال حسن غريب. ن (٢٦١٢/١١٢/٥).
:
صدقة التطوع
٢٣٩ _
وحدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا مؤمل بن يحيى بن مهدي قال:
حدثنا محمد بن جعفر بن حفص بن راشد الامام، قال: حدثنا علي بن
المديني قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، ويوسف بن يعقوب السدوسي، قالا:
حدثنا بهز بن حکیم عن أبيه عن جده: «ان رسول الله پڼے کان إذا أتي بهدية
قبلها، واذا أتي بصدقة أمر أصحابه، فأكلوها))(١).
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدالله بن موسى،
قال: حدثنا اسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي قرة الكندي عن سلمان
الفارسي، قال: «كنت من ابناء أساورة فارس، وكنت في کتاب، وكان معي
غلامان، فاذا أتیا من عند معلمهما، اتیا قسا، فدخلا عليه، فدخلت معهما
عليه، فقال: ألم انهكما ان تأتیاني بأحد؟ فجعلت اختلف إلیه حتى كنت
أحب إليه منهما، فقال لي: إذا سألك أهلك ما حبسك؟ فقل: معلمي، واذا
سألك معلمك ما حبسك؟ فقل: أهلي، ثم انه اراد أن يتحول فقلت له: انا
أتحول معك، فتحولت معه، فنزلت قرية فكانت امرأة تأتیه، فلما حضر قال
لي یا سلمان: احفر عند رأسي، فحفرت عند رأسه، فاستخرجت جرة من
دراهم، فقال لي: صبها على صدري فصببتها على صدره، فجعل يقول: ويل
لاقتنائي ! ثم انه مات فهممت بالدراهم ان أحولها، ثم اني ذكرت قوله،
فتركتها، ثم اني أذنت القسيسين والرهبان به، فحضروه، فقلت لهم: انه قد
ترك مالا، فقام شباب من القرية، فقالوا هذا مال أبينا فأخذوه، قال: فقلت
للرهبان أخبروني برجل عالم اتبعه، فقالوا: ما نعلم في الارض رجلا أعلم
من رجل بحمص فانطلقت إليه، فلقيته، فقصصت علیه القصة، قال: وما
(١) انظر ما قبله.
فتح البر
١ = ٢٤٠
جاء بك الا طلب العلم، قلت: ما كان الا طلب العلم، فقال: اني لا أعلم
اليوم في الارض أحدا أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة ان انطلقت
الآن وافقت حماره، فانطلقت فاذا انا بحماره على باب بيت المقدس،
فجلست عنده، وانطلق فلم أره، حتى الحول، فجاء فقلت يا عبد الله: ما
صنعت بي؟ قال وانك لهاهنا؟ قلت: نعم، فاني والله ما أعلم اليوم رجلا
أعلم من رجل خرج من أرض تيماء، وان تنطلق الآن توافقه، وفیه ثلاث
آيات: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وعند غرضوف كتفه اليمنى خاتم
النبوة، مثل بيضة الحمامة لونها لون جلده، قال فانطلقت ترفعني أرض
وتخفضني أخرى حتى مررت بقوم من الاعراب، فاستعبدوني فباعوني
حتى اشترتني امرأة بالمدينة، فسمعتهم يذكرون النبي ◌َّطقة، وكان العيش
عزيزا، فقلت لها هبي لي يوما، فقالت: نعم.
فانطلقت فاحتطبت حطبا فبعته، وصنعت طعاماً فأتيت به النبي وَلقوى،
وكان يسيرا فوضعته بين يديه، فقال: ما هذا؟ فقلت: صدقة، فقال
لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، فقلت: هذه من علاماته. ثم مكثت ما شاء الله
ان أمكث ثم قلت لمولاتي: هبي لي يوماً، فقالت: نعم، فانطلقت فاحتطبت
حطبا فبعته بأكثر من ذلك، وصنعت طعاماً، فأتيت به النبي ◌ُّێ وهو بين
أصحابه، فوضعته بين يديه، فقال: ما هذا؟ فقلت: هدیة، فوضع يده، وقال
لأصحابه: خذوا باسم الله، فقمت خلفه فوضع رداءه فاذا خاتم النبوءة،
فقلت: أشهد أنك رسول الله صلى الله عليك وسلم، فقال: وما ذاك؟
فحدثته عن الرجل، ثم قلت: أيدخل الجنة يا رسول الله فانه حدثني أنك
نبي؟ فقال: لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة))(١).
(١) حم (٤٣٨/٥). ذكره الهيثمي في المجمع (٣٣٩/٩).