Indexed OCR Text
Pages 181-200
صدقة التطوع
١٨١=
ما جاء في الحث على الصدقة
فيمن لا يتفطن لفقره
[١٢] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هریرة، أن رسول الله پټ قال: لیس
المسكين بهذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة
والتمرتان؛ قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنی یغنیه، ولا
يفطن الناس له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس(١).
هكذا قال يحيى في هذا الحديث، فما المسكين؟ ولم يقل: فمن المسكين؟
وكان وجه الكلام أن يقول: فمن المسكين؟ لان ((من)) وضعت لمن يعقل،
وقد تابع يحيى على قوله: فما المسكين جماعة، ويحتمل وجهين، أحدهما أن
یکون أراد بها الحال التي يكون بها السائل مسكينا، والوجه الآخر ان تكون
ما هنا من، كما قال عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَنَهَا﴾ [الشمس: (٥)] أراد ومن
بناها، وكما قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُثَنَ﴾ [الليل: (٣)] بمعنى أراد ومن خلق
الذكر والانثى. فأما قوله: لیس المسکین بهذا الطواف، فانه أراد: لیس
المسكين حقا على الكمال، وهو الذي بالغته المسكنة بهذا الطواف، لان هناك
مسکینا أشد مسکنة من الطواف، وهو الذي لا يجد غنی ولا يسأل، ولا
يفطن له فيتصدق عليه؛ هذا وجه قوله ◌َّله: ليس المسكين بالطواف، لا
وجه له غير ذلك؛ لانه معلوم أن الطواف مسكين، وذلك موجود في
الآثار، ومعروف في اللغة؛ ألا ترى إلى قوله وقالفي: ((ردوا المسكين ولو بظلف
محرق(٢)».
(١) خ: (٣/ ١٤٧٩/٤٣٤)، م: (١٠٣٩/١٧٩/٢)، ن: (٢٥٧١/٨٩/٥).
(٢) حم: (٤٣٥/٦)، د: (١٦٦٧/٣٠٧/٢)، ت: (٥٢/٣-٦٦٥/٥٣) وقال: حديث أم بجيد
حديث حسن صحيح. ن: (٢٥٦٤/٨٦/٥) والبيهقي (١٧٧/٤) وحب: (الإحسان)
(٣٣٧٤/١٦٨/٨).
فتح البر
١١ = ١٨٢
هكذا رواه مالك عن زيد بن أسلم، عن ابن بجيد، عن جدته، عن النبي
وَ له. وقول عائشة إن المسكين ليقف على بابي الحدیث، فقد سمته مسکینا،
وهو طوَّف على الأبواب؛ وقد جعل الله عز وجل الصدقات للفقراء
والمساكين.
وأجمعوا ان السائل الطواف المحتاج مسکین، وفي هذا كله ما يدلك على
ما وصفنا وبالله توفيقنا.
واختلف العلماء وأهل اللغة في المسكين والفقير، فقال منهم قائلون:
الفقير أحسن حالا من المسكين، قالوا: والفقير الذي له بعض ما يقيمه
ويكفيه، والمسكين الذي لا شيء له؛ واحتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد
قالوا: الا ترى أنه قد أخبر أن لهذا الفقير حلوبة، وممن ذهب الى هذا،
يعقوب بن السکیت، وابن قتيبة، وهو قول يونس بن حبیب؛ وذهب إليه
قوم من أهل الفقه والحديث. وقال آخرون المسكين أحسن حالا من الفقير،
واحتج قائلوا هذه المقالة بقول الله عز وجل: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ
لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ ﴾ [الكهف: (٧٩)] فأخبر أن للمسكين سفينة من
سفن البحر، وربما ساوت جملة من المال.
واحتجوابقول الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ
مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
قالوا فهذه الحال التي وصف الله بها الفقراء، دون الحال التي أخبر بها
عن المساكين؛ قالوا: ولا حجة في بيت الراعي، لانه إنما ذكر ان الفقير كانت
صدقة التطوع
=
١٨٣ ٠
له حلوبة في حال ما قالوا: والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي
نزعت فقرة من ظهره من شدة الفقر، فلا حال أشد من هذه واستشهدوا
بقول الشاعر:
لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل
أي: لم يطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالارض؛
قالوا: وهذا هو الشديد المسكنة، واستدلوا بقول الله عز وجل ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا
مَتْرَبٍّ﴾ [البلد: ١٦] يعني مسكنا قد لصق بالتراب من شدة الفقر، وهذا يدل
على أن ثم مسكينا ليس ذا متربة، مثل الطوَّاف وشبهه ممن له البلغة والسعي
في الاكتساب بالسؤال والتحرف ونحو هذا؛ وممن ذهب الى أن المسكين
أحسن حالا من الفقير الاصمعي، وأبو جعفر أحمد بن عبيد، وهو قول
الكوفيين من الفقهاء أبي حنيفة واصحابه ذكر ذلك عنهم الطحاوي؛ وهو
احد قولي الشافعي، وللشافعي رحمه الله قول آخر ان الفقير والمسكين سواء،
ولا فرق بينها في المعنى، وان افترقا في الاسم؛ وإلى هذا ذهب ابن القاسم
{ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
وسائر أصحاب مالك في تأويل قول الله عز وجل: ﴿
لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: (٦٠)] وأما أكثر أصحاب الشافعي، فعلى ما
ذهب إليه الكوفيون في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
وقال أبو بكر بن الانباري: المسكين في كلام العرب الذي سكنه الفقر،
اي: قلل حركته، واشتقاقه من السكون؛ يقال: قد تمسكن الرجل وتسكن
إذا صار مسكينا وتمدرع الرجل وتدرع: إذا لبس المدرعة. وفي هذا الحديث
دليل على ان الصدقة على أهل الستر والتعفف، افضل منها على السائلين
الطوافين.
فتح البر
= ١٨٤
1
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا علي بن محمد، حدثنا أحمد بن أبي
سلیمان، حدثنا سحنون، حدثنا ابن وهب، قال أخبرني اشهل بن حاتم، عن
ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال عمر: ليس الفقير الذي لا مال له،
ولكن الفقير الاخلق الكسب.
١٨٥
صدقة التطوع
ما جاء في فضيلة الكسب باليد
[١٣] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وس * قال:
«والذي نفسي بيده ليأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي
رجلا، أعطاه الله من فضله فيسأله، أعطاه أومنعه(١)».
هكذا في جل الموطآت ليأخذ، وروايته لابن نافع عن مالك: لأن يأخده،
وكذلك رواه معن بن عيسى، عن مالك وهو المراد والمقصد، والمعنى
مفهوم والحمد لله.
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية: وحدثنا عبد
الرحمن بن يحيى، قال حدثنا الحسن بن الخضر الاسيوطي، قالا حدثنا أحمد
ابن شعیب، قال أخبرنا علي بن شعیب، قال حدثنا معن، قال حدثنا مالك،
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله بَ ير قال: ((والذي
نفسي بيده لأن يأخذ أحدکم حبله فيحطب على ظهره، خير له من أن يأتي
رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه (١)).
في هذا الحديث كراهية السؤال لكل من فيه طاقة على السعي
والاكتساب، وفيه ذم المسألة، وحمد المعالجة والسعي والتحرف في المعيشة؛
وقد وردت أحاديث عن النبي صل # في ذم المسألة كثيرة صحاح، فيها شفاء
لمن تدبرها ووقف على معانيها؛ وهي تفسر معنى هذا الباب، وتوضح المراد
من حديثه والله الموفق للصواب.
فمما يخرج في هذا الباب، قوله ◌َّلي: ((اليد العليا خير من اليد السفلى،
(١) حم: (٢/ ٢٥٧)، خ: (١٤٧٠/٤٢٧/٢) ون: (٢٥٨٨/١٠٠/٥).
فتح البر
-١٨٦:
واليد العليا المنفقة (١))). وقيل: المتعففة على حسبما ذكرنا من ذلك في باب
نافع من كتابنا هذا؛ واليد السفلى السائلة، وقد ذكرنا طرق هذا الحديث في
باب نافع، فلا وجه لا عادة ذلك ههنا.
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن
شعیب، قال أخبرنا أبو داود، قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا أبي
عن صالح، عن ابن شهاب، أن أبا عبيد -مولى عبد الرحمن بن أزهر-
أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وشي: (( لأن يحتزم أحدكم
بحزمة حطب فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلا
فيعطيه أو يمنعه(٢))).
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا حفص بن عمر النمري، قال حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن
عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، عن سمرة، عن النبي وَالر قال: ((المسائل
کدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك،
إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بد(٣)).
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا أحمد بن
شعيب، قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبدالحكم، عن شعيب بن الليث،
عن الليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: سمعت حمزة بن عبد
الله يقول: سمعت عبدالله بن عمر يقول: قال رسول الله ◌ُله: ((ما يزال
(١) خ: (١٤٧٢/٤٢٧/٣)، م: (١٠٣٥/١٧٧/٢)، د: (١٦٤٨/٢٩٧/٢) ن: (٢٥٣٢/٦٥/٥).
(٢) حم: (٤٥٥/٢)، خ: (٤/ ٢٠٧٤/٣٨١)، م: (١٠٤١/٧٢١/٢) ن: (٢٥٨٣/٩٨/٥).
(٣) حم: (٢٢/٥)، د: (١٦٣٩/٢٨٩/٢)، ت: (٦٨١/٦٥/٣) وقال: حديث حسن صحيح.
و ن: (٢٥٩٨/١٠٥/٥).
صدقة التطوع
١٨٧
الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم(١)).
أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبدالاعلى، بن عبد
الاعلى عن معن، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن حمزة بن عبد الله،
عن أبيه، أن النبي وَل﴾ قال: (( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله، وليس
في وجهه مزعة لحم(٢)).
وأخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث، عن جعفر بن
ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي، أن
الفراسي قال لرسول الله وَ يقيل: يارسول الله، أأسأل؟ قال: لا، وإن كنت
سائلا - لا بد- فاسأل الصالحين(٣).
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا هشام بن عمار، قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز،
عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني، قال
حدثني الحبيب الامین أما هو إلي فحبيب، وأما هو عندي فأمین: عوف بن
مالك، قال: كنا عند رسول الله وَ له سبعة أو ثمانية أو تسعة، فقال: ألا
تبايعون رسول الله وَله، وكنا حديث عهد ببيعته؟ قلنا: قد بايعناك قالها
ثلاثا، فبسطنا أيدينا فبايعناه؛ قال قائل: يا رسول الله، إنا قد بايعناك، فعلام
(١) أخرجه خ: (١٤٧٤/٤٣١/٣)، م: (١٠٤٠/٧٢٠/٢)، ن: (٢٥٨٤/٩٨/٥) والبغوي
(١١٩/٢/ ١٦٢٢).
(٢) حم: (١٥/٢-٨٨) وم: (١٠٤٠/٧٢٠/٢).
(٣) حم: (٤ / ٣٣٤)، د: (١٦٤٦/٢٩٦/٢) ون: (٢٥٨٦/٩٩/٥). وفي سنده مسلم بن مخشي،
انفرد بتوثيقه ابن حبان کما في التهذيب.
فتح البر
:١٨٨
نبايعك؟ ((قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وتصلوا الصلوات
الخمس، وتسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية قال: لا تسألوا الناس شيئا
قال: فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا یناوله
إياه(١).
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال حدثني أبي، قال حدثنا شعبة، عن عاصم
عن أبي العالية عن ثوبان مولى رسول الله وَ ﴿ قال: قال رسول الله وَله: من
يتكفل لي ألا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة؟ فقال ثوبان: أنا، فكان لا
يسأل أحدا شيئا(٢).
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن
شعیب، قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي. قال حدثنا أمية
ابن خالد، قال حدثنا شعبة، عن بسطام بن مسلم، عن عبد الله بن خليفة،
عن عائد بن عمرو، أن رجلا أتى النبي وَ ل﴿ فسأله فأعطاه، فلما وضع رجله
على أسكفة الباب، قال: قال رسول الله صل فير: لو تعلمون ما في السؤال، ما
مشى أحد الى أحد يسأله شيئا(٣).
قال أبو عمر: السؤال لا يجوز لمن فيه منة وقوة وأدنى حيلة في المعيشة،
إلا أن يسأل ذا سلطان؛ لان له عنده حقا في بيت المال وإن لم يتعين؛ أو
يسأل في أمر لا بد له منه من حمالة يتحملها، أو دین أدانه في واجب أو
(١) م: (٢/ ١٠٤٣/٢٧١)، د: (١٦٤٢/٢٩٤/٢) ون: (٤٥٩/٢٤٨/١)
جه: (٢/ ٢٨٦٧/٩٥٧).
(٢)حم: (٢٧٥/٥-٢٧٦) د: (١٦٤٣/٢٩٥/٢) ون: (٢٥٨٩/١٠١/٥)
جه: (١٨٣٧/٥٨٨/١) والبغوي: (١٦٢٠/١١٧/٦).
(٣) ن: (٢٥٨٥/٩٩/٥) وفي سنده عبد الله بن خليفة وهو مجهول.
صدقة التطوع
الـ
١٨٩ =
مباح، يسأل من يعرف أن كسبه لا بأس به وهم الصالحون الذين قصد
إليهم في حديث الفراسي المذكور في هذا الباب والله أعلم.
وفي حديث قبيصة بن المخارق ثلاثة وجوه، وفي حديث أنس أيضا ثلاثة
وجوه تحل فيها المسألة، لا ينبغي أن تتعدى إلا إلى ما ذكرنا في حديث سمرة
والله أعلم.
حدثنا عبدالرحمن بن یحیی، حدثنا علي بن محمد، حدثنا أحمد بن داود،
حدثنا سحنون بن سعید، حدثنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني اللیث بن
سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أنه سمع
أباه يقول: قال رسول الله وَ ل : ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم
القيامة ليس في وجهه مزعة لحم(١)».
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل
ابن إسحاق، قال حدثنا حفص بن عمر الخوضي، وسليمان ابن حرب، قالا
حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، قال
سمعت سمرة بن جندب قال: قال رسول الله پڑ : المسائل کدوح یکدح بها
الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، الا أن يسأل ذا
سلطان أو ینزل به أمر لا يجد منه بد(٢).
ورواه الثوري وأبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير- بإسناده- مثله
سواء.
وأخبرنا عبدالله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبوداود، قال
حدثنا مسدد، قال حدثنا حماد بن زيد، عن هارون بن رباب، قال حدثنا
(١) و(٢) سبق تخريجهما في الباب نفسه.
فتح البر
١ = ١٩٠
كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال، تحملت حمالة
فأتيت النبي والقر فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة وآمر لك بها ثم
قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لاحدى ثلاث: رجل تحمل بحمالة
فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيبها ثم يمسك؛ ورجل أصابته جائحة
فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو
سدادا من عيش؛ ورجل أصابته فاقة حتى يقول: ثلاثة من ذوي الحجا من
قومه قد أصابت فلانا الفاقة، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصیب قواما
من عيش أو سدادا من عيش، ثم يمسك؛ وما سواهن من المسائل يا قبيصة
سحت يأكلها صاحبها سحتا(١).
قال أبو عمر: هذا واضح في وجوه المسألة، مغن عن قول كل قائل وبالله
التوفيق. والسداد في هذا الحديث وما كان مثله بكسر السين، ومعناه البلغة
والكفاية؛ وكذلك ما سد به الشيء، يقال له أيضا: سداد بالكسر.
قال العرجي وهو من ولد عثمان بن عفان:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
وأما السداد بالفتح، فهو القصد.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال حدثنا عيسى ابن يونس، عن الاخضر
ابن عجلان، عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك، أن رجلا من الانصار
أتى النبي ګ يسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس نلبس
(١) م: (٢/ ١٠٤٤/٧٢٢[١٠٩])، د: (١٦٤٠/٢٩٠/٢)، ت: (٦٥٣/٤٣/٣)
ن: (٢٥٧٩/٩٤/٥).
=
١٩١
صدقة التطوع
بعضه، ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء؛ فقال: ائتني بهما، فأتاه بهما؛
فأخذهما رسول الله ◌َ ي بيده وقال: من يشتري هذين؟ فقال رجل: أنا
آخذهما بدرهم: قال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا؟ قال رجل: أنا
آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه؛ وأخذ الدرهمين فأعطاهما الانصاري
وقال: اشتر بأحدهما طعاما، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما وائتني،
فأتاه به فشد فيه رسول الله ◌َ في عودا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع
ولا أراك خمسة عشر يوما؛ فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب
عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما؛ فقال رسول الله وعليه
هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا
تصلح الا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم
موجع(١).
قال أبو عمر: الدم الموجع: الحمالة في دم الخطأ، والفقر المدقع الذي
أفضى بصاحبه إلى الدقعاء وهي التراب، كأنه ألصق ظهره بالارض من
الفقر؛ وهو مثل قول الله عز وجل: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَكْرٍ﴾ [البلد: (١٦)] وقد
فسرنا معنى المسكين والفقير فيما تقدم من حديث أبي الزناد في كتابنا هذا
والحمد لله.
أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا ابن أبي دلیم، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا نصر بن المهاجر، قال حدثنا الضحاك بن مخلد، عن عبد الرحمن
ابن عبد المؤمن، عن غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عمر،
قال: مكسبة فيها بعض الريبة، خير من مسألة الناس. هكذا قال: الريبة،
وانما حفظناه الدناءة.
(١) د: (١٦٤١/٢٩٢/٢)، ن: (٤٥٢٠/٢٩٧/٧)، ت: (١٢١٨/٥٢٢/٣) وقال: هذا حديث
حسن لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان وعبد الله الحنفي الذي روى عن أنس هو أبو
بكر الحنفي. وجه: (٢/ ٢١٩٨/٧٤٠).
فتح البر
-- ١٩٢
ذكر العقيلي، قال حدثنا الحسن بن سهل، قال أخبرنا أبو عاصم، قال
أخبرنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن، قال حدثنا غالب القطان، عن بكر بن
عبد الله المزني، قال: قال عمر بن الخطاب: مكسبة فيها بعض الدناءة، خير
من مسألة الناس.
قال العقيلي: عبد الرحمن بن عبدالمؤمن هذا، هو عبدالرحمن بن عبد
المؤمن بن فيروز المعولي الرامي، بصري ثقة.
وقال أبوحاتم الرازي: سمعت الحسن بن الربيع يقول: قال لي ابن
المبارك ما حرفتك؟ قلت أنا بوراني، قال: ما بوراني؟ قلت: لي غلمان
يصنعون البواري، قال: لو لم تكن للصناعة، ما صحبتني.
وقال أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، الزم سوقك، فإن
الغنى من العافية.
صدقة التطوع
١٩٣
اليد العليا خير من اليد السفلى
[١٤] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ ل قال وهو على المنبر وهو
يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا
هي المنفقة، والسفلى السائلة(١).
لا خلاف علمته في إسناد هذا الحدیث ولفظه، واختلف فیه علی ایوب،
عن نافع؛ فرواه حماد بن زيد، وعبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر فقال فيه: اليد العليا المتعففة.
حدثنا عبدالوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن اصبغ، قال حدثنا
بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد بن مسرهد، قال حدثنا حماد بن زيد، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَيقول: اليد العليا خير من
اليد السفلى، اليد العليا المتعففة، واليد السفلى السائلة(٢).
قال أبو عمر: رواية مالك في قوله: اليد العليا المنفقة، اولى واشبه
بالاصول من قول من قال: المتعففة؛ بدليل حديث طارق المحاربي، قال:
قدمنا المدينة، فإذا رسول الله وهو قائم على المنبر يخطب الناس، ويقول: يد
المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك،
ادناك(٣). ذكره النسوي، عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، عن
يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحاربي.
(١) حم: (٢/ ٦٧)، خ: (١٤٢٩/٧٣٦/٣)، م: (١٠٣٣/٧١٩/٢)، د: (١٦٤٨/٢٩٧/٢) و
ن: (٢٥٣٢/٦٥/٥).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ١٩٧) من رواية أيوب عن نافع، عن ابن عمر. وهو عند البخاري
(١٤٢٩/٣٧٦/٣) من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر.
(٣) ن: (٢٥٣١/٦٥/٥) وطب: (الإحسان (١٣٠/٨-٣٣٤١/١٣١) والدار قطني
(٤٤/٣-١٨٦/٤٥) وطب: في الكبير (٣٧٦/٨-٨١٧٥/٣٧٧).
فتح البر
١٩٤
وفي قوله: المنفقة، آداب، وفروض، وسنن، فمن الانفاق فرضا الزكوات
والكفارات، ونفقة البنين والآباء والزوجات، وما كان مثل ذلك من
النفقات؛ ومن الانفاق: سنة الاضاحي، وزكاة الفطر عند من رآها سنة لا
فرضا، وغير ذلك کثیر، والتطوع کله أدب وسنة مندوب إليها؛ قال رسول
الله ◌َلهو: ((كل معروف صدقة(١)».
حدثنا عبدالوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن اصبغ، قال حدثنا
بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا أبو الأحوص، حدثنا أشعث،
عن أبيه، عن رجل من بني يربوع، قال بينا رسول الله واليوم يخطب الناس
فسمعته يقول: يد المعطي العليا أمك وأباك واختك واخاك وادناك
أدناك(٢).
ومثله حدیث عطية السعدي، ذكره عبدالرزاق، عن معمر، عن سماك بن
الفضل، عن عروة بن محمد بن عطية السعدي، عن أبيه، عن جده، قال:
قال رسول الله وَاليه: ((اليد العليا المعطية(٣)). ومثله حديث أبي الاحوص،
عن أبيه: مالك بن نضلة، قال: قال رسول الله وَله: ((الايدي ثلاثة: يد الله
العليا، يد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى؛ أعط الفضل ولا تعجز
عن نفسك(٤)). ذكره أبو داود، عن أحمد بن حنبل، قال حدثنا عبيدة بن
حميد، قال حدثنا أبو الزعراء، عن أبي الاحوص؛ وهذه الآثار كلها تدل على
صحة ما نقل مالك من قوله: واليد العليا المنفقة، ولم يقل المتعففة؛ لان
(١) حم: (٣٤٤/٣)، خ: (٦٠٤١/٥٤٨/١٠) من طريق جابر. م: (١٠٠٥/٦٩٧/٢) من طريق
حذيفة. ود: (٤٩٤٧/٢٣٥/٥) من طريق حذيفة.
(٢) حم: (٦٤/٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠١/٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) حم: (٢٦٦/٤) والبيهقي (١٩٨/٤) وعبد الرزاق (٢٠٠٥٥/١٠٨/١١) وذكره الهيثمي في
المجمع (١٠٠/٣) وقال عقبه: أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد ثقات.
(٤) حم: (١/ ٤٤٦) و(٤٧٣/٣) و(١٣٧/٤)، د: (١٦٤٩/٢٩٨/٢) والبيهقي (١٩٨/٤)، ك:
(٤٠٨/١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
صدقة التطوع
:١٩٥ =|
العلو في الاعطاء لا في التعفف، وقد بان في هذه الآثار ما ذكرنا وبالله
التوفيق.
حدثنا عبدالرحمن بن یحیی، حدثنا علي بن محمد بن مسرور، قال حدثنا
أحمد بن أبي سليمان، حدثنا سحنون بن سعيد، حدثنا ابن وهب، قال
أخبرني حيوة بن شريح، وابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، قال: سمعت
القعقاع بن حكيم يحدث عن عبدالله بن عمر، أن عبدالعزيز بن مروان كتب
إليه: أن ارفع إلي حاجتك، فکتب إلیه عبدالله بن عمر يقول: إني سمعت
رسول الله وَلو يقول: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول.
وإني لا أحسب اليد العليا إلا المعطية، ولا السفلى إلا السائلة؛ وإني غير
سائلك شيئا ولا رادا رزقا ساقه الله إلي منك والسلام(١).
وقد روى عن النبي وَلّر: اليد العليا خير من اليد السفلى جماعة من
أصحابه، منهم: حكيم بن حزام، وأبو هريرة، وهي آثار صحاح كلها(٢).
وفي هذا الحديث من الفقه إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح مما
يكون موعظة أو علما أو قربة إلى الله عز وجل. وفيه الحض على الاكتساب
والانفاق.
ومعلوم ان الانفاق لا يكون الا مع الاكتساب، وهذا كله مفيد بقوله
وَله: ((أجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم(٣)). وفيه ذم المسألة
وعيبها، ويقتضي ذلك حمد اليأس، وذم الطمع فيما في أيدي الناس.
(١) حم: (٤/٢-١٥٢).
(٢) أخرجه خ: (١٤٢٧/٣٧٦/٣)، وم: (١٠٣٥/٧١٧/٢) عن حكيم بن حزام. وأخرجه خ:
(١٤٢٨/٣٧٦/٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) جه: (٢١٤٤/٧٢٥/٢)، ك: (٤/٢) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
ووافقه الذهبي. والبيهقي (٢٦٥/٥).
فتح البر
= ١٩٦
ذكر عبدالرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الاعرج، عن عكرمة
ابن خالد، أن سعدا قال لابنه حين حضره الموت: يا بني، إنك لن تلقى
أحدا هو لك أنصح مني؛ إذا أردت أن تصلي، فأحسن وضوءك، ثم صل
صلاة لا ترى أنك تصلي بعدها؛ وإياك والطمع، فإنه فقر حاضر؛ وعليك
باليأس، فإنه الغنى؛ وإياك وما يعتذر منه من العمل والقول، ثم اعمل ما
بدا لك. وروى العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله قال: ((لا يفتح إنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله علیه باب
فقر؛ ولأن يأخذ الرجل حبلا فيعمد إلى الجبل فيحتطب على ظهره ويأكل
منه، خير له من أن يسأل الناس معطى أو ممنوعا(١).
وقد روي معنى قول سعد المذكور في هذا الباب مرفوعا عن النبي وَلّ،
حدثناه سلمة بن سعيد بن سلمة بن حفص، قال حدثنا علي بن عمر بن
أحمد بن مهدي البغدادي المعروف بالدار قطني الحافظ إملاء بمصر سنة
ست وخمسين وثلاثمائة، قال حدثنا عبدالله بن محمد بن عبد العزيز البغوي،
قال حدثنا الحسن بن راشد بن عبد ربه الواسطي، قال حدثني أبي راشد بن
عبد ربه، قال حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال:
يا رسول الله، حدثني حديثا واجعله مذكرا أي، قال: ((صل صلاة مودع
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك؛ وعليك باليأس مما في أيدي الناس
تعش غنیا، واياك وما يعتذر منه(٢)».
وقد مضی فیما يجوز من السؤال ومن يجوز له، ما فيه كفاية في باب زید
ابن أسلم، عن عطاء بن يسار؛ وسيأتي تمام هذا الباب بما فيه من الآثار في
باب أبي الزناد إن شاء الله.
(١) حم: (٤١٨/٢).
(٢) ذكره الهيثمي في المجمع (٢٢٩/١٠) وقال : رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم.
صدقة التطوع
١٩٧ =
فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق يرزقكه الله
[١٥] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وَ لقول، أرسل الى عمر
ابن الخطاب بعطاء، فرده عمر. فقال له رسول الله وَله: لم رددته؟ فقال: يا
رسول الله، أليس أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا؟ فقال
رسول الله وَله: انما ذلك عن المسألة. فأما ما كان عن غير مسألة، فانما هو رزق
يرزقكه الله. فقال عمر بن الخطاب: أما والذي نفسي بيده، لا أسأل أحدا شيئا،
ولا يأتيني شيء من غير مسألة الا أخذته.
قال أبو عمر:
لا خلاف علمته بين رواة الموطأ عن مالك، في ارسال هذا الحديث
هكذا، وهو حديث يتصل من وجوه ثابتة عن النبي ێ من حديث زيد بن
اسلم عن أبيه عن عمر، ومن غیر ما وجه عن عمر.
وفيه أن يهدي الكبير الى الصغير، والجليل الى من هو دونه. وأن يهدي
القليل المال، الى من هو أكثر منه مالا. وفيه أنه لا ينبغي لأحد أن يرد الهدية
إذا علم طيب مكسبها؛ لأن قوله وَ لآه لعمر لم رددته؟ كان انكارا منه لفعله.
وفيه استعمال العموم في الاخبار والاوامر، ألا ترى أن عمر استعمل ما
سمع من النبي وَّر: قوله خير لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا على
عمومه، ولم توجب عنده اللغة في الخطاب غير ذلك؛ ولم ينكر ذلك عليه
رسول الله وَله، بل بين له مراده منه. وفيه أن العموم جائز عليه
التخصيص. وفيه كراهية السؤال على كل حال.
وقد قدمنا ذكر الآثار فيمن تحل له المسألة، ومن لا تحل له في كتابنا هذا؛
فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.
فتح البر
:١٩٨
=
وقد يحتمل أن يكون قوله في هذا الحديث: بعث رسول الله ( آلټ الى عمر
بعطاء. أي مما كان يقسمه من الفيء على سبيل الأعطية، وهو بعيد؛ لان
أول من فرض الأعطية عمر بن الخطاب. ويستحيل أيضا أن يرد نصيبه من
الفيء، ويقول فيه ذلك القول لمن تدبره.
والوجه عندي أنها عطية على وجه الهبة والهدية والصلة، والله تعالى
أعلم.
وفي الحديث أيضا أن الواجب قبول كل رزق يسوقه الله عز وجل الى
العبد على أي حال کان، ما لم یکن حراما بینا.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، حدثنا علي بن محمد، حدثنا أحمد بن داود،
حدثنا سحنون بن سعيد، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن
الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه، أن رسول
الله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء فيقول له عمر: أعطه يا
رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله وَتليفون: خذه فتموله أو
تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما
لا، فلا تتبعه نفسك(١). قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل
أحداً شيئا، ولا يرد شيئاً أعطيه.
وفيه ما كان عليه عمر رحمه الله من البدار إلى طاعة رسول الله وَة، التي
فيها طاعة الله؛ ألا ترى الى قوله: والله لا أسأل أحدا، ولا يأتيني شيء من
غير مسألة الا أخذته. وهكذا يلزم من جهل شيئا، الانقياد الى العلم
واستعماله: حدثني سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن
نمير، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت
(١) حم: (١/ ٧)، خ: (٣ /١٤٧٣/٤٣٠)، م: (٧٢٣/٢ /١٠٤٥). ن: (٢٦٠٣/١٠٨/٥)
صدقة التطوع
١٩٩ = ١١
عمر بن الخطاب يقول: أرسل الي رسول الله پڼ بمال فرددته، فلما جئته،
قال: ما حملك على أن ترد ما أرسلت به اليك؟ قال: قلت يا رسول الله،
قلت لي: ان خيرا لك أن لا تأخذ من الناس، قال: انما ذلك أن تسأل الناس؛
وما جاءك من غير مسألة، فانما هو رزق رزقكه الله(١).
وحدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال: حدثنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا الحكم بن نافع،
قال: حدثنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبدالله
بن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان رسول الله و لم يعطيني
العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: اعطه
أفقر إليه مني؛ فقال: خذه فتموله وتصدق به، وما جاءك من هذا المال
وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك(٢).
أخبرني عبدالله بن محمد، قال: حدثنا عبدالحميد بن أحمد الوراق، قال:
حدثنا الخضر بن داود، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: حدثنا القعنبي،
قال: حدثنا البهلول بن راشد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن
سالم بن عبدالله، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان رسول
الله ◌َي﴿ يعطيني العطاء، فأقول: اعطه من هو أفقر إليه مني؛ حتى أعطاني
مرة مالا، فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني؛ فقال رسول الله وَله: خذه،
وما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا اشراف فخذه (٣).
وعند ابن شهاب في هذا الحديث، اسناد آخر عن السائب بن يزيد، عن
(١) أخرجه: هق (١٨٤/٦) وذكره الهيثمي في المجمع (١٠٣/٣). قلت : هو في الصحيح باختصار.
رواه أبو يعلى ورجاله موثوقون.
(٢) خ (١٣ / ٧١٦٤/١٨٦)، م (٢/ ٧٢٣ / ١٠٤٥)، ن (٢٦٠٧/١١٠/٥).
(٣) أخرجه: خ (٧١٦٤/١٨٦/١٣)، م (٢/ ١٠٤٥/٧٢٣)، ن (٢٦٠٧/١١٠/٥).
فتح البر
=
٢٠٠٤
حويطب بن عبدالعزيز، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب،
عن النبي ◌َّ بمعناه سواء(١).
روى هذا الحديث بهذا الاسناد عنه جماعة من أصحابه، منهم: الزبيدي،
ومعمر، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة؛ ويقولون: ان ابن عيينة انما
سمعه من معمر، وعنه یرویه. وقيل لمالك: الحديث الذي أتى: ما جاءك
من غير مسألة فانما هو رزق رزقكه الله، أفيه رخصة؟ قال: نعم، قيل: فمن
أعطى شيئا ووصل به؟ قال: تركه أحب الي وأفضل ان كان له عنه غنى؛ الا
ان يخاف على نفسه الجوع وهو محتاج، فلا أرى به بأساً.
وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: ما أحد
من الناس يهدي الي هدية، الا قبلتها؛ وأما أن أسأل، فلم أكن لأسأل.
أخبرني عبدالله بن محمد، قال: حدثنا عبدالحمید بن أحمد، قال: حدثنا
الخضر بن داود، قال: حدثنا أبو بكر، قال: سمعت أبا عبدالله يعني أحمد بن
حنبل يسأل عن قول النبي ◌َّلته: ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف، أي
الاشراف أراد؟ فقال: أن تستشرفه وتقول: لعله يبعث الى بقلبك. قيل له:
وان لم يتعرض؟ قال: نعم، انما هو بالقلب. قيل له: هذا شدید، قال: وان
کان شدیدا فهو هكذا. قيل له: فان کان رجل لم یعودني أن یرسل الي شیئا،
الا انه قد عرض بقلبي فقلت عسى أن يبعث الي شيئا؟ فقال: هذا اشراف.
فأما إذا جاءك من غير أن تحسبه ولا خطر على قلبك، فهذا الآن ليس فيه
اشراف؛ قلت له: فلو عرض بقلبه: لو بعث إليه، فبعث إليه؛ أيلزمه أن
یرده؟ قال: لا أدري ما يلزمه؟ ولکن له حينئذ أن يرده. قلت له: ولیس
عليه واجب أن يرده؟ قال: لا، ثم قال: ان الشأن أنه إذا جاءه من غير مسألة
(١) أخرجه: خ (٧١٦٣/١٨٦/١٣)، م (١٠٤٥/٧٢٣/٢)، ن (٢٦٠٤/١٠٨/٥).