Indexed OCR Text

Pages 361-380

الطب والجنائز
٣٦١.
قال أبو عمر: نهى رسول الله وَخلالهامته عن ان يتمنى احدهم
الموت لضر نزل به، فالمتمنى للموت ليس بمحب للقاء الله، بل هو
عاص الله عز وجل في تمنيه الموت اذا كان بالنهي عالما:
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا عمرو بن
مرزوق، حدثنا شعبة، عن قتادة، وعبد العزيز بن صهيب وعلي بن
زيد، كلهم عن أنس، ان رسول الله وَ له قال: لا يتمنى احدكم
الموت لضر ينزل به، فإن كان لا بد قائلا، فليقل: اللهم احينى ما
كانت الحياة خيرا لي، وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي(١).
وروى عن النبي وَله النهي عن تمني الموت جماعة من الصحابة،
منهم: خباب بن الارت، وأم الفضل بنت الحارث: ام ابن عباس،
وعابس الغفاري، وأبو هريرة، وغيرهم:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا بكر
ابن حماد، حدثنامسدد، حدثنا يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد،
قال حدثني قيس، قال: أتيت خبابا وقد اكتوى سبعا في بطنه،
فقال: لولا ان رسول الله وَلَه نهانا ان ندعو بالموت، لدعوت به(٢).
حدثنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا الحارث بن أبي اسامة، حدثنا محمد بن
(١) حم: (١٠١/٣)، خ: (٥٦٧١/١٥٦/١٠) م: (٤/ ٢٠٦٤/ ٢٦٨٠)،
د: (٣١٠٨/٤٨٠/٣)، ت: (٩٧١/٣٠٢/٣)، ن: (٤/ ١٨١٩/٣٠٠ - ١٨٢٠)،
جه: (٤٢٦٥/١٤٢٥/٢) من طرق عن أنس.
(٢) خ: (٥٦٧٢/١٥٧/١٠)، م: (٤/ ٢٠٦٤/ ٢٦٨١)، ن: (١٨٢٢/٣٠١/٤).

فتح البر
٣٦٢
جعفر الوركاني، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن
عبيدالله بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: لا
يتمنى احدكم الموت: إما محسن فلعله يزداد خيرا، واما مسىء فلعله
یستعتب(١).
فهذه الآثار وما كان مثلها، يدلك على ان حب لقاء الله ليس
بتمني الموت- والله أعلم. وقد يجوز تمني الموت لغير البلاء النازل،
مثل ان يخاف على نفسه المرء فتنة في دينه، قال مالك: كان عمر
ابن عبد العزيز لا يبلغه شيء عن عمر بن الخطاب إلا أحب أن
يعمل به، حتى لقد بلغه أن عمر بن الخطاب دعا على نفسه بالموت،
فدعا عمر بن عبد العزيز على نفسه بالموت، فما أتت الجمعة حتى
مات- رحمه الله. وقد أوضحنا هذا المعنى في هذا الكتاب -عند
قوله - رحمهالله -: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه فيقول: يا
ليتني مكانه(٢).
وأما معنى حديث هذا الباب، فإنما هو -والله أعلم- عند حضور
الموت ومعاينة بشرى الخير أو الشر، فعلى هذا تنزل الآثار وعلى
ذلك فسره العلماء.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، وخلف بن القاسم، قالا : حدثنا
أحمد بن محمد بن الحداد بکیر، حدثنا موسی بن هارون، حدثنا
أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا إسحاق بن موسى الهروي، حدثنا
(١) حم: (٢٦٣/٢)، خ: (٥٦٧٣/١٥٧/١٠)، ت: (٢٤٠٣/٥٢٢/٤)،
ن: (١٨١٧/٢٩٩/٤-١٨١٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) تقدم تخريجه في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب تمني الموت عند حدوث الفتن.

٣٦٣.
الطب والجنائز
إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن موسى بن وردان
المصري، عن أبي سعيد الخدري، ان رسول الله وَخلّ قال: إن المسلم
اذا حضره الموت رأى بشره فلم يكن شيء أبغض اليه من المكث في
الدنيا، واذا حضر الكافر الموت رأى بشره فلم يكن شيء احب اليه
من المكث في الدنيا .
قال أبو عمر:
بشر جمع بشير، مثل: سرير وسرر. وقد يخفف ذلك ويثقل
مثل: رسل ورسل، وسبل وسبل، وقد تكون البشرى بالخير والشر،
كما قال الله عز وجل: ((فبشرهم بعذاب أليم)) وقال أهل اللغة
أيضا: انه قد يكون البشر جمع بشارة.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
حدثنا شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء،
عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي وَ لّ قال: الميت
تحضره الملائكة، فاذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها
النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وابشري
بروح وريحان، ورب غير غضبان؛ قال: فلا تزال يقال لها ذلك
حتى تخرج، ثم يعرج بها الى السماء، فيفتح لها فيقال: من هذا؟
فيقولون فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد
الطيب، ادخلي حميدة، وابشري بروح وريحان، ورب غير
غضبان، فلا يزال يقال ذلك، حتى ينتهي بها الى السماء يعني
السابعة- واذا كان الرجل السوء وحضرته الملائكة عند موته، قالت:
اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي

فتح البر
,٣٦٤
ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال
لها ذلك حتى تخرج(١) وذكر الحديث.
وفيه ما يدل على ان ما ذكرنا من حب لقاء الله وكراهيته، انما
ذلك عند حضور الوفاة ومعاينة ما له عند الله والله أعلم.
وفيه ما يدل على ان البشارة قد تكون بالخير والشر، وبما يسوء
وبما يسر، وقد روي عن النبي وَّل انه قال لبعض أصحابه في
حديث ذكره: أينما مررت بقبر كافر فبشره بالنار(٢). وروي عن علي
رضي الله عنه انه قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار.
وقد حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفیان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّجله من أحب لقاء الله احب الله
لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه، قيل: يا رسول الله، ما منا
احد الا وهو يكره الموت، ويقطع به، فقال رسول الله وَجلّه: اذا كان
ذلك كشف له (٣).
(١) حم: (٣٦٤/٢)، جه: (١٤٢٣/٢- ٤٢٦٢/١٤٢٤)،
ن: في الكبرى (١١٤٤٢/٤٤٣/٦)، قال ميرك كما فى (المرقاة: (٩٧/٤): إسناده صحيح.
(٢) رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه: جه: (١٥٧٣/٥٠١/١)، قال البوصيري في
الزوائد(٥٢٩): هذا إسناد صحيح محمد بن إسماعيل شيخ ابن ماجه ذكره ابن حبان في
الثقات وثقه، الدارقطني والذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين فقد احتجا
بجميع رواته. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٣) عن سعد بن أبي وقاص وقال الطبراني:
رواه البزار وطب: في الكبير وزاد فأسلم الأعرابي فقال لقد كلفني رسول الله وَطهو بعناء ما
مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار ورجاله رجال الصحيح وانظر الصحيحة (١٨).
(٣) أخرجه: حم: (٢/ ٤٥١) من طريق يزيد أنا محمد بن عمرو بهذا الإسناد. وقد تقدم
تخريجه من طريق الأعرج عن أبي هريرة في حديث الباب وسيأتي تخريجه من طريق شريح
بن هانئ عن أبي هريرة بعد هذا الحديث.

الطب والجنائز
٣٦٥
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا حمزة بن محمد، حدثنا أحمد
ابن شعيب، أخبرنا هناد بن السري، عن أبي زبيد، عن مطرف،
عن عامر الشعبي، عن شريح بن هانئ، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَجَله: من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء
الله، كره الله لقاءه، قال شريح: فأتيت عائشة فقلت: يا أم المومنين
سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله وَّطلال حديثا ان كان كذلك،
فقد هلكنا، فقالت: وما ذلك؟ قلت: قال: من أحب لقاء الله،
أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه، وليس منا احد
الا ويكره الموت، قالت: قد قاله رسول الله وَله، ولكن ليس بالذي
تذهب اليه، ولكن اذا طمح البصر، وحشرج الصدر، واقشعر
الجلد، فعند ذلك: من أحب لقاء الله، احب الله لقاءه، ومن كره
لقاء الله، كره الله لقاءه(١). فهذه الآثار كلها قد بان فيها ان ذلك
عند حضور الموت، ومعاينة ما هناك، وذلك حين لا تقبل توبة
التائب- ان لم يتب قبل ذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى -مجودا- في
باب نافع- والحمد لله.
(١) أخرجه بطوله: حم: (٣٤٦/٢)، م: (٢٦٨٥/٢٠٦٦/٤)، ن: (١٨٣٣/٣٠٧/٤) من
طرق عن مطرف عن عامر عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة.

٣٦٦
فتح البر
ما جاء في البكاء على الميت
[٣٠] مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة ابنة عبد الرحمن، انها
اخبرته انها سمعت عائشة تقول، وذکر لها: ان عبد الله بن عمر يقول: ان
الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: يغفر الله لابي عبد الرحمن اما
انه لم يكذب، لكنه نسي أو اخطأ، انما مر رسول الله وَ له بيهودية بيكي
عليها اهلها فقال: ((انهم لييكون عليها وانها لتعذب في قبرها))(١).
هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة الا القعنبي، فانه ليس
عنده في الموطأ، وهو عنده- في الزيادات خارج الموطأ، وهو
حديث ثابت، وليس في الموطأ، لهذا الحديث غير هذا الاسناد،
وقد روى الوليد بن مسلم، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن
عمر، ان رسول الله وَّله، قال: ((الميت يعذب ببكاء الحي عليه))
وهذا حديث غريب لمالك، لا اعلم احدا رواه عنه غير الوليد بن
مسلم، وليس فيه نكارة، لانه محفوظ من رواية عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر(٢).
قال أبو عمر: اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام: ((ان
الميت ليعذب ببكاء اهله عليه)) فقال منهم قائلون: معناه: ان يوصي
بذلك الميت، وقال آخرون: معناه: يمدح في ذلك البكاء بما كان
يمدح به أهل الجاهلية من الفتكات والغدرات، وما أشبهها من
(١) حم: (١٠٧/٦)، خ: (١٢٨٩/١٩٥/٣)، م: (٩٣٢/٦٤٣/٢)، د:
(٤٩٤/٣-٣١٢٩/٤٩٥)، ت: (١٠٠٦/٣٢٩/٣)، ن: (١٨٥٥/٣١٧/٤)، جه:
(١٥٩٥/٥٠٩/١).
(٢) حب: (الإحسان (٣١٣٥/٤٠٥/٧).

الطب والجنائز
٣٦٧
الافعال التي هي عند الله ذنوب، فهم يبكون لفقدها ومدحونه بها،
وهو يعذب من أجلها فكأنه قال: يعذب بما يبكي عليه به ومن
اجله، وقال آخرون: البكاء في هذا الحديث وما كان مثله، معناه:
النياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود، ونحو هذا مثل النياحة، واما
بكاء العين فلا، وذهبت عائشة الى ان أحدا لا يعذب بفعل غيره،
وهو أمر مجتمع عليه، لقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
[الأنعام: (١٦٤)]. وقال ◌َلّ لأبي رمثة في ابنه، ((إنك لا تجني عليه
ولا يجني عليك))(١) وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا
عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: (١٦٤)] ولكن قد صح عن النبي ◌َّ من حديث عمر
ابن الخطاب، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة وغيرهم(٢)، ان
رسول الله وَ لاه قال: ((يعذب الميت بما نيح عليه))، وهذا محمول عند
جماعة من أهل العلم على ما نذكره في الباب عنهم بعد ذكر الاثار
في ذلك ان شاء الله، فاما انكار عائشة على ابن عمر، فقد روي من
وجوه، منها: ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر،
قال: قال رسول الله وَله: ((ان الميت ليعذب بيكاء أهله)) وذكر ذلك
لعائشة، فقالت: وهل ابن عمر، انما مر رسول الله وَ ظله على
يهودي فقال: ((ان صاحب هذا القبر يعذب، وأهله ييكون عليه)) (٣)
وروى أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم قال: قالت عائشة:
انكم لتحدثون عن غير كاذبين: عمر وابنه، ولكن السمع يخطىء.
(١) حم: (١٦٣/٤)، د: (٤٤٩٥/٦٣٥/٤)، ن: (٤٨٤٧/٤٢٣/٨).
(٢) سيأتي تخريجها في الباب نفسه.
(٣) خ: (٣٩٧٨/٣٤١/٧)، م: (٩٣١/٦٤٢/٢)، د: (٣١٢٩/٤٩٤/٣)،
ن: (٣١٦/٤ / ١٨٥٤).

فتح البر
٣٦٨٠
قال أبو عمر: ليس انكار عائشة بشيء، وقد وقف ابن عمر على
مثل ما نزعت به عائشة، فلم يرجع وثبت على ما سمع، وهو
الواجب كان عليه.
حدثنا يعيش بن سعيد، وعبد الوارث بن سفيان قالا: حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن محمد البرتي حدثنا أبو معمر،
حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن ابن سيرين، قال: قال ابن
عمر: ان المعول عليه يعذب، فقال رجل: ان الله اضحك وأبكى،
ولا تزر وازرة وزر أخرى، قال: فقال ابن عمر: قد قال رسول
الله وَالله .
قال أبو عمر: فهذا يبين لك ان ابن عمر قد اثبت ما حفظ عن
رسول الله وَخير في ذلك ولم ينس، ومن حفظ فهو حجة على من
لم يحفظ، وليس يسوغ عند جماعة أهل العلم الاعتراض على
السنن بظاهر القرآن، اذا كان لها مخرج ووجه صحيح، لان السنة
مبينة للقرآن، قاضية عليه، غير مدافعة له، قال الله عز وجل:
﴿ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: (٤٤)] وقد
أبى جماعة من العلماء من نسخ السنة بالقرآن فيما يمكن فيه النسخ
وقالوا: لو جاز ذلك لارتفع البيان، وهذه مسألة من الأصول ليس
هذا موضع ذكرها، وقد روى مثل رواية ابن عمر هذه، جماعة من
الصحابة .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا
سفيان، حدثنا عمرو بن دينار انه سمع ابن أبي مليكة يقول:
حضرت جنازة أم أبان، وفي الجنازة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن

الطب والجنائز
٣٦٩
عباس، فجلست بينهما فبكى النساء، فقال ابن عمر: ان بكاء الحي
على الميت عذاب للميت، قال: فقال ابن عباس: صدرنا مع عمر
امير المؤمنين حتى اذا كنا بالبيداء، اذا هو بركب نزول تحت شجرة،
فقال يا عبد الله: اذهب فانظر من الركب؟ ثم الحقني، فذهبت
فقلت: هذا صهيب مولى ابن جدعان، فقال: مره فليلحقني، قال:
فلما قدمنا المدينة، لم يلبث عمر ان طعن، فجاء صهيب وهو
يقول: واخياه واصاحباه، فقال عمر: مه يا صهيب، ان الميت يعذب
ببكاء الحي عليه، فقال ابن عباس: فأتيت عائشة فسألتها فقالت:
يرحم الله عمر، إنما قال رسول الله وَخله: ((ان الله ليزيد الكافر عذابا
ببعض ببكاء أهله عليه، وقد قضى الله: ان لا تزر وازرة وزر
اخرى)) (١) فهذا عمر قد روى في بكاء الحي على الميت مثل رواية
ابنه سواء، وهذا حديث ثابت عن عمر، صحيح الاسناد، لا مقال
فيه لاحد، وقد رواه عن ابن أبي مليكة جماعة، منهم: أيوب
السختياني وغيره، روى شعبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب،
عن ابن عمر، عن أبيه عمر: أن رسول الله وح له قال: ((ان الميت
يعذب في قبره بالنياحة))(٢).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد، عن
علي بن ربيعة، انه خرج يوما الى المسجد، والمغيرة بن شعبة امير
(١) خ: (١٩٤/٣-١٢٨٦/١٩٥-١٢٨٧-١٢٨٨)، م: (٦٤١/٢-٩٢٧/٦٤٢-٩٢٨ -٩٢٩)،
ن: (٤/ ١٨٥٦/٣١٧-١٨٥٧)، جه: (١٥٩٥/٥٠٩/١).
(٢) خ: (١٢٩٢/٢٠٦/٣)، م: (٩٢٧/٦٣٩/٢[١٧])، ت: (١٠٠٢/٣٢٦/٣)،
ن: (٣١٥/٤/ ١٨٥٢)، جه: (١٥٩٣/٥٠٨/١) من طرق عن قتادة بهذا الإسناد.

فتح البر
٣٧٠
على الكوفة، فخرج المغيرة الى المسجد، فرقي المنبر، فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال: ما هذا النوح في الاسلام؟ قالوا توفي رجل من
الانصار يقال له قرظة بن كعب، فنيح عليه، فقال المغيرة: إني
سمعت رسول الله وَخلا قال: ((من نيح عليه فانه يعذب بما نيح
عليه))(١).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
الحسن بن سلام، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق
الفزاري، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، قال: توفي رجل
من الانصار، يقال له قرظة بن كعب فنيح عليه، فخرج المغيرة بن
شعبة فقال: ما هذا النوح في الاسلام؟ سمعت رسول الله وعلى اله
يقول: ((من نيح عليه، يعذب بما نيح عليه))(١).
وحدثنا يعيش بن سعيد، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا
قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن محمد البرني حدثنا أبو معمر،
حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي
بردة الاشعري، عن أبي موسى قال: ان الميت يعذب ما بكي عليه،
قال: قلت: ما نيح عليه، قال: ما بكي عليه، قلت: ما نيح عليه،
قال: فما سکت حتی سکت. وأخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا
وهب بن مسرة، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، قال: سمعت عبد الله بن صبيح،
قال: سمعت ابن سيرين قال: ذكروا عند عمران بن حصين، الميت
يعذب ببكاء الحي، فقالوا: كيف يعذب ببكاء الحي، فقال عمران:
قد قاله رسول الله عَ ليه (٢).
(١) خ: (١٢٩١/٢٠٦/٣)، م: (٩٣٣/٦٤٣/٢)، ت: (١٠٠٠/٣٢٤/٣).
(٢) ن: (٤/ ١٨٤٨/٣١٤)، حب: (الإحسان (٣١٣٤/٤٠٤/٧).

الطب والجنائز
٣٧١-
قال أبو عمر: فهولاء جماعة من الصحابة قد قالوا كما قال ابن
عمر، ورووا مثل ما روى ابن عمر، الا ان في حديث عمر وحديث
المغيرة بن شعبة: النياح دون البكاء، وهو اصح عند كل من خالف
عائشة في هذا الباب من العلماء، ولهم في ذلك قولان: احدهما:
ان طائفة من أهل العلم ذهبت الى تصويب عائشة في انكارها على
ابن عمر، منهم الشافعي وغيره، وهو -عندي- تحصيل مذهب
مالك لانه ذكر حديث عائشة في موطأه، ولم يذكر خلافه عن
احد، فأما الشافعي: فذكر حديث عائشة من رواية مالك على ما
تقدم ذكره في هذا الباب، وذكر حديث عمر مع ابن عباس المذكور
أيضا في هذا الباب عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي
مليكة، ثم قال الشافعي: وارخص في البكاء على الميت ولا ندبة
ولا نياحة لما في النياحة من تجديد الحزن، ومنع الصبر وعظيم
الاثم، قال: وقال ابن عباس: الله اضحك وأبكى، قال الشافعي:
فما روته عائشة وذهبت اليه اشبه بدلالة الكتاب ثم السنة، قال الله
عز وجل: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: (١٦٤)] وقال: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ
[طه: (١٥)] وقال عليه السلام لرجل في ابنه: ((أما
نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
انه لا يجني عليك ولا تجني عليه)) (١) وما زيد في عذاب كافر:
فباستحبابه لا بذنب غيره، وقال آخرون منهم: داود بن علي
واصحابه: ما روى عمر وابن عمر والمغيرة اولى من قول عائشة
وروايتها، قالوا: ولا يجوز ان تدفع رواية العدل بمثل هذا من
الاعتراض، لان من روى وسمع واثبت، حجة على من نفى
وجهل، قالوا: وقد صح عن النبي وَخلاله انه نهى عن النياحة نهيا
(١) تقدم تخريجه في هذا الباب.

فتح البر
٣٧٢
مطلقا، ولعن النائحة والمستمعة، وحرم اجرة النائحة، وقال: ((ليس
منا من حلق ومن سلق، ومن خرق، وليس منا من لطم الخدود،
وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية))(١).
قال أبو عمر: اما قوله: ليس منا من سلق، فيحتمل معنيين،
احدهما: لطم الخدود حتى تحمر، وخدشها حتى تعلوها الحمرة
والدم، عن قول العرب، سلقت الشيء بالماء الحار، والآخر سلق
بمعنى صاح وناح واكثر القول والعويل بدعوى الجاهلية وشبهها من
قولهم: سلقه بلسانه، ولسان مسلق.
وأما الاحاديث التي ذکروها: فحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا
محمد بن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث،
عن أيوب، عن حفصة، عن ام عطية، قالت: نهانا رسول الله وعَظله
عن النياحة(٢).
واخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو
داود، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا محمد بن ربيعة، عن محمد
ابن الحسن بن عطية، عن أبيه، عن جده، عن أبي سعيد الخدري،
قال: لعن رسول الله وَاجله النائحة والمستمعة(٣).
وأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو
داود، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وحدثناه عبد الوارث بن سفيان،
حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، قالا
(١) سيأتي تخريجه في هذا الباب.
(٢) خ: (١٣٠٦/٢٢٧/٣)، م: (٩٣٦/٦٤٥/٢)، ود: (٣١٢٧/٤٩٣/٣)
(٣) حم: (٦٥/٣)، د: (٣١٢٨/٤٩٤/٣)، وهق: (٦٣/٤) وفيه عطية العوفي وابنه وحفيده

الطب والجنائز
٣٧٣
جمیعا: حدثنا جرير، عن منصور، عن ابراهیم، عن یزید بن اوس
قال: دخلت على أبي موسى الاشعري وهو ثقيل، فذهبت امرأته
لتبکي أو تهم به، فقال لها أبو موسى: اما سمعت ما قال رسول
الله وَظَلّ؟ قالت: بلى، فسكتت، فلما مات أبو موسى لقيت المرأة
فقلت لها، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا
من حلق ومن سلق ومن خرق))(١).
وحدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن
وضاح، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الاعمش.
عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول
الله وَ له: ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى
الجاهلية))(٢)
.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
أحمد بن زهير، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن زيد الايامي،
عن ابراهيم النخعي، عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله
وَ له: ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى
الجاهلية))(٢).
حدثنا محمد بن عبد الملك. حدثنا ابن الاعرابي، حدثنا سعدان
ابن نصر، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت
ابن عباس يقول: خلال من خلال الجاهلية، الطعن في الانساب،
والنياحة، ونسي الثالثة، قال سفيان: يقولون، انها الاستسقاء
(١) رواه: حم: (٣٩٦/٤-٦٩٧-٤٠٤-٤٠٥-٤١١ -٤١٦)، خ: (١٢٩٦/٢١٢/٣)
م: (١٠٤/١٠٠/١)، د: (٤٩٦/٣ /٣١٣٠)، ن: (٤ / ٣٢٠ /١٨٦٤- ١٨٦٦)،
جه: (١/ ١٥٨٦) من طرق عن أبي موسى ولفظ النسائي نحو لفظ ابن عبد البر.
(٢) خ: (١٢٩٧/٢١٣/٣-١٢٩٨)، م: (٩٩/١ -١٠٣/١٠٠)، ت: (٩٩٩/٣٢٤/٣)،
ن: (٣١٩/٤/ ١٨٦١)، جه: (٥٠٤/١-٥ ٥٠/ ١٥٨٤).

فتح البر
٣٧٤
بالانواء، فذكروا هذه الاحاديث ومثلها، وقالوا: قد نهى رسول الله
وَلَله عن النياحة، وحرمها، ولعن النائحة والمستمعة، قالوا: وقد قال
الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: (٦)].
وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ﴾ [طه: (١٣٢)] فواجب على كل مسلم أن
يعلم أهله ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم، ويأمرهم به،
وواجب عليه أن ينهاهم عن كل ما لا يحل لهم، ويوقفهم عليه،
ويمنعهم منه، ويعلمهم ذلك كله، لقول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَأْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قالوا: فإذا علم الرجل المسلم
ما جاء عن رسول الله وَخلل في النياحة على الميت، والنهي عنها،
والتشديد فيها، ولم ينه عن ذلك اهله، ونيح عليه بعد ذلك فإنما
يعذب، بما نيح عليه، لانه لم يفعل ما امر به من نهي اهله عن
ذلك، وامره اياهم بالكف عنه، واذا كان ذلك كذلك، فإنما يعذب
بفعل نفسه وذنبه، لابذنب غيره، وليس في ذلك ما يعارض قول
الله عز وجل ((لا تزر وازرة وزر اخرى)) وكان ما رواه عمر، وابن
عمر، والمغيرة، وغيرهم، صحيح المعنى، غير مدفوع، وبالله
التوفيق. وقال المزني: بلغني انهم كانوا يوصون بالبكاء عليهم أو
بالنياحة او بهما، وهي معصية، ومن امر بها فعملت بعده كانت له
ذنبا فيجوز ان يزاد بذنبه عذابا كما قال الشافعي لا بذنب غيره.
قال أبو عمر: اما البكاء بغير نياح فلا بأس به عند جماعة
العلماء، وكلهم يكرهون النياحة، ورفع الصوت بالبكاء، والصراخ،
والفرق في ذلك عندهم بين، بين ذلك ما مضى في هذا الباب من
الآثار في النياحة ولطم الخدود، وشق الجيوب، مع قوله وَل اذ بكى
على ابنه: ((تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط

الطب والجنائز
٣٧٥
الرب))(١) رواه ثابت عن أنس، عن النبي وَل، وروى عبد الرحمن
بن عوف انه قال له حنيئذ، اتبكي يا رسول الله، وانت تنهى عن
البكاء؟ فقال: ((انما نهيت عن صوتين احمقين فاجرين، صوت لهو
ولعب ومزامير الشيطان عند نعمة وصوت عند مصيبة، لطم وجوه،
وشق جیوب، ورنة شیطان، وهذا رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم،
يا ابراهيم، لولا انه وعد صدق، وقول حق، وان اخرانا يحلق
اولانا، لحزنا عليك حزنا اشد من هذا، وانا بك يا ابراهيم
لمحزونون، تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول مايسخط الرب))
رواه ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر، عن عبد الرحمن بن
عوف، عن النبي وَالَّ(٢)، وروى أبو عثمان النهدي، عن اسامة بن
زيد نحو هذا المعنى عن النبي وَ لّ في غير ابنه ابراهيم، أظنه ابن
بعض بناته، اتى به ونفسه تقعقع فجعله في حجره، ودمعت عيناه
وفاضت، فقال له سعد: ما هذا؟ فقال: ((انها رحمة، يضعها الله
في قلب من يشاء، وانما يرحم الله من عباده الرحماء))(٣)، وروى أبو
هريرة أن النبي 4َّ* كان في جنازة، فبكت امرأة فصاح بها عمر،
فقال له رسول الله وَله: ((دعها يا عمر، فان العين دامعة، النفس
(١) حم: (١٩٤/٣)، خ: (١٣٠٣/٢٢٢/٣)، م: (٢٣١٥/١٨٠٧/٤)، د:
(٣١٢٦/٤٩٣/٣).
(٢) ك: (٤/ ٤٠) وسكت عليه الحاكم والذهبي وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٠): رواه أبو
يعلى والبزار وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وفيه كلام. وعن جابر عند: ت:
(١٠٠٥/٣٢٨/٣)، وقال هذا حديث حسن هق: (٦٩/٤)، البغوي في شرح السنة
(١٥٣٠/٤٣١/٥)، ابن أبي شيبة: (١٢١٢٤/٦٢/٣).
(٣) خ: (١٢٨٤/١٩٤/٣)، م: (٩٢٣/٦٣٥/٢)، د: (٣١٢٥/٤٩٢/٣)،
ن: (٣٢١/٤-١٨٦٧/٣٢٢)، جه: (١٥٨٨/٥٠٦/١).

فتح البر
__ ٣٧٦
مصابة، والعهد قريب))(١) رواه هشام بن عروة. عن وهب بن
كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة بن الأزرق، عن
أبي هريرة، عن النبي وَلَر. وفي حديث جابر بن عتيك ما يدل على
ان الرخصة في البكاء انما هي قبل ان تفيض النفس، فاذا فاضت
ومات لقوله وَلا: ((دعوهن ما دام عندهن، فاذا وجب فلا تبكين
باكية))(٢) وسنذكر هذا الحديث في موضعه من كتابنا هذا ان شاء
الله، وهذه الاحاديث كلها تدل على ان البكاء غير النياحة، وان
النهي انما جاء في النياحة لا في بكاء العين، وبالله العصمة
والتوفيق، لا شريك له.
(١) ن: (١٨٥٨/٣١٨/٤)، جه: (١٥٨٧/٥٠٥/١) وفيه سلمة بن الأزرق. قال ابن القطان:
((لا يعرف حاله ولا أعرف أحدا من المصنفين في كتب الرجال ذكره)): ( تهذيب التهذيب
(٤/ ١٤١)).
(٢) سيأتي تخريجه في الباب بعده.

الطب والجنائز
٣٧٧
ما جاء في الشهداء
[٣١] مالك، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك، عن عتيك بن الحارث
ابن عتیك وهو جد عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه، أنه أخبره أن جابر
ابن عتیك، اخبره ان رسول الله والر جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد
غلب، فصاح به، فلم يجبه، فاسترجع رسول الله پڼ وقال: غلبنا علیك یا
أبا الربيع، فصاح النسوة وبکین، فجعل جابر یسکتهن، فقال رسول الله
وَالر: دعهن، فاذا وجب، فلا تبكين باكية، قالوا: يا رسول الله، وما
الوجوب؟ قال: اذا مات، فقالت ابنته: والله ان كنت لارجو ان تكون
شهيدا، فإنك قد كنت قضيت جهازك، فقال رسول الله وقالت: إن الله قد
أوقع اجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟ قالوا: القتل في سبيل الله،
فقال رسول الله وتلقى: الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون
شهيد، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد،
والحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع
شهيد(١).
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت لم يختلفوا في
اسناده ومتنه، الا ان غير مالك يقول في هذا الحديث: دعهن يبكين
ما دام عندهن. وفي هذا الحديث من الفقه معان، منها: عيادة
المريض، وعيادة الرجل الكبير العالم الشريف لمن دونه، وعيادة
المريض سنة مسنونة، فعلها رسول الله وَ ل وامر بها وندب اليها،
(١) د: (٤٨٢/٣ - ٤٨٣ /٣١١١)، ن: (٤/ ١٨٤٥/٣١٢)، جه: (٢٨٠٣/٩٣٧/٢) عن عبد
الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن أبيه عن جده وقال ك: (٣٥٢/١): صحيح الإسناد
ووافقه الذهبي وصححه ابن حبان ( الإحسان (٣١٨٩/٤٦١/٧).

فتح البر
٣٧٨
واخبر عن فضلها بضروب من القول، ليس هذا موضع ذكرها،
فثبتت سنة ماضية لا خلاف فيها .
وفيه الصياح بالعليل على وجه النداء له ليسمع فيجيب عن حاله،
الا ترى ان رسول الله وَلا صاح بأبي الربيع، فلما لم يجبه،
استرجع على ذلك، لانها مصيبة، والاسترجاع قول: انا لله وانا اليه
راجعون، وهو القول الواجب عند المصائب. وفيه تكنية الرجل
الكبير لمن دونه، وهذا يبطل ما يحكى عن الخلفاء انهم لا يكنون
احدا عصمنا الله عما دق وجل من التكبر برحمته. وفيه اباحة البكاء
على المريض بالصياح، وغير الصياح عند حضور وفاته، وفيه النهي
عن البكاء عليه اذا وجب موته. وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن
البكاء - دليل على انه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوله على
العموم، فقال له رسول الله گال: دعهن- یعنی یبکین حتى يموت،
ثم لا تبكين باكية. يريد والله أعلم: لا تبكين نياحا ولا صياحا بعد
وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء انه لا بأس بالبكاء على
الميت ما لم يخلط ذلك بندبه وبنياحة، وشق جيب، ونشر شعر،
وخمش وجه.
قال ابن عباس: في مثل هذا من بكاء العين دون نياحة، الله
أضحك وأبكى، وقد مضى هذا المعنى واضحا في باب عبد الله بن
أبي بكر. والحمد لله.
وقد روى الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
أبي هريرة، قال: مر النبي وَله بجنازة يبكى عليها وأنا معه، وعمر
ابن الخطاب، فانتهرهم عمر، فقال: دعهن يا ابن الخطاب، فان

الطب والجنائز
٣٧٩
النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب. لم يتابع الليث على
هذا الاسناد، وانما روته الجماعة عن هشام بن عروة، عن محمد بن
عمرو بن عطاء، عن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة(١).
وروى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أمه سيرين، قالت:
حضرت موت ابراهيم بن النبي وَّ فكنت كلما صحت أنا وأختي،
لا ينهانا رسول الله وَّجله، فلما مات نهانا عن الصياح.
وأما قوله: فاذا وجب، فلا تبكين باكية، وتفسيره لذلك بأنه اذا
مات، فاظن ذلك -والله أعلم- مأخوذ من وجبة الحائط اذا سقط
وانهدم. وفيه ان المتجهز للغزو اذا حيل بينه وبينه، یکتب له اجر
الغازي، ويقع اجره على قدر نيته، والآثار الصحاح تدل على ان
من نوی خیرا وهم به، ولم یصرف نیته عنه، وحیل بينه وبينه، انه
يكتب له اجر ما نوى من ذلك، الا تربى إلى قوله وَ له: من كانت
له صلاة بليل فغلبته عليها عينه، كتب له اجر صلاته، وكان نومه
عليه صدقة(٢). وقوله وَخل: حبسهم العذر(٣)، يبين ما ذكرنا.
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبو داود، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد بن
سلمة، عن حميد، عن موسى بن انس بن مالك، عن أبيه، ان
(١) حم: (٢٧٣/٢)، ن: (١٨٥٨/٣١٨/٤)، جه: (١٥٨٧/٥٠٥/١)، حب: (الإحسان
٣١٥٧/٤٢٨/٧)، وفيه سلمة بن الأزرق قال الحافظ في التقريب: ((مقبول)).
(٢) حم: (٦/ ١٨٠)، د: (٢ /١٣١٤/٧٦)، ن: (١٧٨٣/٢٨٦/٣) وفيه رجل مبهم واسمه
الأسود بن يزيد كما صرح به النسائي (١٧٨٤).
(٣) حم: (١٣٠/٣)، خ: (٢٨٣٩/٥٨/٦)، د: (٢٥٠٩/٢٥/٣)، جه: (٩٢٣/٢ /٢٧٦٤)،
حب: (الإحسان (٤٧٣١/٣٣/١١) من حديث أنس بن مالك.

فتح البر
٣٨٠
رسول الله وحَله قال: لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا
انفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، الا وهم معكم فیه، قالوا یا
رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم
العذر(١). وقد اشبعنا هذا المعنى في باب محمد بن المنكدر من كتابنا
هذا- والحمد لله .
وفيه دليل على ان الاعمال انما تكون بالنيات، وان نية المؤمن خير
من عمله على ما روى في الآثار، وهذا معناه -عندنا- ان نية المؤمن
خير من عمل بلا نية. وفيه طرح العالم على المتعلم، الا ترى الى
قوله: وما تعدون الشهادة فيكم؟ ثم اجابهم بخلاف ما عندهم وقال
لهم: الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله - ثم ذكرهم، فأما
قوله: المطعون شهيد، فهو الذي يموت في الطاعون:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا عيسى بن ذكويه المعروف بالوعاث، قال حدثنا فروة بن أبي
المغراء قال حدثنا علي بن مسهر، عن يوسف بن ميمون، عن
عطاء، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَظله: إن
فناء أمتي بالطعن والطاعون، قالت: الطعن قد عرفناه، فما
الطاعون؟ قال: غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط، من مات
منه، مات شهيدا، وذكر تمام الحديث(٢).
(١) تقدم تخريجه تحت الحدیث قبله.
(٢) حم: (٦/ ١٣٣ - ١٤٥-٢٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٣١٧/٢): ((رواه أحمد وأبو يعلى
والطبراني في الأوسط ... ورجال أحمد ثقات وبقية الأسانيد حسان)).