Indexed OCR Text
Pages 341-360
صلاة العيدين ٣٤١, قال أبو عمر: ما يحضرني من الاحتجاج على من ذهب مذهب عطاء وابن الزبير - على ما تقدم ذكرنا له إجماع المسلمين قديما وحديثا: أن من لا تجب عليه الجمعة ولا النزول اليها لبعد موضعه عن موضع إقامتها - على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك كله - مجمع أن الظهر واجبة لازمة على من كان هذه حاله، وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد، فكذلك يوم العيد في القياس، والنظر الصحيح، هذا لو كان قولهما اختلافا يوجب النظر، فكيف وهو قول شاذ، وتأويله بعيد - والله المستعان وبه التوفيق. وأما قول أبي عبيد - مولى ابن أزهر - في حديثنا المذكور في هذا الباب: ثم شهدت مع علي بن ابي طالب - وعثمان محصور - فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب ففيه دليل على أن الجمعة واجبة على أهل المصر بغير سلطان وأن أهله إذا أقاموها - ولا سلطان عليهم - أجزأتهم، وهذا موضع اختلف العلماء فيه قديما وحديثا، وصلاة العيدين مثل صلاة الجمعة، والاختلاف في ذلك سواء؛ لان صلاة علي بالناس العيد، وعثمان محصور - أصل في كل سبب تخلف الإمام عن حضوره أو خليفته أن على المسلمين إقامة رجل يقوم به، وهذا مذهب مالك والشافعي والأوزاعي - على اختلاف عنه، والطبري، كلهم يقول: تجوز الجمعة بغير سلطان كسائر الصلوات. وقال ابو حنيفة، وابو يوسف، وزفر، ومحمد: لا تجزيء الجمعة اذا لم يكن سلطان وروي عن محمد بن الحسن، أن أهل مصر لو مات واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلا يصلي بهم الجمعة حتى يقدم علیهم وال. قال احمد بن حنبل: يصلون بإذن السلطان وقال داود: الجمعة لا تفتقر الى وال ولا إمام، ولا الى خطبة ولا الى مكان ؛ ويجوز فتح البر ٣٤٢ للمنفرد عنده أن يصلي ركعتين، وتكون جمعة، قال: ولا يصلي أحد الا ركعتين في وقت الظهر يوم الجمعة، وقول داود هذا خلاف قول جميع فقهاء الأمصار؛ لانهم أجمعوا أنها لا تكون الا بإمام وجماعة. واختلفوا في عدد الجماعة، في المكان، والوالي، والخطبة - والله المستعان. ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أنه كان يقول: حيثما كان أمير، فإنه يعظ أصحابه يوم الجمعة ويصلي بهم ركعتين(١). ذكرنا قول الزهري هذا؛ لانه الذي روى حديث علي حين صلى بالناس العيد - وعثمان محصور. وقد ذكرنا في باب حديث ابن شهاب، عن عبيد الله عن جماعة من التابعين، أن الحدود والجمعة إلى السلطان، ولا يختلف العلماء أن الذي يقيم الجمعة السلطان، وان ذلك سنة مسنونة، وانما اختلفوا عند نزول ما ذكرنا من موت الإمام أو قتله أو عزله، والجمعة قد جاءت، فذهب ابو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي الى أنهم يصلون ظهرا أربعا، وقال مالك والشافعي، وأحمد واسحاق وابو ثور: يصلي بهم بعضهم بخطبة ويجزيهم. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا عبد الحميد ابن أحمد الوراق، قال: حدثنا الخضر بن داود قال : حدثنا ابو بكر الاثرم، قال: حدثنا العباس بن عبد العظيم أنه سأل ابا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن الصلاة خلف الخوارج، والفساق من الأمراء والسلاطين، فقال: أما الجمعة، فينبغي شهودها فإن كان الذي يصلي منهم أو مثلهم - يعني في الفسق والمذهب - أعاد الصلاة بعد شهودها معهم، فإن كان لا يدري أنه يقول بقولهم ولا هو مثلهم، فلا (١) عبد الرزاق في المصنف (٥١٤٦/١٦٠/٣). ٣٤٣ صلاة العيدين يعيد، قال: قلت - فإن كان يقال إنه قال بقولهم فقال حتى تعلم ذلك وتستيقن، قال: فقلت: فإن لم يكن إمام، أترى أن يصلي وراء من جمع بالناس وصلى ركعتين ؟ فقال: أليس قد صلى علي بن ابي طالب بالناس - وعثمان محصور؟ قال أبو عمر: قد ذكرنا أن حديث أبي عبيد مولى ابن أزهر أصل في هذه المسألة - وإن كان ذلك في صلاة العيد، والأصل في ذلك أيضا، ما فعله المسلمون يوم مؤتة لما قتل الأمراء، وأجمعوا على خالد ابن الوليد، فأمروه، وأيضا فإن المتغلب والخارج على الإمام تجوز الجمعة خلفه، فمن كان في طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه. وذكر ابو بكر الأثرم، قال: سألت أبا عبد الله: ما تقول في الخوارج اذا قدموا رجلا لا يقول بقولهم يصلي بالناس الجمعة ؟ قال: صلي خلفه. فذكرت له قول من يقول اذا كان الذي قدمه، لا تحل الصلاة خلفه فسدت الصلاة خلف هذا المقدم - وان لم يقل بقولهم ؛ فقال: أما أنا، فلست أقول بهذا. وقال الأثرم: حدثنا عفان، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: حدثنا أبو سنان ضرار من مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال تذاكرنا الجمعة ليالي المختار الكذاب فاجتمع رأيهم على أن يأتوه، فإنما كذبه علیه . وروى ابن المبارك عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أنه دخل على عثمان فقال: إنه يصلي بالناس إمام فتنة، وأنا أتحرج من الصلاة معه، فقال: إن الصلاة أحسن ما صنع الناس، فاذا أحسنوا فأحسن معهم، واذا ساءووا، فاجتنب إساءتهم. فتح البر ٣٤٤ وروى هذا الحديث معمر مرة عن الزهري، عن عروة، عن عبيد الله بن عدي، ومرة عن الزهري ، عن رجل عن عبيد الله بن عدي، وروى ابن المبارك عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: دخل ابو قتادة الأنصاري ورجل آخر معه على عثمان وهو محصور فقالا: يا أمير المؤمنين أنت إمام العامة ويصلي بنا إمام فتنة، فقال: صلیا خلفه. قال ابو عمر: هذه القصة - والله أعلم - في غير الجمعة والعيد لان الذي كان يصلي بهم الجمعة أبو أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، أو ابنه أبو أمامة بن سهل وصلى بهم العيد علي بن ابي طالب. ذكر أهل السير منهم ؛ الواقدي، والزبيري، أن أبا ايوب الأنصاري، كان يصلي بالناس في حصر عثمان، ثم صلى بهم سهل ابن حنیف بعد. وذكر المدائني عن محمد بن الفضل، عن أبي حازم، عن ابي هريرة، قال: حضرت الصلاة فجاء المؤذن يؤذن عثمان - وهو محصور، فقال: اذهب الى ابي أمامة بن سهل، أو الى سهل بن حنيف، فقل له يصلي بالناس. وذكر المدائني أيضا عن محمد بن ذكوان عن محمد بن المنكدر، قال: صلى أبو أمامة أو سهل بن حنيف - وعثمان محصور، وعن عبد الله بن مصعب، عن مسلم بن عروة، عن ابيه، قال صلى بالناس يوم الجمعة سهل بن حنيف، قال: المدائني: وأخبرنا ابن جعدة، قال صلى سهل بن حنيف وعثمان محصور، وصلى يوم العيد علي بن ٣٤٥, صلاة العيدين ابي طالب، قال: وقال جويرية بن أسماء، عن نافع، قال: لما كان يوم النحر، جاء علي فصلى بالناس - وعثمان محصور. وذكر عمر بن شبة، قال حدثنا حيان بن بشر عن يحيى بن آدم، قال سمعت بعض أصحابنا يحدث عن ابي معشر المدني، أن أبا أمامة ابن سهل بن حنيف، كان يصلي بالناس - وعثمان محصور، قال يحيى: ولعله قد صلى بهم رجل بعد رجل، فهذه الاخبار توضح لك أن قول عبيد الله بن عدي بن الخيار لعثمان : يصلي بالناس إمام فتنة، لم يرد به علي بن ابي طالب، ولا سهل بن حنيف، وإنما اراد به أحد الخارجين عليه - والله اعلم. وذكر الحسن بن علي الحلواني، قال: حدثنا المسيب بن واضح، قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما صلى علي بالناس حين حصر عثمان الا صلاة العید - وحدها، وکان ابن وضاح وغيره يقولون: إن الذي عنى عثمان بقوله: إمام فتنة - عبد الرحمن بن عديس البلوي، وهو الذي أجلب على عثمان بأهل مصر. والوجه عندي - والله أعلم - في قوله إمام فتنة، أي إمامة في فتنة، لان الجمعات والاعياد والجماعات، نظامها وتمامها الإمامة، فيها تكون الجماعة المحمودة، وببقاء الناس بلا إمام تكون الفرقة المنهي عنها؛ وقد بينا معنى الجماعة والاعتصام بالإمامة، والتحذير من الفرقة، من أقاويل السلف، وصحيح الأثر في باب سهيل عند قول رسول الله وَّجله: ان الله تعالى يحب لكم ثلاثا - الحديث. منها أن تعتصموا بحبل الله جميعا، وان تناصحوا من ولاه الله أمركم، وأوضحنا هذا المعنى هناك، والحمد الله . فتح البر -٣٤٦ باب منه [٢] مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ◌َلُّ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى(١). قال أبو عمر: قد مضى القول في معنى هذا الحديث في باب ابن شهاب عن أبي عبيد. وصيام هذين اليومين لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز على حال من الأحوال لا لمتطوع ولا لناذر، ولا لقاض فرضا، ولا لمتمتع لا يجد هديا، ولا لأحد من الناس كلهم أن يصومهما، وهو اجماع لا تنازع فيه، فارتفع القول في ذلك، وهما يومان حرام صيامهما، فمن نذر صيام واحد منهما فقد نذر معصية، وثبت عن النبي وَجَلّ انه قال: من نذر ان يعصي الله فلا يعصه(٢)، ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه او صياما بعينه مثل صيام ستة بعينها وما كان مثل ذلك فوافق ذلك يوم فطر او أضحى فأجمعوا ان لا يصومهما واختلفوا في قضائهما، ففي أحد قولي الشافعي، وزفر وابن الهذيل، وجماعة، ليس عليه قضاؤهما. وهو قول ابن كنانة صاحب مالك. وقال أبو حنيفة، وأبو یوسف، ومحمد: یقضیھما. وهو قول الحسن بن حي والأوزاعي، وآخر قولي الشافعي وقد روي عن الأوزاعي انه يقضيهما الا ان ينوي ان لا يقضيهما ولا يصومهما. واختلف قول مالك في ذلك على ثلاثة أوجه أحدها انه (١) م (٢ / ١١٣٨/٧٩٩). (٢) خ (١١/ ٧١٢ /٦٦٩٦). صلاة العيدين ٣٤٧ يقضيهما والاخر أنه يقضيهما الا أن يكون نوى ان لا يقضيهما والثالث أنه لا يقضيهما الا ان يكون نوى ان يصومهما. روى الرواية الاولى عنه ابن وهب، والروايتين الاخريين ابن القاسم. قال ابن وهب: قال مالك : فيمن نذر أن يصوم ذا الحجة فانه يفطر يوم النحر ويومين بعده ويقضي وأما آخر أيام التشريق فانه يصومه، وروى ابن القاسم عن مالك فيمن نذر صيام سنة بعينها انه يفطر يوم الفطر وأيام النحر ولا قضاء عليه الا أن يكون نوى ان يصومها. قال: ثم سئل بعد ذلك عمن أوجب صيام ذي الحجة فقال: يقضي أيام الذبح الا ان يكون نوى أن لا قضاء لها قال بن القاسم: قوله الاول أحب الي ان لا قضاء عليه الا ان ينوي ان يقضيه، فأما آخر أيام التشريق الذي ليس فيه دم فإنه يصومه ولا يدعه وقال الليث بن سعد فيمن جعل على نفسه صيام سنة: انه يصوم ثلاثة عشر شهرا لمكان رمضان، ويومين لمكان الفطر والاضحى، ويصوم أيام التشريق. وقال: المرأة في ذلك مثل الرجل، وتقضي أيام الحيض. وروي عنه فيمن نذر صيام الاثنين والخميس يوافق ذلك الفطر والاضحى انه يفطر، ولا قضاء عليه، وهذا خلاف الاول الا اني أحسب انه جعل الاثنين والخميس كمن نذر صيام سنة بعينها والجواب الاول في سنة بعينها والقياس ان لا قضاء في ذلك؛ لان من نذر صوم يوم بعينه ابدا لا يخلو ان يدخل يوم الفطر والاضحى في نذره او لا يدخل، فان دخل في نذره فلا يلزمه؛ لان من قصد الى نذر صومه لم يلزمه، ونذر ذلك باطل، فان لم يدخل في نذره فهو أبعد من أن يجب عليه قضاؤه، وعلى ماذكرنا يسقط الاعتكاف عمن نذر يوم الفطر، ويوم النحر، عند من يقول: لا اعتكاف الا بصوم وقد اختلف عن مالك في هذه المسألة فروي عنه أنه إن اعتكف يجزئه وروي عنه أنه لا يعتكف ولا شيء عليه؛ لانه لا فتح البر ٣٤٨ إعتكاف الا بصوم. وهو الصحيح على أصله. وقال الشافعي: من نذر اعتكاف يوم الفطر ويوم النحر اعتكف ولم يصم أجزأه، وهو قول كل من يرى الاعتكاف جائزا بغير صوم وقال محمد بن الحسن: یعتکف یوما مکانه إذا جعل ذلك على نفسه ویکفر مکانه عن يمينه ان أراد يمينا. وقد مضى القول في صيام أيام التشريق في باب مرسل ابن شهاب في هذا الكتاب والحمد الله. صلاة العيدين ٣٤٩ باب منه [٣] مالك، أنه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في الفطر والأضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله ويلقر إلى اليوم. قال أبو عمر: لم يكن عند مالك في هذا الباب حديث مسند، وفيه أحاديث صحاح مسندة ثابتة عن النبي وَيّ، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء ولا تنازع بين الفقهاء أنه لا أذان ولا إقامة في العيدين، ولا في شيء من الصلوات المسنونات والنوافل، وإنما الأذان للمكتوبات لا غير، وعلى هذا مضى عمل الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجماعة الصحابة، وعلماء التابعين، وفقهاء الأمصار؛ وأظن ذلك -والله أعلم- لأنه لا يشبه فرض بنافلة، ولا أذان لصلاة على جنازة، ولا لصلاة كسوف، ولا لصلاة استسقاء، ولا في العيدين؛ لمفارقة الصلوات المفروضات، والله أعلم. هذا قول مالك في أهل المدينة، والليث بن سعد في أهل مصر، والأوزاعي في أهل الشام، والشافعي في أهل الحجاز، والعراق من أتباعه من النظار والمحدثين؛ وهو قول أبي حنيفة والثوري، وسائر الکوفیین؛ وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبري؛ وكان بنو أمية يؤذن لهم في العيدين، وقد مضى القول في أول من فعل ذلك في باب ابن شهاب من هذا الكتاب. فأما الروايات، عن النبي ◌َُّلّ في هذا الباب، فحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي المفيد، قال فتح البر ٣٥٠ حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد الواسطي، قال حدثنا عمي علي بن أحمد، وأبي محمد بن أحمد، قالا حدثنا محمد ابن صبيح الموصلي، قال حدثنا عبد الله بن خراش بن حوشب، قال حدثنا واسط بن الحارث، عن عطاء بن أبي باح، عن جابن بن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله وَخلال يوم عيد ركعتين بغير أذان ولا إقامة(١)، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة . وقد ذكرنا لحديث جابر هذا طرقا شتى في باب ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر من كتابنا هذا، فلا معنى لإعادتها ههنا. وحدثنا أحمد بن عمر بن عبد الله، قال حدثنا عبد الله بن محمد ابن علي، قال حدثنا محمد بن فطيس، قال حدثنا مالك بن سيف، قال حدثنا علي بن معبد، قل حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب: عن جابر بن سمرة، قال: صليت مع رسول الله وَجله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين - للعيد- بغير أذان ولا إقامة(١). وقد تقدم من آثار هذا الباب والقول فيه ما يغني ويشفي في باب ابن شهاب عن أبي عبيد من هذا الكتاب، والحمد لله؛ ومضى هناك القول في تقديم الصلاة على الخطبة، وهذا أيضاً اتفاق من الآثار واجماع من علماء الأمصار؛ وذلك - والله أعلم- لمفارقة الجمعة التي هي فرض وخطبتها قبلها، فلما كانت هذه سنة غير فريضة، ونافلة غير مكتوبة، كانت الصلاة فيها قبل الخطبة. (١) تقدم تخريجه. صلاة العيدين ٣٥١ الصلاة قبل الخطبة فى العيدين [٤] مالك، عن ابن شهاب، أن رسول الله ولو كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة. مالك أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك. قال أبو عمر: قد ثبت عن النبي وَّ أنه صلى في العيدين قبل الخطبة من وجوه، منها: حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث أبي سعيد الخدري، وحديث البراء بن عازب، وحديث جابر، وغيرهم؛ وقد ذكرنا الحكم في ذلك، وذكرنا أول من نسب إليه أنه خطب قبل الصلاة في العيدين في باب ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، فيما تقدم من كتابنا هذا، فأغنى عن ذكره ههنا؛ وجماعة العلماء على العمل بهذا، والقول به والفتوى، ولا يجوز عند جميعهم تقديم الخطبة قبل الصلاة في العيدين، فلا وجه للكلام في هذا . وأما أهل بلدنا، فجرى بعضهم فيه على مذهب السلطان؛ لأنه شيء صنعه بنو أمية قديما، ينسب ذلك إلى معاوية، وإلى مروان، وقد نسب إلى عثمان ولا يصح. وحديث ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، أنه صلى مع عمر، وعثمان، وعلي، فكلهم كان يصلي قبل الخطبة(١)، أصح ما في هذا الباب عن عثمان، وغيره. فأما الآثار المتصلة المرفوعة في هذا الباب، فمنها: ما حدثناه عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن السكن، قال حدثنا (١) تقدم تخريجه في باب [ما جاء في النهي عن صيام العيدين]. فتح البر ٣٥٢ محمد بن يوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي. وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا محمد بن محمد ابن دليم، قال حدثنا عمر بن أبي تمام، قال حدثنا محمد بن عبد الحكم، قالا حدثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله وَطله كان يصلي في الأضحى والفطر، ثم يخطب بعد الصلاة(١). قال البخاري: وروى أبو أسامة عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله وَله وأبو بكر، وعمر، يصلون قبل الخطبة (٢). وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح. وحدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا أحمد بن الفضل، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قالا جميعا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن جابر، قال: شهدت النبي ◌َّ يوم عيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة(٣). وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا عبد الرزاق، ومحمد بن بكر، قالا أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني عطاء، عن جابر بن عبد الله، سمعته يقول: إن النبي وَلّ صلى يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة (٣). (١) خ (٢/ ٩٥٧/٥٧٣). (٢) تقدم تخريجه في الباب الذي قبله. (٣) م (٢ / ٦٠٣ / (٨٨٥)). صلاة العيدين ٣٥٣ وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن يحيى ابن عمر بن علي، قال حدثنا علي بن حرب، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس سمعه يقول: أشهد أني شهدت العيد مع رسول الله وسلّ فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهن فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، ومعه بلال باسط ثوبه، فجعلت المرأة تلقي الخرص، والخاتم، والثوب، والشيء(١). ورواه عبد الوارث، وشعبة، وحماد بن زيد، عن أيوب، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي وَ لّ صلى في العيدين قبل أن يخطب(٢) . ورواه معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: شهدت العيد مع النبي وَ لل فصلى ثم خطب(٣). وقد ذكرنا حديث أبي سعيد الخدري، وحديث البراء، وغيرهما، في باب ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر من كتابنا هذا بأسانيدها، فأغنى عن ذكرها ههنا. حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال حدثنا إسحاق بن راهويه، قال حدثنا عبدة بن سليمان، قال حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ لّ، وأبو بكر، وعمر، كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة (٤). (١) و(٢) و (٣) سبق تخريجها في باب النهي عن صيام العيدين. (٤) سبق تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ٣٥٤ وذكر عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: شهدت صلاة الفطر مع رسول الله وَجُلّ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد(١). وهذا الحديث مثل حديث ابن شهاب، عن أبي عبيد، عن عثمان، أنه كان يخطب بعد الصلاة . وفي هذين الحديثين ما يرد قول القائل: إن عثمان أول من خطب قبل الصلاة، وأصح ما فيه عندنا -والله أعلم- أن معاوية فعل ذلك، وقد ذكرنا كل من نسب ذلك إليه بالأسانيد عمن قال ذلك في باب ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر من هذا الكتاب. وأخبرنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: رأيت رسول الله وَ له، أو حضرت رسول الله وَ له، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، يصلون قبل الخطبة(٢). قال أبو عمر: قد صح عن علي أنه كان يصلي قبل الخطبة، فهذا عمل رسول الله وَ له وسنته، وسنة الخلفاء الراشدين بعده - وبالله التوفيق. (١) و(٢) م (٢ / ٦٠٣ / ٨٨٤). صلاة العيدين ٣٥٥, عدد التكبيرات في الفطر والأضحى والقراءة فيهما [٥] مالك، عن نافع، أنه قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة: خمس تكبيرات قبل القراءة(١). قال أبو عمر: مثل هذا لا يكون رأيا، ولا يكون إلا توقيفا؛ لأنه لا فرق بين سبع وأقل وأكثر من جهة الرأي والقياس - والله أعلم. وقد روي عن النبي -عليه السلام- أنه كبر في العيدين سبعا في الأولى وخمسا في الثانية - من طرق كثيرة حسان، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ ومن حديث جابر رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر؛ ومن حديث عائشة رواه أبو الأسود، عن عروة، عن عائشة؛ ورواه عقيل، وابن مسافر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ ومن حديث عمرو بن عوف المزني، رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده؛ ومن حديث ابن عمر رواه عبد الله بن عامر الأسلمي، عن نافع، عن ابن عمر؛ ومن حديث أبي واقد الليثي، كلها عن النبي وَله، وفي حديث ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلّ: التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدها في كلتيهما(٢)؛ وبهذا قال مالك، والشافعي، (١) البيهقي في السنن (٢٨٨/٣) من طريق مالك. انظر الارواء (٣/ ١١٠). (٢) د (١ / ٦٨١ / ١١٥١). جه (١ / ٤٠٧ /١٢٧٨ مختصرا). وقال الحافظ في التلخيص (٨٤/٢): ((رواه احمد وابو داود وابن ماجه والدارقطني وصححه احمد وعلي والبخاري فیما حكاه الترمذي. فتح البر ٣٥٦٠ وأصحابهما، والليث بن سعد؛ إلا أن مالكا قال: سبعا في الأولى بتكبيرة الإحرام، وقال الشافعي: سوى تكبيرة الإحرام، واتفقا في الثانية على خمس سوى تكبيرة القيام والركوع. وقال أحمد بن حنبل كقول مالك سبعا بتكبيرة الإحرام في الأولى، وخمسا في الثانية، إلا أنه لا يوالي بين التكبير؛ ويجعل بين كل تكبيرتين ثناء على الله، وصلاة على النبي عليه السلام. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: التكبير في العيدين خمس في الأولى، وأربع في الثانية - بتكبيرة الافتتاح والركوع، يحرم في الأولى ويستفتح، ثم يكبر ثلاث تكبيرات ويرفع فيها يديه، ثم يقرأ أم القرآن وسورة، ثم يكبر ولا يرفع يديه ويسجد؛ فإذا قام للثانية كبر ولم يرفع يديه، وقرأ فاتحة الكتاب، وسورة، ثم كبر ثلاث تكبيرات يرفع فيها يديه، ثم يكبر أخرى يركع بها ولا يرفع يديه فيها يوالي بين القراءتين . قال أبو عمر: ليس يروى عن النبي عليه السلام من وجه قوي ولا ضعيف مثل قول هؤلاء، وأما الصحابة رضي الله عنهم فإنهم اختلفوا في التكبير في العيدين اختلافا كبيرا، وكذلك اختلاف التابعين في ذلك، وفعل أبي هريرة مع ما روي عن النبي وَّ في هذا الباب، أولى ما قيل به في ذلك - والله الموفق للصواب. قال الشافعي: فعل أبي هريرة بين ظهراني المهاجرين والأنصار - أولى؛ لأنه لو خالف ما عرفوه وورثوه، أنکروه علیه وعلموه، ولیس ذلك كفعل رجل في بلد كلهم يتعلم منه؛ قال: والتكبير في كلتا الركعتين قبل القراءة، أشبه بسنن الصلاة؛ قال: وكما لم يدخلوا تكبيرة القيام في تكبيرة العيد، فكذلك تكبيرة الإحرام، بل هي أولى صلاة العيدين ٣٥٧ بذلك؛ لأنها لا تدخل في الصلاة إلا بها، وتكبيرة القيام لو تركها لم تفسد صلاته. وقال المزني: إجماعهم على أن تكبير العيد في الأولى قبل القراءة يقضي بأن الركعة في الآخرة كذلك، لأن حكم الركعتين في القياس سواء. حدثنا سعيد، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا عبد الله بن روح المدائني، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الحسن بن عمارة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: كان النبي وَّ، تخرج له الحربة فيصلي إليها فيكبر اثنتي عشرة تكبيرة، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان والأئمة يفعلون ذلك(١). (١) أخرجه نحوه من حديث ابن عمر: خ (٤٩٤/٧٥٣/١). م (٥٠١/٣٥٩/١) (ولم يذكر التكبير). فتح البر ٣٥٨ باب منه ٦- مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله وَ﴾ في الأضحى والفطر؟ قال: كان يقرأ بقاف والقرآن والمجيد، واقتربت الساعة وانشق القمر(١). يحتمل سؤال عمر رحمه الله مع جلالته لأبي واقد عن قراءة رسول الله وَّ في العيدين، ليعلم إن كان عنده من ذلك علم، وإلا أنباه به؛ ويحتمل أن يكون على مذهب من قال: إن القراءة في العيدين تكون سرا - وهو قول شاذ، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: من السنة أن لا يسمع الإمام قراءته من يليه، ولا يرفع صوته؛ ويحتمل أن يكون عمر نسي ذلك، أو أراد عاما بعينه، والله أعلم بما كان من ذلك؛ وموضع عمر من رسول الله وَل معروف، وأنه كان من أولي الأحلام والنهى الذين كانوا يلونه، والله أعلم. وهذا الحديث رواه ابن عيينة، قال: حدثني ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: خرج عمر يوم عيد، فسأل أبا واقد الليثي: بأي شيء كان النبي وَّ يقرأ في هذا اليوم؟ فقال: بقاف واقتربت(٢). وقد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع؛ لأن عبد الله لم يلق عمر، وقال غيره: هو متصل مسند، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثي غير مدفوع، وقد سمع عبيد الله من - (١) و (٢) حم (٢١٧/٥-٢١٨). م (٨٩١/٦٠٧/٢). د (١/ ٦٨٣ /١١٥٤). ت (٥٣٤/٤١٣/٢). ن (١٥٦٦/٢٠٤/٣). جه (٤٠٨/١ /١٢٨١). صلاة العيدين ٣٥٩ جماعة من الصحابة، ولم يذكر أبو داود في باب ما يقرأ به في العيدين إلا هذا الحديث، وهذا يدل على أنه عنده متصل صحيح. واختلفت الآثار أيضا في هذا الباب، وكذلك اختلف الفقهاء أيضا فيه، فقال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ ((والشمس وضحاها))، و (سبح اسم ربك الأعلى))، ونحوها. وقال الشافعي بحديث أبي واقد الليثي هذا في قاف، واقتربت الساعة . وقال أبو حنيفة: يقرأ فيهما بـ ((سبح اسم ربك الأعلى))، و ((هل أتاك حديث الغاشية))، وما قرأ من شيء أجزأه، وقال أبو ثور: يقرأ في العيدين بـ ((سبح اسم ربك الأعلى)) و((هل أتاك حديث الغاشية)) وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك. وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من المفصل؛ وكان أبان بن عثمان يقرأ فيهما بـ ((سبح اسم ربك الأعلى))، و ((اقرأ باسم ربك الذي خلق)) وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد الليثي المذكور في هذا الباب، وحديث سمرة بن جندب أن النبي وَلّ كان يقرأ في العيدين بـ ((سبح اسم ربك الأعلى))، و((هل أتاك حديث الغاشية))(١) وحديث حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي وَّ مثله(٢)، وقد ذكرناهما جميعا في الباب الذي قبل هذا. (١) حم (٧/٥-١٣-١٤-١٩). الطبراني في الكبير ٢١٩/٧- ٦٧٧٩٠٠٠٦٧٧٣/٢٢٠). واورده الهيثمي في المجمع (٢٠٦/٢-٢٠٧). وقال : ((رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال احمد ثقات». (٢) م (٨٧٨/٥٩٨/٢)، د (١/ ١١٢٢/٦٧٠). ت (٥٣٣/٤١٣/٢). فتح البر -٣٦٠ ٣٦٠= وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله وَل يقرأ في العيد بـ ((سبح اسم ربك الأعلى))، وفي الثانية بـ ((هل أتاك حديث الغاشية (١)) وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب من طريق الاستحباب، وفي اختلاف الآثار في هذا الباب، دليل على أن لا توقيف فيه - والله أعلم. وما قرأ به الإمام في صلاة العيدين أجزأه إذا قرأ فاتحة الكتاب. (١) جه (١٢٨٣/٤٠٨/١) وفي اسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف كما في التقريب. والحديث صحيح بشواهده المتقدمة.