Indexed OCR Text

Pages 281-300

صلاة الجمعة
٢٨١,
رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت،
فقال رسول الله وَ له: ان من البيان لسحرا. وفي هذا دليل على مدح
البيان وفضل البلاغة، والتعجب بما يسمع من فصاحة أهلها وفيه
المجاز والاستعارة الحسنة، لان البيان ليس بسحر على الحقيقة.
وفيه الافراط في المدح؛ لانه لا شيء في الاعجاب والأخذ
بالقلوب، يبلغ مبلغ السحر، وأصل لفظة السحر عند العرب
الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك، وقد ذهب هذا القول منه
وَاللّه مثلا سائرا في الناس، اذا سمعوا كلاما يعجبهم قالوا: ان من
البيان لسحرا. ويقولون في مثل هذا أيضا: هذا السحر الحلال، ونحو
ذلك، قد صار هذا مثلا أيضا. وروي أن سائلا سأل عمر بن عبد
العزيز حاجة بكلام أعجبه، فقال عمر: هذا والله السحر الحلال.
وقال ابن الرومي - عفا الله عنه - في هذا المعنى فأحسن:
لم تجن قتل المسلم المتحرز
وحديثها السحر الحلال لوأنها
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت
ود المحدث أنها لم توجز
للسامعين وعقله المستوفز
شرك العقول ونزهة ما مثلها
ومن هذا ما أنشدني يوسف بن هارون في قصيدة له:
من السحر ما لم يختلف في حلاله
نطقت بسحر بعدها غير أنه
تكلم في الرؤيا بمثل مقاله
كذاك ابن سيرين بنفئة يوسف
وفي هذا الحديث ما يدل على أن التعجب من الاحسان والبيان،
موجود في طباع ذوي العقول والبلاغة، وكان لا قد أوتي جوامع
الکلم، الا أنه بانصافه کان یعرف لكل ذي فضل فضله.
وفي هذا ما يدل على أن أبصر الناس بالشيء، أشدهم فرحا بالجيد

فتح البر
٢٨٢
منه؛ - ما لم يكن حسودا. وانما يحمد العلماء البلاغة واللسانة، ما
لم يخرج الى حد الاسهاب والاطناب والتفيهق، فقد روى في
الثرثارين المتفيهقين: أنهم أبغض الناس الى الله ورسوله(١).
وهذا - والله أعلم - اذا كان ممن يحاول تزيين الباطل وتحسينه
بلفظه، ويريد اقامته في صورة الحق، فهذا هو المكروه الذي ورد فيه
التغليظ، وأما قول الحق، فحسن جميل على كل حال، كان فيه
اطناب أو لم يكن، اذا لم يتجاوز الحق؛ وان كنت أحب أوساط
الامور، فان ذلك أعدلها، والذي اتفق العلماء باللغة في مدحه من
البلاغة والايجاز والاختصار، وادراك المعاني الجسيمة بالالفاظ
اليسيرة. ويقال ان الرجلين اللذين خطبا أو احدهما عند رسول وَ ال
المذكورين في هذا الحديث: عمرو بن الاهتم والزبرقان بن بدر.
قال ابو عمر: أما قوله لزمر، فالزمر: القليل - اراد قليل المروءة.
والعطن: الفناء، وقوله ضيق العطن: كناية عن البخل.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا احمد بن زهير، قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا ابن
ادريس، عن مالك بن مغول، قال: كان زيد بن إياس يقول للشعبي:
يا مبطل الحاجات - يعني أنه يشغل جلساءه عن حوائجهم بحسن
حديثه .
(١) الحديث أخرجه: حم (١٨٤/٤). البيهقي (١٩٤/١٠) من حديث (١٨٤/٤) أبي ثعلبة
الخشني وت (٤٠١٨/٣٢٤/٥) والخطيب البغدادي (٦٣/٤) من حديث جابر وله.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة. وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وروى
بعضهم هذا الحديث عن المبارك بن فضالة عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله
عليه وسلم ولم يذكر فيه عن عبد ربه بن سعيد وهذا أصح . قلت وفي سند الترمذي :
المبارك بن فضالة وهو مدلس وقد صرح بالتحديث في سند الترمذي.

صلاة الجمعة
٢٨٣,
حدثنا أحمد بن محمد بن احمد، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال
حدثنا أبو الحسن، محمد بن عبد الله بن سعيد المهراني، قال حدثنا
يزيد بن محمد بن المهلبي، قال: حدثنا العتبي عمن حدثه قال: كان
الشعبي اذا سمع حديثا ورده، فكأنه زاد فيه من تحسينه للفظه، فسمع
يوما حديثا وقد سمعه معه جليس له يقال له رزين، فرده الشعبي
وحسنه، فقال له رزين: اتق الله يا أبا عمرو، ليس هكذا الحديث.
فقال له الشعبي : یا رزين ما كان أحوجك الى محدرج، شدید الجلد،
لين المهزة، عظيم الثمرة، أخذ ما بين مغرز عنق الى عجب ذنب،
يوضع منك في مثل ذلك، فتكثر له رقصاتك من غير جذل، فلم يدر
ما قال له، فقال: وما ذاك؟ قال شيء لنا فيه أرب، ولك فيه أدب.
ومن أحسن ما قيل في مدح البلاغة من النظم، قول حسان بن
ثابت في ابن عباس:
صموت اذا ما الصمت زين أهله وفتاق أبكار الكلام المختم
وعى ما وعى القرآن من كل حكمة ونيطت له الآداب باللحم والدم
وقال ثعلب: لا أعرف في حسن صفة الكلام، أحسن من هذين
البيتين - وهما لعدي بن الحرث التيمي:
فيأخذ من أطرافه يتخير
كأن كلام الناس جمع عنده
تکاد بیانا من دم الجوف تقطر
فلم یرض الا كل بكر ثقيلة
قال ابو عمر :
البيتان اللذان قبلهما خير منهما، ولحسان أيضا في ابن عباس رضي
الله عنه، ويروى للحطيئة:
اذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتظمات لا ترى بينها فصلا

٢٨٤
فتح البر
يقول مقالا لا يقولون مثله كنحت الصفا لم يبق في غاية فضلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع لذى اربة في القول جدا ولا هزلا
- في أبيات له.
ولغيره فيه أيضا:
اذا قال لم يترك صوابا ولم يقف بعي ولم يثن اللسان على هجر
وقال بكر بن سوادة في خالد بن صفوان:
ذکور لما سداه أول أولا
عليم بتنزيل الكلام ملقن
كأنهم الكروان عاين أجدلا
تری خطباء الناس يوم ارتجاله
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن
بكر، قال: حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال
حدثنا سعيد بن محمد، قال حدثنا ابو تميلة، قال حدثنا أبو جعفر
النحوي عبد الله بن ثابت قال: حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة،
عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله وَّله يقول: ان من البيان
سحرا، وان من العلم جهلا، وان من الشعر حكما وان من القول
عيالا(١). فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول الله وَجله: أما
قوله: ان من البيان سحرا، فالرجل يكون عليه الحق، فهو ألحن
بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق.
وأما قوله ان من العلم جهلا، فتكلف العالم الى علمه مالا يعمله،
فيجهله ذلك. وأما قوله: ان من الشعر حكما، فهي هذه المواعظ التي
يتعظ بها الناس.
(١) د (٥٠١٢/٢٧٨/٥). وفي سنده: سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي قال الحافظ في
التقريب: صدوق رمي بالتشيع.

٢٨٥,
صلاة الجمعة
وأما قوله: ان من القول عيالا، فعرضك كلامك وحديثك على من
ليس من شأنه ولا یریده.
قال ابو عمر:
قوله وَله: إن من الشعر حكماً - أراد حكمة، وذلك نحو قول
ج
عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَاْحَكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. [الأنعام: (٨٩)].
- يعني الحكمة والنبوة، وهذا أعرف وأشهر من أن يحتاج إلى شاهد،
وبالله التوفيق.
٠

فتح البر
,٢٨٦
كلمة الحق على المنبر وغيره تجلب رضوان الله،
وكلمة الباطل على المنبر وغيره تجلب سخط الله،
فليتق الله المسلم ولا يقل إلا الحق
[١١] مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن بلال بن الحارث، أن
رسول الله ﴾﴾ قال: ان الرجل لیتکلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان
يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه الى يوم يلقاه، وإن
الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما کان یظن ان تبلغ ما بلغت یکتب
الله له بها سخطه الى يوم يلقاه(١).
قال ابو عمر: هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ، وغير
مالك يقول في هذا الحديث: عن محمد بن عمرو، عن أبيه عن
جده، عن بلال بن الحارث، فهو في رواية مالك غير متصل، وفي
رواية من قال عن أبيه عن جده متصل مسند، وقد تابع مالكا على
مثل روايته عن محمد بن عمرو عن ابيه، الليث بن سعد، وابن لهيعة
روياه عن ابن عجلان، عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن بلال بن
الحارث، لم يقولا: عن جده ورواه الداروردي، وسفيان بن عيينة،
ومعاذ بن معاذ، وابو معاوية الضرير، وسعيد بن عامر، ويزيد بن
هارون، ومحمد بن بشر، وعبد الرحمن المحاربي ومحمد ويعلى ابنا
عبيد، عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن
الحارث وتابعهم حيوية بن شريح، عن ابن عجلان عن محمد بن
(١) ت (٢٣١٩/٤٨٤/٤). جه (٣٩٦٩/١٣١٢/٢). وقال الترمذي حديث حسن صحيح،
حب: الاحسان (٢٨٠/٥١٤/١). وك (٤٥/١). ووافقه الذهبي.

صلاة الجمعة
٢٨٧
عمرو، عن أبيه عن جده، وتابعهم أيضا شيخ يكنى أبا سفيان:
عبد الرحمن بن عبد ربه اليشكري عن مالك، عن محمد بن عمرو،
عن أبيه، عن جده، ورواه الثوري، وموسى بن عقبة، عن محمد بن
عمرو، عن جده، علقمة بن وقاص، لم يقولا عن ابيه، وقال حماد
ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن ابراهيم، عن علقمة
ابن وقاص، والقول عندي فيه والله أعلم، قول من قال عن ابيه عن
جده، واليه مال الدارقطني رحمه الله.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال حدثني أبي، عن
ابيه علقمة بن وقاص، قال: مر به رجل له شرف، فقال له علقمة:
ان لك رحما وان لك لحقا، واني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء،
وتكلم عندهم بما شاء الله أن تكلم، واني سمعت بلال بن الحارث:
صاحب رسول الله وَله يقول: قال النبي وَالاول: ان الرجل ليتكلم
بالكملة من رضوان الله ما يظن ان تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها
رضوانه الى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا
يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه الى يوم يلقاه،
قال علقمة: فانظر ويحك ماذا تقول وماذا تكلم، فرب كلام قد منعني
ان أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث.
قال ابو عمر: لا أعلم خلافا في قوله، وَّجُلّ في هذا الحديث: ان
الرجل ليتكلم بالكلمة انها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم ليرضيه
بها فيما يسخط الله عز وجل، ويزين له باطلا يريده، من اراقة دم، أو

فتح البر
٢٨٨
ظلم مسلم، ونحو ذلك، مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله،
وينال سخطه وكذلك الكلمة التي يرضي بها الله عز وجل، عند
السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصية يريدها، يبلغ بها أيضا
من الله رضوانا لا يحسبه والله أعلم.
وهكذا فسره ابن عيينة وغيره وذلك بين في هذه الرواية وغيرها.
وجدت في سماع أبي بخطه، ان محمد بن أحمد بن قاسم بن
هلال حدثهم، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا نصر بن
مرزوق، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن
الحارث، قال: إنكم تدخلون على هؤلاء الأمراء، وقد سمعت رسول
الله وَّله يقول: ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن
تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه الى يوم يلقاه، وان الرجل
ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن ان تبلغ ما بلغت، يكتب الله له
بها سخطه الى يوم يلقاه. وبه عن أسد قال: حدثنا حماد بن سلمة،
عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن
وقاص، قال: كان علقمة يدخل على الأمراء ثم جلس عنهم، فقيل
له: ما يجلسك عنهم؟ قال حدثني بلال بن الحارث، قال: سمعت
رسول الله وَّجله يقول: ان العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا
يظن ان تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه الى يوم يلقاه، وان
الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت
فيكتب الله له بها سخطه الى يوم يلقاه. هكذا قال حماد بن سلمة في
هذا الحديث: عن محمد بن عمرو، عن محمد بن ابراهيم التيمي،
وهو عندي وهم والله أعلم، والصحيح ما قالته الجماعة عن محمد بن
عمرو عن أبيه.

صلاة الجمعة
٢٨٩ =
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله، قال: حدثنا حمزة بن محمد،
قال: حدثنا محمد بن يحيى بن الحسين، قال: حدثنا عبيد الله بن
محمد العيشي، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ابي غالب، عن ابي
أمامة ان رجلا سأل رسول الله وَله عند الجمرة: أي الجهاد أفضل؟
فقال رسول الله وَله: أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند ذي سلطان
جائر (١).
حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
محمد بن عبد الله بن قاسم، قال: حدثنا بقي بن مخلد، قال حدثنا
ابراهيم بن هشام بن یحیی الغساني، قال: حدثني ابي، قال حدثنا
عروة بن رؤيم اللخمي، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة
قالت: قال رسول الله وَله: من كان وصلة لاخيه المسلم الى ذي
سلطان في مبلغ بر، أو قال كلمة معناها، أو اقالة عثرة، أعانه الله
(١) حم (٢٥٦/٢٥١/٥). جه (٢/ ٤٠١٢/١٣٣٠). وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: (في
اسناده أبو غالب، وهو مختلف فيه، ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي، ووثقه الدارقطني.
وقال ابن عدي: لا بأس به). وله شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وطارق بن شهاب
وعبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده.
حديث أبي سعيد الخدري: د (٥١٤/٤/ ٤٣٤٤). ت (٢١٧٥/٤٠٩/٤) وقال ( حسن
غريب من هذا الوجه) جه (٢/ ٤٠١٢/١٣٣٠). ك (٥٠٥/٤ - ٥٠٦) مطولا وقال: «هذا
حديث تفرد بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة والشيخان رضي الله
عنهما لم يحتجا بعلي بن زيد. وقال الذهبي: ابن جدعان صالح الحديث.
حديث طارق بن شهاب: حم (٣١٥/٤) وطارق بن شهاب قال فيه أبو داود: صحابي رأى
النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه.
حديث عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده: ك (٦٢٦/٣) وسكت عليه، وضعفه
الذهبي.

فتح البر
٢٩٠
على جواز الصراط يوم القيامة، عند دحض الاقدام(١). وبه عن بقي
ابن مخلد، قال حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى قال: حدثنا سهل
ابن حماد، قال: حدثنا المختار بن نافع، عن أبي حيان، عن ابيه عن
علي بن ابي طالب، قال: قال رسول الله وَجُله: رحم الله عمر تركه
الحق ليس له صدیق(٢).
حدثنا احمد بن سعيد بن بشر، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
ابي دلیم، قال حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا صالح بن عبيد، قال:
سمعت ابن مهدي يقول: عن حماد بن زيد، قال ابن عون: كان
الرجل يفر، بما عنده، من الامراء جهده، فاذا أخذ لم يجد بدا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا محمد بن عبد السلام، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال:
حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: لا يمنعن أحدكم مخافة
الناس، أن يتكلم بالحق اذا علمه(٣). وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان،
(١) حب: الإحسان (٥٣٠/٢٨٧/٢). واورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩١/٨) وقال:
(رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه ابراهيم بن هشام الغساني، وثقه ابن حبان وغيره،
وضعفه أبو حاتم وغيره. وابراهيم هذا كذبه أبو زرعة وأبو حاتم كما في الميزان للذهبي)).
(٢) ت (٣٧١٤/٥٩١/٥) من حديث طويل. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه الا من هذا
الوجه والمختار بن نافع شيخ بصري كثير الغرائب.
(٣) م (٩٢/٣). حب: الاحسان (٢٧٨/٥١٢/١). البيهقي (١٠ / ٩٠) من طريق شعبة باسناد
صحيح. واخرجه من طريق علي بن زيد بن جدعان. ت (٢١٩١/٤١٩/٤). جه
(٢/ ٤٠٠٧/١٣٢٨) وقال: حسن صحيح. ك (٤/ ٥٠٦) وقال علي بن زيد لم يحتج به
الشيخان وقال الذهبي هو صالح الحديث. وحديثه يحسن عند المتابعة وقد توبع كما في
الطريق السابق.

صلاة الجمعة
٢٩١
قال حدثنا الحسن بن محمد بن يحيى القلزمي، قال: حدثنا ابو سعيد
حاتم بن الحسن الشاشي بمكة، قال: حدثنا أبو حاتم احمد بن زرعة،
قال حدثنا الحسن بن رشيد، قال: حدثنا ابو مقاتل عن أبي حنيفة،
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَجله: أكرم الشهداء
يوم القيامة، حمزة بن عبد المطلب، ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره
ونهاه، فقتله (١). وروي من حديث ابراهيم الصائغ، عن عطاء، عن
جابر مثله، قال: قال رسول الله وَله: سيد الشهداء حمزة، ورجل
قام إلى إمام جائر فأمره أو نهاه، فقتله(٢). وروى ابن ابي نعيم قال:
سمعت عبد الله بن عمر يقول: وفد الشيطان قوم يأتون هؤلاء الأمراء
فيمشون إليهم بالنميمة والكذب، فيعطون على ذلك العطايا،
ويجازون الجوائز. قرأت على قاسم بن محمد ان خالد بن سعيد
حدثهم قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد
ابن إسماعيل الصائغ، قال حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبيد الله بن
الوليد الرصافي، قال: قلت لعطاء: أخ له صاحب سلطان يكتب ما
يدخل ويخرج أمين على ذلك، ان ترك قلمه صار عليه دين، وان أخذ
بقلمه كان له غنى ولعياله، قال الرأس من؟ قلت: خالد بن عبد الله.
قال: أو ما تقرأ هذه الآية؟ ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا
(١) أورده الهيثمي في المجمع (٢٦٨/٩). وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ضعف)).
قلت: في سند المصنف (يعني ابن عبد البر) الحسن بن رشيد: ذكره الذهبي في الميزان: ((قال
فیه أبو حاتم: مجهول)). وله شاهد من حديث جابر الآتي.
(٢) ك (١٩٥/٣) عن رافع بن اشرس المروزي عن الصفار عن ابراهيم الصائغ. وقال صحيح
الاسناد ورده الذهبي بقوله: ((الصفار: لا يدرى من هو)). وتابعه حكيم بن زيد الاشعري عن
ابراهيم الصائغ: اخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٣٧٧/٦). وحكيم هذا، اورده الذهبي في
الميزان وقال: عن أبي اسحاق السبيعي قال الازدي: فيه نظر. الا ان ابن أبي حاتم سأل عنه
اباه: فقال: صالح، هو شيخ.

٢٩٢
فتح البر
لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: (١٧)]. صاحب القلم عون لهم، ومن أقل من
صاحب قلم عون لهم لیرم بقلمه، فان الله آتيه بغنى أو رزق، وروینا
عن رجاء بن حيوة قال: كنت واقفا بباب سليمان بن عبد الملك،
فأتاني آت لم أره قبل ولا بعد، فقال: يا رجاء إنك قد بليت بهذا أو
بلي بك، وفي دنوك منه فساد دينك، يا رجاء فعليك بالمعروف،
وعون الضعيف، يا رجاء انه من رفع حاجة لضعيف الى سلطان
لا يقدر على رفعها ثبت الله قدمه على الصراط يوم تزل فيه الاقدام،
وهذا فيه حديث مرفوع الى النبي ◌َّ، حدثنا ابو القاسم، خلف بن
القاسم بن سهل، قال حدثنا ابو بكر احمد بن صالح بن عمر المقرئ،
قال: حدثنا عبد الله بن سليمان: ابو بكر الخراساني، قال: حدثنا عبد
الله بن صالح المصري، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: حدثنا
الوليد بن رباح الذماري، قال: حدثني عمي نمران بن عبيد الذماري،
عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَطلال: من رفع
حاجة ضعيف الى سلطان لا يستطيع رفعها اليه، ثبت الله قدميه أو
قال قدمه على الصراط. حدثنا خلف بن سعيد، قال حدثنا عبد الله
ابن محمد، قال حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا اسحاق بن
ابراهيم، قال حدثنا عبد الرزاق، قال حدثنا معمر، عن ابي اسحاق:
عمارة بن عبد الله، عن حذيفة، قال: إياكم ومواقف الفتن، قيل:
وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله ؟ قال: أبواب الامراء، يدخل أحدكم
على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول له ما ليس فيه، قال : وأخبرنا
معمر عن قتادة، ان ابن مسعود، قال: ان على أبواب السلطان فتنا
كمبارك الإبل والذي نفسي بيده، لا تصيبون من دنياهم شيئا الا
أصابوا من دينكم مثله. حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا الحسن
ابن رشيق، وحدثنا أحمد بن فتح، قال حدثنا حمزة بن محمد، قالا:

صلاة الجمعة
٢٩٣
حدثنا علي بن معبد بن بشر الرازي، قال حدثنا محمد بن عبد
الرحمن بن خلف العنبري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله
ابن العيزار، قال: كان مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول: اللهم
اني أعوذ بك من أن أقول شيئا من الحق أريد به سواك، وأعوذ بك
من ضر ينزل بي يضطرني الى معصيتك، وأعوذ بك أن تزين لي شيئا
من شأني يشينني عندك، وأعوذ بك أن يكون غيري أسعد بما أعطيتني
مني، وأعوذ بك أن أكون عبرة للناس.

فتح البر
٢٩٤
باب منه
[١٢] مالك، عن عبد الله بن دينار: أن ابا صالح السمان، أخبره أن أبا هريرة
قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا، يهوي بها في نار جهنم،
وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا، يرفعه الله بها في الجنة (١).
قال ابو عمر: هكذا هذا الحديث موقوفا في الموطأ على ابي هريرة،
وقد أسنده عن مالك من لا يوثق به.
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا محمد بن احمد بن یحیی حدثنا
الحسن بن الحسن المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مالك،
عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله
وَخله قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها
يوم القيامة .
هكذا حدثناه مرفوعا، وهو - عندي - من غلطه أو غلط شيخه،
والله أعلم. ولا يصح عن مالك رفعه فيما أحسب، وإن صح عن ابن
المبارك ما ذكرنا، فابن المبارك بحر، ثقة، حجة، وقد رواه عبد
الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن ابيه مرفوعا.
أخبرنا ابراهيم بن شاكر، ومحمد بن ابراهيم قالا: حدثنا محمد بن
احمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن أيوب، قال: حدثنا احمد بن
عمرو البزار، قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا عبد
الصمد بن النعمان، قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن
(١) خ (١١/ ٦٤٧٨/٣٧٣)، من حديث أبي هريرة مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم.

صلاة الجمعة
٢٩٥
ابيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إن
الرجل ليتكلم بالكلمة - فذكر الحديث. وقد تقدم القول في معنى
هذا الحديث : في باب محمد بن عمرو بن علقمة - والحمد الله
کثیرا، وصلى الله على محمد وآله.

٢٩٦
فتح البر
من كمال أدب المسلم ودينه الإنصات للخطيب
على المنبر والمتكلم بكل كلمة حق
[١٣] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلخل قال:
اذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت(١).
هکذا روی یحیی هذا الحديث عن مالك بهذا الاسناد، وكذلك هو
في الموطأ عند جمهور الرواة.
ورواه جماعة من رواة الموطأ: اذا قلت لصاحبك انصت، فقد
لغوت.
وبعضهم يقول فيه: يريد بذلك والإمام يخطب. وعند مالك في
هذا الحديث اسنادان، احدهما: هذا عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
ابي هريرة، والثاني عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن ابي
هريرة، عن النبي ◌ُّ: اذا قلت أنصت والإمام يخطب فقد لغوت(٢).
ولم يرو يحيى في هذا الحديث عن مالك غير إسناد أبي الزناد،
وجمعهما القعنبي وغيره عن مالك.
ذكر القعنبي حديث أبي الزناد في كتاب الصلاة، وذكر حديث
الزهري في الزيادات؛ وقد رواهما ابن القاسم، وابن وهب، وغيرهما
عن مالك جميعا كما ذكرت لك.
(١) حم (٢٨٥/٢). م (٢/ ١٢/٥٨٣ (٨٥١)).
(٢) خ (٩٣٤/٥٢٥/٢). م (٢/ ٨٥١/٥٨٣). د (١١١٢/٦٦٥/١).
ت (٥١٢/٣٨٧/٢). ن (١٤٠٠/١١٥/٣-١٤٠١). جه (١١١٠/٣٥٢/١).

صلاة الجمعة
٢٩٧
وروى الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، وعن عقيل عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز،
عن عبد الله بن ابراهيم بن قارظ، سمع أبا هريرة يقول: سمعت
رسول الله وَّله يقول: اذا قلت لصاحبك أنصت - والإمام يخطب يوم
الجمعة فقد لغوت(١).
وقال ابن عجلان في هذا الحديث: عن أبي الزناد، عن الاعرج،
عن أبي هريرة: اذا قلت لصاحبك أنصت - والإمام يخطب يوم
الجمعة فقد لغوت، عليك بنفسك.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أبو يحيى بن ابي ميسرة، قال حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ،
قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال حدثني محمد بن عجلان، عن
ابي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: عن رسول الله وَ له قال: اذا
قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة فقد لغوت عليك بنفسك.
واخبرنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد،
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى القطان، عن مالك بن أنس، عن
الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال النبي عليه السلام: من
قال - والإمام يخطب - أنصت، فقد لغا.
أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
احمد بن شعيب، قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث، عن
عقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي
وَخاله قال: من قال لصاحبه يوم الجمعة - والامام يخطب: أنصت فقد
لغا.
(١) انظر الحديث الذي قبله.

=٢٩٨
فتح البر
اخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا حمزة بن محمد، قال حدثنا
احمد بن شعيب، قال أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال
حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن
عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن ابراهيم بن قارظ؛ وعن ابن
المسيب أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله وَ له يقول:
اذا قلت لصاحبك أنصت - والامام يخطب يوم الجمعة - فقد
لغوت(١).
ورواه ابن جريج، عن ابن شهاب كما رواه الليث. ذكر عبد
الرزاق، عن ابن جريج، قال حدثني ابن شهاب، عن ابن المسيب،
عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله يقول: اذا قلت لصاحبك
أنصت - والامام يخطب يوم الجمعة - فقد لغوت.
قال ابن شهاب: وحدثني عمر بن عبد العزيز، عن ابراهيم بن عبد
الله بن قارظ، عن أبي هريرة عن النبي وَلاّ مثله.
ورواه معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن
النبي وَّ مرسلا(٢).
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن منبه، انه سمع أبا هريرة
يقول: قال رسول الله وَ له: اذا قلت للناس أنصتوا يوم الجمعة -وهم
ينطقون والامام يخطب - فقد لغوت(٣).
قال ابو عمر: أما قوله: فقد لغوت، فإنه يريد فقد جئت بالباطل،
وجئت بغير الحق، واللغو: الباطل.
(١) انظر الذي قبله.
(٢) و(٣) اخرجهما عبد الرزاق (٢٢٣/٣) مرسلا برقم ٥٤١٧ وموصولا برقم (٥٤١٨).
والحديث في الصحيحين بلفظ مقارب (وقد تقدم عن أبي هريرة).

صلاة الجمعة
٢٩٩
قال قتادة في قول الله عز وجل: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: (٧٢)].
قال الكذب. ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَرُواْ كِرَامًا﴾ [الفرقان: (٧٢)]. قال:
لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ولا يمالئونهم عليه.
وقال ابو عبيدة: اللغو: كل شيء من الكلام ليس بحسن،
والفحش أشد من اللغو؛ واللغو والهجر في القول سواء، واللغو
واللغا لغتان، يقال من اللغا لغيت تلغى مثل لقيت تلقى، وهو التكلم
بما لا ينبغي، وبما لا نفع فيه .
وقال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه.
وقال العجاج: عن اللغا ورفث التكلم.
قال ابو عمر: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب
الانصات للخطبة على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول
الرجل لمن سمعه من الجهال يتكلم - والإمام يخطب يوم الجمعة -
أنصت، أو صه أو نحو ذلك أخذا بهذا الحديث واستعمالا له، وتقبلا
لما فيه .
قد روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، وابي بردة،
أنهم كانوا يتكلمون في الخطبة، الا حين قراءة الامام القرآن في الخطبة
خاصة، كلهم ذهبوا إلَّ إنصات إلاَّ للقرآن، لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ
اُلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: (٢٠٤)]. وفعلهم ذلك مردود
عند أهل العلم بالسنة الثابتة المذكورة في هذا الباب، واحسن أحوالهم
أن يقال إنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك، لأنه حديث انفرد به أهل
المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به، والحجة في السنة لا فيما
خالفها - وبالله التوفيق.

فتح البر
٣٠
واختلف العلماء في وجوب الانصات على من شهد الخطبة - اذا
لم يسمعها لبعده عن الامام: فذهب مالك، والشافعي، وابو حنيفة
وأصحابه، والثوري والأوزاعي - الى أن الكلام لا يجوز لكل من
شهد الخطبة، سمع أو لم يسمع. وكان عثمان بن عفان يقول في
خطبته: استمعوا وانصتوا، فإن للمستمع الذي لا يسمع من الأجر مثل
ما للمستمع السامع .
وعن ابن عمر، وابن عباس، أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة
بعد خروج الامام، ولا مخالف لهولاء من الصحابة؛ فسقط قول
الشافعي، ومن قال بقوله في هذا الباب، وكان عروة بن الزبير لا يرى
بأسا بالكلام اذا لم يسمع الخطبة يوم الجمعة.
وقال احمد بن حنبل: لا بأس أن يقرأ ويذكر الله من لا يسمع
الخطبة .
وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن حماد، عن ابراهيم، قال: إني
لأقرأ جزئي اذا لم أسمع الخطبة يوم الجمعة (١).
قال ابو عمر: هذا يدل على أنه لو سمع الخطبة لم يقرأ، وهذا
أصح عنه من الذي تقدم، واذا لم يقرأ، فأحرى ان لا يتكلم.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء، قال: يحرم الكلام ما
كان الإمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله(٢). قيل
لعطاء: أيذكر الانسان الله - والامام يخطب يوم عرفة أو يوم الفطر
وهو يعقل قول الإمام؟ قال: لا، كل ذلك عيد فلا يتكلمن الا أن
يذهب الامام في غير ذكر الله. قال: قال عطاء: اذا استقى الامام
فادع، هو يأمرك حينئذ به(٣). عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:
(١) عبد الرزاق في المصنف (٥٣٧٤/٢١٣/٣).
(٢) عبد الرزاق في المصنف (٢١٤/٣/ ٥٣٧٧).
(٣) عبد الرزاق في المصنف (٥٣٧١/٢١٢/٣).