Indexed OCR Text
Pages 361-380
المساجد والقبلة
٣٦١,
قال أبو عمر:
في هذا الإسناد مجهولون لا تقوم بهم حجة. وقد ذكر عبد الرزاق
عن أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: قال رسول الله وَله: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي
الفجر(١). وأظن أبا بكر هذا هو ابن أبي سبرة، وهو أيضا ضعيف لا
يحتج به، ولو صح هذا الخبر، احتمل أن يكون لا صلاة نافلة بعد
الفجر يفعلها المرء تطوعا ليس مما ندب رسول الله وحمّ ل إليه وعينه،
لأنه وَّ قد أمر من دخل المسجد أن يركع ركعتين، كما أمر بركعتي
الفجر ولكن سنته بعضها أوكد من بعض، على قدر مواظبته عليها أو
ندبه إليها وتلقي أصحابه لها بما فهموه عنه فيها، وغير نكير أن يكون
تقدير قوله وقلله: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر إلا أن يدخل
أحدكم المسجد فيركع ركعتين. وإذا كان هذا جائزا لو جاء في حديث
واحد، فكذلك هو وإن جاء في حديثين من جهة النظر في استعمال
السنن، وترتيب بعضها على بعض، على أن قوله وَخلال: إذا دخل
أحدكم المسجد فليركع ركعتين- أثبت من جهة الإسناد، ووجه آخر
من جهة النظر أن تحية المسجد بركعتين فعل خير، فلا يجب أن يمتنع
منه، إلا أن يصح أن السنة نهت عنه من وجه لا معارض له، وقد
عارض بعض أهل الظاهر حديث: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي
الفجر بقوله وعَله: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد
(١) أخرجه عبد الرزاق: المصنف: (٤٧٦٠/٥٣/٣) وفي إسناده: أبو بكر بن محمد بن أبي
سبرة، قال النسائي فيه: متروك. وقال الإمام أحمد: كان يضع الحديث. انظر الميزان:
(٤/ ٥٠٣).
فتح البر
٣٦٢٠
الصبح حتى تطلع الشمس(١). قال: فدخل ما عدا هذين الوقتين من
سائر أوقات النهار في الإباحة لمن شاء أن يصلي، فصار هذا الحديث
مع تواتر مجيئه معارضا لقوله وَله: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي
الفجر. فإذا تعارض الخبران سقطا، ووجب الرجوع إلى أصول
الباب، ووجدنا الصلاة من أرفع أفعال الخير، فوجب أن لا يمتنع من
فعلها إلاَّ بدليل لا معارض له بظاهر قول الله عز وجل: ﴿وَاُفْعَلُواْ
الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: (٧٧)].
وقد اختلف العلماء في صلاة التطوع بعد الفجر: فقال مالك من
غلبته عينه ففاته بعض حزبه أو ركوع كان يركعه بالليل، فأرجو ان
يكون خفيفا أن يصليه بعد طلوع الفجر، وأما غير ذلك، فلا يعجبني
أن يصلي بعد انفجار الصبح إلا ركعتين.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا يصلي أحد تطوعا بعد الفجر
إلا ركعتي الفجر.
قال أبو عمر:
حجة هؤلاء: ما روي عن النبي وَلَّ أنه قال: لا صلاة بعد الفجر
إلا ركعتي الفجر، وحجة مالك ما روي عن عمر بن الخطاب - أنه
قال: من فاته حزبه من الليل، فلا بأس أن يقرأه بعد الفجر قبل صلاة
الصبح. وهذا حديث لا تقوم به حجة، لأنه مختلف فيه عن عمر،
(١) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: حم: (٤٥/٣ و ٥٣ ٦٤ و٦٦ و٦٧ و٧١ و
٧٣ و ٩٥ و٩٦)، خ: (٥٨٦/٧٧/٢).
م: (٨٢٧/٥٦٧/١[٢٨٨])، د: (٢٤١٧/٨٠٣/٢)، ن: (٥٦٦/٣٠١/١-٥٦٧). جه:
(١٢٤٩/٣٩٥/١)، هق: (٢/ ٤٥٢).
المساجد والقبلة
٣٦٣
أكثر رواته يقولون فيه عنه: من فاته ورده أو حزبه من الليل فقرأ ما
بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، فكأنه لم يفته أو قد قرأه من الليل.
كذلك رواه ابن شهاب عن عبيد الله، والسائب بن يزيد عن
عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر، ومن الرواة من يرفعه.
ورواه مالك عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن عبد الرحمن
ابن عبد القاري، عن عمر - موقوفا: من فاته حزبه من الليل فقرأه
حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر، فكأنه أدركه أو لم يفته (١). وقد
رخص قوم من أهل العلم في الصلاة جملة بعد الفجر تطوعا منهم:
طاوس، وغيره؛ ولكن قوله وَله: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي
الفجر- أولى أن يصار إليه، لأنه ليس في هذا الباب عن النبي وَل
شيء يعارضه، وأمره عليه السلام الداخل في المسجد أن يركع
رکیتین- لیس بمعارض له، ولكنه استثناء وتخصيص- فتدبر.
ذكر عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبي نجيح، عن طاوس، قال:
إذا طلع الفجر، فصل ما شئت(٢). قال: وأخبرنا محمد بن راشد،
قال: أخبرني عبد الكريم أبو أمية، قال: رأيت عطاء وطاوسا يصليان
بعد الفجر ثمان ركعات، فسألتهما ، فقالا: صلاة من الليل نمنا
عنها(٣). قال: وأخبرنا ابن التيمي ، عن أبيه، عن الحسن، قال: صل
(١) أخرجه من حديث عمر مرفوعا: م: (٧٤٧/٥١٥/١[١٤٢])، د: (٧٥/٢-١٣١٣/٧٦)،
ت: (٤٧٤/٢-٥٨١/٤٧٥)، ن: (١٧٨٩/٢٨٨/٣-١٧٩٠)، جه: (١٣٤٣/٤٢٦/١)،
هق: (٤٨٤/٢) وأخرجه موقوفا: ن: (١٧٩١/٢٨٩/٣-١٧٩٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق: (٤٧٥٩/٥٣/٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق: (٤٧٦٢/٥٤/٣).
فتح البر
٣٦٤
بعد طلوع الفجر ما شئت(١). قال: وأخبرنا ابن جريج، قال: سألت
عطاء: أتكره الصلاة إذا انتشر الفجر على رؤوس الجبال إلا ركعتي
الفجر؟ قال: نعم (٢)، قال: وأخبرني الثوري، عن أبي رياح، عن ابن
المسيب أنه رأى رجلا يكثر الركوع والسجود بعد طلوع الفجر، فنهاه
فقال: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك
على خلاف السنة (٣).
قال أبو عمر :
هذا كله في التطوع في ذلك الوقت، وأما من دخل المسجد فركع
ركعتين، فليس مخالفا للسنة، بل هو مستعمل للسنة، ومن ترك
الركوع، فغير حرج، لأنه لم يترك واجبا، ومن تحرج عن الركوع
متأولا لما ذكرنا، فغير معنت إن شاء الله، وبه التوفيق.
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد
الأعرابي، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال حدثنا سفيان بن عيينة،
عن سالم أبي النضر، عن أبي سلمة أنه قال: ما يمنع مولاك إذا دخل
المسجد أن يركع ركعتين، فإنهما من السنة (٤)؟ وروى مالك عن أبي
النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال
له ألم أر صاحبك إذا دخل المسجد يجلس قبل أن يركع؟ قال أبو
النضر: يعني بذلك عمر بن عبيد الله ويعيب ذلك عليه، قال مالك:
وذلك حسن وليس بواجب.
(١) أخرجه عبد الرزاق: (٤٧٦١/٤٣/٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق: (٥١/٣-٤٧٥٣/٥٢).
(٣) أخرجه: هق: (٤٦٦/٢)، وعبد الرزاق: (٤٧٥٥/٥٢/٣).
(٤) أخرجه عبد الرزاق: (١٦٧٤/٤٢٨/١).
المساجد والقبلة
٣٦٥
قال أبو عمر:
هو حسن مستحب عند الجميع وليس بواجب- وإن كان لفظه
الأمر: والدليل على أن ذلك عند العلماء ليس بواجب- كما قال
مالك : ما رواه أبو المصعب الزهري، عن المغيرة بن عبد الرحمن،
عن عبد الله بن عمر، عن أخيه، عبيد الله بن عمر قال: رأيت القاسم
ابن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا يصلي.
وروى عفان عن وهيب عن عبيد الله بن عمر، قال: رأيت سالم
ابن عبد الله يمر في المسجد مقبلا ومدبرا لا يصلي فيه.
وذكر ابن أبي شيبة عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، قال: كان
أصحاب رسول الله وَل يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون،
قال زيد: ورأيت ابن عمر يفعله(١).
وروى حماد بن زيد، عن الجريري عن جابر بن زيد، قال: إذا
دخلت مسجدا فصل فيه، فإن لم تصل فيه، فاذكر الله فكأنك صليت
فيه .
قال أبو عمر:
وسمعت غير واحد من شیوخي یذکر أن الغازي بن قیس لما رحل
إلى المدينة، سمع من مالك وقرأ على نافع القاري، فبينما هو في أول
دخوله المدينة في مسجد رسول الله وَج # إذ دخل ابن أبي ذئب فجلس
ولم يركع، فقال له الغازي: قم يا هذا فاركع ركعتين، فإن جلوسك
دون أن تحي المسجد بركعتين جهل، أو نحو هذا من جفاء القول؛ فقام
(١) أخرجه ابن أبي شيبة: المصنف: (٣٤٢٨/٢٩٩/١).
فتح البر
٣٦٦
ابن أبي ذئب فركع ركعتين وجلس، فلما انقضت الصلاة، أسند ظهره
وتحلق الناس إليه، فلما رأى ذلك الغازي بن قيس، خجل واستحيا
وندم، وسأل عنه، فقيل له: هذا ابن أبي ذئب أحد فقهاء المدينة
وأشرافهم، فقام يعتذر إليه، فقال له ابن أبي ذئب: يا أخي لا عليك،
أمرتنا بخير فأطعناك. وبالله التوفيق.
المساجد والقبلة
٣٦٧.
ما جاء فى الصلاة فى المقبرة
[١٢] مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول:
كان من آخر ما تكلم به رسول الله وَ لفر، أن قال: ((قاتل الله اليهود، اتخذوا
قبور أنبيائهم مساجد، لا یبقین دينان بأرض العرب)).
هكذا جاء هذا الحديث عن مالك في الموطآت كلها، مقطوعا، وهو
يتصل من وجوه حسان، عن النبي وَّ، من حديث أبي هريرة(١)،
وعائشة(٢)، ومن حديث علي بن أبي طالب(٣)، وأسامة(٤)، وأما عمر
ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن
عبد شمس بن عبد مناف بن قصى(٥)، فأشهر وأجل من أن يحتاج
إلى ذكره. حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا معاوية قال: حدثنا
إسحق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا هشام بن عمار، قال:
حدثنا عبد الحميد بن حبيب، قال: حدثنا الأوزاعي، قال أخبرني ابن
شهاب، عن ابن المسيب سمع أبا هريرة يقول: قال: رسول الله
وَالطاقة: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
(١) خ: (٤٣٧/٧٠٠/١)، م: (٣٧٦/١ / ٥٣٠)، د: (٣ /٣٢٢٧/٥٥٣).
ن: (٤ / ٢٠٤٦/٤٠١).
(٢) خ: (١٣٣٠/٢٥٧/٣)، م: (٥٢٩/٣٧٦/١)، ن: (٢٠٤٥/٤٠١/٤).
(٣) ذكره الهيثمي في المجمع (٣١/٢) وقال: رواه البزار وفيه أبو الرقاد لم يرو عنه غير حنيف
المؤذن وبقية رجاله موثقون.
(٤) حم (٢٠٣/٥ و٢٠٤). وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠) وقال: رواه أحمد والطبراني
في الكبير ورجاله موثقون.
(٥) هق (٢٠٨/٩). عبد الرزاق (٣٥٩/١٠ و ١٩٣٦٨/٣٦٠).
فتح البر
٣٦٨
ورواه مالك عن الزهري بهذا الإسناد، مثله.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الباجي قال: حدثني أبي قال:
حدثنا محمد بن قاسم، قال: حدثنا مالك بن عيسى، قال: حدثنا أبو
داود سليمان بن سيف الحراني قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال أخبرنا
مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: لعن
رسول الله ◌َي﴾ الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١). وقد روى هذا
الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن
عائشة، ذكره البزار قال: حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا خالد بن
الحارث، قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن
المسيب، عن عائشة، وقول ابن شهاب فيه عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة أولى بالصواب في الإسناد، إن شاء الله، وهو محفوظ من
حديث عروة عن عائشة، أخبرنا عبيد بن محمد قال: حدثنا عبد الله
ابن مسرور، قال: أخبرنا عيسى بن مسكين، قال: أخبرنا محمد بن
سنجر قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا شيبان عن هلال بن
حميد، عن عروة عن عائشة، قالت قال رسول الله وَخلّ في مرضه
الذي لم يقم منه لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد. قالت ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي عليه أن يتخذ
مسجدا(٢).
قال أبو عمر: لهذا الحديث والله أعلم، ورواية عمر بن عبد العزيز
(١) خ: (٤٣٧/٧٠٠/١)، م: (٣٧٦/١/ ٥٣٠)، د: (٣٢٢٧/٥٥٣/٣).
ن: (٤/ ٢٠٤٦/٤٠١).
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
المساجد والقبلة
٣٦٩
له، أمر في خلافته أن يجعل بنيان قبر رسول الله وَجله محددا بركن
واحد، لكيلا يستقبل القبر، فيصلى إليه. وأخبرنا عبيد بن محمد
قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني عيسى، قال حدثنا ابن سنجر
قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة، أن نساء النبي عليه السلام تذاكرن في مرضه كنيسة رأينها
بأرض الحبشة، وذكرن من حسنها، وتصاويرها، وكانت أم سلمة،
وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة، فقال رسول الله وَله: أولئك قوم إذا
مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك
الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله(١).
قال أبو عمر: هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء و
العلماء والصالحين مساجد، وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة
ولم يجزها بهذا الحديث، وبقوله : ((إن شرار الناس الذين يتخذون
القبور مساجد))(٢)، وبقوله وٍَّ﴾ ((صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوها
قبورا(٣)) وهذه الآثار قد عارضها قوله وَّل ((جعلت لي الأرض
مسجدا وطهورا))(٤)، وتلك فضيلة خص بها رسول الله وَ جليل، ولا
يجوز على فضائله النسخ، ولا الخصوص، ولا الإستثناء، وذلك جائز
(١) أخرجه: م: (٣٧٥/١-٥٢٨/٣٧٦).
(٢) حم (٤٣٥/١). ابن خزيمة (٦/٢-٧٨٩/٧). حب (٢٣٢٥/٩٤/٦). طب في الكبير
(١٠٤١٣). وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده
حسن.
(٣) م (١/ ٥٣٨/ ٧٧٧). ت (٣١٣/٢/ ٤٥١). ن (١٥٩٧/٢١٩/٣).
(٤) خ (١/ ١٣٣٥/٥٧٤). م (١/ ٥٢١/٣٧٠). ن (٢٢٩/٢ - ٢٣١ / ٤٣٠) من حديث جابر؛
وفي الباب نفسه من الصحابة؛ تقدم ذلك كله في المساجد- باب ماجاء في المواطن التي نهي
عن الصلاة فيها .
فتح البر
٣٧٠
في غير فضائله، إذا كانت أمرا أو نهيا، أو في معنى الأمر والنهي،
وبهذا يستبين عند تعارض الآثار في ذلك، أن الناسخ منها قوله {وَ اله
((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) وقوله لأبي ذر ((حيثما أدركتك
الصلاة فصل فقد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا))(١) وأخبرنا
عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد
بن زهير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبان، عن
قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، أن النبي وَلاّ قال: ((لعن
الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(٢)، وسيأتي من هذا ذكر في
باب مرسل زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، إن شاء الله(٣).
وأما قوله في حديث مالك ((لا يبقين دينان بأرض العرب))،
فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن
يحيى بن عمر بن علي قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا
سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن ابن أبي نجيح عن سعيد
ابن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: يوم الخميس وما يوم
الخمیس، ثم بکی حتی بل دمعه الحصى، قلت يا أبا عباس، وما يوم
الخميس؟ قال: اشتد برسول الله وَّل الوجع فقال: ((إيتوني أكتب لكم
كتابا لا تضلوا بعده))، فتنازعوا عنده، فقال: ((لا ينبغي عندي التنازع،
ذروني))، وأمرهم بثلاث فقال: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب،
وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم)) والثالثة إما سكت عنها، يعني
ابن عباس، وإما قالها، فنسيتها(٤)، يقوله سعيد بن جبير.
(١) خ (٣٤٢٥/٥٦٦/٦). م (١ / ٣٧٠ / ٥٢٠).
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٣) انظر التعليق على قول أبي عمر في كتاب (استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين)) ((باب قاتل
الله اليهود والنصارى ومن شاكلهم ..... )) من ص: ٢٦٠ الى ص: ٢٧٠.
(٤) خ: (٣٠٥٣/٢٠٩/٦). م: (١٢٥٧/٣-١٦٣٧/١٢٥٨). د: (٤٢٣/٣-٣٠٢٩/٤٢٤).
المساجد والقبلة
٣٧١
وذكر الحميدي وعبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة بإسناد مثله،
أخبرنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن مسرور،
قال حدثنا عيسى بن مسكين قال: حدثنا ابن سنجر قال: حدثنا أبو
عاصم عن ابن جريح، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن
عبد الله يقول: أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أنه سمع النبي رَ له
يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب(1))، وذكره
عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريح، قال أخبرني أبو الزبير ، أنه
سمع جابر بن عبد الله يقول أخبرني عمر ابن الخطاب، أنه سمع
رسول الله وَظله يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب
حتي لا أدع بها إلا مسلما(٢))، قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر، عن
ابن شهاب، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله وَ لا: ((لا يجتمع
بأرض العرب - أو قال بأرض الحجاز - دينان))(٣)، قال ففحص عن
ذلك عمر بن الخطاب حتى وجد عليه الثبت، قال الزهري فلذلك
أجلاهم عمر، قال: وأخبرني ابن جريح عن موسى بن عقبة، عن
نافع، عن ابن عمر، بمعنى حديث ابن المسيب، وحديث موسى بن
عقبة أكمل، وفيه: حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء، أخبرنا
سعید بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن إبراهيم بن ميمون
مولى آل سمرة، عن إسحق بن سمرة، عن أبيه، عن أبي عبيدة بن
(١) و (٢) م: (١٧٦٧/١٣٨٨/٣). د (٣٠٣٠/٤٢٤/٣).
ت (١٣٣/٤ - ١٦٠٦/١٣٤ و ١٦٠٧).
(٣) عبد الرزاق (٩٩٨٤/٥٣/٦). وذكره ابن حجر في التلخيص (١٢٤/٤). وقال: ورواه
أحمد في مسنده موصولا عن عائشة.
فتح البر
٣٧٢
الجراح قال: آخر ما تكلم به رسول الله وَّجله أن قال: أخرجوا اليهود
من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب))(١)، هكذا قال وكيع فيما
صح عندنا، من مسند ابن أبي شيبة، وخالفه سفيان بن عيينة، ویحیی
القطان، وإسماعيل بن زكريا وأبو أحمد الزبيري كلهم قال مكان
إسحاق بن سمرة، ((سعد بن سمرة))، قرأت على سعيد بن نصر أن
قاسما حدثھم، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا
عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أخبرني
إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة، عن سعد بن سمرة، عن أبيه
سمرة، عن أبي عبيدة بن الجراح، أن رسول الله وَظله قال: أخرجوا
يهود الحجاز(٢)) حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم ابن
أصبغ، حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن
سعيد، يعني القطان، عن إبراهيم بن ميمون، قال حدثني سعد بن
سمرة بن جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة، قال: إن من آخر ما تكلم
به رسول الله 38َ أن قال: ((أخرجوا يهود الحجاز ونجران من جزيرة
العرب، واعلموا أن شرار عباد الله الذين اتخذوا قبورهم مساجد(٣)).
أخبرنا قاسم بن محمد، قال أخبرنا خالد بن سعد، قال أخبرنا أحمد
ابن عمرو بن منصور، أخبرنا محمد بن سنجر، حدثنا سعيد بن
سليمان حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن إبراهيم بن ميمون، عن سعد
بن سمرة بن جندب، عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: آخر ما
تكلم به رسول الله و803# أن قال: أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران
من جزيرة العرب، وإن شرار الناس يتخذون القبور مساجد(٤))،
وذکره أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أبي أحمد الزبيري بإسناده مثله
سواء .
(١) و(٢) و(٣) و(٤) حم (١٩٥/١-١٩٦). وذكره الهيثمي في المجمع (٣٢٨/٥) وقال:
رواه أحمد بإسنادين ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما. ورواه أبو يعلى.
المساجد والقبلة
٣٧٣.
قال أبو عمر: قول من قال ((قبور أنبيائهم))، يقضي على قول من
قال ((القبور)) في هذا الحديث، لأنه بيان مبهم، وتفسير مجمل، وأما
قوله أرض العرب وجزيرة العرب، في هذا الحديث، فذكر ابن وهب
عن مالك قال: أرض العرب مكة والمدينة واليمن، وذكر أبو عبيد
القاسم بن سلام عن الأصمعي قال: جزيرة العرب من أقصى عدن
أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما
والاها من سائر البحر إلى أطراف الشام، قال: أبو عبيد، وقال أبو
عبيدة جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في
الطول، وأما في العرض فمن بير يبرين إلى منقطع السماوة.
قال أبو عمر: أخبرنا بذلك كله أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان
وأبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قالا حدثنا محمد بن عيسى،
وأخبرنا أبو القاسم بن عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن
محمد بن علي قال: حدثنا أحمد بن خالد قالا جميعا: حدثنا علي
ابن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه في شرح
غريب الحديث وبجميع الشرح المذكور، وقال يعقوب ابن شيبة: حفر
أبي موسى على منازل من البصرة، في طريق مكة، خمسة منازل أو
ستة، وقال أحمد بن المعذل: حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى
الزهري قال: قال مالك بن أنس: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمامة
واليمن، قال: وقال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب المدينة
ومكة واليمن وقرياتها. وذكر الواقدي عن معاذ بن محمد الأنصاري
أنه حدثه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي أنه سمعه يقول:
القرى العربية الفرع وينبع، والمروة. ووادي القرى، والجار، وخيبر؛
قال الواقدي: وكان أبو وجزة السعدي عالما بذلك، قال أبو وجزة:
فتح البر
٣٧٤
وإنما سميت قرى عربية لأنها من بلاد العرب، وقال أحمد بن المعدل:
حدثني بشر بن عمر، قال قلت لمالك: إننا لنرجو أن تكون من جزيرة
العرب يريد البصرة، لأنه لا يحول بيننا وبينكم نهر، قال: ذلك، إن
كان قومك تبؤوا الدار والإيمان.
قال أبو عمر رضي الله عنه: قال بعض أهل العلم: إنما سمي
الحجاز حجازا، لأنه حجز بين تهامة ونجد، وإنما قيل لبلاد العرب
الجزيرة، لإحاطة البحر والأنهار بها، من أقطارها وأطرارها، فصاروا
فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر.
٣٧٥
المساجد والقبلة
باب منه
[١٣] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن
رسول الله ﴿ قال: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(١).
في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الكفر، وتحريم السجود
على قبور الأنبياء؛ وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله عز
وجل. ويحتمل الحديث أن لا تجعل قبور الأنبياء قبلة يصلى إليها،
وكل ما احتمله الحديث في اللسان العربي فممنوع منه، لأنه إنما دعا
على اليهود محذرا لأمته عليه السلام من أن يفعلوا فعلهم.
وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية الصلاة في
المقبرة وإلى القبور، وليس في ذلك - عندي - حجة، وقد مضى
القول في الصلاة إلى القبور في باب زيد بن أسلم في مرسلاته، وأتينا
بآثار هذا الباب في باب زيد بن أسلم أيضا عن عطاء بن يسار،
فأغنى ذلك عن إعادة شيء من ذلك ههنا، وبالله العصمة والتوفيق،
لا شريك له.
(١) خ (٤٣٧/٧٠٠/١). م (٣٧٦/١ / ٥٣٠). د (٣٢٢٧/٥٥٣/٣). ن (٢٠٤٦/٤٠١/٤).
فتح البر
٣٧٦
باب منه
[١٤] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وسلم قال:
اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد(١).
قال أبو عمر:
لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، على ما رواه يحيى
سواء، وهو حديث غريب، أعني قوله: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد
- ولا یکاد یوجد.
وزعم أبو بكر البزار، أن مالكا لم يتابعه أحد على هذا الحديث،
إلا عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، قال: وليس بمحفوظ عن النبي
وَ له من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه، لا إسناد له غيره؛ إلا
أن عمر بن محمد أسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَلّ، قال:
وعمر بن محمد ثقة، روى عنه الثوري وجماعة، قال: وأما قوله
وَ له: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فمحفوظ من
طرق كثيرة صحاح(٢).
(١) ابن سعد في ((الطبقات))(٢٤٠/٢-٢٤١) من طريق مالك. عبد الرزاق (١٥٨٧/٤٠٦/١).
ابن أبي شيبة (٢/ ٧٥٤٤/١٥٠) كلهم عن زيد بن أسلم مرسلا بسند صحيح. ووصله
أحمد (٢٤٦/٢). والحميدي (١٠٢٥). أبو نعيم في «الحلية)) (٢٨٣/٦) (٣١٧/٧) عن أبي
هريرة بسند حسن وصححه البزار. انظر ( النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز
الحميد)» (ص: ١١٥)
(٢) خ (٤٤٤٤/١٧٧/٨). م (١/ ٥٣١/٣٧٧) عن عائشة وابن عباس. وأخرجاه من حديث أبي
هريرة مختصرا بنحوه.
المساجد والقبلة
٣٧٧
قال أبو عمر:
لا وجه لقول البزار، إلا معرفة من روی الحدیث لا غير.
ولا خلاف بين علماء أهل الأثر والفقه، أن الحديث إذا رواه ثقة
عن ثقة، حتى يتصل بالنبي وَّه، أنه حجة يعمل بها، إلا أن ينسخه
غيره؛ ومالك بن أنس عند جميعهم حجة فيما نقل، وقد أسند حديثه
هذا عمر بن محمد، وهو من ثقات أشراف أهل المدينة، روى عنه
مالك بن أنس، والثوري، وسليمان بن بلال وغيرهم، وهو عمر بن
محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فهذا الحديث
صحيح عند من قال بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند، لإسناد
عمر بن محمد له، وهو ممن تقبل زيادته، وبالله التوفيق.
حدثنا إبراهيم بن شاكر، ومحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا محمد
ابن أحمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن أيوب الرقي، قال: حدثنا
أحمد بن عمرو البزار، قال حدثنا سليمان بن سيف، قال حدثنا
محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، قال: أخبرنا عمر بن محمد،
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن
رسول الله وَخلّ قال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله
على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(١).
وحدثني محمد بن إبراهيم، وإبراهيم بن شاكر، قالا: حدثنا
محمد بن أحمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن أيوب بن حبيب،
قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، قال أخبرنا محمد بن
(١) تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله.
فتح البر
٣٧٨
الحسن الكرماني المعروف بابن أبي علي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن
أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: لا تتخذوا قبري
وثنا(١).
قال أبو بكر البزار: وحديث سهيل هذا إنما يجيء من هذا الطريق،
لم يحدث به إلا ابن عيينة عن حمزة بن المغيرة عن سهيل.
قال أبو عمر:
ذكره أبو جعفر العقيلي في التاريخ الكبير، عن عبد الله بن أحمد
ابن حنبل، عن الحميدي، عن ابن عيينة، عن حمزة بن المغيرة، عن
سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي وَجُلّ بلفظ حديث مالك
ومعناه .
أخبرناه عبد الله بن محمد بن يوسف إجازة، قال: أخبرنا يوسف
ابن أحمد الصيدلاني إجازة، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو
ابن موسى العقيلي، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال حدثنا
الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
وَله: اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد .
قال العقيلي: وحدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا الحميدي،
(١) حم (٢٤٦/٢). ابن سعد في الطبقات)) (٢٤٢/٢). الحلية (٣١٧/٧). الحميدي (١٠٢٥)
وسنده صحيح كما قال الشيخ الألباني في تحذير الساجد.
المساجد والقبلة
٣٧٩
قال: حدثنا سفيان، قال: أخبرنا حمزة بن المغيرة المخزومي مولى آل
جعدة بن هبيرة، وكان من سراة الموالي.
قال أبو عمر :
الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير
ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنما كان أو
غير صنم؛ وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول
الله ◌َّي على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم:
كانوا إذا مات لهم نبي، عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم؛ فقال
وَالله: اللهم لا تجعل قبري وثنا يصلى إليه، ويسجد نحوه ويعبد؛ فقد
اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله وَ له يحذر
أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور
أنبيائهم، واتخذوها قبلة ومسجدا؛ كما صنعت الوثنية بالأوثان التي
كانوا يسجدون إليها ويعظمونها؛ وذلك الشرك الأكبر؛ فكان النبي
وَله يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه
خشية عليهم امتثال طرقهم.
وكان ◌َّله يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف
على أمته اتباعهم؛ ألا ترى إلى قوله وَلّ- على جهة التعبير والتوبيخ
: ((لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل، حتى إن أحدهم
لو دخل جحر ضب لدخلتموه))(١).
وقد احتج بعض من لا يرى الصلاة في المقبرة بهذا الحديث، ولا
حجة له فيه.
(١) خ (٣٤٥٦/٦١٣/٦). م (٢٦٦٩/٢٠٥٤/٤). جه (٣٩٩٤/١٣٢٢/٢).
فتح البر
٣٨٠,
=
أخبرنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن مسرور، قال:
أخبرنا عيسى بن مسكين، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن سنجر،
قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة،
أن نساء النبي ◌َّيه تذاكرن عنده في مرضه كنيسة رأينها بأرض الحبشة،
فقال رسول الله وَجله: أولئك قوم إذا مات الرجل الصالح عندهم، بنوا
على قبره مسجدا، ثم صوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق
عند الله(١) .
أخبرنا قاسم بن محمد، قال: أخبرنا خالد بن سعد، قال: أخبرنا
أحمد بن عمرو بن منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن
سنجر، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن
هلال بن حميد، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَخلّ في
مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد. قالت: ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي عليه أن
يتخذ مسجدا(٢).
(١) خ (٤٢٧/٦٨٩/١). م (٣٧٥/١-٥٢٨/٣٧٦). ن (٢ / ٤١ - ٤٢).
(٢) خ (١٣٣٠/٢٥٧/٣). م (١/ ٥٢٩/٣٧٦).