Indexed OCR Text

Pages 301-320

المساجد والقبلة
٣٠١
صرفه الله إلى الكعبة، وسنذكر الرواية بذلك عمن قاله في هذا
الباب- إن شاء الله.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن
إسماعيل، قال: حدثنا عبد الملك بن بحر، قال: حدثنا محمد بن
إسماعیل الصائغ، قال: حدثنا سنید بن داود، قال: حدثنا حجاج،
عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس - وسئل عن قوله: ﴿ إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِى
لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ ﴾
[البقرة: (١٨٥)]. وهو ينزل في غيره، فقال: نزل به جبريل عليه السلام -
جملة واحدة، ثم کان ينزل منه في الشهور.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا حمزة بن محمد،
قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال:
حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس-
قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ ﴾﴾ قال: نزل القرآن جملة واحدة في
ليلة القدر إلى سماء الدنيا، فكان الله تبارك وتعالى ينزل على
رسولِهِ وَ ﴿ بعضه في إثر بعض(١). قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جْلَةً
[الفرقان: (٣٢)].
٣٢
وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُنَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْتِيلاً
قال أبو عمر: وروي عن عكرمة في قول الله عز وجل: ﴿﴿ فَلَآَ أُقْسِمُ
[الواقعة: (٧٥)]. قال: القرآن نزل جملة واحدة،
بِمَوَقِعِ النُّجُومِ
١٥
فوضع مواقع النجوم، فجعل جبريل- عليه السلام- ينزل بالآية
والآيتين وقال غيره: بمواقع النجوم، بمساقط نجوم القرآن كلها أوله
(١) أخرجه الطبراني (٢٥٩/١٥)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٩/٥١٩/٦) من طريق جرير
عن منصور عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

فتح البر
٣٠٢
وآخره، ومن الحجة لهذا القول، قوله - عز وجل - ﴿وَإِنَّهُ لَقَسٌَ لَّوْ
[الواقعة: (٧٦ - ٧٧)].
تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٨) إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا حمزة بن محمد، قال:
حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال:
أخبرنا المعتمر بن سليمان، عن أبي عوانة، عن حصين، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن جميعا في ليلة القدر إلى
السماء الدنيا، ثم فصل فنزل في السنين- وذلك قوله- عز وجل:
فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: (٧٥)]. وأما شأن القبلة، فأخبرنا
عبد الله بن محمد، قال: حدثنا حمزة بن محمد، قال: حدثنا أحمد
بن شعيب، قال: أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدثنا بهز قال:
صَلىالله
وَسَم
حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، أن النبي :
وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية:
﴿فَوَلِّ وَجْهََكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ﴾ [البقرة: (١٤٤)]. مر رجل من بني
سلمة، فناداهم، وهم ركوع في صلاة الفجر - ألا إن القبلة قد
حولت إلى الكعبة، فمالوا ركوعا(١).
وذكر سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس:
كان النبي ◌َّ يستقبل صخرة بيت المقدس قبل قدومه وَلَه ثلاث
حجج، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله تبارك
وتعالى إلى البيت الحرام (٢).
(١) أخرجه الطبري (٢٠٣/١٣)، النسائي في الكبرى (٦/ ١١٥٦٥/٤٨٠)، والحاكم
(٢/ ٤٧٧)، من طريق حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما وصححه
الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وسكت عنه في الفتح (٨٠٧/٨) وفي إسناد
الطبري حکیم بن جبير بدل سعید.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

المساجد والقبلة
٣٠٣-
قال أبوعمر: من حجة الذين قالوا: إن رسول الله وَلو إنما صلى
إلى بيت المقدس بالمدينة، وأنه إنما كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ما
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا موسى بن معاوية، قال: حدثنا
وكيع، عن اسرائيل، عن أبي اسحق، عن البراء بن عازب، قال: لما
قدم النبي ◌َّ له المدينة. صلى نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة
عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله عز وجل:
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ [البقرة: (١٤٤)].
فوجه نحو الكعبة، وكان يحب ذلك(١)، فظاهر هذا الخبر يدل على
أنه لما قدم المدينة، صلى إلى بيت المقدس لا قبل ذلك - والله
أعلم - .
ويدل على ذلك أيضا: ما حدثنا به أحمد بن قاسم، قال: حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال:
حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن
أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان أول ما نسخ الله من القرآن:
القبلة، وذلك أن رسول الله وَّجله لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها
اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها
رسول الله وَلّ بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله وَ ل يحب قبلة
إبراهيم، وكان يدعو الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ ﴾
[البقرة: (١٤٤)]. يعني نحوه. فارتاب اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ
الَّتِى كَانُواْ عَلَيَّهَا﴾ [البقرة: (١٤٢)]. فأنزل الله: ﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٣٠٤
فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: (١١٥)]. وقال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا
لِتَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِتَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: (١٤٣)]. قال ابن
عباس: ليميز أهل اليقين من أهل الشك(١).
وأجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في
صلاتهم، هي الكعبة البيت الحرام بمكة، وأنه فرض على كل من
شاهدها وعاينها استقبالها وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، أو
عالم بجهتها، فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى كذلك.
وأجمعوا على أنه من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد حمله
على ذلك، أن صلاته غير مجزئة عنه، وعليه إعادتها إلى القبلة- كما
لو صلى بغير طهارة، وفي هذا المعنى حكم من صلى في مسجد يمكنه
طلب القبلة فيه بالمحراب وشبهه، فلم يفعل . - وصلى إلى غيرها؛
وأجمعوا أن على كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها
وتلقاءها، وعلى أن على من خفيت عليه ناحيتها، الاستدلال عليها-
بكل ما يمكنه من النجوم والجبال والرياح وغير ذلك مما يمكن أن يستدل
به علی ناحیتھا .
وفي حديث هذا الباب: دليل على أن من صلى إلى القبلة عند
نفسه باجتهاده، ثم بان له وهو في الصلاة أنه استدبر القبلة أو شرق أو
غرب، أنه ينحرف ويبنى، وإنما قلت إن الاستدبار والتشريق
والتغريب سواء، لأن بيت المقدس لا يكاد أن يستقبله إلا من استدبر
الكعبة، وذلك بدليل حديث ابن عمر قال: رأيت رسول الله
رَستا
(١) د: (٦٤٤/٢-٢١٩٥/٦٤٥) و (٧١١/٢-٢٢٨٢/٧١٢)، ن: (٤٩٨/٦-٣٤٩٩/٤٩٩) و
(٣٥٥٦/٥٢٢/٦)، ك: (٢٦٧/٢-٢٦٨)، هق: (٣/٢) من طريقين عن ابن عباس رضي
الله عنهما وليس عند أبي داود موضع الشاهد. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين
ووافقه الذهبي.

المساجد والقبلة
٣٠٥
مستقبل الكعبة، مستدبر بيت المقدس لحاجته (١)، وهذا موضع فيه
اختلاف کثیر، وبالله التوفيق.
واختلف الفقهاء فيمن غابت عنه القبلة، فصلى مجتهدا كما أمر،
ثم بان له بعد فراغه من الصلاة أنه قد أخطأ القبلة بان استدبرها، أو
شرق أو غرب عنها، أو بان له ذلك- وهو في الصلاة- فجملة قول
مالك وأصحابه، أن من صلى مجتهدا على قدر طاقته . - طالبا للقبلة
وناحیتها . - إذا خفیت علیه، ثم بان له بعد صلاته أنه قد استدبرها،
أنه يعيد ما دام في الوقت فإن انصرف الوقت، فلا إعادة عليه،
والوقت في ذلك للظهر والعصر ما لم تصفر الشمس.
وقد روي عن مالك أيضا أن الوقت في ذلك ما لم تغرب الشمس.
وفي المغرب والعشاء، ما لم ينفجر الصبح، وفي صلاة الصبح، ما لم
تطلع الشمس.
وقال بعض أصحاب مالك: ما لم تصفر جدا، والأول أصح، فإن
علم أنه استدبرها، وهو في صلاته أو شرق أو غرب، قطع وابتدأ،
وإن لم يشرق ولم يغرب، ولكنه انحرف انحرافا يسيرا، فإنه ينحرف
إلى القبلة، إذا علم ويتمادى ويجزئه ولا شيء عليه.
قال أشهب: سئل مالك عمن صلى إلى غير قبلة، فقال: إن كان
انحرف انحرافا يسيرا، فلا أرى عليه إعادة، وإن كان انحرف انحرافا
شديدا، فأرى عليه الإعادة ما كان في الوقت.
(١) حم: (٤١/٢ و٩٩)، خ: (١٤٥/٣٢٨/١)، م: (٢٢٤/١-٢٦٦/٢٢٥)، د:
(١٢/٢١/١)، ت: (١١/١٦/١)، ن: (٢٨/١-٢٣/٢٩)، جه: (٣٢٢/١١٦/١)، من
طرق عن ابن عمر رضي الله عنهما.

فتح البر
٣٠٦
وقال الأوزاعي: من تحرى فأخطأ القبلة، أعاد ما دام في الوقت،
ولا يعيد بعد الوقت.
وقال الثوري: إذا صليت لغير القبلة، فقد أجزأك إذا لم تعمد
ذلك، وإن جهلت وصليت بعض صلاتك لغير القبلة، ثم عرفت
القبلة بعد، فاستقبل القبلة ببقية صلاتك واحتسب بما صليت.
وقال الشافعي: إذا صلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب،
استأنف ، فإن كان شرق أو غرب منحرفاً، ثم رأى أنه منحرف وتلك
جهة واحدة، فإن عليه أن ينحرف ويعتد بما مضى.
وذكر الربيع عن الشافعي قال: ولو دخل في الصلاة على اجتهاد،
ثم رأى القبلة في غير الناحية التي صلى إليها، فإن كان مشرقا أو
مغربا، لم يعتد بما مضى من صلاته، وسلم واستقبل الصلاة على ما
بان له واستيقنه، وإن رأى أنه انحرف لم يلغ شيئا من صلاته، لأن
الإنحراف ليس فيه يقين خطأ، وإنما هو اجتهاد لم يرجع منه إلى
يقين، وإنما رجع من دلالة إلى اجتهاد مثلها.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: من تحرى القبلة فأخطأ، ثم بان له
ذلك، فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره.
قالوا: وله أن يتحرى القبلة إذا لم يكن على يقين علم من جهتها،
فإن أخطأ قوم القبلة، وقد تعمدوها فصلوا ركعة ثم علموا بها،
صرفوا وجوههم فيما بقي من صلاتهم إلى القبلة وصلاتهم تامة،
وكذلك لو أتموا ثم علموا بعد لم يعيدوا.
وقال الطبري: من تحرى فأخطأ القبلة، أعاد أبدا إذا استدبرها، وهو
أحد قولي الشافعي.

المساجد والقبلة
٣٠٧
قال أبو عمر: النظر في هذا الباب يشهد أن لا إعادة علي من صلى
إلى القبلة عند نفسه مجتهدا لخفاء ناحيتها عليه، لأنه قد عمل ما أمر
به، وأدى ما افترض عليه من اجتهاده بطلب الدليل على القبلة حتى
حسب أنه مستقبلها، ثم لما صلى بان له خطؤه، وقد كان العلماء
مجمعين على أنه قد فعل ما أبيح له فعله، بل ما لزمه، ثم اختلفوا
في إيجاب القضاء عليه إذا بان له أنه أخطأ القبلة، وإيجاب الإعادة
إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا مدفع له، ألا ترى إلى
إجماعهم فيمن خفي عليه موضع الماء فطلبه جهده، ولم يجده فتيمم
وصلى ، ثم وجد الماء، أنه لا شيء عليه، لأنه قد فعل ما أمر به.
وأما قول من رأى عليه الإعادة في الوقت وبعده- قياسا على من
صلى بغير وضوء .- فليس بشيء، لأن هذا ليس بموضع اجتهاد في
الوضوء، إلا عند عدمه، فإنه يؤمر بالاجتهاد في طلبه على ما تقدم
ذکرنا له.
وأما قول من قال: يعيد ما دام في الوقت، فإنما هو استحباب، لأن
الإعادة لو وجبت عليه لم يسقطها خروج الوقت، وهذا واضح
يستغنى عن القول فيه، وكذلك يشهد النظر لقول من قال في المنحرف
عن القبلة يمينا أوشمالا، ولم يكن انحرافه ذلك فاحشا، فيشرق أو
يغرب: أنه لا شيء عليه، لأن السعة في القبلة لأهل الآفاق مبسوطة
مسنونة، وهذا معنى قول رسول الله وَله وقول أصحابه: ما بين
المشرق والمغرب قبلة(١).
(١) أخرجه من طريق عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا: ابن
أبي شيبة: (٧٤٤٠/١٤١/٢)، ت: (٣٤٤/١٧٣/٢) وقال: حسن صحيح. ومن طريقه:
البغوي: (٤٤٦/٣٢٧/٢) في شرح السنة وللحديث متابعة من طريق أبي معشر عن أبي
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا عند: ت: (٣٤٢/١٧١/٢ -٣٤٣)، =

فتح البر
٣٠٨
٣٠١=
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح،
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معلى بن منصور، حدثنا عبد الله
ابن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسى، عن المقبري، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ما بين المشرق والمغرب قبلة(١).
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الحميد بن أحمد، حدثنا
الخضر بن داود، حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا معاوية بن عمرو،
حدثنا زائدة، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال:
قال عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة(٢).
= جه: (١٠١١/٣٢٣/١) قال الترمذي: وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل
حفظه واسمه نجيح مولى بني هاشم. قال محمد ( يعني البخاري): لا أروي عنه شيئا وقد
روى عنه الناس. قال محمد: وحديث عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن محمد
الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أقوى من حديث أبي معشر وأصح. وقال النسائي
في سننه (٤٨٢/٤) تحت حديث (٢٢٤٢). وأبو معشر المدني اسمه نجيح وهو ضعيف ومع
ضعفه أيضا كان قد اختلط عنده أحاديث مناكير ... وعد هذا منها وقد تابعه علي بن ظبيان
عن محمد بن عمرو به وهو متروك
تنبيه: وعزاه السيوطي في الجامع الصغير للحاكم من رواية أبي هريرة وهو وهم منه، وتبعه
في ذلك المناوي كما في " الفيض": (٤٣٢/٥) وإنما هو عند الحاكم في المستدرك من حديث
ابن عمر فقط. وانظر تخريجه فيما يأتي.
(١) سق تقديمه في الباب نفسه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق: (٣٦٣٣/٣٤٥/٢ -٣٦٣٤)، هق: (٩/٢).
ابن أبي شيبة (٢/ ١٤٠-٧٤٣١/١٤١ و٧٤٣٩) من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر رضي
الله عنهما موقوفا وقد جاء الحديث من رواية ابن عمر مرفوعا. أخرجه: قط:
(٢٧٠/١-٢٧١)، هق: (٩/٢)، ك: (٢٠٥/١-٢٠٦) بإسنادين صحح أحدهما على شرط
الشيخين ووافقه الذهبي وصحح الثاني وتعقبه الذهبي بقوله: وابن محبر ثقة لكن وقفه
جماعة رووه عن عبيد الله وصححه أبو حاتم الرازي موقوفا على عبد الله والله أعلم.
وروي موقوفاً من قول ابن عمر: عبد الرزاق: (٣٦٣٦/٣٤٥/٢)، ابن أبي شيبة:
(٢/ ٧٤٣٤/١٤٠) قال البيهقي: والمشهور رواية الجماعة حماد بن سلمة وزائدة بن قدامة
ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر من قوله.

المساجد والقبلة
٣٠٩
قال : وحدثنا نصر بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن محمد
ابن فضاء، عن أبيه، عن جده قال: سمعت عثمان يقول: كيف
يخطئ الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ما لم يتحر الشرق
عمدا .
قال: وحدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا إسرائيل، عن
عبد الأعلى، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمى، عن علي، قال:
ما بين المشرق والمغرب قبلة (١).
قال: وحدثنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا إسرائيل، عن
عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعبد الأعلى،
عن محمد بن الحنفية، قالا: ما بين المشرق والمغرب قبلة، قال:
وسمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل- يقول: هذا في كل
البلدان، قال: وتفسيره أن هذا المشرق وأشار بيساره، وهذا المغرب
وأشار بيمينه، قال: وهذه القبلة فيما بينهما ، وأشار تلقاء وجهه،
قال: وهكذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت، ألا ترى أنه إذا
استقبل الركن- وزال عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة، قال: وليس
كذلك قبلة البلدان(٢) .
قيل لأبي عبد الله : فإن صلى رجل فيما بين المشرق والمغرب،
ترى صلاته جائزة؟ قال: نعم، صلاته جائزة، إلا أنه ينبغي له أن
يتحرى الوسط .
قال أبو عبد الله، وقد كنا نحن وأهل بغداد نصلى هكذا نتيامن
قليلا، ثم حرفت القبلة منذ سنين يسيرة، قيل لأبي عبدالله: قبلة أهل
(١) أخرجه ابن أبي شيبة: (٧٤٣٥/١٤١/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة: (٧٤٣٦/١٤١/٢).

فتح البر
٣١٠٠
بغداد على الجدي، فجعل ينكر الجدي، وقال: ليس على الجدي
ولكن حديث عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة، قيل لأبي عبد الله :
قبلتنا نحن أي ناحية؟ قال: على الباب قبلتنا، وقبلة أهل المشرق كلهم
وأهل خرسان الباب.
أخبرني عبد الرحمن بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن، قالا :
حدثنا أحمد بن سعيد، قال: قال لنا أحمد بن خالد في قول عمر بن
الخطاب: ما بين المشرق والمغرب قبلة (١). في هذا سعة للناس
أجمعين، قيل له: أنتم تقولون: إنه في أهل المدينة، قال: نحن وهم
سواء، والسعة في القبلة للناس كلهم، قال: وهؤلاء المشرقون لا علم
عندهم بسعة القبلة، وإنما هو شيء يقع في نفوسهم.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

المساجد والقبلة
٣١١
باب منه
[٢] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: صلى رسول
الله وَظله بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة
قبل بدر بشهرین(١).
هكذا هذا الحديث في الموطأ عن مالك، عن يحيى بن سعيد
مرسلا .
ورواه محمد بن خالد بن عثمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله وَ له بعد أن
قدم المدينة ستة عشر شهرا- نحو بيت المقدس حتى حولت القبلة قبل
بدر بشهرين(٢). انفرد به عن محمد بن خالد بن عثمة . -
عبد الرحمن بن خالد بن نجيح، وعبد الرحمن ضعيف لا يحتج به.
وفي هذا الحديث بيان النسخ في أحكام الله- عز وجل- وهو باب
يستغنى عن القول فيه، لاتفاق أهل الحق عليه، وقد أتينا بلمع من
علله في مواضع من كتابنا هذا- والحمد لله.
وذكرنا نسخ الصلاة إلى الكعبة وكيف كان الوجه في ذلك، وكثيرا
من معاني استقبال القبلة في باب ابن شهاب عن عروة، وفي باب
عبدالله بن دينار، فأغنى عن ذكر ذلك ههنا، وهذا الحديث ومثله
اصل في علم الخبر وحفظ السير، وقد روي معناه مسندا من وجوه
(١) أخرجه: هق: (٣/٢) من طريق بن الفضيل عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن
سعد رضي الله عنه. هكذا أخرجه البيهقي ثم قال: هكذا رواه العطاردي عن ابن فضيل
ورواه مالك والثوري وحماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلا دون
ذکر سعد.
(٢) بهذا اللفظ أخرجه البيهقي من مسند سعد (٣/٢) كما تقدم.

فتح البر
٣١٢
من حديث البراء وغيره، ولم يختلف العلماء في أن رسول الله وَاله إذا
قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، وقيل سبعة عشر،
وقيل ثمانية عشر، وإنما اختلفوا في صلاته بمكة، فقالت طائفة كانت
إلى الكعبة، وقال آخرون: كانت إلى بيت المقدس، وقد ذكرنا ما روي
في ذلك وقيل له في باب ابن شهاب، عن عروة من هذا الكتاب في
باب صلاة جبريل بالنبي وَلّ بمكة حين فرض الصلاة، وذكرنا بعض
ذلك أيضا مع حكم من صلى إلى غير القبلة مجتهدا وغير مجتهد في
باب عبدالله بن دینار.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد بن
علي، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم، قال حدثنا اسحق، عن زكريا، عن أبي اسحق، عن البراء
بن عازب، قال: قدم رسول الله وَجله المدينة، فصلى نحو بيت المقدس
ستة عشر شهرا، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع
النبي وَُّله على قوم من الأنصار فقال: أشهد أن رسول الله وَخله قد
وجه إلى الكعبة، فانصرفوا(١).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا سنيد، قال حدثنا وكيع عن
إسرائيل، عن أبي اسحق، عن البراء، قال: لما قدم النبي عليه السلام
المدينة ، صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا،
(١) حم: (٢٨٣/٤-٢٨٩-٣٠٤)، خ: (١٢٨/١-٤٠/١٢٩)، م: (١ / ٣٧٤ /٥٢٥)،
ت: (١٦٩/٢ - ٣٤٠/١٧٠) و (٢٩٦٢/١٩١/٥)، ن: (٢٦٢/١-٤٨٧/٢٦٣-٤٨٨)،
(٧٤١/٣٩٣/٢)، جه: (٣٢٢/١-١٠١٠/٣٢٣)، من طرق عن أبي إسحق عن البراء
رضي الله عنه وقد مضى.

المساجد والقبلة
٣١٣
وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله عز وجل: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبُ
وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ [البقرة: (١٤٤)]. فوجه نحو
الكعبة و کان یحب ذلك(١) .
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد،
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا أبو الاحوص، قال حدثنا أبو إسحق،
عن البراء، قال: صليت مع النبي وَجّ إلى بيت المقدس ستة عشر
شهراً، فلما أنزلت هذه الآية في القبلة: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ﴾
[البقرة: (١٤٤)]. قال فنزلت بعدما صلى النبي وَلقول، فانطلق رجل من
القوم، فمر بناس من الأنصار - وهم يصلون ــ فحدثهم الحديث،
فولوا وجوههم.
وقد روى هذا الحديث- شعبة، والثوري، وزهير بن معاوية- وهو
أتّهم له سياقة- عن أبي اسحق، عن البراء مثله. وقد ذكرنا تاريخ
تحويل القبلة إلى الكعبة، والاختلاف في ذلك في باب ابن شهاب عن
عروة- والحمد لله.
(١) انظر الذي قبله.

٣١٤
فتح البر
ما جاء في المواطن التي نهي
عن الصلاة فيها
[٣] مالك، عن زيد بن أسلم أنه قال: عرس رسول الله وحَ له ليلة بطريق مكة،
ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا، حتى استيقظوا- وقد
طلعت عليهم الشمس، فاسيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله وَ له
أن یر کبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا واد به شيطان،
فر کبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول اللهێ أن ينزلوا
وأن يتوضأوا، وأمر بلالا أن ينادي بالصلاة أو يقيم، فصلى رسول الله وع له
بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم، فقال: يا أيها الناس، إن
الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها الينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم
عن الصلاة أو نسيها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، ثم التفت رسول
الله وَخّل إلى أبي بكر فقال: إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي
فأضجعه، فلم یزل یهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام، ثم دعا رسول الله
وَلّ بلالا، فأخبر بلال رسول الله وَ لل مثل الذي أخبر رسول الله وَلّ أبا
بکر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله.
وأما خروجه وَجَلّ من ذلك الوادي وتركه الصلاة فيه، فاختلف
العلماء في ذلك: فذهب أكثر أهل الحجاز، وجماعة من أهل العراق،
إلى أن العلة فيه ما بينه رسول الله وَ له بقوله: إن هذا واد به شيطان.
ألا ترى إلى قوله عليه السلام: إن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه
كما يهدأ الصبي، فأمرهم رسول الله وَ ال بالركوب والإسراع والخروج
من ذلك الوادي، لأنه واد به شيطان، تشاؤما بذلك الوادي، أو لما

٣١٥
المساجد والقبلة
شاء الله مما هو أعلم به. وقد روي أنه قال في هذا الحديث: أخرجوا
عن هذا الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة - ذكره معمر عن الزهري
في حديثه(١).
ويحتمل أن يكون من باب نهيه عن الصلاة في معاطن الإبل،
وقوله: أنها خلقت من جن(٢) -والله أعلم -. ومن هذا قول علي
نهانى رسول الله وَ لّ أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة(٣). ومن
هذا الباب أيضا كراهيتهم للصلاة في موضع الخسف، لقوله وعلاجيه -
حين مر بالحجر من ثمود -: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن
تكونوا باکین، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما
أصابهم(٤). وقد روي أن رسول الله ◌َ لّ لما أتى وادي ثمود أمر الناس
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: د: (٤٣٦/٣٠٣/١)، بلفظ «تحولوا عن مكانكم الذي
أصابتكم فيه الغفلة)) فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى وقال أبو داود: رواه مالك وسفيان بن عيينة
والأوزاعي وعبد الرزاق عن معمر وابن إسحق لم يذكر أحد منهم الأذان في حديث الزهري
هذا ولم يسنده منهم أحد إلا الأوزاعي وأبان العطار عن معمر. والحديث صححه السيوطي
في الجامع الصغير وقال المناوي في شرحه: ((وأصله في مسلم بدون ذكر الأذان والإقامة))
انظر فيض القدير (٢٣٥/٣).
(٢) تقدم تخريجه في كتاب الطهارة
(٣) د: (٤٩٠/٣٢٩/١)، وقال الخطابي في معالم السنن: ((في إسناد هذا الحديث ولا أعلم
أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل». وقال الحافظ في الفتح: (٦٩٨/١): ((في
إسناده ضعف)).
(٤) أخرجه من حديث ابن عمر: خ: (٤٣٣/٦٩٧/١)، م: (٢٢٨٥/٤ - ٢٩٨٠/٢٢٨٦).

فتح البر
٣١٦
فأسرعوا، وقال: هذا واد ملعون(١). وروي عنه أنه أمر بالعجين
فطرح(٢). فهذا كله باب واحد لا تدرى علته حقيقة، فوجب أن يكون
خصوصا مردودا إلى الأصول المجتمع عليها، والدلائل الصحيح
مجيئها، وبالله تعالى التوفيق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: العلة في خروجه من ذلك الوادي، أنه
انتبه والشمس طالعة، وذلك وقت، من سنته أن لا تجوز الصلاة فيه،
لا نافلة ولا فريضة عندهم، لنهي رسول الله وَخل عن الصلاة عند
طلوع الشمس وعند غروبها(٣)، وذلك عندهم على الفرض والنفل،
على حسب نهيه عن صيام يوم الفطر والاضحى، فلا يجوز لأحد أن
يصوم فيه فرضا ولا نفلا. واحتجوا بأشياء يطول ذكرها: منها حديث
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: كان رسول الله وَالاله
يقول: إذا بدا حاجب الشمس، فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب
حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب(٤). قالوا: وهذا على
الفريضة وغيرها. وقد ذكرنا قولهم هذا، وذكرنا الحجة عليهم فيما
ذهبوا إليه من ذلك فيما تقدم من كتابنا هذا.
(١) أخرجه من حديث أبي ذر: البزار: (مختصر زوائد البزار: (١٤٠٤/٥١/٢) من طريق
عبد الله بن قدامة بن صخر. وقال: [ لا نعلمه عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد] وذكره الهيثمي
في مجمع الزوائد (١٩٦/٦ - ١٩٧) وقال: [رواه البزار وفيه عبد الله بن قدامة بن صخر ولم
أعرفه، وبقية رجاله وثقوا] وذكره أيضا الحافظ في الفتح (٤٦٨/٦) واكتفى بكلام البزار.
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر: خ: (٣٣٧٨/٤٦٦/٦)، بلفظ: [ فأمرهم أن يطرحوا ذلك
العجين ويهريقوا ذلك الماء].
(٣) سبق تخريجه في باب: ((الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها)) من كتاب المواقيت
(٤) تقدم تخريجه في باب: ((تلك صلاة المنافقين)) من كتاب المواقيت.

المساجد والقبلة
٣١٧
وقد روينا عن النبي ◌َّ أنه لم ينتبه ذلك اليوم إلا والشمس لها
حرارة (١)، ولا يكون للشمس حرارة، إلا وقد ارتفعت، وجازت
الصلاة عند الجميع، فبطل تأويلهم هذا ان شاء الله. وسنذكر هذا
الخبر وغيره من شكله في هذا الباب بعون الله.
وتأولوا في قوله {وَ ل من نام عن الصلاة أو نسيها، فليصلها إذا
ذكرها (٢)- أن ذلك إعلام منه بأنها غير ساقطة عن النائم والناسي، لا
أنها تصلى في وقت الطلوع والغروب، والحجة عليهم فيما ذهبوا إليه
من هذا التأويل: قوله وَله: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع
الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب
الشمس، فقد أدرك العصر(٣). ومعلوم أن ظاهر هذا الحديث، يبيح
الصلاة المفروضة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وهذا نص يقطع
الارتياب في هذا الباب، وقد تقدم من قولنا فيه ما يغني عن إعادته ها
هنا. وجاء عن عطاء بن أبي رباح، أنه وَّجُل صلى في موضعه ذلك
ركعتي الفجر: ذكر عبد الرزاق قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء،
أن النبي وَلّ، بينما هو في بعض أسفاره، فساروا ليلتهم، حتى إذا
كانوا في آخر الليل، نزلوا للتعريس، فقال النبي وَجُله: من يوقظنا
للصبح؟ فقال بلال: أنا، فتوسد بلال ذراعه، فلم يستيقظوا حتى
(١) سيأتي تخريجه في آخر هذا الباب
(٢) أخرجه من حديث أنس: خ: (٨٩/٢-٥٩٧/٩٠)، م: (١/ ٦٨٤/٤٧٧[٣١٥])، د:
(٤٤٢/٣٠٧/١)، ت: (١٧٨/٣٣٥/١)، ن: (٣١٩/١-٦١٢/٣٢٠ و٦١٣)، جه:
(٦٩٥/٢٢٧/١ و ٦٩٦).
(٣) تقدم تخريجه في باب (( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس، فقد أدرك
الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر من كتاب
المواقيت.

فتح البر
٣١٨
وَلا فتوضأ وركع ركعتين في معرسه، ثم
طلعت الشمس، فقام النبي
سار ساعة، ثم صلى الصبح. قال ابن جريج: فقلت لعطاء أي سفر
هو؟ قال: لا أدري(١).
قال أبو عمر:
في قول عطاء هذا، ما يدل على أن النبي وَّ لم يؤخر صلاة
الصبح يومئذ، ولم يخرج من ذلك الوادي- لما زعم العراقيون من أنه
انتبه في وقت لا تجوز فيه الصلاة، ألا ترى أنه صلى ركعتي الفجر،
ثم مشى ساعة، ولا خلاف أن الوقت الذي تجوز فيه النافلة،
فالفريضة أحرى إن تجوز فيه. واختلف القائلون بالقول الأول، فقال
منهم قائلون: من نام عن الصلاة في سفره ثم انتبه، لزمه الزوال عن
ذلك الموضع، وأن كان واديا خرج عنه، لقوله وَخلال: إن الشيطان أتى
بلالا . وقوله: اركبوا واخرجوا من هذا الوادي، فإنه واد به شيطان.
قالوا: فكل موضع يصيب المسافرين أو غيرهم فيه مثل ما أصاب
أصحاب رسول الله معه عليه السلام في ذلك الموضع من النوم عن
الصلاة حتى يخرج وقتها، فواجب الخروج عنه، وإقامة الصلاة في
غيره، لأنه موضع شيطان، وموضع ملعون. ونزعوا بنحو ما قدمنا
ذكره من العلل- وقال منهم آخرون: أما ذلك الوادي وحده، إن علم
وعرض فيه مثل ذلك العارض، فواجب الخروج منه على ما صنع
رسول الله وَي* يومئذ، وأما سائر المواضع فلا، وذلك الموضع وحده-
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٢٣٨/٥٨٨/١)، والحديث مرسل وعطاء بن أبي رباح قال
فيه الحافظ في التقريب: (( ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال))

المساجد والقبلة
٣١٩,
مخصوص بذلك، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾
[طه، ١٤]. وقال ◌َله: من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها
(١). وهذا على عمومه، لم يخص موضعا من موضع، إلا ما جاء في
ذلك الوادي خاصة .
وقال آخرون كل من انتبه إلى صلاة من نوم، أو ذكر بعد نسيان،
فواجب عليه أن يقيم صلاته بأعجل ما يمكنه ويصليها كما أمر في كل
موضع، واديا كان أو غير واد، إذا كان الموضع طاهرا، وسواء ذلك
الوادي وغيره، لأن ذلك كان خصوصا له وَلّ، وكان يعلم من
حضور الشيطان في الموضع ما لا يعلم غيره، وقد جاء عنه وَ لجلال أنه
قال: جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا. ولم يخص ذلك
الوادي من غيره:
حدثنا الحسين بن يعقوب، قال: حدثنا سعيد بن فحلون، قال:
حدثنا يوسف بن يحيى، قال: حدثنا عبد الملك بن حبيب. قال:
سمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: لا يلزم الناس، ان يقتادوا شيئا
إذا استيقظوا في أسفارهم وقد طلعت الشمس، لانهم لا يعلمون من
ذلك ما علم رسول الله وَّة، قالا: ومن ابتلي بمثل ذلك في ذلك
الوادي أو غيره، صلی فیه ولم يخرج منه.
قال أبو عمر:
القول المختار عندنا في هذا الباب، أن ذلك الوادي وغيره من بقاع
الأرض، جائز أن يصلى فيها كلها، ما لم تكن فيها نجاسة متيقنة تمنع
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٣٢٠
من ذلك، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة
موضع شيطان، وموضع ملعون، لا يجوز أن تقام فيه الصلاة، لأنا لا
نعرف الموضع الذي ينفك عن الشياطين، ولا الموضع الذي تحضره
الشياطين، وكل ما روي في هذا المعنى من النهي عن الصلاة في
المقبرة، وبأرض بابل، وفي الحمام، وفي أعطان الإبل، والخروج من
ذلك الوادي، وغير ذلك مما في هذا المعنى مما قد تقدم ذکرنا له، كل
ذلك عندنا منسوخ ومدفوع بعموم قوله وّل: جعلت لي الأرض كلها
مسجدا وطهورا. وقوله هذا ◌َّجلّ مخبرا أن ذلك من فضائله، ومما
خص به، وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل
ولا النقص.
قال {وَلّ أوتيت خمسا (١)، وقد روي ست(١)، وقد روي
(١) يروى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة: وهم: ابن عباس وأبو موسى وجابر وعلي
ابن أبي طالب وأبو ذر وابن عمر كلهم بلفظ «أعطيت خمسا» والسائب بن يزيد بلفظ «
فضلت على الأنبياء بخمس».
أخرجه من حديث ابن عباس: حم: (٣٠١/١)، وطب في الكبير (١١٠٤٧/٦١/١١)
وذكره الهيثمي في المجمع (٢٦١/٨) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني بنحوه ثم قال:
ورجال أحمد رجال الصحیح غیر یزید بن أبي زیاد وهو حسن الحديث
وأخرجه من حديث أبي موسى: حم: (٤١٦/٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٢٦١/٨):
رواه أحمد متصلا ومرسلا والطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وأخرجه من حديث علي بن أبي طالب: هق: (٢١٣/١-٢١٤) وسنده فيه ضعف وذكره
الهيثمي في المجمع (٢٦١/٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن
محمد بن عقيل وهو حسن الحديث.
وأخرجه من حديث أبي ذر: حم: (١٤٥/٥-١٤٨-١٦١)، الدارمي (٢٢٤/٢) وذكره
الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦٢) وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
و من حديث عبد الله بن عمر: ذكره الهيثمي في المجمع: (٢٦٢/٨) وقال رواه =