Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
المواقيت
رمحين ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح، ثم لا صلاة
حتى تزول الشمس، ثم الصلاة مقبولة، حتی تکون الشمس قد دنت
للغروب قيد رمح أو رمحين، وذكر فضل الوضوء أيضا(١).
قال أبو عمر:
أحاديث هذا الباب عن عمرو بن عبسة كلها، وحديث البهزى: إنما
فيها ما يدل على صلاة التطوع، لا الفرائض، وذلك بين منها والله
أعلم. وذكر الاثرم قال: سألت أبا عبد الله يعنى أحمد بن حنبل عن
الصلاة نصف النهار يوم الجمعة؟ فقال يعجبني ان تتوقاها، فذكرت له
حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظى: كنا نصلى يوم الجمعة حتى يخرج
عمر قلت له هذا يدل على الرخصة في الصلاة نصف النهار، فقال:
ليس في هذا بيان، إنما جاء الكلام مجملا: كنا نصلى ثم قال لا .
ولكن حديث النبي ◌َّ من وجوه إنما نهى عن الصلاة نصف النهار،
وعند طلوع الشمس، وعند الغروب: حديث عمرو بن عبسة، وعقبة
ابن عامر، والصنابحي.
وذكر الأثرم قال حدثنا منجاب بن الحارث، قال: أخبرنا خالد بن
سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، قال: كنت أرى
أصحاب رسول الله وَّله، فإذا زالت الشمس يوم الجمعة، قاموا فصلوا
أربعا.
(١) حم: (٣٢١/٤)، طب: في الكبير (٢٠/ ٧٥٧/٣٢٠) لكن فيهما أن الراوي هو الذي سأل
رسول الله وَ* وليس الرجل وله شاهد آخر وهو حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
عن أبيه وهو عند الطبراني (٢٧٩/١٣٣/١). قال فيه الهيثمي (المجمع)(٢٤٦/٤) وأبو
سلمة لم يسمع من أبيه.

فتح البر
٢٢٢
قال أبو عمر:
حديث ثعلبة بن أبي مالك أقوى من هذا الحديث وأبين وحديث
السائب بن يزيد مثله- والله أعلم.
واما حديث عقبة بن عامر، فحدثني أحمد بن قاسم بن
عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا الحارث بن أبي
أسامة، قال حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا الليث عن موسى بن علي
ابن أبي رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: ((ثلاث
ساعات نهى رسول الله وَجُلّ ان نصلي فيها، أو نقبر فيها موتانا: عند
طلوع الشمس حتى تبيض، وعند انتصاف النهار حتى تزول، وعند
اصفرار الشمس واضافتها حتى تغيب(١).
وحدثنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن مسرور، قال:
حدثنا عیسی بن مسکین، قال: حدثنا محمد بن سنجر، قال: حدثنا
الفضل بن دكين، قال حدثنا موسى بن علي بن رباح اللخمى
المصرى، قال: سمعت أبي يقول: أنه سمع عقبة بن عامر قال: ثلاث
ساعات كان رسول الله وَله ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن
موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم
الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى
تغرب(١).
وأخبرني محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال:
حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا
عبد الله بن المبارك، عن موسى بن علي بن رباح، قال: سمعت أبي
-
(١) م: (١ /٨٣١/٥٦٨)، د: (٣١٩٢/٥٣١/٣)، ت: (١٠٣٠/٣٤٩/٣)،
ن: (٣٨٦/٤/ ٢٠١٢).

المواقيت
٢٢٣
يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهنى، يقول: ثلاث ساعات كان
رسول الله وَجّ ينهانا أن نصلي فيها، أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع
الشمس بازغة حتى ترتفع، فذكره حرفا بحرف(١).
وروي عن عمر بن الخطاب أنه نهى عن الصلاة نصف النهار، وقال
ابن مسعود كنا ننهى عن ذلك(٢). وقال أبو سعيد المقبري: أدركت
الناس وهم يتقون ذلك، وأما الصلاة على الجنائز في ذلك الوقت:
فإن أهل العلم أيضا اختلفوا في ذلك: فقال مالك: لا بأس بالصلاة
على الجنائز بعد العصر ما لم تصفر الشمس، فإذا اصفرت لم يصل
على الجنازة، إلا أن يكون يخاف عليها فيصلى عليها حنيئذ، ولا بأس
بالصلاة على الجنازة بعد الصبح ما لم يسفر، فإذا أسفر فلا تصلوا
عليها إلا أن تخافوا عليها. هذه رواية ابن القاسم عنه، وذكر ابن
عبد الحكم عنه أن الصلاة على الجنائز جائزة في ساعات الليل والنهار
عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ولا خلاف في ذلك عن مالك،
وأصحابه: أن الصلاة على الجنائز ودفنها نصف النهار جائزة.
وقال الثوري: لا يصلى على الجنائز إلا في مواقيت الصلاة، وتكره
الصلاة عليها نصف النهار وحين تغيب الشمس، وبعد الفجر قبل أن
تطلع الشمس.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يصلى على الجنائز عند الطلوع، ولا
عند الغروب، ولا نصف النهار، ويصلى عليها في غيرها من
الأوقات.
(١) ن: (٥٥٩/٢٩٨/١)، جه: (١٥١٩/٤٨٦/١) وقد ثبت عند مسلم من طريق أخرى.
(٢) أخرجه الطحاوي ( معاني الآثار) (٩١٥/١٥١/١) بلفظ ((كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع
الشمس وعند غروبها ونصف النهار)).

فتح البر
٤ ٢٢
وقال الليث: لا يصلى على الجنازة في الساعة التي تكره فيها
الصلاة، وقال الأوزاعي يصلى عليها ما دام في ميقات العصر، فإذا
ذهب عنهم ميقات العصر لم يصلوا عليها حتى تغرب الشمس.
وقال الشافعي: يصلى على الجنائز في كل وقت، والنهي عنده عن
الصلاة في تلك الساعات إنما هو عن النوافل المبتدءات والتطوع، وأما
عن صلاة فريضة، أو صلاة سنة فلا، لدلائل من الاثر، سأذكرها في
كتابي هذا إن شاء الله.

المواقيت
٢٢٥
تلك صلاة المنافقين
[٢١] مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على أنس بن مالك بعد
الظهر، فقام يصلي العصر، فلما فرغ من صلاته، ذكرنا تعجيل العصر أو
ذكرها، فقال: سمعت رسول الله عَّه يقول: تلك صلاة المنافقين تلك
صلاة المنافقين - ثلاثا، يجلس أحدهم حتى إذا أصفرت الشمس فكانت
بين قرنى الشيطان، أو على قرن الشيطان، قام فنقر أربعا، لا يذكر الله
فيها إلا قليلا(١).
لم يختلف في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه في الموطأ عن مالك
فيما علمت. وفي هذا الحديث دليل على سعة الوقت، وأن الناس
كانوا يصلون في ذلك الزمان على قدر ما يمكنهم من سعة الوقت
فتختلف صلاتهم، لأن بعضهم كان يصلي في أول الوقت، وبعضهم
في وسطه، وبعضهم ربما في آخره، وقد قال وَّ في أول الوقت
وآخره: ما بين هذين وقت. وأما تأخير صلاة العصر حتى تصفر
الشمس فمكروه لمن لم يكن له عذر، بدليل هذا الحديث وغيره، وقد
ذكرنا ما في وقت صلاة العصر من السعة، وما للعلماء في ذلك من
المذاهب في مواضع من كتابنا هذا، منها: حديث زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، وبسر بن سعيد، والأعرج عن أبي هريرة (٢)، ومنها
حديث ابن شهاب عن أنس(٣)، وذكرنا مواقيت الصلوات كلها ممهدة
(١) حم: (١٤٩/٣ و١٨٥)، م: (٦٢٢/٤٣٤/١)، د: (٢٨٨/١-٤١٣/٢٨٩)، ت:
(١٦٠/٣٠١/١)، ن: (٢٧٥/١-٢٧٦ /٥١٠).
(٢) هو حديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح وقد سبق
تخريجه في بابه من هذا الكتاب.
(٣) هو حديث: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة، وتقدم
تخريجه في بابه من هذا الكتاب.

فتح البر
٢٢٦
مبسوطة في باب ابن شهاب عن عروة(١)، فلا معنى لإعادة ذلك
ههنا، وقد روى هذا الحديث ابن أبي حازم عن العلاء بأتم ألفاظ :
حدثناه يونس بن عبد الله بن مغيث، قال حدثنا محمد بن معاوية
ابن عبد الرحمن، قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال حدثنا أبو
مروان، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن
عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك هو وعمر بن ثابت بالبصرة
قال: حين سلمنا من الظهر، قال: وكان خالد بن عبد الله بن أسيد
واليا علينا، وكان يحين وقت الصلاة، فلما انصرفنا من الظهر، دخلنا
على أنس بن مالك - وداره عند باب المسجد- فقال: ما صليتما؟ قلنا :
صلينا الظهر، قال: فقوما فصليا العصر، قال: فخرجت أنا وعمر بن
ثابت إلى الحجرة فصلينا العصر، ثم دعانا فدخلنا عليه، فقال:
سمعت رسول الله وَّ جله يقول: تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة
المنافقين، ينتظر أحدهم الشمس حتى إذا اصفرت وكانت على قرني
الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا(٢).
قال أبو عمر :
قد كان عمر بن عبد العزيز- وهو بالمدينة عرض لمن صلى معه مثل
هذا مع أنس أيضا، وقد ذكرنا تأخير بني أمية للصلاة ممهدا في باب
ابن شهاب، عن عروة من هذا الكتاب - والحمد لله.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحق، قال حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال حدثنا
(١) سبق تخريجه في الباب الأول من هذا الكتاب.
(٢) انظر تخريجه في حديث الباب.

المواقيت
٢٢٧
عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى عن خالد بن خلاد- أنه
قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر يوما، ثم دخلنا على أنس
بن مالك، فوجدناه قائما يصلي العصر، فقلنا: إنما انصرفنا الآن من
الظهر مع عمر، فقال: إني رأيت رسول الله وَيخلو يصلي هذه الصلاة
هكذا، فلا أتركها أبدا.

فتح البر
٢٢٨
باب منه
٢٢ - مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه- أنه قال: كان رسول الله وَ له يقول:
إذا بدا حاجب الشمس، فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب
الشمس، فأخروا الصلاة حتى تغيب(١).
وهذا أيضا لم يختلف عن مالك في إرساله، وقد رواه أيوب بن
صالح، عن مالك، عن هشام، عن أبيه- ولم يتابع عليه عن مالك،
وأيوب بن صالح - هذا ليس بالمشهور بحمل العلم ولا ممن يحتج به.
وحديثه هذا حدثناه خلف بن القاسم، حدثنا عبد المطلب بن
العباس بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، حدثنا
أبو المنذر سفيان بن المنذر القرشى، حدثنا أيوب بن صالح، حدثنا
مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله وَ جله
قال: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين
قرني شيطان حتى تبرز، فإذا برز حاجب الشمس، فأخروا الصلاة
حتى تغرب.
وقد رواه جماعة من الحفاظ عن هشام بن عروة، عن أبيه عن ابن
عمر، وهو حديث محفوظ عن ابن عمر من وجوه، منها: حديث
مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَظله قال: لا يتحر
أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها(٢). وهو مذهب
ابن عمر المشهور عنه، كان لا يكره الصلاة بعد العصر ولا بعد الصبح
(١) أخرجه متصلا من حديث ابن عمر: خ: (٥٨٣/٧٣/٢)، م: (٨٢٩/٥٦٨/١)،
ن: (٣٠٢/١ -٣٠٣ / ٥٧٠).
(٢) خ: (٥٨٥/٧٧/٢)، م: (٨٢٨/٥٦٧/١)، ن: (١/ ٣٠٠ / ٥٦٢).

المواقيت
٢٢٩
إلا عند طلوع الشمس وعند غروبها فقط، وقد ذكرنا مذهبه ومذهب
سائر العلماء في هذا الباب في مواضع من هذا الكتاب.
ومنها: حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن
الصنابحي(١)، ومنها حديث محمد بن يحيى بن حبان(٢)، وحديث
نافع :
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم
ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال
حدثنا سفيان قال: سمعت عبيد الله بن عمر غير مرة قال: سمعت
نافعا يقول: سمعت ابن عمر يقول: لست أنهى أحدا صلى أي ساعة
من ليل ولا من نهار، ولكني أفعل كما رأيت أصحابي يفعلون، وقد
قال رسول الله وَله: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها،
قيل لسفيان: هذا يروى عن هشام؟ قال: ما سمعت هشاما ذكر هذا
قط (٣).
قال أبو عمر:
إن کان لم یسمعه، فقد سمعه غيره، ذکر البزار قال: حدثنا عبيد
ابن إسماعيل الهباري، قال حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله وَّجله قال: لا تحروا بصلاتكم
طلوع الشمس ولا غروبها (٤).
(١) هو حديث: إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان وقد تقدم في بابه من هذا
الكتاب.
(٢) هو حديث نهى عن الصلاة بعد العصر وقد تقدم في بابه من هذا الكتاب.
(٣) أخرجه الحميدي: (٦٦٦/٢٩٤/٢) بهذا اللفظ ، وأصله في الصحيحين وسيأتي
في الباب التالي.
(٤) خ: (٧٣/٢/ ٥٨٢)، م: (١ / ٥٦٧-٥٦٨ /٨٢٨ [٢٩٠]).

فتح البر
٢٣٠
حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن
سعيد، قال حدثنا هشام بن عروة، قال أخبرني أبي قال أخبرني ابن
عمر أن رسول الله وَله قال: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا
غروبها، فإنها تطلع على قرني شيطان(١).
قال: وأخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال
حدثنا هشام بن عروة، قال أخبرني أبي، قال أخبرني ابن عمر قال:
قال رسول الله وَجلول: إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى
تشرق، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب(٢).
وهذا أثبت ما يكون من الأسانيد وأصحها مسندا، وهما حديثان
ومعناهما واحد. وقد مضى ما في حديث هذا الباب من المعاني في
غير موضع من هذا الكتاب- والحمد لله وبه التوفيق.
(١) سبق تخريجه في الحديث الذي قبله.
(٢) انظر تخريجه في حديث الباب.

المواقيت
٢٣١
باب منه
[٢٣] مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله پڼ قال لا یتحری
أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها(١).
لم يختلف على مالك في هذا الحديث، وكذلك رواه الشافعي،
وغيره عن مالك. حدثني خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن محمد
بن الحسين العسكري، حدثنا أبو إبراهيم اسماعيل بن يحيى المازني،
حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، وأخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن
عمر، أن رسول الله وَ له قال: لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع
الشمس ولا عند غروبها(١).
قال أبو عمر: قوله في هذا الحديث لا يتحرى، دليل على أن المراد
والمقصود به صلاة التطوع، لا صلاة الفرض، وقد يجوز أن يكون
النهي عن ذلك قصد به إلى أن لا يترك المرء صلاة العصر إلى غروب
الشمس، ولا يترك صلاة الصبح إلى حين طلوعها، ثم يقوم فيصلي
في ذينك الوقتين، أو أحدهما - قاصدا لذلك، عامدا مفرطا، وليس
ذلك لمن نام أو نسي فانتبه، أو ذكر في ذلك الوقت، لأن من عرض
له مثل ذلك، فليس بمتحر للصلاة في ذلك الوقت، ولا قاصدا إليها،
وإنما هو رجل ذكرها بعد نسيان، أو انتبه إليها، ولم يتحر القصد
بصلاته ذلك الوقت، وإنما المتحري بصلاته ذلك الوقت، المتطوع
بالصلاة في ذلك الوقت، أو التارك عامدا صلاته إلى ذلك الوقت،
وعن هذا جاء النهي مجردا، وعليه اجتمع علماء المسلمين، فأما
(١) خ: (٥٨٥/٧٧/٢)، م: (٨٢٨/٥٦٧/١)، ن: (٣٠٠/١/ ٥٦٢).

فتح البر
٢٣٢
الفرض في غير تفريط، فليس بداخل في هذا الباب، بدليل قوله
وَلة: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك
الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك
العصر)(١).
ومعلوم أن من أدرك ركعة من الصبح قبل الطلوع، أو ركعة من
العصر قبل الغروب، فقد صلى صلاته عند طلوع الشمس وعند
غروبها. ودليل آخر قوله وَاله: (من نام عن صلاة أونسيها، فليصلها
إذا ذكرها، فذلك وقتها، فإن الله يقول ((أقم الصلاة لذكري)) (٢)) لم
يخص وقتا من وقت، وهذا كله يوضح أن قوله {وَل﴾ (لا يتحر أحدكم
فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها)، إنما أراد به التطوع
والنوافل، والتعمد لترك الفرائض، فاعلمه، وقد مضى القول مستوعبا
في هذا المعنى بما للعلماء في ذلك من التنازع، ووجوه أقوالهم في
باب زيد بن أسلم في موضعين منه، أحدهما، عن بسر بن سعيد،
والأعرج، وعطاء بن يسار، عن أبي هريرة(٣)، والآخر عن عطاء بن
يسار، عن الصنابحي(٤)، ومضى القول في الصلاة بعد الصبح
والعصر في باب محمد بن يحيى بن حبان، فلا وجه لإعادة شيء في
ذلك ههنا، ولا أعلم خلافا بين العلماء بين المتقدمين منهم
والمتأخرين، أن صلاة التطوع والنوافل كلها غير جائز شيء منها أن
تصلى عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، وإنما اختلفوا في
الصلوات المفروضات المتعينات، والمفروضات على كفاية، والصلوات
المسنونات، مما كان رسول الله و8َ* يواظب عليه ويفعله، ويندب أمته
إليه، هل يصلي شيء من ذلك عند طلوع الشمس وغروبها، أو
اصفرارها، أو بعد الصبح والعصر، أم لا؟ وقد ذكرنا ذلك كله في
المواضع التي سمينا من كتابنا هذا والحمد لله.
(١)، (٢)، (٣)، و (٤) كلها أحاديث سبق تخريجها.

٢٢ - كتاب الأذان

الأذان
٢٣٥
مشروعية الأذان وصفاته
[١] مالك، عن يحيى بن سعيد، قال: كان رسول الله وَالله قد أراد أن يتخذ
خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة، فأري عبد الله بن زيد
الانصاري ثم من بني الحارث بن الخزرج - خشبتين في النوم، فقال: إن
هاتين لنحو مما يريد رسول الله وَ له، فقيل: ألا تؤذنون للصلاة؟ فأتى
رسول الله عَّه حين استيقظ، فذكر له ذلك، فأمر رسول الله وَال اله
بالأذان(١).
قال أبو عمر:
روى عن النبي وَجّ في قصة عبد الله بن زيد هذه في بدء الأذان
جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة، وكلها يتفق على
أن عبد الله بن زيد أري النداء في النوم، وأن رسول الله وَل أمر به
عند ذلك، وكان ذلك أول أمر الأذان، والأسانيد في ذلك متواترة
حسان ثابتة، ونحن نذكر في هذا الباب أحسنها- إن شاء الله.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا
أبو داود، قال حدثنا عباد بن موسى، وزياد بن أيوب- وحديث عباد
أتم، قالا حدثنا هشيم، عن أبي بشر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر، عن
أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الانصار، قالوا: اهتم النبي وَّله
للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور
الصلاة، فإذا رأوها أذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر
له القنع- يعني الشبور، وقال زياد: شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك،
(١) حديث مرسل وسيأتي متصلا

فتح البر
٢٣٦
قال: هو من أمر اليهود. فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر
النصارى. فانصرف عبد الله بن زيد- وهو مهتم بهم النبي وَلّ، فأري
الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله وَّ جله فأخبره فقال: يا
رسول الله، إني ليس بنائم ولا يقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان.
قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما، ثم
أخبر النبي وَّ فقال: ما منعك أن تخبرنا؟ فقال: سبقني عبد الله بن
زيد فاستحييت، فقال رسول الله مَله: يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به
عبد الله بن زيد فافعله، قال: فأذن بلال.
قال أبو بشر: وأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن
زيد لولا أنه كان يومئذ مريضا، لجعله النبي وَلا مؤذنا(١).
وذكر البخاري حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أنس بن
مالك، قال: لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء
يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارا، أو يضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن
يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة (٢).
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، حدثني أبي، حدثنا يعقوب بن
إبراهيم بن سعد، قال حدثني أبي، عن ابن إسحق، قال: فذكر
محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن زيد
ابن عبد ربه، قال: لما أجمع رسول الله وَال أن يضرب الناقوس يجمع
(١) د: (٤٩٨/٣٣٦/١) وصحح إسناده الحافظ في الفتح (١٠٣/٢).
(٢) خ: (٩٨/٢-٦٠٣/٩٩)، م: (٣٧٨/٢٨٦/١)، د: (٥٠٩/٣٤٩/١)،
ت: (١/ ١٩٣/٣٧٠)، ن: (٦٢٦/٣٣٠/١)، جه: (٧٢٩/٢٤١/١).

الأذان
٢٣٧
الناس للصلاة - وهو له كاره لموافقة النصارى، طاف بي طائف من
الليل -وأنا نائم- رجل عليه ثوبان أخضران في يده ناقوس يحمله،
قال: فقلت: يا عبد الله تبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال:
قلت: ندعو به للصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال:
قلت: بلى. قال: تقول : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا
رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على
الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا
إله إلا الله؛ ثم استأخر غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقيمت الصلاة:
الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول
الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد
قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: فلما
أصبحت، أتيت رسول الله وَّ له فأخبرته، فقال رسول الله وَله: إن
هذه الرؤيا حق- إن شاء الله. قال: ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى
أبي بكر يؤذن بذلك، ويدعو رسول الله وَله إلى الصلاة، قال: فجاءه
ذات غداة إلى صلاة الفجر فقال: فقيل له أن رسول الله وَ خلاله نائم،
قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. قال سعيد بن
المسيب، فدخلت هذه الكلمة في التأذين بصلاة الفجر (١).
(١) حم: (٤٣/٤)، د: (٣٣٧/١ -٤٩٩/٣٣٨)، ت: (١٨٩/٣٥٩/١) وقال: حسن
صحيح، جه: (٧٠٦/٢٣٢/١) وابن خزيمة في صحيحه (٣٦٣/١٨٩/١)،
حب: ( الإحسان (٥٧٢/٤-١٦٧٩/٥٧٣) وقال الترمذي في العلل ((سألت
محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال هو عندي صحيح ( نصب الراية للزيلعي
(٢٥٩/١)

فتح البر
٢٣٨
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال حدثنا
يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال حدثني أبي، عن محمد بن
إسحق، قال حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن
محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال حدثني أبي عبد الله
ابن زيد، قال: لما أمر رسول الله وحّ له بالناقوس يعمل ليضرب به
للناس لجمع الصلاة، طاف بي -وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسا في
يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟
فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من
ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: فقال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله
أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله،
أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي
على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على
الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم استأخر عني غير
بعيد ثم قال: تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد
أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة،
حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر،
الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله وَالجيل-
فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق- إن شاء الله، فقم مع
بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك. فقمت
مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع عمر بن
الخطاب- وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك

الأدان
٢٣٩
بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله وَالخلال:
فلله الحمد(١).
قال أبو داود: وهكذا رواه سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد:
الله أكبر الله أكبر- أربع مرات- كما قال فيه ابن إسحق عن الزهري،
وقال فيه معمر ويونس عن الزهري: الله أكبر - مرتين.
قال أبو عمر:
رواية معمر ويونس لهذا الحديث عن الزهري عن سعيد كأنها
مرسلة، لم يذكرا فيها سماعا لسعيد من عبد الله بن زيد، وهي
محمولة عندنا على الاتصال.
وروى أحمد بن محمد بن أيوب عن إبراهيم بن سعد عن ابن
إسحق: قال حدثني هذا الحديث محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن
محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبيه عبد الله بن زيد الذي
أري هذه الرؤيا، فذكر فيه: الله أكبر -مرتين- ثم ساق مثل حديث
أبي داود سواء، حدثناه عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا
أحمد بن زهير وعبيد بن عبد الواحد، قالا حدثنا أحمد بن محمد بن
أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحق- فذكره(٢).
وذكر عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن أبي جابر البياضي،
عن سعيد، عن عبد الله بن زيد أخي بني الحارث بن الخزرج أنه بينما
هو نائم، إذ رأى رجلا معه خشبتان، قال: فقلت له في المنام- إن
وََّة - يريد أن يشتري هذين العمودين يجعلهما ناقوسا يضرب
النبى
(١)، (٢) انظر تخريجهما في الذي قبله.

فتح البر
٢٤٠
به للصلاة، قال: فالتفت إلي صاحب العمودين برأسه، فقال: أنا
أدلكم على ما هو خير من هذا، فبلغه رسول الله وَّجله وأمره بالتأذين،
فاستيقظ عبد الله بن زيد، قال: ورأى عمر مثل ما رأى عبد الله بن
زيد، فسبقه عبد الله بن زيد إلى النبي وَله فأخبره بذلك، فقال له
النبي وَ له: قم فأذن، فقال: يا رسول الله، إني فظيع الصوت، فقال
له: فعلم بلالا ما رأيت، فعلمه فكان بلال يؤذن(١).
قال أبو عمر: لا أحفظ ذكر الخشبتين إلا في مرسل يحيى بن
سعيد، وحديث أبي جابر البياضي، وهو متروك الحديث، وكذلك
إبراهيم بن محمد، فهذه الآثار كلها رواية أهل المدينة في بدء الأذان.
وأما رواية أهل العراق في ذلك، فحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، وحدثنا عبد الله بن
محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قالا حدثنا
عمرو بن مرزوق، قال حدثنا شعبة- بمعنى واحد واللفظ لأبي داود،
حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى قال:
أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال: قال: فحدثنا أصحابنا أن رسول الله وَلا-
قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين، أو قال المؤمنين واحدة،
حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور فيؤذنون الناس لحين
الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالا في الدور ينادون الناس بحين
الصلاة، حتى نقسوا أو كادوا أن ينقسوا، فجاء رجل من الأنصار
فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت البارحة ورأيت من اهتمامك،
رأيت رجلا قائما على جدار المسجد - عليه ثوبان اخضران- فأذن ثم
قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها، غير أنه قال: قد قامت الصلاة، ولولا
(١) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١/ ٤٦٠-١٧٨٧/٤٦١)، وفيه أبو جابر البياضي.