Indexed OCR Text

Pages 541-560

التيمم
٥٤١ =
أحاديث عمار مختلف فيها، وحديث أبي وائل هذا عند الثوري وأبي معاوية
وجماعة عن الأعمش.
وقال مالك: إن مسح وجهه ويديه بضربة واحدة أجزأه، وان مسح يديه
إلى الكوعين أجزاه، وأحب له أن يعيد في الوقت، والاختيار عند مالك
ضربتان وبلوغ المرفقين .. وحجة من رأى أن التيمم إلى الكوعين جائز، ولم
ير بلوغ المرفقين واجباً - ظاهر قول الله عز وجل: ﴿فَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
ج
فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] - ولم يقل إلى المرفقين
﴾ [مريم: (٦٤)]، فلم يجب بهذا الخطاب إلاَّ أقل ما
٦٤
- ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا لإ
يقع عليه اسم يد، لأنه اليقين، وما عدا ذلك شك، والفرائض لا تجب
إلَّا بيقين. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾
[المائدة: (٣٨)] - وثبتت السنة المجتمع عليها أن الأيدي في ذلك أريد بها
من الكوع، فكذلك التيمم، إذ لم يذكر فيه المرفقين، وقد ثبت عن
النبي ◌ُ﴾ في أکثر الآثار في التیمم أنه مسح وجهه و کفیهــو کفی بهذا
حجة؛ لأنه لو كان ما زاد على ذلك واجباً، لم يدعه رسول الله وَليم (١).
وقال أبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي: لا يجزيه إلا ضربتان:
ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا يجزيه دون المرفقين. وبه قال
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وإليه ذهب إسماعيل بن إسحاق القاضي.
وقال ابن أبي ليلى، والحسن بن حي: التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما
وجهه وذراعيه ومرفقيه، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما - فيما
علمت. وقال الزهري: يبلغ بالتيمم الآباط، ولم يقل ذلك أحد غيره أيضا-
والله أعلم.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

= ٥٤٢
=
فتح البر
فأما ما ذهب إليه ابن شهاب من التيمم إلى المناکب والآباط، فإنه صار
إلى ما رواه في ذلك، مع أن اللغة تقضي أن اليد من المنكب.
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن
شعیب، قال أخبرنا العباس بن عبد العظیم، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن
أسماء، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، أنه أخبره عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قال: تمسحنا مع رسول الله وَليقول
بالتراب، فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب(١) . - هكذا قال مالك في
هذا الحدیث عن ابن شهاب، عن عبيد الله عن أبيه، عن عمار، وتابعه أبو
أویس.
ورواه صالح بن كيسان، وابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن
عبيد الله، عن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار(٢). وكذلك رواه ابن
إسحاق سواء في إسناده، وخالفه في سياقته ومتنه.
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا
محمد بن أبي خلف، ومحمد بن يحيى- في آخرين؛ قالوا حدثنا يعقوب بن
إبراهيم بن سعد، قال حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال حدثني
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله وَلهم
عرس بأولات الجيش، ومعه عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار،
فحبس الناس ابتغاء عقدها حتى أضاء الفجر - وليس مع الناس ماء؛
فتغيظ عليها أبو بكر، وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله على
رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله صل ﴿ه
فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم - ولم يقبضوا من التراب شيئا،
(١)و(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

التيمم
٥٤٣
فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب(١)، ومن بطون أيديهم إلى
الآباط. زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب ولا يعتبر بهذا الناس.
هکذا قال صالح بن کیسان ضربة واحدة للوجه والیدین.
ورواه یونس، وابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن
عمار. ولم يقولوا عن أبيه - كما قال مالك، ولا قالوا عن ابن عباس - كما قال
صالح، وابن اسحاق. وذكروا فيه ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين
إلى المناكب والآباط. وكذلك ذكر فيه معمر: ضربتین- واضطرب ابن
عيينة عن الزهري- في هذا الحديث في إسناده ومتنه، وهذا الحديث عن
عمار في التيمم إلى المناكب- كان في حين نزول آية التيمم في قصة عائشة،
کذلك ذکر صالح بن کیسان، ومعمر، وطائفة من أصحاب ابن شهاب،
وقد ذكرنا حدیث صالح.
وأما حديث معمر، فأخبرناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن- وكتبته
من أصل سماعه، قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال حدثنا عبد الله
ابن أحمد بن حنبل، قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا
معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عمار بن ياسر كان
يحدث أنه کان مع النبي ژ في سفر معه عائشة، فهلك عقدها، فاحتبس
الناس في ابتغائه حتى أصبحوا وليس معهم ماء، فنزل التيمم.
قال عمار: فقاموا فمسحوا فضربوا بأيديهم، فمسحوا بها وجوههم، ثم
عادوا فضربوا بأيديهم ثانية، فمسحوا بها أيديهم إلى الإبطين، أو قال: إلى
المناكب(٢). ثم قد روي عن عمار خلاف ذلك في التيمم، رواه عنه
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) عبد الرزاق (٨٢٧/٢١٣/١)، ومن طريقه: حم (٣٢٠/٤)، د (١/ ٣١٨/٢٢٤)، جه
(٥٦٥/١٨٧/١). قال الزيلعي في "نصب الراية" (١٥٥/١): ((وهو منقطع، فإن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر)).

٥٤٤
فتح البر
عبدالرحمن بن أبزى، فاختلف عليه فيه: فقال عنه قوم ومسح ذراعيه إلى
نصف الساعد، وقال آخرون: إلى المرفقين. وقال أکثرهم عنه فیه: وجهه
وكفيه.
واختلف فيه الحكم بن عتبة، وسلمة بن کھیل، عن ذر الهمداني، عن ابن
عبد الرحمن بن أبزی، عن أبيه، عن عمار.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا محمد بن بكر، قال أخبرنا أبو
داود، قال حدثنا محمد بن المنهال، قال حدثنا یزید بن زریع، عن سعید، عن
قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن
ياسر، قال: سألت رسول الله وَ له عن التيمم، فأمرني ضربة واحدة للوجه
والكفين(١) . - سؤاله كان بعد ذلك- والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير. قال حدثنا عفان، قال حدثنا أبان، قال أخبرنا قتادة، عن
عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار، أن النبي وَ لو قال في
التيمم: ضربة للوجه والكفين (٢).
قال أبو عمر:
عند قتادة في حدیث عمار هذا، إسناد آخر بخلاف هذا المعنى: حدثنا
عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا موسى
ابن إسماعيل، قال حدثنا أبان بن يزيد، قال سئل قتادة عن التيمم في السفر
فقال: كان ابن عمر يقول: إلى المرفقين، وكان الحسن يقول: إلى المرفقين،
وكان إبراهيم النخعي يقول: إلى المرفقين(٣).
(١) حم (٤/ ٢٦٣)، د (١/ ٢٣٢/ ٣٢٧)، ت (٢٦٨/١ /١٤٤) وقال: حديث حسن صحيح. ابن
خزيمة (٢٦٧/١٣٤/١)، الدارمي (١٩٠/١) وقال: ((صح إسناده)) كلهم من طريق سعيد بن
عبد الرحمن بن أبزی عن أبيه به. وقد سبق تخريجه بنحوه.
(٢) انظر الذي قبله.
(٣) قط (١/ ١٨٢).

التيمم
:٥٤٥
وحدثني محدث عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن
ياسر، عن النبي ◌ّ ﴾ قال: إلى المرفقين(١). ومما يدلك على أن حديث عمار في
التيمم للوجه والكفين أو إلى المرفقين، غير حديثه في قصة نزول آية التيمم
حين تيمم إلى المناکب، أنه في حديث أبي اسحاق عن ناجية أبي خفاف، عن
عمار. وفي حديث أبي وائل، عن أبي موسى، عن عمار، أنه قال: أجنبت
فتمعكت في التراب، ثم سألت رسول الله ﴾﴿ فقال: كان يكفيك التيمم
ضربة للوجه واليدين (٢).
قال أبو عمر:
أكثر الآثار المرفوعة عن عمار في هذا الحديث، إنما فيها ضربة واحدة
للوجه والیدین، و کل ما یروی في هذا الباب عن عمار فمضطرب مختلف
فيه، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن أصح حديث روي عن مالك،
عن عمار - حديث قتادة، عن عزرة؛ وقال بعض من يقول بالتيمم إلى
المرفقين: قتادة إذا لم يقل: سمعت، أو حدثنا، فلا حجة في نقله، وهذا
تعسف- والله أعلم.
وأما ما روي مرفوعا في التيمم الى المرفقين، فروى ابن الهادي، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله وَّي ه تيمم إلى المرفقين(٣)، وأصحاب نافع
الحفاظ يروونه عن نافع، عن ابن عمر - فعله: أنه كان يتيمم إلى المرفقين .-
هکذا رواهمالك، وغيره.
(١) د (١/ ٣٢٨/٢٣٣)، قط (١ / ١٨٢) كلاهما من طريق الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى به.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٣) د (٢٣٤/١ -٣٣١/٢٣٥)، حب: الإحسان (١٣١٦/١٤٥/٤)، هق (١/ ٢٠٦)، قط
(١٧٧/١) كلهم من طريق ابن الهاد عن نافع به. بلفظ: ((ثم مسح وجهه ويديه)) دون ذكر
((المرفقين)).

فتح البر
١١ =٥٤٦
٥٤٦:
ورواه محمد بن ثابت العبدي، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعا(١)،
وأنكروه عليه وضعفوه من أجله؛ وبعضهم يرويه عنه، عن نافع، عن ابن
عباس، أن رسول الله وَآل ه تيمم في السكة، فضرب بيديه على الحائط ومسح
بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه(٢) .- وهذا لم يروه عن
نافع أحد غير محمد بن ثابت هذا به يعرف، ومن أجله يضعف، وهو
عندهم حدیث منکر، لا يعرفه أصحاب نافع.
قال أبو عمر:
لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت، كان الواجب في ذلك،
الرجوع إلى ظاهر الكتاب، وهذا يدل على ضربتين: للوجه ضربة، ولليدين
أخرى إلى المرفقين- قياسا على الوضوء، واتباعا لفعل ابن عمر - رحمه الله،
فإنه من لا يدفع علمه بكتاب الله؛ ولو ثبت شيء عن النبي ◌َّ في ذلك،
وجب الوقوف عنده- وبالله التوفيق.
وقال الطحاوي: لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم رجعنا إلى الاعتبار،
فوجدنا الأعضاء التي ذكرها الله في الوضوء قد سقط التيمم عن بعضها-
وهو الرأس والرجلان؛ فبطل بذلك قول من قال إلى المناكب، لأن التیمم لما
بطل عن بعض ما يوضأ، كان ما لا يوضأ أحرى أن لا يلزمه التيمم؛ قال:
ثم رأينا الوجه ييمم بالصعيد، كما يغسل بالماء، ورأينا الرأس والرجلين لا
ييممان، فكان ما سقط التيمم عن بعضه، سقط عن كله؛ وما وجب فيه
التيمم، كان كالوضوء سواء، لأنه جعل بدلا منه؛ فلما ثبت أن بعض ما
(١) د(١/ ٣٣٠/٢٣٤) وقال: ((سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في
التيمم)). هق (٢١٥/١)، وضعفه الحافظ في "التلخيص" (١٥١/١) وقال: («مداره على محمد
ابن ثابت، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد)».
(٢) سبق تخريجه في الحديث قبله من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

التيمم
٥٤٧ =
يغسل من اليدين في حال وجود الماء، ييمم في حال عدم الماء، ثبت بذلك
أن التيمم في اليدين إلى المرفقين- قياسا ونظرا.
وقال غيره لما ذكر الله عز وجل إلى المرفقين في الوضوء استغنى عن ذكر
ذلك وتكريره في التيمم؛ كما أنه لما اشترط المس في تحرير الرقبة على المظاهر
وفي صيامه حيث قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾ [المجادلة: (٣)]، استغنى عن
ذكر ذلك، واشتراطه في الإِطعام، لأنه بدل منه، وحكم البدل حكم
المبدل منه، فالسكوت عن ذلك اكتفاء - والله أعلم.
قال أبو عمر:
لما قال الله في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]،
وأجمعوا أن ذلك ليس في غسلة واحدة، وأن غسل الوجه غیر غسل الیدین؛
فكذلك يجب أن تكون الضربة في التيمم للوجه غیر الضرب للیدین قیاسا-
والله أعلم، إلا أن يصح عن النبي ◌َّر خلاف ذلك فيسلم له؛ وكذلك
البلوغ إلى المرفقين- قياسا على الوضوء، إن لم يثبت خلافه عن النبي وَلّ.
واختلفوا في الصعيد، فقال مالك وأصحابه: الصعيد: وجه الأرض،
ويجوز التيمم عند مالك بالحصباء، والجبل، والرمل، والتراب، وكل ما كان
وجهالأرض.
وقال أبو حنيفة وزفر: يجوز أن يتيمم بالنورة والحجر والزرنيخ والجص
والطين، والرخام، وكل ما كان من الأرض.
وقال الأوزاعي: يجوز التيمم على الرمل.
وقال الثوري، وأحمد بن حنبل: يجوز التيمم بغبار الثوب، واللبد، ولا
يجوز عند مالك التيمم بغبار اللبد، والثوب.

= ٥٤٨
=
فتح البر
وذکر ابن خواز بنداد قال: الصعید عندنا وجه الأرض، و کل أرض
جائز التیمم عليها صحراء كانت أو معدنا، أو ترابا؛ قال: وبذلك قال أبو
حنيفة، والاوزاعي، والثوري، والطبري؛ قال: ويجوز التيمم عند مالك على
الحشيش إذا كان دون الأرض. واختلفت الرواية عنه في التيمم على الثلج،
فأجازه مرة، ومنع منه أخرى؛ قال: وكل ما صعد على وجه الأرض فهو
صعيد، ومن حجته في ذلك قول الله عز وجل: ﴿صَعِيدًا جُزًا﴾ [الكهف:
* [الكهف: (٤٠)].
٤٠
(٨)] يعني أرضاً غليظة لا تنبت شيئاً، و﴿صَعِيدًا زَلَقًا
وقال رسول الله وَ ل ( يحشر الناس على صعيد واحد(١). أي أرض واحدة.
وقال الشافعي وأبو يوسف وداود: الصعيد: التراب، ولا يجزئ عندهم
التیمم بغیر التراب. وقال الشافعي: لا يقع صعید، إلا على تراب ذي غبار،
فأما الصحراء الغليظة، والرقيقة، والكثيب أو الغليظ، فلا يقع عليه اسم
صعید.
وقال أبو ثور: لا يتيمم إلا بتراب أو رمل.
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وقال رسول الله
وَله: جعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها طهور(٢)، وهو يقضي على قوله
مسجدا وطهورا ويفسره والله أعلم.
وقال ابن عباس: أطيب الصعيد أرض الحرث.
(١) ثبت من حديث أبي هريرة عند: خ (٤٧١٢/٥٠٤/٨)، م (٣٢٧/١٨٤/١)،
ت (٤ / ٥٣٧/ ٢٤٣٤).
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.

التيمم
٥٤٩ =
ذکر عبد الرزاق عن الثوري عن قابوس عن أبي ظبیان، قال: سئل ابن
عباس: أي الصعيد أطيب؟ فقال: الحرث(١).
وقال الشاعر:
قتلى حنيطهم الصعيد وغسلهم نجح الترائب والرؤوس تقطف
وهذا البيت -عندي - محتمل للتأويل.
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا وهب بن مسرة، قال حدثنا ابن وضاح،
قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك
الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ◌َله: فضلنا على
الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا إذا لم
نجد الماء طهور(٢) وذكر تمام الحديث ...
قال: وحدثنا یحیی بن أبي کثیر، عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد
ابن عقيل، عن محمد بن علي بن الحنفية، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول:
قال رسول الله ويليه أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب،
وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورا،
وجعلت أمتي خير الأمم(٣).
(١) عبد الرزاق (٨١٤/٢١١/١)، هق (٢١٤/١)، ابن أبي شيبة (١٤٨/١/ ١٧٠٢).
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٣) حم (٩٨/١)، هق (٢١٣/١-٢١٤)، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي به.
وذكره الزيلعي في "نصب الراية" (١٥٩/١) وقال: ((وفي الاحتجاج بحديث عبد الله بن محمد
ابن عقيل خلاف)). والهيثمي في " المجمع" (١٥٩/١) وقال: ((رواه أحمد وفيه عبد الله بن محمد
ابن عقيل وهو سيء الحفظ وقال الترمذي: ((صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل
حفظه، وسمعت محمد بن اسماعيل يعني البخاري يقول: كان أحمد بن حنبل واسحاق بن
ابراهيم، والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل. قلت: فالحديث حسن والله أعلم)) وله شواهد
سبق تخريجها في الباب نفسه.

فتح البر
٥٥٠ !
وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق بن راهويه، فإنه
قال: لا يتيمم بتراب السبخة.
وروي عن ابن عباس فیمن أدر که التیمم وهو في طین، قال: یأخذ من
الطین فیطلي به بعض جسده، فإذا جف، تيمم به.
وأجمع العلماء على أن طهارة التيمم لا ترفع الجنابة ولا الحدث إذا وجد
الماء، وأن المتيمم للجنابة أو الحدث إذا وجد الماء، عاد جنبا كما كان،
أو محدثا؛ وإنه إن صلی بالتیمم ثم فرغ من صلاته فوجد الماء وقد کان اجتهد
في طلبه فلم يجده ولم يكن في رحله أن صلاته تامة؛ ومنهم من استحب له
أن يعيد في الوقت إذا توضأ أو اغتسل، ولم يختلفوا أن الماء إذا وجده المتيمم
بعد تیممه وقبل دخوله في الصلاة، أنه بحاله قبل ان یتیمم، وأنه لا يستبيح
صلاة بذلك التیمم إلا شذوذ.
روي في ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه يصلي بذلك التيمم.
واختلفوا إذا رأى الماء بعد دخوله في الصلاة: فقال مالك، والشافعي،
وأصحابهما، وداود، والطبري: يتمادى في صلاته ويجزئه، فإذا فرغ ووجد
الماء للصلاة الأخرى، وجب عليه استعماله؛ وأما الصلاة فلا يقطعها لرؤية
الماء، وحجتهم: أنه مأمور بطلب الماء إذ أوجب عليه القيام إلى الصلاة
بدخول وقتها، فإن لم يجد الماء تيمم؛ وما لم يدخل في الصلاة، فهو مخاطب
بذلك؛ فإذا دخل في الصلاة، سقط عنه الطلب لاشتغاله بما هو مأمور به
من عمل الصلاة التي دخل فيها؛ وإذا سقط عنه الطلب، سقط عنه استعمال
الماء إذا وجده؛ لأنه مشتغل بفرض آخر عن طلب الماء، فليس عليه
استعماله إذا سقط عنه طلبه. وقد أجمعوا أنه يدخل في صلاته بالتيمم عند
عدم الماء، واختلفوا في قطع تلك الصلاة إذا رأى الماء ولم تثبت سنة بقطعها
ولا إجماع، ولیس قول من قال إن رؤية الماء حدث، بشيء؛ لأن ذلك لو كان

التيمم
٥٥١ =
كذلك، کان الجنب إذا تیمم، ثم وجد الماء يعود کالمحدث لا يلزمه إلا
الوضوء، والبناء عندهم على ما صلى كسائر المحدثين؛ وهذا لا يقوله أحد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة، منهم: أحمد بن حنبل، والمزني، وابن
علية: إذا وجد الماء، أو رآه وهو في الصلاة قطع وخرج إلى استعماله في
الوضوء، أو في الغسل، واستقبل صلاته؛ وحجتهم: أن التيمم لما بطل
بوجود الماء قبل الصلاة، كان كذلك في الصلاة لأنه لما لم يجز له عملها
بالتيمم مع وجود الماء كان كذلك لا يجوز له عمل ما بقي منها مع وجود
الماء؛ وإذا بطل بعضها، بطلت كلها؛ واحتجوا أيضا بالإجماع على المعتدة
بالشهور، لا يبقى عليها منها إلا أقلها ثم تحيض أنها تستقبل عدتها
بالحيض؛ قالوا: والذي يطرأ عليه الماء وهو في الصلاة كذلك، وللفريقين
ضروب من الحجج في هذه المسألة يطول ذكرها. وفي هذا الحديث التيمم
في السفر وهو أمر مجتمع عليه، واختلف العلماء في التيمم في الحضر عند
عدم الماء: فذهب مالك، وأصحابه إلى أن التيمم في السفر والحضر سواء إذا
عدم الماء، أو تعذر استعماله لمرض أو خوف شديد، أوخوف خروج
الوقت؛ وهذا كله قول أبي حنيفة، ومحمد؛ وحجتهم: أن ذكر الله المرضى
والمسافرين في شرط التيمم خرج على الأغلب فيمن لا يجد الماء،
والحاضرون الأغلب عليهم وجود الماء، فلذلك لم ينص عليهم؛ فإذا لم يجد
الحاضر الماء، أو منعه منه مانع، وجب عليه التيمم للصلاة، ليدرك وقتها؛
لأن التيمم عندهم إنما ورد لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته، وكذلك أمر
الله بالتيمم حفظا للوقت ومراعاته، فكل من لم يجد الماء تيمم: المسافر
بالنص، والحاضر بالمعنى؛ وكذلك المريض بالنص، والصحيح بالمعنى والله
أعلم.
وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتمم إلا أن يخاف التلف،

فتح البر
=٥٥٢
وبه قال الطبري، وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا
لمرض، ولا لخوف خروج الوقت؛ وحجة هؤلاء: أن الله جعل التيمم
رخصة للمريض، والمسافر، كالفطر وقصر الصلاة؛ ولم يبح التيمم إلا
بشرط المرض أو السفر، فلا دخول للحاضر في ذلك، لخروجه من شرط الله
تبارك اسمه، والكلام بين الفرق في هذه المسألة طويل وبالله التوفيق.
وقال الشافعي أيضا، والليث، والطبري: إذا عدم الماء في الحضر مع
خوف فوت الوقت للصحيح والسقیم، تیمم وصلى ثم أعاد.

التيمم
٥٥٣_
فصل
التيمم للمريض والمسافر، إذا لم يجد الماء بالكتاب والسنة والإجماع، إلا
ما ذكرت لك في تيمم الجنب؛ فإذا وجد المريض أو المسافر الماء حرم عليه
التیمم، إلا أن يخاف المریض ذهاب نفسه وتلف مهجته، فيجوز له حينئذ
التيمم مع وجود الماء بالسنة لا بالكتاب، إلاَّ أن يتأول: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَأْ
أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: (٢٩)] وقد أباح رسول الله وَّة التيمم لعمرو بن العاص
وهو مسافر إذخاف إن اغتسل بالماء(١)، فالمريض أحرى بذلك والله أعلم.
وقال عطاء بن أبي رباح: لا يتيمم المريض إذا وجد الماء ولا غير المريض،
لأن الله يقول: ﴿وَإِن كُنتُم مَّْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ
أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: (٤٣)]، فلم يبح
التيمم لأحد إلاّ عند فقد الماء، ولولا قول الجمهور وما روي من
الأثر، كان قول عطاء صحيحاً والله أعلم.
واختلف الفقهاء أيضا في التيمم: هل تصلى به صلوات أم يلزم التيمم
لكل صلاة؟ فقال مالك: لا يصلي صلاتين بتيمم واحد، ولا يصلي نافلة
ومكتوبة بتيمم واحد، إلا أن تكون نافلة بعد مكتوبة؛ قال: وإن صلى
ركعتي الفجر بتيمم الفجر، أعاد التيمم لصلاة الفجر.
(١) أخرجه: حم (٢٠٣/٤-٢٠٤)، د (٣٣٤/٢٣٨/١)، هق (٢٢٥/١)، ك (١ / ١٧٧) وصححه
على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عمران أن ابن أبي
أنس عن عبد الرحمن بن جبير المصري عن عمرو بن العاص. وأخرجه: د (٣٣٥/٢٣٩/١)، ك
(١/ ١٧٧) كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن ابي أنس عن عبد الرحمن بن جبير
عن ابي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص. وذكره البخاري تعليقا (٥٩٨/١).
قال الحافظ في "التلخيص": «واختلف فیه علی عبد الرحمن بن جبير فقيل عنه عن ابي قيس بن
عمرو، وقيل عنه عن عمرو بلا واسطة، لكن الرواية التي فيها أبو قيس ليس فيها ذكر التيمم،
بل فيها إنه غسل مغابنه فقط)) قال البيهقي (٢٦٦/١): ((ويحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في
الروایتین جميعا، غسل ما قدر على غسله وتيمم للباقي)).

فتح البر
٥٥٤
وقال الشافعي: يتيمم لكل صلاة فرض، ويصلي النافلة والفرض،
وصلاة الجنائز بتيمم واحد، ولا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد في
سفر ولافي حضر.
وقال شريك بن عبد الله القاضي: يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة.
ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيمن تيمم لصلاة فصلاها، فلما سلم
منها ذکر صلاة نسیها، أنه یتیمم لها؛ واختلفوا فیمن صلی صلاتي فرض
بتيمم واحد، فروى يحيى عن ابن القاسم فيمن صلى صلوات كثيرة بتيمم
واحد، أنه یعید ما زاد على واحدة في الوقت، واستحب أن يعيد أبدا.
وروى أبو زيد بن أبي الغمر عنه أنه يعيدها أبدا، وقال أصبغ: إن جمع بين
صلاتين بتيمم واحد، نظر: فإن كانتا مشتركتين في الوقت، أعاد الآخرة في
الوقت، وإن كانتا غير مشتركتين كالعصر والمغرب، أعاد الثانية أبدا.
وذكر ابن عبدوس أن ابن نافع روى عن مالك في الذي يجمع بين
الصلاتين أنه یتیمم لكل صلاة.
وقال أبو الفرج في ذاكر الصلوات إن قضاهن بتيمم واحد، فلا شيء
عليه، وذلك جائز له؛ ولأصحاب مالك في هذا الباب ضروب من
الاضطراب؛ ومن حجة من رأی التیمم لكل صلاة: أن الله أو جب علی کل
قائم إلى الصلاة طلب الماء، وأوجب عند عدمه التيمم، وعلى المتيمم عند
دخول وقت صلاة أخرى ما عليه في الأولى؛ وليست الطهارة بالصعيد
كالطهارة بالماء، لأنها طهارة ناقصة، طهارة ضرورية لاستباحة الصلاة قبل
خروج الوقت؛ بدليل إجماع المسلمين على بطلانها بوجود الماء وإن لم
يحدث، وليس كذلك الطهارة بالماء؛ ألا ترى أن السنة المجتمع عليها قد
وردت بجواز صلوات كثيرة بوضوء واحد بالماء، لأن الوضوء الثاني في

التيمم
٥٥٥ ٤
حكم الأول ليس بناقض له؛ وليس كذلك إذا وجد الماء بعد التيمم،
فلذلك أمر بطلبه لكل صلاة؛ وإذا طلبه ولم يجده، تيمم بظاهر قول الله:
فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾ [النساء: (٤٣)]؛ ولما أجمعوا أنه لا يتيمم قبل
دخول الوقت، دل على أنه يلزمه التيمم لكل صلاة، لئلا تكون قبل
دخول الوقت.
وقال أبو حنيفة، والثوري، واللیث، والحسن بن حي، وداود: يصلي ما
شاء بتيمم واحد ما لم يحدث، لأنه طاهر ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب
الماء إذا يئس منه؛ وللكلام في هذه المسألة وجوه يطول الباب بذكرها، وفي
التيمم مسائل كثيرة هي فروع، لو أتينا بها خرجنا عن شرطنا وبالله توفيقنا.

٥٥٦
فتح البر
لا يمس القرآن إلا طاهر
[٢] مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله وَ لآل لعمرو بن
حزم: ((أن لايمس القرآن إلا طاهر(١)).
وقد ذكرنا أن كتاب النبي ◌ّ لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن في السنن
والفرائض والديات: كتاب مشهور عند اهل العلم معروف يستغنى
بشهرته عن الإسناد.
(١) ورد هذا الحديث عن عمرو بن حزم، وابن عمر، وحكيم بن حزام، وثوبان، وعثمان بن ابي
العاص: فمن حديث عمرو بن حزم عند: ك (٣٩٥/١) وصححه ووافقه الذهبي. هق
(٨٨/١)، قط (١٢٢/١)، الدارمي (٢/ ١٦١) كلهم من طريق الحكم بن موسى عن يحيى بن
حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري به. ومن حديث ابن عمرو عند: قط (١٢١/١)، طب
(١٣٢١٧/٣١٣/١٢)، هق (٨٨/١)، قال الحافظ في "التلخيص" (١٣١/١): ((وإسناده لا
بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به». وذكره الهيثمي في "المجمع" (٢٨١/١) وقال: ((رواه
الطبراني في الكبير والصغير ورجاله موثقون)). ومن حديث حكيم بن حزام عند: ك (٤٨٥/٣)
وصححه ووافقه الذهبي. طب (٣١٣٥/٢٢٩/٣)، قط (١٢٢/١-١٢٣)، قال الحافظ في
"التلخيص " (١/ ١٣١): وفي إسناده سويد أبو حاتم وهو ضعيف)) وفيه أيضا مطر الوراق: قال
الحافظ في "التقريب": صدوق كثير الخطأ. فالحديث ليس كما قال الحاكم وأقره عليه الذهبي.
والله أعلم. ومن حديث عثمان بن أبي العاص عند: طب (٨٣٣٦/٣٣/٩)، قال الحافظ في
"التلخيص" (١٣١/١): «رواه الطبراني وابن أبي داود في المصاحف وفي إسناده انقطاع، وفي
رواية الطبراني من لا يعرف)). وقال الشيخ الألباني في "الإرواء" (١٦٠/١): ((بل إسنادها
كليهما اسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ كما قال الحافظ نفسه في التقريب، فهو علة هذا
الاسناد وإن كان اختلف عليه فيه كما رأيت، وبه أعله الهيثمي فقال: ((وفيه اسماعيل بن رافع
ضعفه ابن معين والنسائي. وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث)). ومن حديث ثوبان : قال
الحافظ في "التلخيص" (١٣١/١- ١٣٢): (وعن ثوبان أورده علي بن عبد الغزيز وفي منتخب
مسنده، وفي إسناده خصيب بن جحدر، وهو متروك)) ونقل الزيلعي في "نصب الراية"
(١٩٩/١) عن ابن القطان قوله: ((وإسناده في غاية الضعف)). وقال الشيخ الألباني في "الإرواء"
(١٦٠/١): ((وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذا
ليس في شيء منها من اتهم بالكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في "علم
المصطلح" أن الطرق يقوي بعضها بعضا، إذا لم یکن فيها متهم کما قرره النووي في تقريبه ثم
السيوطي في شرحه، وعليه، فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما وقد احتج به إمام
السنة أحمد بن حنبل .. وصححه أيضا صاحبه الإمام إسحاق بن راهويه .. )) اهـ.

التيمم
٥٥٧
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن اصبغ حدثنا محمد
ابن إسماعيل الترمذي، حدثنا نعيم بن حماد المروزي، حدثنا ابن المبارك،
أخبرنا معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه قال في كتاب النبي وَل
لعمرو بن حزم: ((أن لا يمس القرآن إلا على طهور))(١).
وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال: حدثنا أبو الطيب أحمد بن سليمان
ابن عمرو الجريري، حدثنا ابو العباس حامد بن شعيب البلخي، حدثنا أبو
صالح الحکم بن موسى، حدثنا یحیی بن حمزة، حدثنا سليمان بن داود،
حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن
جده: ان في الكتاب الذي كتبه رسول الله وي فر إلى أهل اليمن في السنن
والفرائض والديات: ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر(٢)) مختصر، والدليل على
صحة كتاب عمرو بن حزم: تلقي جمهور العلماء له بالقبول، ولم يختلف
فقهاء الأمصار بالمدينة والعراق والشام: أن المصحف لا يمسه إلا الطاهر
على وضوء، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري،
والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وأبي عبيد،
وهؤلاء أئمة الفقه والحديث في أعصارهم، وروي ذلك: عن سعد بن أبي
وقاص، وعبد الله بن عمر، وطاوس، والحسن، والشعبي، والقاسم بن
محمد، وعطاء، قال إسحاق بن راهويه: لا يقرأ أحد في المصحف إلا وهو
متوضئء، وليس ذلك لقول الله عز وجل: ﴿لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: (٧٩)] ولكن لقول رسول الله وَ له: ((لا يمس القرآن إلاَّ طاهر))(٣).
قال أبو عمر:
وهذا يشبه مذهب مالك على ما دل عليه قوله في موطئه، وقال الشافعي،
والأوزاعي، وأبو ثور، وأحمد: لا يمس المصحف: الجنب، ولا الحائض،
(١) و(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٣) سبق تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٥٥٨
ولا غير المتوضئ، وقال مالك: لا يحمله بعلاقته، ولا على وسادة إلا وهو
طاهر، قال: ولا بأس أن يحمله في التابوت والخرج والغرارة من ليس على
وضوء، قال: وذلك أن الله عز وجل يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: ٧٩] قال: وهذا قول مالك، وأبي عبدالله-يعني الشافعي رحمه الله -.
قال أبو عمر:
إنما رخص مالك في حمل غير المتوضئ للمصحف في التابوت والغرارة،
لأن القصد لم يكن منه الى حمل المصحف، وإنما قصد إلى حمل التابوت وما
فيه من مصحف وغيره، وقد كره جماعة من التابعين منهم القاسم بن محمد،
والشعبي، وعطاء، من الدراهم التي فيها ذكر الله على غير وضوء، فهو لا
شك أشد كراهية أن يمس المصحف غير متوضى وقد روي عن عطاء أنه
قال: لا بأس أن تحمل الحائض المصحف بعلاقته، وأما الحكم بن عتيبة،
وحماد بن أبي سليمان: فلم يختلف عنهما في إجازة حمل المصحف بعلاقته لمن
لیس بطاهر، وقولهما عندي شذوذ، ومخالفة للأثر، وإلی قولهما ذهب داود
ابن علي قال: لابأس أن يمس المصحف والدنانير والدراهم التي فيها ذكر
الله، الجنب والحائض، قال: ومعنى قوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: (٧٩)] هم الملائكة، قال: ولو كان ذلك نهياً لقال: لا يمسه،
واحتج أيضاً بقول رسول الله وَله: ((المؤمن ليس بنجس))(١).
قال أبو عمر:
قد يأتي النهي بلفظ الخبر، ويكون معناه النهي، وذلك موجود في كتاب
(١) ثبت هذا الحديث عن أبي هريرة وحذيفة: فمن حديث أبي هريرة: خ (٢٨٥/٥١٥/١)، م
(٣٧١/٢٨٢/١)، د(٢٣١/١٥٦/١)، ت (١٢١/٢٠٧/١)، ن (٢٦٧/١٥٩/١-٢٦٩)، جه
(٥٣٤/١٧٨/١) وفي بعضها "إن المسلم لا ينجس)). ومن حديث حذيفة: م
(٣٧٢/٢٨٢/١)، د(٢٣٠/١٥٦/١)، ن (٢٧٨/١٥٩/١)، جه (٥٣٥/١٧٨/١) بلفظ: «إن
المسلم لا ینجس».

التيمم
٥٥٩=
الله كثير، نحو قوله: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: (٣)] جاء
بلفظ الخبر، وكان سعيد بن المسيب وغيره يقول: إنها منسوخة، يقول
الله عز وجل: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنكُمْ﴾ [النور: (٣٢)] ولو لم يكن عنده في
هذا الخبر معنى النهي، ما أجاز فيه النسخ، ومثله كثير، وفي كتاب
رسول الله وَ ﴾ ((أن لا يمس القرآن إلاَّ طاهر)) (١) بيان معنى قول الله
[الواقعة: (٧٩)] لاحتمالها
عز وجل: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
للتأويل ومجيئها بلفظ الخبر، وقد قال مالك في هذه الآية: إن أحسن
ـج فَنْ شَآءَ
ما سمع فيها: أنها مثل قول الله عز وجل: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ
(1)﴾ [عبس:
ذَّكَرَُّ ﴿٨َا فِ سُحُفٍ تُكَرَّمَةٍ ثَ مَّرْفُوعَقِ مُطَهَّرَةِ (٦َ بِأَّدِى سَفَرَةِ (١٥) كِرَامِ بَرَقْ
(١١ - ١٦)] وقول مالك: أحسن ما سمعت، يدل على أنه سمع فيها
اختلافاً، وأولى ما قيل به في هذا الباب؛ ما عليه جمهور العلماء، من
امتثال ما في كتاب رسول الله وَلّ لعمرو بن حزم: ((أن لا يمس القرآن
أحد إلاَّ وهو طاهر))(٢) والله أعلم، وبه التوفيق.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه.