Indexed OCR Text

Pages 181-200

الوضوء
١٨١
أحاديث الحوض في باب خبيب من هذا الكتاب، وأما قوله: فليذادن،
فمعناه: ليبعدن وليطردن.
قال زهیر:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقال الراجز:
يا خوي نهنهـا وذودا إني أرى حوضكما مورودا
وأما رواية يحيى: فلا يذادن على النهي، فقيل إنه قد تابعه على ذلك ابن
نافع ومطرف؛ وقد خرج بعض شيوخنا معنی لرواية يحيى ومن تابعه: أي
لا يفعل أحد فعلا يطرد به عن حوضي، ومما يشبه رواية يحيى هذه ويشهد
لها: ما حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح،
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن
عبد الله بن دینار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله
وَالى: أنا فرطكم على الحوض، من ورد علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا؛
ألا ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم(١). وهذا في
معنی رواية يحيى.
وقد ذكر البخاري وغيره حديث سهل بن سعد هذا فقال: ولیردن علي
الحوض قوم أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم(٢).
أخبرني أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن، ويونس بن عبد الله بن مغيث،
قالا حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن، قال حدثنا جعفر بن محمد
الفريابي، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرنا مالك، عن العلاء بن
عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وّل خرج إلى المقبرة
(١) و(٢) انظر التخريج الذي قبله.

فتح البر
= ١٨٢
فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون،
وددت أني رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: بل
أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض؛ قالوا:
يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كانت
لرجل خیل غر محجلة في خیل دهم بهم، ألا یعرف خیله؟ قالوا: بلی یا
رسول الله؛ قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، وأنا
فرطهم على الحوض؛ فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال،
أناديهم: ألا هلم، ألا هلم؛ فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: فسحقا،
فسحقا(١).
وأما قوله: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء، ففيه دلیل
على أن الأمم أتباع الأنبياء لا يتوضأون مثل وضوئنا على الوجه فاليدين
فالرجلين، لأن الغرة في الوجه، والتحجيل في اليدين والرجلين؛ هذا ما لا
مدفع فيه على هذا الحديث، إلا أن يتأول متأول هذا الحديث أن وضوء
سائر الأمم لا يكسبها غرة ولا تحجيلا، وأن هذه الأمة بورك لها في
وضوئها بما أعطيت من ذلك شرفا دائما ولنبيها وَآلية كسائر فضائلها على
سائر الأمم، كما فضل نبيها بالمقام المحمود وغيره على سائر الأنبياء والله
أعلم. وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون فيكسبون بذلك الغرة
والتحجيل، ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء؛ كما خص نبينا ولا بأشياء
دون أمته، منها نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغیر صداق، والوصال،
وغير ذلك؛ فيكون ذلك من فضائل هذه الأمة أن تشبه كلها الأنبياء، كما
جاء عن موسى عليه السلام أنه قال: أجد أمته كلهم كالأنبياء، فاجعلها
أمتي. قال: تلك أمة أحمد- في حديث فيه طول.
(١) سبق تخريجه تحت حديث الباب.

الوضوء
١٨٣ -
وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان، حدثنا محمد
ابن العباس بن أسلم، حدثنا ابن أبي ناجية، حدثني زیاد بن يونس، عن
مسلمة بن علي، عن إسماعيل، عن رافع، عن سالم بن عبد الله بن عمر،
سمعه يحدث عن کعب، أنه سمع رجلا يحدث أنه رأى في المنام أن الناس
جمعوا للحساب، ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته، وأنه رأی لکل نبي
نورین یمشي بينهما، ولمن اتبعه من أمته نورا واحدا يمشي به؛ حتى دعي
محمد وَّةٍ، فإذا شعر رأسه ووجهه نور كله، يراه كل من نظر إليه، وإذا لمن
اتبعه من أمته نوران کنور الأنبياء؛ فقال کعب- وهو لا يشعر أنها رؤيا: من
حدثك بهذا الحديث وما أعلمك به؟ فأخبره أنها رؤیا، فناشده کعب بالله
الذي لا إله إلا هو: لقد رأيت ما تقول مناما؟ فقال: نعم والله، لقد رأيت
ذلك، فقال کعب: والذي نفسي بيده، أو قال والذي بعث محمدا بالحق، إن
هذه الصفة أحمد وأمته وصفة الأنبياء في كتاب الله، لكأن ما قرأته من
التوراة، وقد قيل: إن سائر الأمم كانوا يتوضؤون- والله أعلم، وهذا لا
أعرفه من وجه صحیح.
وأما قوله وَل﴾ إذ توضأ ثلاثا ثلاثا، فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء
قبلي(١)- فحديث ضعيف، لا يجيء من وجه صحيح، ولا يحتج بمثله،
فکیف یتعارض به مثل هذا الحديث الذي قد روي من وجوه صحاح ثابتة
(١) عبد الله بن عمر: حم (٩٨/٢). جه (٤١٩/١٤٥/١) من طريق عبد الرحيم بن زيد العمى
عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر من حديث طويل البيهقي (١/ ٨٠) قال البوصيري في
الزوائد (٩٠): هذا إسناد فيه العمى وهو ضعيف وابنه عبد الرحيم متروك كذاب، ومعاوية بن
قرة لم يلق ابن عمر قاله ابن أبي حاتم في العلل وصرح به الحاكم في المستدرك: وقال الهيثمي في
المجمع (٢٣٥/١): رواه أحمد وفيه زيد العمى وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله رجال
الصحيح. ورواه: البيهقي (١ / ٨٠) من طريق المسيب بن واضح ثنا حفص بن ميسرة عن عبد
الله بن دینار عن ابن عمر. وقال: وهذا الحديث من هذا الوجه ينفرد به المسیب بن واضح ولیس
بالقوى.
=

٠١٨٤
فتح البر
من أحاديث الأئمة؛ وحديث: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، فإنما
يدور علی زید بن الحواري العمي: والد عبد الرحیم بن زید وهو انفرد به،
وهو ضعيف ليس بثقة، ولا ممن يحتج به؛ وقد اختلف علیه فيه أيضا، فرواه
عبد الله بن عرابة عن زيد بن الحواري العمي، عن معاوية بن قرة، عن عبيد
ابن عمير، عن أبي بن كعب، عن النبي وَلاّ.
ورواه عبد الله بن الوهاب الحجي، عن عبد الرحيم بن زيد، عن أبيه،
عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر - وهو حديث لا أصل له، وعبد الرحيم
وأبوه زید مترو کان، والحديث حدثناه محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن
الحسين، قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال حدثنا أبو الطاهر أحمد بن
عمرو بن السرح، ومحمد بن عبد الله بن عمرو الفربي، قالا حدثنا إسماعيل
ابن مسلمة بن قعنب، قال: حدثنا عبد الله بن عرابة، عن زيد بن حواري،
عن معاوية بن قرة، عن عبيد بن عمرو، عن أبي بن كعب، أن رسول الله
وَ﴾ توضأ فتوضأ مرة مرة؛ ثم قال: هذا وظيفة الوضوء الذي لا يقبل الله
صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من
قبلي(١).
= ومن حديث أبي بن كعب عند: جه (٤٢٠/١٤٥/١). وقال البوصيري في الزوائد (٩٠): هذا
إسناد ضعيف زيد هو العمى ضعيف وكذلك الراوي عنه، رواه الإمام أحمد في مسنده عن أسود
ابن عامر ابنا أبو إسرائيل عن زيد العمي عن نافع عن ابن عمر قلت فذكره نحوه، وزید زید.
أنس: رواه ابن السكن في صحيحه كما قال الحافظ في التلخيص (١/ ٨٣) ورواه ابن شاهين في
((الترغيب)) كما في الصحيحة (٢٦١). وفيه انقطاع بين طلحة بن يحيى وأنس. وللحديث شواهد
أخرى انظرها في التلخيص (٨٢/١-٨٣) والإرواء (٨٥).
وقد جزم الحافظ في الفتح بضعف الحديث فقال (٣١٤/٣): هو حديث ضعيف لا يصح
الإحتجاج به لضعفه. اه
(١) تقدم تخريجه تحت الحدیث قبله.

الوضوء
١٨٥!
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن محمد بكير الحداد، قال
حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكشي، قال حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال
حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن ابن
عمر، قال: توضأ رسول الله وَّل مرة مرة، وقال: هذا وظيفة الوضوء الذي
لا يقبل الله صلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا الفضل من
الوضوء ويضاعف الله الأجر لصاحبه مرتين ثم توضأ ثلاثا، ثم قال: هذا
وضوئي ووضوء خليل الله إبراهيم، ووضوء الأنبياء من قبلي؛ ومن قال
بعد فراغه : أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ،
وهو على كل شيء قدير، فتح الله له من الجنة ثمانية أبواب(١). هذا كله منكر
في الإسناد والمتن، وقد ثبت عن النبي ◌َّټ أنه كان يتوضأ مرة مرة، رواه ابن
عباس وغيره من حديث الثقات(٢)، وأجمعت الأمة أن من توضأ مرة
واحدة سابغة أجزأه، وكيف كان رسول الله وح له يتوضأ مرة مرة، فیرغب
بنفسه عن الفضل الذي قد ندب غيره إليه؟ أو كيف كان يتوضأ مرة أو
مرتين، ويقصر عن ثلاث إذا كانت الثلاث وضوء إبراهيم ◌َّلة، وقد أمر أن
يتبع ملة إبراهيم حنيفا، وليس يشتغل أهل العلم بالنقل بمثل حديث
عبدالرحيم بن زيد العمي وأبيه. وقد أجمعوا على تركهما.
(١) أخرجه: جه (٤١٩/١٤٥/١). من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن معاوية بن
قرة عن ابن عمر. وقال البوصيري في الزوائد (ص ٩٠): هذا إسناد فيه العمي وهو ضعيف،
وابنه عبد الرحيم متروك كذاب، ومعاوية بن قرة لم يلق ابن عمر، قاله ابن أبي حاتم في العلل،
وصرح به الحاكم في المستدرك قلت: قال الحاكم في المستدرك (١/ ١٥٠): وشاهده الحديث
المرسل المشهور عن معاوية بن قرة عن ابن عمر. فذكره، قال الذهبي في التلخيص: ومداره على
زید العمي وهو واه.
(٢) خ (١/ ١٥٧/٣٤٣). د (١٣٧/٩٥/١-١٣٨). ت (٤٢/٦٠/١). ن (٨٠/٦٦/١). جه
(٤١١/١٤٣/١).

:١٨٦
فتح البر
وأما قوله في هذا الحديث: من قال بعد فراغه ـ- يعني من وضوئه: أشهد
أن لا إله إلا الله - إلى آخر الحديث، فروي بأسانيد صالحة وإن كانت
معلولة من حديث عمر، وحديث عقبة بن عامر (١)، وهكذا يصنع
الضعفاء يخلطون ما يعرف بما لا يعرف - والله المستعان.
وحدثنا سعید بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله ولم يردون علي غرا محجلين من الوضوء سيما أمتي، ليس لأحد
غيرها(٢).
روى الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، قال أخبرني یزید بن
حضير (*)، عن عبد الله بن بسر، عن النبي وَّ قال: أمتي يوم القيامة غر
من السجود، محجلون من الوضوء(٣).
حدثنا أحمد بن قاسم، وأحمد بن محمد، وسعيد بن نصر، قالوا: حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا نعيم بن
حماد، قال حدثنا ابن المبارك، قال أخبرنا ابن لهيعة، قال حدثني یزید بن أبي
(١) م (١ /٢٠٩ - ١١٠ / ٢٣٤). د (١ / ١١٨ / ١٦٩ و١٧٠). ت (١ /٧٨ / ٥٥).
ن (١ / ١٤٨/١٠٠). جه (٤٧٠/١٥٩/١). وزاد الترمذي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني
من المتطهرين))
(٢) م (١/ ٢١٧/ ٢٤٧). جه (٤٢٨٢/١٤٣١/٢). ابن أبي شيبة (٤٢/١٥/١). ابن خزيمة
(٧/٧/١). حب: الإحسان (١٠٤٨/٣٢٤/٣) من طرق عن أبي مالك الأشجعي عن أبي
حازم عن أبي هريرة وأخرجه: حم (٢/ ٤٠٠-٥٢٣).
خ (١/ ١٣٦/٣١٣).
م (١/ ٢١٦/ ٢٤٦) وغيرهم من طريق نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة بلفظ آخر.
(*) هكذا في التمهيد ((يزيد بن حضير)) وهو عند أحمد والترمذي ((یزید بن خمير.))
(٣) حم (١٨٩/٤) بلفظ أطول. ت (٢ / ٦٠٧/٥٠٦) وقال: حديث حسن صحيح غريب من
هذا الو جه من حديث عبد الله بن بسر.

الوضوء
١٨٧
حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، سمع أبا ذر وأبا الدرداء، قالا: قال
رسول الله ◌َّ: أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن
له برفع رأسه، فأنظر بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن
يميني، فأعرف أمتي من بين الأمم؛ وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين
الأمم، وأنظر من خلفي فأعرف أمتي، فقال رجل: يا رسول الله، وكيف
تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ قال: غر محجلون من آثار
الوضوء، ولا يكون من الأمم كذلك أحد غيرهم -وذكر تمام الحديث(١)
قال ابن المبارك: وأخبرنا يحيى بن أيوب البجلي، قال: سمعت رجلا
يحدث عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، سمع أبا هريرة يقول: الحلية تبلغ
حيث انتهى الوضوء(٢).
حدثنا إبراهيم بن شاكر - رحمه الله- قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن
عثمان، قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن
صالح، قال حدثنا یزید بن هارون، عن حماد بن سلمة،عن عاصم، عن زر،
عن عبد الله أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال:
غر محجلون بلق من آثار الوضوء(٣)، فهذه الآثار كلها تشهد لما قلنا - وبالله
توفیقنا.
(١) رواه حم (١٩٩/٥) من حديث أبي الدرداء. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٣٠): رواه أحمد
والطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
وقال في موضع آخر (٣٤٧/١٠): رواه أحمد والبزار بإختصار عنه إلا أنه قال : -وذراريهم نور
بين أيديهم- ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو ضعيف وقد وثق. ورواه حم
(١٩٩/٥) من حديث أبي ذرو أبي الدرداء وقال الهيثمي في المجمع (٣٤٧/١٠): رواه أحمد
ورجاله رجال الصحيح غیر ابن لهيعة وهو ضعيف وقد وثق.
(٢) أخرجه: حم (٣٧١/٢). م (٢١٩/١/ ٢٥٠). ن (١ /١٤٩/١٠٠). البيهقي (١ /٥٦). من
طريق خلف بن خليفة عن ابن مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه
ابن أبي شيبة (٦٠٧/٥٨/١). من طريق يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة عن أبي هريرة
مرفوعا.
(٣) حم (٤٠٣/١-٤٥١-٤٥٢). جه (٢٨٤/١٠٤/١). قال البوصيري في الزوائد هذا حديث
حسن. حب: الإحسان (١٠٤٧/٣٢٣/٣) من طرق عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن
ابن مسعود مرفوعا قال المنذري في الترغيب والترهيب (١٥١/١): ((ورواه أحمد والطبراني
بإسناد جيد نحوه من حديث أبي أمامة».

١٨٨
فتح البر
باب منه
[٢] مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلاه قال: يعقد
الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة:
عليك ليل طويل فارقد؛ فإن استيقظ فذكر الله، انحلت عقدة؛ فإن توضأ، انحلت
عقدة؛ فإن صلى، انحلت عقدة- وأصبح نشيطا طيب النفس؛ وإلا أصبح خبيث
النفس كسلان(١).
هذا كما قال ◌َّ﴾ - والله أعلم كيف يعقد الشيطان رأس ابن آدم؟ قيل إنها
كعقد السحر من قول الله: ﴿النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [العلق: ٤]، وهذا لا يقف
على حقيقته أحد، والقافية: مؤخر الرأس- وهو القذال، وقافية كل شيء
آخره، ومنه قيل لنبينا وَّة: المقفى، لانه آخر الأنبياء. ومن هذا أخذت قوافي
الشعر، لأنها أواخر الأبيات، والمعنى عندي- والله أعلم- في هذا الحديث:
أن الشيطان ينوِّم المرء ويزيده ثقلا وكسلا بسعيه- وما أعطي من الوسوسة
والقدرة على الإغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه، إلا عباد الله
المخلصين.
وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد به الشيطان، وكذلك
الوضوء والصلاة، ويحتمل أن يكون الذكر الوضوء والصلاة، لما فيها من
معنى الذكر، فخص بهذا الفضل في طرد الشيطان، ويحتمل أن يكون
كذلك سائر أعمال البر- والله أعلم، فمن قام من الليل يصلي، انحلت
عقده؛ فإن لم يفعل، أصبح على ما قال ◌َله إلا أنه تنحل عقده بالوضوء
للفريضة وصلاتها- والله أعلم. وأما طرد الشيطان بالتلاوة والذكر
والأذان، فمجتمع علیه، مشهور في الأثار:
(١) خ (١١٤٢/٣٠/٣). م (٧٧٦/٥٣٨/١). د (٧٢/٢ -٧٣ / ١٣٠٦).
ن (١٦٠٦/٢٢٥/٣). جه (٤٢١/١-١٣٢٩/٤٢٢). كلهم من حديث أبي هريرة.

الوضوء
١٨٩
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن
شعیب، قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال حدثنا شبابة، قال حدثنا
المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي 8ّ* قال: إذا دخل
الرجل بيته، أو آوى إلى فراشه، ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح
بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن هو قال: الحمد لله الذي رد إلي
نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها؛ الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع
على الأرض إلا بإذنه الى آخر الآية؛ فإن هو خر في فراشه فمات، كان
شهيدا(١). ورواه حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن
جابر، عن النبي ◌َّ - مثله، إلا أنه قال في آخره: فإن وقع من سريره فمات،
دخل الجنة.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن وضاح، وحدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بکر، قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحیم، قال حدثنا
الوليد، قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثني عمير بن هانيء، قال حدثني
جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ومَله: من
تعار من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله، والله
أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم دعا: رب اغفر لي، غفر له(٢). قال
(١) حب: الإحسان (٥٥٣٣/٣٤٣/١٢). ك (٥٤٨/١) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه
الذهبي. أبو يعلى في مسنده (١٧٩١/٣٢٦/٣). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٢٠/١٠).
وقال: ((رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة)).
والمنذري في ((الترغيب)) (٤١٦/١) وقال: ((رواه أبو يعلى بإسناد صحيح.)) وفيه عنعنة أبي
الزبير. وروي موقوفا عن جابر عند: البخاري في «الأدب المفرد» (١٢١٤). وفيه عنعنة أبي
الزبير أيضا.
(٢) حم (٣١٣/٥). خ (١١٥٤/٤٩/٣). د (٣٠٥/٥-٣٠٦ /٥٠٦٠).
ت (٣٤١٤/٤٤٧/٥). جه (٣٨٧٨/١٢٧٦/٢) كلهم من حديث عبادة بن الصامت.

فتح البر
=١٩٠
الوليد: أو قال: دعا استجيب له، وإن قام فصلى، قبلت صلاته.
وثبت عن النبي عليه السلام من وجوه أنه كان يقوم من الليل فيذكر الله
بأنواع من الذکر ثم يتوضأ ويصلي.
وفي هذا الحديث حض على قيام الليل، لأن فيه أنه يصبح طيب النفس
نشيطا بعد ذكر الوضوء والصلاة، وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما
يعارض قوله عليه السلام: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي(١)، لقوله في هذا
الحديث: وإلا أصبح خبيث النفس. وليس ذلك عندي كذلك، لأن النھي
إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه- كراهية لتلك اللفظة وتشاؤما لها
إذا أضافها الإنسان إلى نفسه؛ والحديث الثاني إنما هو خبر عن حال من لم
يذكر الله في ليله، ولا توضأ ولا صلى، فأصبح خبيث النفس - ذمّا لفعله،
وعيبا له؛ ولكل واحد من الخبرين وجه، فلا معنى أن يجعلا متعارضين؛
لأن من شأن أهل العلم أن لا يجعلوا شيئا من القرآن ولا من السنن
معارضا لشيء منها ما وجدوا إلى استعمالها وتخريج الوجوه لها سبيلا.
والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا أبو مسلم الکشي، قال حدثنا حجاج بن نمیر، قال حدثنا هشام
ابن أبي عبد الله، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله
وَ لّ قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي(٢).
وحدثناه محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم؛ وحدثنا سعيد بن نصر، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي،
(١) حم (٦/ ٥١-٢٠٩-٢٣١- ٢٨١). خ (١٠ /٦٨٩ /٦١٧٩).
م (٤ / ١٧٦٥ /٢٢٥٠). د (٤٩٧٩/٢٥٨/٥) من طرق عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) تقدم تخريجه تحت الحدیث قبله.

الوضوء
١٩١-
قالا: أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال
رسول الله وَله: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست
نفسي(١).
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا حمزة بن محمد، قال أخبرنا أحمد بن
شعیب، قال أخبرنا محمد بن هشام، قال أخبرنا عمر بن علي، عن سفيان بن
حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: لا
يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي(٢).
هكذا رواه سفيان بن الحسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
ورواه يونس بن يزيد، واسحاق بن راشد، عن الزهري، عن أبي أمامة
ابن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي وَله مثله سواء(٣).
ورواه ابن عيينة عن الزهري، عن أبي أمامة، عن النبي عليه السلام
مرسلا.
قال الخليل: لقست نفسه: إذا نازعته إلى الشيء، وتلا قسوا: سب
بعضهم بعضا.
(١) و(٢) تقدم تخريجه تحت الحدیث قبله.
(٣) خ (١٠/ ٦١٨٠/٦٩٠). م (٢٢٥١/١٧٦٥/٤). د (٢٥٨/٥/ ٤٩٧٨).
کلهم من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه.

١٩٢
فتح البر
باب منه
[٣] مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَل
قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه ، خرجت من وجهه کل
خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا؛ فإذا غسل يديه
خرجت من يديه كل خطيئة بطشتهما يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى
يخرج نقيا من الذنوب(١).
هكذا هو في الموطأ في هذا الحديث: بطشتهما يداه- ليحيى وغيره
جماعة- بتثنية الضمير المتصل بالفعل - وهو ضمير الخطيئة، والخطيئة
مفردة- وليس بالجيد، لأن التثنية إنما هي لليدين لا للخطيئة، ويقال إنه في
رواية ابن وهب عن مالك کذلك أيضا.
قال أبو عمر:
في رواية ابن وهب عن مالك في هذا الحديث زيادة ليست لغيره من
الرواة عن مالك، وذلك أنه زاد في هذا الحديث ذكر الرجلين فقال: إذا
غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتهما رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر
الماء، وهكذا قال: مشتهما فثنى أيضا ولم يقل في شيء من الحديث أو نحو
هذا؛ وسائر الرواة قالوا في هذا الحدیث کما قال یحیی.
وأما قوله: العبد المسلم أو المؤمن- فهو شك من المحدث- من كان
مالك أو غيره.
وقوله: مع الماء أو مع آخر قطر الماء- شك أيضا من المحدث، ولا يجوز
أن يكون ذلك شكا من النبي وَلّ، ولا يظن ذلك إلا جاهل مجنون، ويحمل
(١) حم (٢/ ٣٠٣). م (١ / ٢١٥/ ٢٤٤) من حديث أبي هريرة.

١٩٣!
الوضوء
على الشك في مثل هذه الألفاظ التحري في الإتيان بلفظ الحديث دون
معناه، وهذا شيء قد اختلف فيه السلف، وقد ذكرنا ما جاء عنهم في ذلك
في کتاب العلم، والحمد لله.
وفيه من الفقه: تكفير الخطايا بالوضوء، وقد مضى القول في هذا المعنى
ممهدا في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي. فلا معنى
لتكرير ذلك ههنا، ومعاني هذا الحديث كلها قد مضى القول فيها هناك
وبالله التوفيق.

١٩٤٠
فتح البر
باب منه
[٤] مالك، أنه بلغه أن رسول الله وَ ل قال: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير
أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.
قوله: استقيموا أي لا تزیغوا وتميلوا عما سن لكم وفرض عليكم، فقد
تركتم على الواضحة ليلها كنهارها وليتكم تطيقون ذلك.
وهذا الحديث يتصل مسندا عن النبي صل﴾ من حديث ثوبان، وحديث
عبد الله بن عمرو بن العاص.
فأما حدیث ثوبان، فحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهیر، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا
عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان،
قال: قال رسول الله وَله: استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم
الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن(١).
أخبرنا إبراهيم بن شاكر، ومحمد بن إبراهيم، قالا حدثنا محمد بن أحمد
ابن يحيى، قال حدثنا محمد بن أيوب، قال حدثنا أحمد بن عمرو البزار، قال
حدثنا يوسف بن موسى، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي
الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله وَّليل: استقيموا ولن تحصوا- فذكر
مثله(٢).
وأما حديث الشاميين في هذا، فحدثناه محمد بن عبد الله بن حكم، قال
حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا إسحاق بن أبي حسان، قال حدثنا هشام
(١) حم (٢٧٧/٥-٢٨٢). جه (١/ ١٠١-٢٧٧/١٠٢). ك (١/ ١٣٠) وقال: صحيح على شرط
الشيخين. ووافقه الذهبي. الدارمي (١٦٨/١).
(٢) سبق تخريجه تحت الحديث قبله.

الوضوء
١٩٥ ==
ابن عمار، قال حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن
ثوبان ، قال حدثنا حسان بن عطية - أن أبا کبشة السلول حدثه، قال
حدثني ثوبان مولى رسول الله وَ له: أن رسول الله وسلم قال: سددوا وقاربوا
واعملوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مومن(١).
وأما حديث عبد الله بن عمرو، فأخبرنا يعيش بن سعيد، قال حدثنا
محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن محمد الفرياني، قال حدثنا أبو بكر
وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن ليث، عن
مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وجل:
استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ
على الوضوء إلا مومن(٢).
قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث: سددوا وقاربوا- يفسر قوله: استقيموا ولن
تحصوا، يقول: سددوا وقاربوا، فلن تبلغوا حقيقة البر- ولن تطيقوا
الإحاطة في الأعمال- ولكن قاربوا، فإنكم إن قاربتم ورفقتم، كان أجدر
أن تدوموا علی عملکم.
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا أحمد بن مطرف، قال حدثنا سعيد
ابن عثمان، قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الأيلي، حدثنا سفيان بن عيينة،
عن ابن شبرمة، عن الحسن - في قول الله عز وجل: ﴿عَلِمَ أَلَنْ تُحْصُوهُ﴾
[المزمل: (٢٠)]، قال: لن تطيقوه(٣).
(١) سبق تخريجه تحت الحديث قبله.
(٢) جه (١/ ٢٧٨/١٠٢). ابن أبي شيبة (٣٦/١٤/١). وفي الباب عن أبي أمامة وجابر وربيعة
الجرشي.
(٣) ابن جرير في تفسيره (١٤٠/٢٩).

--- ١٩٦
فتح البر
باب منه
[٥] مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له قال:
ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: اسباغ الوضوء عند
المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط،
فذلكم الرباط، فذلكم الرباط(١).
قال أبو عمر:
في هذا الحديث طرح العالم العلم على المتعلم وابتداؤه إياه بالفائدة
وعرضها عليه. وهذا الحديث من أحسن ما يروى عن النبي ◌َّ في فضائل
الأعمال.
وأما قوله إسباغ الوضوء على المكاره، فالإسباغ: الإكمال والإتمام في
اللغة، من ذلك قول الله - عز وجل - : ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾
[لقمان: (٢٠)] يعني أتمها عليكم وأكملها، وإسباغ الوضوء: أن تأتي
بالماء على كل عضو يلزمك غسله وتعمه كله بالماء وجر اليد، وما لم تأتي
علیه بالماء منه فلم تغسله بل مسحته؛ ومن مسح عضوا يلزمه غسله فلا
وضوء له؛ ولا صلاة حتى يغسل ما أمر الله بغسله، على حسبما وصفت
لك.
فأما قوله على المكاره، فقيل: أراد البرد وشدته، وكل حال يكره المرء
فيها نفسه، فدفع وسوسة الشيطان في تكسيله إياه عن الطاعة والعمل
الصالح والله أعلم.
وأما قوله: فذلكم الرباط، فالرباط هنا ملازمة المسجد لانتظار الصلاة،
(١) حم (٣٠٣/٢). م (١ /٢٥١/٢١٩). ت (٧٢/١-٧٣ /٥١). ن (١ / ٩٧ / ١٤٣).

الوضوء
١٩٧٥
وذلك معروف في اللغة. قال صاحب كتاب العين: الرباط: ملازمة الثغور،
قال: والرباط مواظبة الصلاة أيضا.
حدثنا يونس بن عبد الله، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر
ابن محمد الفریابي، قال حدثنا أبو كريب، قال حدثنا خالد بن مخلد، قال
حدثنا محمد بن جعفر - يعني ابن أبي كثير- قال حدثنا العلاء بن عبد
الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَالقيم ألا
أدلكم على ما يحط الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول
الله، قال: اسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار
الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط(١).
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله، قال حدثنا الحسن بن محمد، قال حدثنا
عبد الملك بن یحیی، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال حدثنا سنيد
ابن داود، قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن
أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ويليقول: ألا أدلكم على ما يمحو الله به
الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء
على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة،
فذلكم الرباط، فذلكم الرباط(٢).
قال سنید: وحدثنا عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن داود
ابن صالح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال: ما كان الرباط على عهد
رسول الله وَي﴾، ولكن نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة، يعني قوله: ((یا
أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا))(٣).
(١) و(٢) سبق تخريجه تحت الحديث قبله.
(٣) ابن جرير في تفسيره (٢٢٢/٤).

فتح البر
١٩٨٥
=
قال وأخبرني أحمد بن کردوس الکندي، عن عبد الله بن وهب، عن أبي
صخر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: يقول: اصبروا على دينكم
وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه
لدينكم، واتقوني فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون إذا لقيتموني غدا(١).
قال: وأخبرني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: صابروا المشركين،
ورابطوا في سبيل الله(٢).
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن عيسى، عن الحارث بن عبد الرحمن بن
أبي ذباب، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله وَل
قال: اسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار
الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا غسلا(٣).
(١) و(٢) ابن جرير في تفسيره (٢٢١/٤).
(٣) ك (١٣٢/١) وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي)). وأبو
يعلى (٤٨٨/٣٧٩/١). وأورده الهيثمي في المجمع (٣٦/٢) وقال: (( رواه أبو يعلى والبزار
ورجاله رجال الصحيح».

١٩٩
الوضوء
باب منه
[٥] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان بن عفان، أن عثمان بن
عفان جلس على المقاعد، فجاء المؤذن، فآذنه بصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ، ثم
قال: والله لأحدثنکم حدیثا، لولا أنه في کتاب الله ما حدثتکموه، ثم قال: سمعت
رسول الله وَلو يقول: ما من امريء يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة إلا
غفر له ما بينه وما بين الصلاة الأخرى حتى يصليها(١).
قال مالك: أراه يريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ
الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: (١١٤)].
وحمران مولى عثمان هو حمران بن أعين بن خالد بن عبد عمرو بن عقیل
ابن کعب بن سعد بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن
قاسط ، وهو ابن عم صهيب بن سنان يلتقي هو وصهيب في خالد بن عبد
عمرو، وكان حمران من سبي عين النمر، وهو أول سبي دخل المدينة في
خلافة أبي بكر الصديق، سباه خالد بن الوليد ، فرآه غلاما أحمر مختونا
كيسا، فتوجه به إلى عثمان - رضي الله عنه - فأعتقه، ودار حمران بالبصرة
مشرفة على رحبة المسجد الجامع ، وكان عثمان أقطعه إياها وأقطعه أيضا
أرضا على فراسخ من الأيلة فيما يلي البحر . ذكر ذلك أهل السير والعلم
بالخبر، قالوا : وكان حمران أحد العلماء الجلة أهل الوداعة والرأي والشرف
بولائه ونسبه ، وهو أحد الشاهدين على الوليد بن عقبة بشرب الخمر،
فجلده بشهادته علي ، جعل ذلك إليه عثمان، وتولى ضرب الوليد بيده
عبدالله بن جعفر بأمر علي له بذلك ، و کان جلده له أربعین جلدة.
(١) خ (١/ ١٦٠/٣٤٦). م (١ / ٢٠٥ -٢٢٧/٢٠٦). ( (١ / ٧٨ / ١٠٦).
ن (٩٨/١ - ٩٩ / ١٤٦). جه (١ / ٢٨٥/١٠٥). الحميدي (٣٥).

٢٠٠
-
فتح البر
وهكذا روى هذا الحديث عن مالك جماعة رواة الموطأ وغيره، وليس
فيه صفة الوضوء ثلاثا ولا اثنتين، وقد رواه جماعة عن هشام بن عروة
بإسناده عن عروة، عن حمران، عن عثمان، فذكروا فيه صفة الوضوء
المضمضة ، والاستنشاق، وغسل الوجه، واليدين ثلاثا، ثلاثا، واختلفوا
في ألفاظه ، منهم : شعبة ، وأبو أسامة ، وابن عيينة، وجماعة ، ورواه عن
عروة جماعة أيضا، منهم: أبو الزناد ، وأبو الأسود، وعبد الله بن أبي بكر ،
وفي حديثهم أن النبي - وَ ل ـ توضأ ثلاثا، ثلاثا(١).
حدثنا سعيد بن نصر ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن
إسماعيل الترمذي ، قال حدثنا الحميدي ، قال حدثنا سفيان ، قال حدثنا
هشام بن عروة، عن أبيه ، عن حمران، قال : توضأ عثمان بن عفان على
المقاعد ثلاثا، ثلاثا، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ول﴾ - يتوضأ، ثم
قال: سمعت رسول الله - وَلوه-يقول: ما من رجل يتوضأ، فيحسن
الوضوء ثم يصلي إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها (٢).
ففي هذا الحديث - والحمد لله - أن الصلاة تكفر الذنوب ، وهو تأويل
قول الله - عز وجل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: (١١٤)]، على
حسبما نزع به مالك - رحمه الله -؛ والقول في هذا - عندي - كالقول في
حديثه - وَله: الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، والعمرة الى العمرة كفارة
لما بينهما (٣)، فسبحان المتفضل المنعم المحسن هو الله وحده لاشريك له .
وقد روى هذا الحديث - أعني حديث الوضوء عن حمران - جماعة كثيرة
(١) خ (١/ ١٥٩/٣٤٤). م (١/ ٢٢٦/٢٠٤). د (١٠٦/٧٨/١). ن (٦٨/١ -٦٩ / ٨٤).
(٢) تقدم تخريجه تحت حديث الباب.
(٣) حم (٣٥٩/٢-٤٠٠-٤١٤-٤٨٤). م (٢٠٩/١ / ٢٣٣).
ت (٢١٤/٤١٨/١) من حديث أبي هريرة.