Indexed OCR Text

Pages 121-140

خصال الفطرة والشهور والسواك
٠١٢١
وذكر ابن إسحاق وغيره ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ،
عن ابن عباس ، عن أبي سفيان بن حرب - في حديث هرقل - أنه أصبح
مهموما يقلب طرفه إلى السماء ، فقال له بطارقته: لقد أصبحت أيها الملك
مهموما ؟ فقال لهم : إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد
ظهر، قالوا : لا يهمنك، إنا لا نعرف أمة تختتن إلا اليهود-وهم في
سلطانك و تحت یدیك ؛ فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك ،
فليضرب أعناق من تحت يديه من اليهود، واسترح من هذا الغم ؛ فبينا هم
على أمرهم ذلك ، إذ أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر
رسول الله - وَل؛ - فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم
لا ؟ فنظروا إليه ، فإذا هو مختتن ؛فسأله عن القوم ، فقال : هم يختتنون؛
فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر (١) - في حديث طويل. وتواترت
الروايات عن جماعة العلماء أنهم قالوا : ختن إبراهيم ابنه إسماعيل لثلاث
عشرة سنة ، وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام .
وروي عن فاطمة - رضي الله عنها - أنها كانت تختن ولدها يوم السابع.
وقال الليث بن سعد : يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر .
وقال ابن حنبل : لم أسمع في ذلك شيئا.
وقال الميموني : قلت لأبي عبد الله - يعني - أحمد بن حنبل - مسألة سئلت
عنها ختان ختن صبيا فلم يستقص ؟ قال : إذا كان الختان جاوز نصف
الحشفة إلى فوق فلا يعيد، لأن الحشفة تغلظ ؛ وكلما غلظت ، ارتفع
الختان؛ فأما إذا كان الختان دون النصف ، فكنت أرى أن يعيد ؛ قلت : فإن
الإعادة شديدة جدا، وقد يخاف عليه من الإعادة ؛ فقال: لا أدري ، ثم قال
(١) خ (١/ ٤٢- ٤٣ - ٧/٤٤)

فتح البر
=١٢٢
لي أحمد : فإن ههنا رجلا ولد له ابن مختون فاغتم لذلك غما شديدا ! فقلت
له : إذا كان الله قد كفاك هذه المؤونة، فما غمك بهذا؟ .
قال أبو عمر :
في هذا الباب حديث مسند غريب ، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد ،
حدثنا محمد بن عیسی ، حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف ، حدثنا
محمد بن ابي السري العسقلاني ، قال حدثني الوليد بن مسلم، عن شعيب
- يعني ابن ابي حمزة - عن عطاء الخراساني، عن عكرمة ، عن ابن عباس،
ان عبدالمطلب ختن النبي وَّ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدا .
قال يحيى بن ايوب : طلبت هذا الحديث فلم اجده عند احد من اهل
الحديث ممن لقيته الا عند ابن ابي السري (١).
وكره جماعة من العلماء الختان يوم السابع، فروي عن الحسن انه قال:
أکرهه خلافا عن اليهود .
وقال ابن وهب : قلت لمالك : أترى ان يختن الصبي يوم السابع ؟ فقال
: لا ارى ذلك ، إنما ذلك من عمل اليهود، ولم يكن هذا من عمل الناس
الا حديثا؛ قلت لمالك فما حد ختانه ؟ قال : إذا أدب على الصلاة ، قلت له
عشر سنين او ادنى من ذلك : قال : نعم . وقال: الختان من الفطرة .
وقال ابن القاسم : قال مالك : من الفطرة : ختان الرجال والنساء . قال
مالك : وأحب للنساء من قص الأظفار، وحلق العانة - مثل ما هو على
الرجال . ذكره الحارث بن مسكين ، وسحنون ، عن ابن القاسم . وقال
(١) فيه ابن أبي السري، وهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان القرشي
الهاشمي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال ابن عدي: كثير الغلط.
انظر تهذيب الكمال (٥٥٧٨/٣٥٨/٢٦). وفيه الوليد بن مسلم: وهو مدلس وقد عنعن.

خصال الفطرة والشعور والسواك
١٢٣ = ١
سفيان بن عيينة : قال لي سفيان الثوري : أتحفظ في الختان وقتا ؟ قلت : لا،
قلت: وأنت لا تحفظ فيه وقتا ؟ قال : لا .
واستحب جماعة من العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختتن، ذكر يونس
عن ابن شهاب قال : كان الرجل إذا أسلم أمر بالختان ، وإن کان کبیرا.
و کان عطاء یقول : لا یتم إسلامه حتى يختتن - وإن بلغ ثمانين سنة .
وروي عن ابن عباس، وجابر بن زيد، وعكرمة - أن الأغلف لا تؤكل
ذبيحته ، ولا تجوز شهادته، وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ
الذي یسلم أن لا يختتن، ولا یری به بأسا ، ولا بشهادته وذبيحته وحجه
وصلاته. وعامة أهل العلم على هذا ، ولا يرون بذبيحته بأسا .
قال أبو عمر :
حديث يزيد في حج الأغلف لا يثبت ، والصواب فيه ما عليه جماعة
العلماء ، فهذا ما بلغنا عن العلماء في الختان ؛ وأما قص الشارب ، فيذكر فيه
ما روینا عنهم في ذلك ، وبالله عوننا لا شريك له .
اختلف الفقهاء في قص الشارب وحلقه : فذهب قوم إلى حلقه
واستئصاله لقول النبي ◌َّ: احفوا الشارب - في حديث ابن عمر (١).
وقد حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن
ابن عمر قال: قال رسول الله ◌َّه: أنهكوا الشوارب، واعفوا اللحى(٢).
(١) م (١/ ٢٥٩/٢٢٢). ت (٢٧٦٣/٨٨/٥). ن (١٥/٢٢/١).
(٢) خ (٥٨٩٣/٤٣٠/١٠) بلفظ: ((انهكوا)». وانظر تخريجه من حديث ابن عمر بلفظ (أحفوا .. )
تحت الحدیث قبله.

فتح البر
١٢٤
وذهب آخرون إلى قصه، لحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب (١)،
ولما روي أن إبراهيم - عليه السلام - أول من قص شاربه(٢)، وقد أمر الله
نبيه ة - أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا. وقد أجمعوا أنه لا بد للمسلم من قص
شاربه أو حلقه، روى زيد بن أرقم عن النبي - 18َّ ـ قال: من لم يأخذ من
شاربه فليس منا(٣) .
حدثنا أحمد بن سعید بن بشر، قال حدثنا مسلمة بن القاسم، قال حدثنا
أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، قال حدثنا محمد بن عيسى المدائني، قال،
حدثنا شعیب بن حرب، قال حدثنا یوسف بن صهیب، عن حبيب بن
يسار، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله وَلي: من لم يأخذ من شاربه
فليس منا (٤).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه، أن قاسم بن أصبغ
حدثهم، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى- يعني
القطان، عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم،
قال: قال رسول الله قليل: من لم يأخذ من شاربه فليس منا(٥).
وروى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن
رسول الله ◌َ﴾ كان يقص شاربه، ويذكر أن إبراهيم كان يقص شاربه(٦).
وروته طائفة، منهم زائدة عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس
موقوفا.
(١) سبق تخريجه من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: ((خمس من الفطرة .. ))
(٢) تقدم في الباب نفسه.
(٣) ت (٢٧٦١/٨٧/٥) وقال هذا حديث حسن صحيح. ن (١٣/٢٢/١).
حب: الإحسان (١٢ / ٥٤٧٧/٢٩٠).
(٤)و(٥) تقدم تخريجه.
(٦) حم (٣٠١/١). ت (٢٧٦٠/٨٦/٥). وقال: هذا حديث حسن غريب. الطحاوي في ((شرح
المعاني)» (٢٣٠/٤).

خصال الفطرة والشهور والسواك
١٢٥ -
وأما اختلاف الفقهاء في قص الشارب وحلقه. فقال مالك في الموطأ:
يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة- وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل
بنفسه.
وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وتحفى الشوارب وتعفى اللحى، وليس
إحفاء الشارب حلقه، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه.
وقال ابن القاسم عنه: إحفاء الشوارب- عندي - مثلة.
قال مالك: وتفسير حديث النبي وَله في إحفاء الشوارب، إنما هو
الإطار، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه.
وذكر أشهب عن مالك أنه قال في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى أن
یوجع ضربا من فعله.
وقال مالك: کان عمر بن الخطاب إذا کربه أمر نفخ، فجعل رجل يراده
- وهو یفتل شاربه.
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد بن
فطيس، قال حدثنا يحيى بن إبراهيم، قال حدثنا أصبغ بن الفرج، قال
حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه،
قال السنة في الشارب الإطار. قال الطحاوي: ولم نجد عن الشافعي شيئا
منصوصا في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم: المزني، والربيع، كانا يحفيان
شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذا ذلك عن الشافعي. قال: وأما أبو
حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب:
أن الإحفاء أفضل من التقصير.
وذكر ابن خواز بنداد عن الشافعي - أن مذهبه في حلق الشارب
کمذهب أبي حنيفة سواء.

فتح البر
٠١٢٦٠
=
وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا، وسمعته يسأل
عن السنة في إحفاء الشوارب، فقال: يحفى كما قال النبي وتلقى: أحفوا
الشوارب(١).
وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد: قال: لا أحب لأحد أن يحلق شاربه
جدا حتى يبدو الجلد- وأكرهه، ولكن يقصر الذي على طرف الشارب،
وأكره أن يكون طويل الشاربين.
قال أبو عمر:
روت عائشة (٢) وأبو هريرة (٣) عن النبي وَليّ: عشر من الفطرة، منها:
قص الشارب. وفي إسنادیهما مقال. وكذلك حديث عمار بن ياسر (٤) في
ذلك أيضا، وأحسن ذلك: ما حدثناه عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن
بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا یحیی بن معین، حدثنا و کیع، عن زکریا بن أبي
زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن أبي الزبير، عن
عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء
اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم،
ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء- يعني الاستنجاء بالماء(٥). قال
زكريا: قال مصعب: نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
(١) تقدم في الباب نفسه.
(٢) و(٥) م (٢٦١/٢٢٣/١). د (٤٤/١-٥٣/٤٥). ت (٢٧٥٧/٨٥/٥).
ن (٥٠٥٥/٥٠١/٨). جه (١٠٧/١/ ٢٩٣) كلهم من حديث عائشة. قال الزيلعي في «نصب
الراية)) (٧٦/١): ((وهذا الحديث وإن كان مسلم أخرجه في «صحيحه)) ففيه علتان، ذكر هما
الشيخ تقي الدين في ((الإمام)) وعزاهما لابن منده. إحداهما: الكلام في مصعب بن شيبة. قال
النسائي في سننه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ولا يحمدونه. الثانية: أن سلیمان
التيمي رواه عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير مرسلا. هكذا رواه النسائي في ((سننه)). ورواه
أيضا عن أبي بشر عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير مرسلا. قال النسائي: وحديث التيمي وأبي
بشر أولى وأبو مصعب منكر الحديث. انتهى. ولأجل هاتين العلتين لم يخرجه البخاري، ولم
يلتفت مسلم إليهما، لأن مصعبا عنده ثقة. والثقة إذا وصل حديثا يقدم وصله على الإرسال)).
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه من حديث أبي هريرة بلفظ:
((خمس من الفطرة ... )) و ((الفطرة خمس.))
(٤) من حديث عمار بن ياسر: د (٤٥/١-٥٤/٤٦). جه (٢٩٤/١٠٧/١).

خصال الفطرة والشهور والسواك
١٢٧
قال الطحاوي: وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله وَ لل أخذ من شاربه
على سواك(١)، وهذا لا يكون معه إحفاء.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَالله يجز شاربه(٢).
قال: وهذا الأغلب فيه الاحفاء- وهو محتمل الوجهين.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ◌َّي قال: أحفوا الشوارب، وأعفوا
اللحى(٣).
.٦
وروى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي وَل
قال: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى)) (٤)، قال: وهذا يحتمل الإحفاء
أيضا.
وقد روى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ أنه
قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى(٥). فبان أن الجز في حديثه الآخر:
الإحفاء.
وذكر الطحاوي هذه الآثار كلها بأسانيدها من طرق، وذكر أيضا
بالأسانید عن أبي سعيد الخدري، وأبي أسید، ورافع بن خديج، وسهل بن
سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، أنهم كانوا يحفون
شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يحفي شاربه-
کأنه ینتفه. وقال بعضهم: حتی یری بیاض الجلد.
وقال الطحاوي: لما كان التقصير مسنونا عند الجميع في الشارب، كان
الحلق فيه أفضل- قياسا على الرأس، قال: وقد دعا رسول الله وَلجيه:
(١) حم (٤/ ٢٥٢). د (١ / ١٣١ - ١٨٨/١٣٢). البيهقي (١ / ١٥٠). الطحاوي (٢٣٠/٤).
(٢) و(٣) و(٥) تقدم في الباب نفسه.
(٤) حم (٢٢٩/٢-٣٥٦-٣٦٥-٣٦٦ -٣٨٧). م (١ / ٢٢٢ /٢٦٠). الطحاوي (٤ /٢٣٠)
كلهم من حديث أبي هريرة.

فتح البر
=١٢٨
للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة(١)، فجعل حلق الرأس أفضل من
تقصيره، فكذلك الشارب، قال: وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل
شاربه إذا غضب أو اهتم، فجائز أن یکون کان یترکه حتی یمکن فتله، ثم
یحلقه كما تری کثیرا من الناس يفعله.
قال أبو عمر:
إنما في هذا الباب أصلان، أحدهما: أحفوا الشوارب، وهو لفظ مجمل
محتمل للتأويل، والثاني قص الشارب- وهو مفسر، والمفسر يقضي على
المجمل - مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه. وقال رسول الله
وَله قص الشارب من الفطرة(٢) - يعني فطرة الإسلام، وهو عمل أهل
المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
وقد كان أبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم يقول: الشارب إنما هو أطراف
الشعر الذي يشرب به الماء، قال: وإنما اشتق له لفظ شارب لقربه من
موضع شرب الماء.
وذكر خبر سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله وَله
يقص من شاربه، وكان إبراهيم خليل الله يقص شاربه، أو من شاربه.
وهذا الحديث حدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يحيى بن
آدم، عن حسن بن صالح، عن سماك- فذكره.
وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا و کیع، عن مسعر، قال:
(١) خ (٧١٥/٣-١٧٢٧/٧١٦). م (١٣٠١/٩٤٥/٢). د (١٩٧٩/٤٩٩/٢).
(٢) خ (٥٨٨٨/٤١٠/١٠) بلفظ: ((من الفطرة قص الشارب)) بدل: ((قص الشارب من الفطرة)).

خصال الفطرة والشهور والسواك
١٢٩ =
حدثني أبو صخرة، عن المغيرة بن عبد الله الثقفي، عن المغيرة بن شعبة،
قال: ضفت رسول الله وَ ل﴿ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوي، ثم أخذ الشفرة
فجعل يحز منها، فجاء بلال فآذنه بالصلاة، فألقى الشفرة فقال: ماله تربت
يداه. وكان شاربي قد وفى بعضه، فقصه لي على سواك(١).
وروى ابن وهب عن حي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن
الحبلي، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن إبراهيم أول رجل اختتن،
وأول رجل قص شاربه، وقلم أظافره، واستن وحلق عانته.
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس
- في قوله: ﴿﴿ وَإِذِ أَبْتَلَىَ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: ابتلاه الله
بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد: قص الشارب، والمضمضة،
والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس؛ وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق
العانة، والاختتان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء(٢).
وذكر مطر عن أبي العالية، قال: ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في
الإنسان سنة: ((الاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، ونتف الإبط،
وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر
والفرج))(٣). فهذا ما انتهى إلينا في قص الشارب وحلقه، وقد روی هشيم
عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: من السنة:
قص الاظفار، والأخذ من الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، وأخذ
العارضين .- ولم أجد أخذ العارضين إلا في هذا الخبر، وسيأتي ذكر إعفاء
(١) تقدم في الباب نفسه.
(٢) ك (٢٢٦/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ابن
جرير في التفسير (٥٢٤/١).
(٣) ابن جرير في تفسيره (١/ ٥٢٥).

فتح البر
=١٣٠
اللحية والحكم في ذلك في باب أبي بكر بن نافع من هذا الكتاب- إن شاء
الله.
وأما قص الاظفار وحلق العانة، فمجتمع على ذلك أيضا، إلا أن من
أهل العلم من وقت في حلق العانة أربعين يوما، وأكثرهم على أن لا توقيت
في شيء من ذلك- وبالله التوفيق. ومن وقت ذهب إلى حديث حدثناه أحمد
ابن فتح، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد بن ثرثال، قال حدثنا الحسن
ابن الطيب، قال حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي، وقطن بن بشير،
قالا حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك،
قال: وقت لنا رسول الله وَله في حلق العانة، وقص الشارب، وتقليم
الاظفار، ونتف الإبط في كل أربعين يوما(١). وهذا الحديث ليس بالقوي
من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم، وذكره سنيد قال: حدثنا جعفر بن
سليمان عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، قال: وقت لنا- فذكره
سواء- ولم يقل رسول الله وَلو(٢).
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا أبو معاوية الغلابي غسان بن المفضل، قال حدثنا
عمر بن علي بن مقدم، قال: قال سفيان بن حسين، أتدري ما السمت
الصالح؟ ليس هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب؛ وإنما هو لزوم طريق
القوم، إذا فعل ذلك، قيل: قد أصاب السمت، وتدري ما الاقتصاد؟ هو
المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير.
(١) د (٤٢٠٠/٤١٣/٤). ت (٢٧٨٩/٨٦/٥) وقال: هذا أصح من الحديث الأول، وصدقة بن
موسى ليس عندهم بالحافظ. ن (٢٢/١/ ١٤). كلهم بلفظ: ((وقت لنا رسول الله
◌َ لخ ... الحديث)). (وأصله في صحيح مسلم، انظر الحديث بعده).
(٢) م (١/ ٢٥٨/٢٢٢). جه (٢٩٥/١٠٨/١). كلاهما بلفظ: ((وقت لنا في قص الشارب ...
الحديث)). وقال أبو داود (٤١٤/٤): ((وهذا أصح)).

خصال الفطرة والشعور والسواك
١٣١ -
باب منه
[٢] مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: سمعت أبا هريرة
يقول: اختتن إبراهيم ◌َّ بالقدوم وهو ابن مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ذلك
ثمانين سنة(١).
مثل هذا لا يكون رأيا، وقد تابع مالكا على توقيف هذا الحديث جماعة
عن يحيى بن سعيد، منهم: يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن مسهر.
ورواه الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَل: اختتن إبراهيم وهو ابن عشرين ومائة
سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة (٢).
وروي مسندا من غير رواية يحيى بن سعيد من وجوه ، منها: ما ذكره
ابن بكير ، عن الليث ، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
رسول الله وَخلا قال : اختتن إبراهيم حين بلغ ثمانين سنة، واختتن
بقدوم(٣).
قال ابن بكير : وحدثني بمثلها عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، عن النبي وَله .
وروى يحيى القطان ، عن ابن عجلان سمع أباه سمع أبا هريرة عن
النبي ﴾﴾ مثله.
(١) خ في الأدب المفرد (١٢٥٠). ك (٥٥١/٢).
(٢) حب: الإحسان (١٤ /٨٤ /٦٢٠٤) هكذا مرفوعا. وقال الشيخ الألباني: ((وهو منكر)) وصوّب
وقفه. انظر (صحيح الأدب المفرد)) ص: ٤٨٣.
(٣) خ (٦ /٣٣٥٦/٤٧٨). م (٢٣٧٠/١٨٣٩/٤) من حديث أبي هريرة.

فتح البر
١٣٢=
ورواه المغيرة بن عبد الرحمن، وورقاء بن عمر اليشكري، عن أبي الزناد،
عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر.
إلا أن حديث أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة ، مرفوعا: أن
إبراهيم اختتن بعدما مر عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم(١).
حدثنا عبدالله بن محمد بن يوسف ، حدثنا عبيد الله محمد بن أبي غالب
بمصر، حدثنا محمد بن محمد بن بدر حدثنا، رزق الله بن موسى ، حدثنا
شبابة بن سوار، حدثنا ورقاء بن عمر عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي
هريرة أن النبي ◌ُّ قال: اختتن إبراهيم بعدما مر عليه ثمانون سنة،
واختتن بالقدوم(٢).
وذكر المروزي حديث الأوزاعي عن أبي الوليد احمد بن عبد الرحمن،
قال حدثنا الوليد، قال أخبرني أبو عمرو - يعني الأوزاعي - عن يحيى بن
سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلقوله:
اختتن إبراهيم- وهو ابن عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين
سنة(٣).
قال: وحدثنا أبو قدامة، قال حدثنا يحيى، عن يحيى بن سعيد عن سعيد
ابن المسيب، قال: سمعت أبا هريرة يقول: اختتن إبراهيم - وهو ابن
عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة (٤).
قال: وحدثنا همام، قال حدثنا علي بن مسهر، عن یحیی بن سعيد، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: اختتن إبراهيم بالقدوم- وهو ابن
(١) و(٢) سبق تخريجه تحت الحديث قبله.
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٤) انظر تخريجه تحت حديث الباب.

خصال الفطرة والشهور والسواك
١٣٣=
عشرين ومائة سنة. قال سعيد: وهو أول من اختتن، وأول من أضاف
الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم الأظفار، وأول من قص
الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال:
یا رب زدني وقارا(١).
قال: وحدثنا أبو كامل، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثني عمارة،
قال حدثني عكرمة، قال: أوحى الله إلى إبراهيم إنك قد أكملت الإسلام
إلا بضعة منك فألقها، فقدم يختن نفسه بالفأس، فصرف بصره عن عورته
أن ينظر إليها. قال عكرمة: واختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة، قال: ولم
يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختون.
قال أبو عمر:
هكذا قال عكرمة في إبراهيم إنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وقد قاله
المسيب بن رافع، كذلك ذكر المروزي، قال حدثنا محمد بن الصباح،
حدثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيب بن رافع: أوحى الله إلى إبراهيم أن
تطهر فتوضأ، فأوحى الله إليه أن تطهر، فاغتسل، فأوحى الله إليه أن تطهر
فاختتن بالقدوم- بعد ثمانين سنة. وهذا هو المحفوظ في حدیث عجلان
وحديث الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ وقد مضى القول في الختان
في باب سعيد بن أبي سعيد، وتقصينا هنالك ما للعلماء في ذلك.
وفي هذا الحديث دليل على جواز القول في سير الأنبياء والصالحين، وفي
معنى ذلك الحديث عن الماضين وأيام الناس جملة - وبالله التوفيق.
قرأت على أبي عمر أحمد بن محمد بن أحمد - أن أبا عبد الله محمد بن
عیسی حدثهم، قال: سأل رجل يحيى بن أيوب بن بادي العلاف- ونحن
(١) مضى تخريجه.

فتح البر
_= ١٣٤
عنده- عن ختان النبي ◌َّيه فقال: قد طلبت ذلك عند أكثر من لقيت ممن
كتبت عنه، فلم أجده حتى أتيت محمد بن أبي السري العسقلاني في سفرتي
الثانية، فسألته عنه عند توديعي له- منصرفا، فقال: حدثني الوليد بن
مسلم، عن شعيب، عن عطاء الخرساني، عن عكرمة، عن ابن عباس أن
عبد المطلب ختن النبي ◌َّ - يوم سابعه- وجعل له مأدبة، وسماه
محمدا(١)، وقد قيل: إن النبي ◌َّ - ولد مختونا- فالله أعلم، وقد ذكرنا ما
للعلماء في هذا المعنى مجودا في باب سعيد بن أبي سعيد عند قوله عليه
السلام خمس من الفطرة، فذكر منها الختان.
(١) فيه ابن أبي السري، وهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان القرشي
الهاشمي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم : لين الحديث. وقال ابن عدي: كثير الغلط.
انظر ( تهذيب الكمال)» (٥٥٧٨/٣٥٨/٢٦). وفيه الوليد بن مسلم: وهو مدلس وقد عنعن.

خصال الفطرة والشعور والسواك
١٣٥ -
باب منه
[٣] مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَل
أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى(١).
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه
عن ابن عمر، وكذلك رواه جماعة الرواة عنه ، إلا أن بعض رواة ابن بكير
رواه عن ابن بكير عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، وكذلك بعض رواة
ابن وهب أيضا رواه عن ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، وهذا
لا يصح عند أهل العلم بحديث مالك، وإنما هذا الحديث لمالك عن أبي
بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر ؛ هذا هو الصحيح عن مالك في إسناد
هذا الحديث كما رواه يحيى وسائر الرواة عن مالك.
حدثنا أحمد بن عبدالله بن محمد ، قال حدثني أبي ، قال حدثنا محمد بن
قاسم ، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني،
حدثنا ابن وهب ، قال أخبرني مالك ، وعبدالله عن نافع عن ابن عمر أن
رسول الله لا قال: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى(٢).
وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا محمد بن
قاسم ، قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال حدثنا هارون بن عبد الله ، قال
حدثنا معن بن عیسی وروح بن عبادة ، وعبد الله بن نافع ، قالوا حدثنا
مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أن النبي - وَل ـ أمر
بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى(٣).
(١) م (١ / ٢٥٩/٢٢٢ [٥٣]). د (٤١٩٩/٤١٣/٤). ت (٢٧٦٤/٨٨/٥). كلهم من حديث
ابن عمر.
(٢) م (١/ ٢٥٩/٢٢٢). ت (٢٧٦٣/٨٨/٥). ن (١٥/٢٢/١) بلفظ «أحفوا .. ».
خ (٥٨٩٣/٤٣٠/١٠) بلفظ: ((أنهكوا .. )).
(٣) تقدم تحت حديث الباب.

١٣٦٥
فتح البر
وحدثنا سعید ، حدثنا قاسم ، حدثنا محمد ، حدثنا أبو بكر، حدثنا
عبدة، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال قال رسول الله
وَاليه : أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى(١). فقال أهل اللغة: أبو عبيد
والأخفش وجماعة : الإحفاء الاستئصال، والإعفاء: ترك الشعر لا يحلقه .
والى هذا ذهبت طائفة من علماء المسلمين وفقهائهم من أصحاب أبي حنيفة
والشافعي وغيرهم .
وروي عن أبي سعيد الخدري ، وأبي أسيد الساعدي، ورافع بن خديج ،
وقيس بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة- أنهم
كانوا يحفون شواربهم، وكان عبد الله بن عمر يحلقه حتى يبدو الجلد ؛
وكان أحمد بن حنبل يحفي شاربه إحفاء شديدا ويحلقه حتى يبدو جلده،
ويقول: السنة الإحفاء- كما قال رسول الله وقلقه ولم يحك ذلك عنه الأثرم
وغيره.
ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن الذي يحفى من الشارب هو الإطار-
وهو طرف الشفة العليا، وأصل الإطار جوانب الفم المحدقة به مع طرف
الشارب المحدق بالفم، وكل شيء يحدق بشيء ويحيط به فهو إطاره، وحجة
من ذهب هذا المذهب: قول رسول الله ويتلقى: خمس من الفطرة(٢)- فذكر
منهن قص الشارب، وقوله: قص الشارب يفسر قوله إحفاء الشوارب-
والله أعلم.
وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا مسلمة بن القاسم، قال
حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا محمد بن عيسى المدائني، حدثنا شعيب بن
(١) مضى تخريجه في الباب نفسه.
(٢) خ (١٠/ ٥٨٨٩/٤١١). م (٢٥٧/٢٢١/١). د (٤/ ٤١٩٨/٤١٢).
ت (٢٧٥٦/٨٥/٥). ن (٩/٢٠/١). جه (٢٩٢/١٠٧/١).

خصال الفطرة والشهور والسواك
١٣٧ -
حرب، قال حدثنا يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن
أرقم، قال: قال رسول الله وَله: من لم يأخذ من شاربه فليس منا (١).
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد بن
قاسم، قال حدثنا مالك بن عیسی، حدثنا محمد بن عوف، قال حدثنا
جنادة بن مروان الأزدي، عن حريز بن عثمان، عن عبد الله بن بسر، قال:
کان شارب رسول الله ێ﴾ بحیال شفته.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا
مسعر، عن جامع بن شداد أبي صخرة، عن المغيرة بن عبد الله الثقفي، عن
المغيرة بن شعبة، قال: ضفت النبي ◌َّ﴾ ذات ليلة وأمر لي بجنب فشوي،
وأخذ من شاربي على سواك(٢).
وأما قوله: وإعفاء اللحى، فقال أبو عبيد: يعني توفر وتكثر، يقال
منه: عفا الشعر إذا كثر فهو عاف، وقد عفوته وأعفيته لغتان، قال الله:
﴿ حَّ عَفَواْ﴾ [الأعراف: (٩٥)] يعني كثروا، وهذه اللفظة متصرفة، يقال في
غير هذا: عفا الشيء إذا درس وانمحى.
قال لبيد: عفت الديار محلها فمقامها.
هذا کله قول أبي عبيد.
وقال ابن الأنباري: يقال: عفا الشيء يعفو عفوا إذا كثر، وقد عفوته
أعفوه وأعفيته أعفيه إعفاء إذا كثَّرته، وعفا القوم إذا كثروا، وعفوا إذا
(١) ت (٢٧٦١/٨٧/٥) وقال هذا حديث حسن صحيح. ن (١٣/٢٢/١).
حب: الإحسان (١٢ / ٥٤٧٧/٢٩٠).
(٢) حم (٤/ ٢٥٢). د (١ / ١٣١ - ١٨٨/١٣٢). البيهقي (١/ ١٥٠).
الطحاوي (٤ /٢٣٠).

فتح البر
١١١ = ١٣٨
قلوا - وهو من الأضداد، والعافي: الطالب، والعافي عن الجرم. قال
الله - عز وجل: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلَيَصْفَحُوْاْ﴾ [النور: (٢٢)].
قال أبو عمر:
أما اللغة في: اعفوا- فمحتملة للشيء وضده كما قال أهل اللغة،
واختلف أهل العلم في الأخذ من اللحية، فكره ذلك قوم وأجازه آخرون.
وأخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد بن
فطيس، قال حدثنا يحيى بن إبراهيم، قال حدثنا أصبغ، عن ابن القاسم،
قال: سمعت مالكا يقول: لا بأس أن يؤخذ ما تطايل من اللحية وشذ،
قال: فقيل لمالك: فإذا طالت جدا فإن من اللحى ما تطول، قال: أرى أن
يؤخذ منها وتقصر.
وقد روى سفيان عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر - أنه كان
يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة.
وذكر الساجي حدثنا بندار، وابن المثنى، قالا حدثنا عبد الوهاب،
حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - أنه كان إذا قصر من لحيته
في حج أو عمرة كان يقبض عليها ويأخذ من طرفها ما خرج من القبضة.
قال أبو عمر:
هذا ابن عمر روى: اعفوا اللحى - وفهم المعنى، فكان يفعل ما وصفنا.
وقال به جماعة من العلماء في الحج وغير الحج.
وروى ابن وهب قال أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب في قوله :
﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوْ تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، قال: رمي الجمار وذبحالذبيحة، وحلق
الرأس، والأخذ من الشارب واللحية والأظفار، والطواف بالبيت وبالصفا

خصال الفطرة والشهور والسواك
١٣٩
والمروة(١). وكان قتادة يكره أن يأخذ من لحيته إلا في حج أو عمرة، وكان
يأخذ من عارضيه، وكان الحسن يأخذ من طول لحيته، وكان ابن سيرين لا
یری بذلك بأسا.
وروى الثوري، عن منصور، عن عطاء أنه كان يعفي لحيته إلا في حج أو
عمرة، قال منصور: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كانوا يأخذون من
جوانب اللحية.
(١) ابن جرير في تفسيره (١٤٩/١٧).

١٤٠
فتح البر
ما جاء في إكرام الشعر
[٤] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره قال: كان رسول الله وَله
في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحیة، فاشار الیه رسول الله ێ بیده ان
اخرج كأنه يعني اصلاح شعر رأسه ولحيته ففعل الرجل ثم رجع، قال رسول الله
وَلّ: أليس هذا خيرا من ان يأتي احدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟!(١).
قوله في هذا الحدیث: ثائر الرأس، يعني ان شعره مرتفع شعث غیر
مرجل، وأصل الكلمة في اللغة الظهور والخبال، ومنه أخذ الثائر والثورة.
ولا خلاف عن مالك ان هذا الحديث مرسل، وقد يتصل معناه من
حديث جابر وغيره.
وفيه إباحة اتخاذ الشعر، والوفرات، والجمم، لانه لم يأمره بحلقه، وفيه
الحض على ترجيل شعر الرأس واللحية، وكراهية إهمال ذلك، والغفلة عنه
حتی یتشعث ويسمج.
وهذا عندي أصل في اباحة التزين والتنظف كله، ما لم يتشبه الرجل في
ذلك بالنساء، وإنما استثنيت ذلك لقول رسول الله وله: لعن الله المتشبهين
من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال(٢). وهذا على العموم،
إلا أن يخصه عنه شيء ◌َّ فالتزين والتنظف مباح بهذا الحديث وغيره، ما لم
يكن اسرافا وتنعما، وتشبها بالجبارين، يدلك على ذلك قوله ولي : البذاذة
من الايمان(٣). وقد جاء عنه وَل انه نهى عن الترجِّل الاغبا (٤) -من
(١) قال الحافظ في الفتح (٤٤٩/١٠) وهو مرسل صحيح السند.
(٢) حم (٣٣٩/١). خ (٥٨٨٥/٤٠٨/١٠). د (٣٥٤/٤ -٤٠٩٧/٣٥٥). ت (٩٨/٥ /٢٧٨٤).
جه (١ / ١٩٠٤/٦١٤). من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) د (٤ / ٣٩٣ - ٣٩٤/ ٤١٦١) مطولا. جه (٢ /٤١١٨/١٣٧٩). ك (٩/١) وقال: قد احتج مسلم
بصالح بن أبي صالح السمان ووافقه الذهبي.
(٤) سيأتي تخريجه في الباب نفسه.