Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
حدثنا معمر، عن قتادة، عن جابر بن زيد، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال:
الهر من متاع البيت، والطواف والخادم(١).
[الواقعة: (١٧)]، أي يخدمهم
ومن ذلك قوله: ﴿يَطُوفُ عَلِمْ وِلْدَنٌ
ولدان، ويترددون عليهم بما يشتهون، وطهارة الهر، تدل على طهارة
الكلب، وأن ليس في حي نجاسة سوى الخنزير، والله أعلم، لأن الكلب من
الطوافين علينا، ومما أبيح لنا اتخاذه في مواضيع الأمور، وإذا كان حكمه
كذلك في تلك المواضيع، فمعلوم أن سؤره في غير تلك المواضيع، کسؤره
فيها، لأن عينه لا تنتقل.
ودل ما ذكرنا، على أن ما جاء في الكلب، من غسل الإناء من ولوغه
سبعا، أنه تعبد واستحباب، لأن قوله وَ﴾ في الهر ((إنها ليست بنجس إنها من
الطوافين عليكم))، بيان أن الطوافين علينا، ليسوا بنجس في طباعهم،
وخلقتهم، وقد أبيح لنا اتخاذ الكلب للصيد، والغنم، والزرع أيضا، فصار
من الطوافين علينا، والاعتبار أيضًا يقضي بالجمع بينهما، لعلة أن كل واحد
منهما، سبع يفترس ويأكل الميتة، فإذا جاء نص في أحدهما، كان حكم نظيره
حكمه، ولما فارق غسل الإناء من ولوغ الكلب سائر غسل النجاسات
كلها، علمنا أن ذلك ليس لنجاسة، ولو كان لنجاسة سلك به سبيل
النجاسات، في الإنقاء من غير تحديد وأما قول من قال: إنه ليس في حديث
أبي قتادة ما يدل، من قول رسول الله وَلة، على طهارة الهر، وزعم أن أبا
قتادة هو القائل أنها ليست بنجس، ثم قال: قال رسول الله وَله: ((إنها من
الطوافین علیکم))، فإنه شبهه علیه برواية من روی هذا الحديث، عن
إسحاق وغيره فقال فيه، عن أبي قتادة أنها ليست بنجس، وقال: قال أبو
قتادة، قال رسول الله قال: ((هي من الطوافين عليكم)). قال: ويكون
(١) عبد الرزاق (٣٥٨/١٠٢/١).
٢٢
فتح البر
الطوافون علينا، ينجسون الماء، قال: فقول أبي قتادة أنها ليست بنجس، لم
يضفه إلى رسول الله وَله، وإنما أضاف إلى رسول الله وَ ل قوله: إنها من
الطوافين.
قال أبو عمر: هذا اعتلال لا معنى له، لأن حديث مالك، وهو أصح
الناس له نقلاً عن إسحاق، فیه أن رسول الله ێ، قال: إنها ليست بنجس،
إنها من الطوافين عليكم. وفي هذا بيان جهله بحديث مالك، ثم يقول: إن
ذلك لو كان كما ذكر، من قول أبي قتادة، ولم يكن مرفوعًا، لكنا أسعد
بالتأويل منه، لأن أباقتادة إنما خاطبها بما فهمه عن رسول الله وَّةٍ، في الهر،
ومن شهد القول، وعرف مخرجه، سلم له في التأويل. والنجاسة في
الحيوان، أصلها مأخوذ من التوقيف، لا من جهة الرأي، فاستحال أن
يكون ذلك رأي أبي قتادة، مع أن رواية مالك في طهارة الهر مرفوعة، ومن
خالف مالكا فوقفها، ليس بحجة فيما قصر عنه على مالك، ومالك عليه
حجة، عند جميع أهل النقل، إن شاء الله.
وما أعلم أحدا قط أسقط من حديث أبي قتادة هذا قوله عن النبي وَالله
أنها ليست بنجس، إلا ما ذكره أسد بن موسى عن حماد بن سلمة، عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي قتادة، أنه كان يصغى الإناء
للسنور، فيلغ فيه، ثم يتوضأ منه، ويقول: قال رسول الله وَّةٍ: ((هي من
الطوافين والطوافات عليكم)) (١)، وما رواه أيضا أسد، عن قيس بن الربيع،
عن كعب بن عبد الرحمن، عن جده أبي قتادة، نحوه، وهذان لا يحتج بهما،
لانقطاعهما وفسادهما، وتقصیر رواتهما عن الاتقان، في الاسناد، والمتن.
(١) حم (٣٠٩/٥) من طريق الحجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. بلفظ ((السنور
من أهل البيت، وإنه من الطوافين أو الطوافات عليكم)). وذكره الهيثمي في ((المجمع))
(٢٢١/١-٢٢٢) وقال: ((رواه أحمد : - وهو في السنن خلا قوله السنور من أهل البيت- وهو
من رواية عبد الله عن أبيه، ورجاله ثقات غير أن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ثقة مدلس)).
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
٢٣
=
وقد روى هذا الحديث جماعة عن إسحاق، كما رواه مالك، منهم همام
ابن يحيى، وحسين المعلم، وهشام بن عروة، وابن عيينة، وإن كان هشام،
وابن عيينة، لم يقيما إسناده، وهؤلاء كلهم، يقولون في هذا الحديث، عن
النبي ◌َّ، أنه قال: إنها ليست بنجس، وإن كان بعضهم يخالف في إسناده،
فمالك ومن تابعه، قد أقام إسناده وجوده، وقد روی إسحاق بن راهويه،
عن الدراوردي، عن أسيد بن أبي أسيد، عن أمه، عن أبي قتادة، عن النبي
وَّة، مثله قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم(١).
ومن أسقط من حديث أبي قتادة، عن النبي عليه السلام، قوله «انها
ليست بنجس))، فلم يحفظ وقد ثبت ذلك بنقل الحفاظ الثقات، وبالله
التوفيق، وقد روي عن عائشة، عن النبي ◌َّقة، أنه كان يمر به الهر، فيصغي
لها الإناء، فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها(٢).
وممن روينا عنه أن الهر ليس بنجس، وأنه لا بأس بفضل سؤره
للوضوء، والشرب، العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وابن
عباس، وابن عمر، وعائشة، وأبو قتادة، والحسن، والحسين، وعلقمة،
وإبراهیم، وعكرمة، وعطاء بن يسار.
واختلف في ذلك عن أبي هريرة، والحسن البصري، فروى عطاء، عن
أبي هريرة، أن الهر كالكلب، يغسل منه الإناء سبعًا(٣)، وروى أبو صالح
ذكوان، عن أبي هريرة، قال: السنور من أهل البيت.
(١) حم (٢٩٦/٥-٣٠٣-٣٠٩). د (١ / ٦٠/ ٧٥). ت (١ / ١٥٣ / ٩٢). وقال حديث حسن
صحيح. ن (١ /٦٨/٥٨). جه (١٣١/١/ ٣٦٧).
(٢) الدار قطني (٦٦/١-٦٧) وفيه عبد ربه وهو عبد الله بن سعيد المقبري قال الحافظ في التقريب
(متروك) (٣٣٦٧/٤٩٧/١). الطحاوي في ((شرح المعاني)» (١٩/١) وفيه صالح بن حسان.
قال الحافظ في «التقريب)) (٢٨٦٠/٤٢٧/١) متروك. وروى أبو داود نحوه خلا إصغاء الإناء
لها - (١/ ٧٦/٦١) بسند صحيح.
(٣) ابن أبي شيبة (٣٣٩/٣٧/١). الدار قطني (٦٨/١) وقال: هذا موقوف ولا يثبت عن أبي
هريرة.
فتح البر
٢٤
=
وروی أشعث عن الحسن أنه کان لا یری بأسًا بسؤر السنور، وروى
يونس، عن الحسن، أنه قال: يغسل الإناء من ولوغه مرة، وهذا يحتمل أن
يكون رأى في فمه أذى، ليصح مخرج الروايتين عنه، ولا نعلم أحدًا من
أصحاب رسول الله ټټ، روى عنه في الهر، أنه لا يتوضأ بسؤره، إلا أبا
هريرة، على اختلاف عنه.
وأما التابعون، فروينا عن عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، ومحمد
ابن سيرين، أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فیه اهر، وغسل الإناء منه، وسائر
التابعين، بالحجاز، والعراق يقولون في الهر: أنه طاهر، لا بأس بالوضوء
بسؤره.
وروى الوليد بن مسلم، قال: أخبرني سعيد، عن قتادة، عن ابن المسيب
والحسن أنهما كرها الوضوء بفضل الهر، قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي
عمرو الأوزاعي، ومالك بن أنس، فقالا توضأ به، فلا بأس به، وإن
وجدت غيره.
قال أبو عمر: الحجة عند التنازع والاختلاف، سنة رسول الله ێلآ، وقد
صح عنه، من حديث أبي قتادة، في هذا الباب، ما ذكرنا. وعليه اعتماد
الفقهاء في كل مصر، الا أبا حنيفة، ومن قال بقوله، قال أبو عبد الله محمد
ابن نصر المروزي، الذي صار إليه جل أهل الفتوى، من علماء الأمصار، من
أهل الأثر والرأي جميعا، إنه لا بأس بسؤر السنور اتباعا للحديث الذي
رويناه يعني عن أبي قتادة، عن النبي وَثل.
قال: وممن ذهب إلى ذلك، مالك بن أنس، وأهل المدينة، والليث بن
سعد، فيمن وافقه، من أهل مصر، والمغرب، والأوزاعي في أهل الشام،
وسفيان الثوري فيمن وافقه من أهل العراق، قال: وكذلك قول الشافعي
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
٢٥ =
وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة، وجماعة
أصحاب الحديث، قال: وكان النعمان یکره سؤره، وقال إن کان توضأ به
أجزأه، وخالفه أصحابه، فقالوا لا بأس به.
قال أبو عمر: ما حكاه المروزي، عن أصحاب أبي حنيفة، فليس كما
حكاه عندنا، وإنما خالفه من أصحابه، أبو يوسف وحده، وأما محمد،
وزفر، والحسن بن زياد، فيقولون بقوله، وأكثرهم يروون عنه، أنه لا
يجزئ الوضوء بفضل الهر، ويحتجون لذلك ويروون عن أبي هريرة، وابن
عمر، أنهما كرها الوضوء بسؤر الهر، وهو قول ابن أبي ليلى.
وأما الثوري، فقد اختلف عنه، في سؤر الهر، فذكر في جامعه أنه كان
یکره سؤر ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل لحمه فلا بأس بسؤره، وهو ممن يكره
أكل الهر، وذكر المرزوي قال: حدثنا عمرو بن زرارة، قال: حدثنا أبو
النضر، قال: حدثني الأشجعي، عن سفيان، قال: لا بأس بفضل السنور.
قال أبو عمر: لاأعلم لمن كره سؤر الهر حجة أحسن من أنه لم يبلغه
حديث أبي قتادة، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب، فقاس الهر على
الكلب، وقد فرقت السنة بين الهر والكلب في باب التعبد، وجمعت بينهما
على حسب ما قدمنا ذكره، من باب الاعتبار والنظر، ومن حجته السنة
خصمته، وما خالفها مطروح وبالله التوفيق.
ومن حجتهم أيضا، ما رواه قرة بن خالد، عن محمد بن سیرین، عن أبي
هريرة، عن النبي، وَيقر، أنه قال: ((طهور الاناء إذا ولغ فيه الهر، أن يغسل
مرة أو مرتين)) شك قرة(١).
(١) الدار قطني (٦٧/١-٦٨). الطحاوي في (شرح المعاني)) (١٩/١). البيهقي (٢٤٧/١) وقال:
وأبو عاصم الضحاك بن مخلد ثقة إلا أنه أخطأ في إدراج قول أبي هريرة في الهر في الحديث
المرفوع في الكلب. ك (١ / ١٦٠) كلهم من طريق قرة بن خالد عن ابن سيرين به.
= ٢٦
فتح البر
وهذا الحديث، لم يرفعه إلا قرة بن خالد، وقرة بن خالد ثقة ثبت، وأما
غيره، فیرویه عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قوله.
وفي هذا الحديث من رأى أبي قتادة ، دليل على أن الماء اليسير تلحقه
النجاسة، ألا ترى إلى قوله؟ أتعجبين يا ابنة أخي؟ سمعت رسول الله وَل
يقول: ((ليست بنجس)) فدل هذا أن الهر لو كان عنده من باب النجاسات
لأفسد الماء، وإنما حمله على أن يصغى لها الإناء طهارتها، ولو كانت مما
تنجس لم يفعل، فدل هذا على أن الماء عنده تفسده النجاسة، وإن لم تظهر
فيه، لأن شرب الهر وغيره من الحيوان في الإناء، إذا لم يكن في فمه أذى من
غيره، ليس ترى معه نجاسة في الإناء.
وهذا المعنى اختلف فيه أصحابنا، وسائر العلماء، فذهب المصريون من
أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، وأن الكثير لا يفسده
إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه، من المحرمات، وما غلب عليه من
الأشياء الطاهرة، أخرجه من باب التطهير، وأبقاه على طهارته، ولم يجدوا
بين القليل من الماء، الذي يفسده قليل النجاسة، وبين الكثير الذي لا
يفسده إلا ما غلب عليه حدا يوقف عنده، الا أن ابن القاسم، روى عن
مالك في الجنب يغتسل، في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب،
ولم يكن غسل ما به من الأذى، أنه قد أفسد الماء، وروي عن مالك في
الجنب يغتسل في الماء الدائم الكثير، مثل الحياض التي تكون بين مكة
والمدينة، ولم يكن غسل ما به من الأذى، أن ذلك لا يفسد الماء، وهذا
مذهب ابن القاسم، وأشهب وابن عبد الحكم، ومن اتبعهم من أصحابهم،
المصريين الا ابن وهب، فإنه قال في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك،
وقولهم ما حكاه أبو المصعب عنهم، وعن أهل المدينة أن الماء لا تفسده
النجاسة الحالة فيه قليلاً كان أو كثيراً إلا أن تظهر فيه النجاسة، وتغيرّ منه
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
-٢٧ -
طعماً، أو ريحًا أو لونًا، وكذلك ذكر أحمد بن المعذل أن هذا قول مالك بن
أنس في الماء.
وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران أنه سأل القاسم
ابن محمد، وسالم بن عبد الله، عن الماء الراكد، الذي لا يجري، تموت فيه
الدابة أیشرب منه؟ ويغسل منه الثياب؟ فقالا: انظر بعینك، فإن رأيت ماء
لا یدنسه ما وقع فيه، فنرجو أن لا یکون بأس.
قال: وأخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كل ماء فيه فضل عما يصيبه
من الأذى، حتى لا يغير ذلك طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، فهو طاهر،
یتوضأ به.
قال: وأخبرني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة، قال: إذا وقعت الميتة في
البئر، فلم يتغير طعمها، ولا لونها، ولا ريحها، فلا بأس أن يتوضأ منها،
وإن رأى فيه الميتة.
قال: فإن تغيرت، نزع منها قدر ما يذهب الرائحة عنها، وهو قول ابن
وهب، وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق، ومحمد بن بكير، وأبو الفرج،
والأبهري، وسائر المنتحلين لمذهب مالك، من البغداديين.
وروي هذا المعنى، عن عبد الله بن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن
المسيب، على اختلاف عنه، وسعيد بن جبير، وهو قول الأوزاعي، والليث
ابن سعد، والحسن بن صالح، وداود بن علي، وهو مذهب أهل البصرة
أيضا، وهو الصحيح في النظر، وجيد الأثر.
وأما الکوفیون، فالنجاسة عندهم تفسد قلیل الماء، و کثیرہ، إذا حلَّت
فيه، إلا الماء المستجد الكثير، الذي لا يقدر آدمي على تحريك جميعه، قياساً
= ٢٨
فتح البر
على البحر، الذي قال فيه رسول الله وَل: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته(١).
وأما الشافعي، فمذهبه في الماء نحو مذهب المصريين من أصحاب
مالك، وروايتهم في ذلك عن مالك، أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة،
ولا يفسد كثيره إلا ما غلب عليه، فغيرَّ طعمه، أو رائحته، أو لونه، إلا أن
مالكًا في هذه الرواية عنه، لا يحد حدًّا بين قليل الماء، الذي تلحقه النجاسة،
وبين كثيره الذي لا تلحقه النجاسة، إلا بالغلبة عليه، إلا ما غلب على
النفوس أنه قليل، وما الأغلب عند الناس انه كثير، وهذا لا يضبط
لاختلاف آراء الناس، وما يقع في نفوسهم.
وأما الشافعي فحدّ في ذلك حدًّا، بین القليل والكثير، لحديث ابن عمر،
عن النبي، وَيّر: ((إذا كان الماء قلتين لم تلحقه نجاسة)(٢)، أو ((لم يحمل
خبئًا».
وهو حديث يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير جميعًا، عن محمد
ابن جعفربن الزبير، وبعض رواة الولید بن کثیر، یقول فیه عنه عن محمد
ابن عبّاد بن جعفر، ولم يختلف عن الوليد بن کثیر، أنه قال فيه عن عبد الله
ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه يرفعه، ومحمد بن إسحاق يقول فيه، عن محمد
ابن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وعاصم
أيضًا، فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق يجعله عن
عبيد الله بن عبد الله، ورواه عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر
(١) د (١/ ٨٣/٦٤). ت (٦٩/١٠١/١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ن (١ / ٥٩/٥٣). جه (٣٨٦/١٣٦/١).
(٢) د (١ / ٦٣/٥١). ت (٦٧/٩٧/١). ن (٤٩/١-٥٢/٥٠). جه (١٧٢/٥١٧/١).
ك (١٣٢/١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
حب: الإحسان (١٢٤٩/٥٧/٤). ابن خريمة (٩٢/٤٩/١).
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
IIIII = ٢٩
عن أبيه، فاختلف فيه عليه أيضا، فقال حماد بن سلمة، عن عاصم بن
المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، وقال فیه حماد بن زيد،
عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله عن عبد الله بن عمر، وقال
حماد بن سلمة فيه: إذا كان الماء قلّتين أو ثلاثا، لم ينجسه شيء.
وبعضهم يقول فيه، إذا كان الماء قلّتين، لم يحصل الخبث، وهذا اللفظ
محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد، يوجب التوقف عن
القول بهذا الحديث، إلى أن القلتين غير معروفتین، ومحال أن يتعبد الله عباده
بما لا يعرفونه.
وأما حديث ولوغ الكلب في الإناء، وحديث النهي عن إدخال اليد في
الإناء قبل غسلها، لمن انتبه من نومه، وحديث النهي عن البول في الماء
الدائم الراكد، فقد عارضها ما هو أقوى منها، والأصل في الماء الطهارة،
فالواجب أن لا یقضی ینجاسته، إلا بدليل، لا تنازع فيه، ولا مدفع له،
ونحن نذكر ما نختاره من المذاهب في الماء هاهنا، ونذكر معنی حدیث
ولوغ الكلب وغسل اليد، في باب أبي الزناد، إن شاء الله عزوجل.
قال أبو عمر:
الدلیل علی أن الماء لا يفسد إلا بما ظهر فيه من النجاسة، أن الله عزوجل،
[الفرقان: (٤٨)]، وفي
٤٨
سمَّاه طهوراً، فقال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا
طهور، معنیان: أحدهما أن یکون طهور، بمعنی طاهر، مثل صبور وصابر،
وشکور وشاکر، وما كان مثله. والآخر أن یکون معنی فعول، مثل قتول،
وضروب، فيكون فيه معنى التعدي، والتكثير، يدل على ذلك قوله
عز وجل: ﴿وَيُزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ﴾
[الأنفال: (١١)].
فتح البر
٣٠
وقد أجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات، وأنه ليس في ذلك کسائر
المائعات الطاهرات، فثبت بذلك هذا التأويل، وما كان طاهراً مطهرًا،
استحال أن تلحقه النجاسة، لأنه لو لحقته النجاسة، لم يكن مطهرًا أبدًا،
لأنه لا يطهرها إلا بممازجته إياها، واختلاطه بها، فلو أفسدته النجاسة من
غير أن تغلب عليه، وكان حكمه حكم سائر المائعات، التي تنجس بمماسة
النجاسة لها، لم تحصل لأحد طهارة، ولا استنجى أبدًا.
والسنن شاهدة لما قلنا، بمثل ما شهد به النظر، من كتاب الله عزوجل،
فمن ذلك، أمر رسول الله ێ، أن يصب على بول الأعرابي دلو من ماء، أو
ذنوبٌ من ماء، وهو أصح حدیث یروی في الماء، عن النبي گۆ.
ومعلوم أن البول إذا صُبَّ عليه الماء مازجه، ولكنه إذا غلب الماء عليه
طهَّره، ولم يضره ممازجة البول له، وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال:
أخبرنا قاسم بن أصبغ، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا نعيم بن
حماد، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس بن یزید، عن الزهري،
قال حدثني عبيد الله بن عبد الله، أن أبا هريرة أخبره أن أعرابيًا بال في
المسجد، فثار الناس إليه ليمنعوه، فقال رسول الله وَ لاير ((دعوه وأهرقوا على
بوله ذنوبًا من ماء، أو قال سَجْلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا
معسرين)»(١).
وهكذا رواه شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، عن
الزهري کما رواه يونس بن یزید باسناده، وكذلك رواه النعمان بن راشد،
بهذا الإسناد، ورواه ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة، عن النبي وَّ، وتابعه سفيان على هذا الإسناد(٢).
(١) و(٢) خ (٢٢٠/٤٢٩/١). د (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤ /٣٨٠).
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
٣١
ورواه محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن
أبي هريرة، عن النبي عليه السلام(١)، وكل ذلك صحيح، لأنه ممكن أن
يكون الحديث عند ابن شهاب، عن عبيد الله، وسعيد، وأبي سلمة، فحدَّث
به مرة، عن هذا، ،مرة عن هذا، وربما جمعهم، وهذا موجود لابن شهاب،
معروف له، كثير جداً، وقد روى أنس بن مالك، قصة الأعرابي هذا(٢)،
وسنذكر طرق حديثه في ذلك، في باب مرسل يحيى بن سعيد من كتابنا
هذا، إن شاء الله.
ومن ذلك أيضا، قوله {وَ جّه إذا سئل عن بئر بضاعة، فقيل له إنه يطرح
فيها لحوم الكلاب، والعذرة وأوساخ الناس، فقال: ((الماء لا ينجسه
شيء))(٣)، يعني ما لم يغيره، أو يظهر فيه، والله أعلم، لأنه قد روي عنه وَيّ
((الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب عليه، فغير طعمه أو لونه، أو
ريحه))(٤).
وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه
اسم الماء مطلقا.
(١) انظر الذي قبله.
ت (٢٧٥/١-١٤٧/٢٧٦). ن (١/ ٥١-٥٦/٥٢). جه (١٧٦/١ /٥٢٩).
(٢) خ (٢١٩/٤٢٨/١). م (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧ / ٢٨٤ -٢٨٥). ت (١ /٢٧٦ / ١٤٨).
ن (١/ ٥٠/ ٥٣). جه (١٧٥/١-٥٢٨/١٧٦) من حديث أنس.
(٣) حم (١٦/٣-٣١-٨٦). د (١ / ٦٦/٥٥٠.٥٣-٦٧). ت (٩٥/١-٦٦/٩٦) وقال:
((هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث)). ن (١/ ٣٢٦/١٩١). وصححه أحمد
ابن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم. (انظر التلخيص الحبير (٣/١)).
(٤) أخرجه جه (٥٢١/١٧٤/١). قال البوصيري في الزوائد: ((إسناده ضعيف لضعف رشدين))
والدار قطني (٢٨/١-٢٩) وقال: ((لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس
بالقوي. والصواب في قول راشد».
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٩/١) وقال: ((رواه الطبراني في الأوسط والكبير - وله عند ابن
ماجه «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه۔ و فیه رشدین ابن سعد وهو ضعيف.))
كلهم من حديث أبي أمامة الباهلي. وفي الباب من حديث ثوبان عند الدار قطني (٢٨/١).
٣٢
فتح البر
و حدیث بئر بضاعة، ذكره أبو داود، من حديث أبي سعيد الخدري، عن
النبي عليه السلام.
وذکر أحمد بن حنبل، قال: حدثنا حسین بن محمد، قال: حدثنا
الفضيل، يعني ابن سليمان، قال: حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن أمه
قالت: سمعت سهل بن سعد الساعدي، يقول: سقيت رسول الله ول#
بیدی من بئر بضاعة(١)، وذكره إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا أبو
ثابت محمد بن عبيد الله، قال حدثني حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن
أبي يحيى، عن أمه قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو
أني سقیتکم من بئر بضاعة، لکرهتم ذلك، وقد والله، سقيت رسول الله
وَ* بيدي منها(٢)، ومن ذلك أيضا قوله {وَلقول، إذ سئل عن ماء اغتسلت
منه امرأة من نسائه، وهي جنب، فقال: ((الماء لا ينجسه شيء))(٣)، رواه
جماعة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، منهم شعبة والثوري إلا
أن جل أصحاب شعبة يروونه عنه، عن سماك، عن عكرمة، مرسلا،
ووصله عنه محمد بن بكر، وقد وصله جماعة، عن سماك، منهم الثوري،
وحسبك بالثوري حفظا وإتقانا.
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا و کیع، قال: حدثنا
سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة من أزواج النبي
ێ، اغتسلت من جنابة، فاغتسل النبي ◌ُّهار وتوضأ من فضلها، وقال: الماء
(١) و(٢) عزاه في المجمع لأحمد وأبي يعلى والطبراني في الكبير. وقال: ورجاله ثقات (١٢/٤).
(٣) من طريق شعبة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عند: ابن خزيمة (٩١/٤٨/١).
ك (١٥٩/١) وصححه ووافقه الذهبي.
٣٣
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
طهور، لا ينجسه شيء(١).
وهكذا رواه أبو الأحوص، وشريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن
عباس مرفوعا (٢). وكل من أرسل هذا الحديث، فالثوري أحفظ منه.
والقول فيه قول الثوري، ومن تابعه على اسناده. وذكر إسماعيل بن إسحاق
القاضي، عن الحماني، عن شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن
عائشة، قالت: قال رسول الله ێے الماء لا ینجسه شيء))(٣)، قال: حدثنا
علي بن المديني، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن ثوبة العنبري، أنه
سمع سلم بن غياث، يحدث عن جده، قال: سألت أبا هريرة، قلت: إنا نرد
الحوض يكون فيه السؤر من الماء، فيلغ فيه الكلب ويشرب منه الحمار،
فقال: الماء لا يحرمه شيء.
قال أبو عمر: حسبك بجواب أبي هريرة، في هذا الباب، وهو الذي
روى حديث ولوغ الكلب في الإناء، وحديث غسل اليد قبل إدخالها فيه،
وروي عن ابن عباس من وجوه، أن الماء لا ينجسه شيء، وقال ابن عباس،
الماء يطهر ولا يطهر، وقال سعيد بن المسيب: الماء طهور لكل ما أصاب،
وعن عبدالرحمن بن أبي ليلى وجماعة من التابعين، الماء لا ينجسه شيء،
وروى شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذ، عن عائشة، الماء لا ينجسه شيء،
(١) من طريق سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم اغتسلت من جنابة ... (الحديث).
عند: حم (٢٣٥/١-٢٨٤-٣٠٨). ن (١٨٩/١ - ٣٢٤/١٩٠). جه (١٣٢/١/ ٣٧١).
حب: الإحسان (١٢٤٢/٤٨/٤). ابن خزيمة (٥٧/١-١٠٩/٥٨).
(٢) من طريق أبي الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: د (٥٥/١-٦٨/٥٦).
ت (١ / ٦٥/٩٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح. جه (٣٧٠/١٣٢/١).
حب : الإحسان (٤ / ٥٦-١٢٤٨/٥٧).
(٣) ذكره الهيثمي في المجمع وقال: ((رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
(٢١٤/١).))
فتح البر
٣٤
وعن عبد الله بن مسعود، مثله، وروی حماد بن سلمة، عن حماد، عن سعيد
ابن جبير في ماء الحمام يغتسل فيه الجنب، وغير الطاهر، قال: الماء لا
ينجسه شيء، وحماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب،
عن الغدر التي في الطرق، تلغ فيها الكلاب، وتبول فيها الدواب، أيتوضأ
منها؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء.
قال أبو عمر:
هذا يدل على أن ما روي عن سعيد بن المسيب، في سؤر الهر أنه كرهه، لم
يكن إلا لشيء ظهر في الماء، والله أعلم. ومعنى قوله فيما بالت فيه الدواب
من الماء أنه طهور، محمول على أن البول لم يظهر في الماء منه طعم، ولا لون،
ولا ریح.
أخبرنا يوسف بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا محمد بن
معاوية، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدثنا دحيم، قال:
حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، في الغدير تقع فيه الدابة،
فتموت، قال: الماء طهور، ما لم تنجس الميتة طعمه أو ريحه.
وأما ما ذهب إليه الشافعي، من حديث القلتين، فمذهب ضعيف، من
جهة النظر، غير ثابت في الأثر، لأنه حديث قد تكلم فيه جماعة من أهل
العلم بالنقل، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت، ولا
إجماع، ولو كان ذلك حدا لازما، لوجب على العلماء البحث عنه، ليقفوا
على حد ما حرمه رسول الله وَلّه، وما أحله من الماء، لأنه من أصل دينهم
وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك، ما ضيعوه، فلقد بحثوا عما هو أدق من
ذلك وألطف، ومحال في العقول، أن يكون ماءان أحدهما يزيد على الآخر،
بقدح أو رطل، والنجاسة غير قائمة، ولا موجودة في واحد منهما، أحدهما
٣٥
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
نجس، والآخر طاهر، وكذلك كل من قال بأن قليل الماء يفسده قليل
النجاسة، دون كثيره، وإن لم تظهر فيه، ولم تغير شيئا منه وجد في ذلك الماء
المستجد بغير أثر يشهد له فقوله مدفوع بما ذكرنا من الآثار المرفوعة في هذا
الباب، وأقاويل علماء أهل الحجاز فيه.
وأما ما ذهب إليه المصريون من أصحاب مالك، في أن قليل الماء، يفسد
بقليل النجاسة، من غير حد حدوه في ذلك، وما قالوه من أجوبة مسائلهم
في البئر تقع فيها الميتة، من استحباب نزح بعضها، وتطهير ما مسه ماؤها،
وفي إناء الوضوء، يسقط فیه مثل رؤوس الابر من البول، وفي سؤر
النصراني، والمخمور، وسؤر الدجاجة المخلاة، وغير ذلك من مسائلهم في
هذا الباب، فذلك کله على التنزه والاستحباب، هكذا ذكره إسماعيل بن
إسحاق، وهو الصواب عندنا، وبالله توفيقنا.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا الجوطي، قال: حدثنا بقية قال: قلت للأوزاعي جب كان
يعصر فيه العصير، فلما فرغوا بقيت في أسفله بقية، فصارت خمرا، ثم
جاءت الأمطار فملأت الجب، ما تقول في الوضوء منه؟ قال: تجد له طعما
أو ريحا؟ قلت: لا، قال: لا بأس بالوضوء منه.
ولما ثبتت السنة في الهر، وهو سبع يفترس ويأكل الميتة، أنه ليس بنجس،
دل ذلك على أن كل حي لا نجاسة فيه، فكان الكلب والحمار والبغل،
وسائر الحيوان كله لا نجاسة فيه مادام حيا، ولا بأس بسؤره للوضوء
والشرب، حاشا الخنزير المحرم العين، فإنه قد اختلف فيه، فقيل إنه إذا
ماس الماء وهو حي أفسده، وقد قيل أن ذلك لا يفسده على ظاهر حديث
عمر في السباع، وظاهر قوله وَل: ((الماء لا ينجسه شيء)»، وهذا هو المذهب
الذي إلیه یذهب أكثر أصحابنا وبه نقول.
فتح البر
= ٣٦
وكذلك الطير كله، لا بأس بسؤره إلا أن يكون في فمه أذى يغير الماء،
اعتبارا بسنة رسول الله وَليه في الهر، وفي الماء أنه لا ينجسه إلا ما ظهر فيه من
النجاسة.
وقد روى ابن عمر، أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله
وَّ فلا يغسل شي من أثرها ولا يرش(١)، وهذا يدل على أنه ليس في حي
نجاسة، والله أعلم.
وإنما النجاسة في الميتة، وفيما ثبتت معرفته عند الناس، من النجاسات
المجتمع عليها، والتي قامت الدلائل بنجاستها، كالبول والغائط والمذي
والخمر.
وقد يكون من الميتة ما ليس بنجس، وهو كل شيء ليس له دم سائل،
مثل بنات وردان، والزنبور، والعقرب، والجعلان والصرار، والخنفساء وما
أشبه ذلك، والأصل في ذلك، حديث رسول الله وآ# في الذباب.
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال: حدثنا عمر بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال:
حدثنا ابن أبي ذئب، قال: حدثنا سعيد بن خالد، عن أبي سلمة، عن أبي
سعيد الخدري، عن النبي ◌َّ، قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم
فليمقله))،(٢) وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا ابن السكن، قال:
حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا البخاري، قال: حدثنا قتيبة، قال:
حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عقبة بن مسلم، عن عبيد بن حنين، مولى
بني زريق عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلي قال: ((إذا وقع الذباب في إناء
(١) د (٢٦٥/١-٣٨٢/٢٦٦). وذكره خ (١٧٤/٣٦٩/١) تعليقا.
(٢) حم (٣/ ٢٤ -٦٧). ن (٧ / ٢٠٢/ ٤٢٧٣). جه (٣٥٠٤/١١٥٩/٢).
حب: الإحسان (١٢٤٧/٥٦/٤).
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
٣٧ -
أحدكم فليغمسه کله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر
داء)) (١).
وروي هذا الحديث من وجوه كثيرة، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، كلها
ثابتة، ومعلوم أن الذباب إذاغمس في الطعام الحار أو البارد، أن الأغلب
عليه، مع ضعف خلقه، الموت، فلو كان موته في الماء والطعام يفسده، لم
یأمر رسول الله څ بغمسه فیه، وإذا لم ینجس الطعام بموته، فلیس بنجس
على حال البتة.
وحكم ما لا دم له، حكمه من أنه لا يفسد ما مات فيه من الطعام، وقد
رخص قوم في أكل دود التين، وما في الفول، وسائر الطعام من السوس،
واستجازوا ذلك، لعدم النجاسة.
وكره أكل ذلك جماعة من أهل العلم، وقالوا: لا يؤكل شيء من ذلك،
لأنه ليس له حلق ولبة فيذكى، ولا هو من صيد الماء، فيحل بغير الذكاة،
واحتجوا بقول رسول الله وَلٍ﴿ل في الذباب: فليغمسه، ثم ليطرحه، قالوا:
ولو کان أكله مباحا، لم يأمر بطرحه.
وأما القملة والبرغوث فأكثر أصحابنا يقولون، لا يؤكل طعام ماتت فيه
قملة، أو برغوث، لأنهما نجسان، وهما من الحيوان الذي عيشه من دم
الحيوان، لاعيش لهما غير الدم، فهما نجسان، وهما دم.
وكان سليمان بن سالم القاضي الكندي، من أهل أفريقية، يقول: ان
ماتت القملة في الماء طرح، ولم يشرب، وإن وقعت في الدقيق ولم تخرج في
(١) حم (٢٢٩/٢-٢٤٦ -٢٦٣ -٣٤٠ -٣٥٥ -٣٨٨ -٣٩٨ - ٤٤٣).
خ (٣٣٢٠/٤٤٣/٦). د (٤/ ١٨٢ -٣٨٤٤/١٨٣). جه (٣٥٠٥/١١٥٩/٢) من طرق عن
أبي هريرة.
فتح البر
= ٣٨
الغربال، لم يؤكل الخبز، وإن ماتت في شيء جامد، طرحت وماحولها
كالفأرة.
وقال غيره من أصحابنا وغيرهم، أن القملة كالذباب سواء، فأما الماء
فالأصل فيه عندنا ما ذكرنا وأوضحنا في هذا الباب، وقد علم أن الذباب
يعيش من الدم، ويتناول من الأقذار ما لا تتناول القملة، وفيه من الدم مثل
ما في القملة أو أكثر، وقد حکم فیه رسول الله ێے، بما تقدم ذكرنا له.
وهذا مالم يكن فيه دم، لأن الحديث إنما يدل على أن النجس من الحيوان،
ما له دم سائل، وكذلك قال إبراهيم، ما ليس له نفس سائلة، فليس
بنجس، يعني بالنفس الدم .
طهارة المياه التي يجوز الوضوء بها
٣٩
ما جاء في بول الصبي
[٥] مالك عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله، عن أم قيس بنت محصن أنها أتت
بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله وَلاير، فأجلسه في حجره، فبال على
ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله (١).
أم قيس هذه ، اسمها جذامة بنت وهب بن محصن ، أخت عكاشة بن
وهب بن محصن، وقد ذكرناها في الصحابيات من كتابنا في الصحابة.
قال أبو عمر :
النضح في هذا الموضع ، صب الماء من غير عرك، وفي قوله ولم يغسله،
دليل على ذلك ان شاء الله ، وفي هذا الحديث ان الماء إذا غلب على
النجاسات وغمرها طهرها، وكان الحكم له لا لها، ولو كان إذا اختلط
بالنجاسات لحقته النجاسة ما كان طهورا، ولا وصل به أحد إلى الطهارة ،
وهذا مردود بأن الله عز وجل سماه طهورا، وأجمع المسلمون على ذلك في
كثيره، وإن اختلفوا في معان من قليله، وقد مضى القول واضحا في الماء في
باب إسحاق بن أبي طلحة عند ذكر حديث ولوغ الهرة في الاناء - فأغنى
ذلك عن اعادته ههنا.
قال أبو عمر :
أجمع المسلمون على أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس. واختلف
العلماء في بول الصبي والصبية إذا كانا مرضعين لا يأكلان الطعام. فقال
مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: بول الصبي والصبية كبول الرجل. وهو
(١) حم (٣٥٥/٦-٣٥٦). خ (٢٢٣/٤٣٣/١). م (٢٣٨/١ / ٢٨٧).
د (١ / ٢٦١ / ٣٧٤). ت (١/ ١٠٤ - ١٠٥ / ٧١). ن (١ / ١٧٣ - ١٧٤ / ٣٠١).
جه (١/ ١٧٤ / ٥٢٤) من طرق عن ابن شهاب بهذا الإسناد.
= ٤٠
فتح البر
قول الثوري والحسن بن حي. وقال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي ما دام
يشرب اللبن ولا يأكل الطعام. وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك.
وقال الشافعي: بول الصبي ليس بنجس، حتى يأكل الطعام، ولا يبين لي
فرق ما بينه وبين الصبية، ولو غسل كان أحب إلي. وقال الطبري: بول
الصبي يتبع ماء، وبول الصبية يغسل غسلا، وهو قول الحسن البصري،
وقال سعيد بن المسيب: الرش بالرش، والصب بالصب من الأبوال كلها.
قال أبو عمر:
احتج من ذهب مذهب الأوزاعي والشافعي بهذا الحديث ــ ولا حجة
فیه، لأن النضح یحتمل أن یکون أراد به صب الماء، ولم يرد به الرش، وهو
الظاهر من معنى الحديث، لأن الرش لا يزيد النجاسة إلا شرا، ومن
الدليل على أن النضح قد يكون صب الماء والغسل من غير عرك، قول
العرب غسلتني السماء، وما روى عن النبي _ رَّلــ أنه قال: إني لأعلم
أرضا يقال لها عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب، لو أتاهم
رسولي ما رموه بسهم ولا حجر(١). وقد جاءت عن النبي وَل و أحاديث
فيها التفرقة بين بول الغلام والجارية، منها ما رواه قتادة عن أبي حرب بن
أبي الأسود، عن أبيه، عن علي، عن النبي ـ وَّ وــ أنه قال: يغسل بول
الجارية، وينضح على بول الغلام(٢).
(١) حم (١ / ٤٤). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٠/ ٥٥) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح غير لمازة بن زبار وهو ثقة ورواه أبو يعلى كذلك. قال ابن كثير: ((وهو من الثقات)).
الكنز (١٦٩/١٤). وقال الحافظ: ((صدوق ناصبى)). التقريب (٥٦٩٩/٤٧/٢).
(٢) د (١ / ٣٧٨/٢٦٣). ت (٥٠٩/٢ - ٦١٠/٥١٠). وقال: هذا حديث حسن صحيح. جه
(١٧٤/١-٥٢٥/١٧٥). ابن خزيمة (١٤٣/١-٢٨٤/١٤٤).
حب: الإحسان (٢١٢/٤/ ١٣٧٥) بهذا السند.