Indexed OCR Text

Pages 261-280

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٦١
نفر: ابن جريج، ومعمر، والليث، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح
ابن كيسان، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الرحمن بن إسحاق؛
قال: وسمعت علي بن المديني يقول: سمعت عبد الأعلى، عن
معمر بالبصرة، وكان معمر يحدثهم بالبصرة من حفظه، فوهم في
أسانيد؛ وسماع عبد الرزاق، عن معمر، أصح، لأنه كان يحدث
أهل الیمن ومعه کتبه.
قال القاضي: وقد روی هذا الحدیث عبد الرزاق، عن معمر، كما
رواه أصحاب الزهري، لم يخالفهم في شيء من إسناده وحدثناه
عبد الملك، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي اليمان، عن
شعيب بن أبي حمزة وحدثنا به أبو الوليد الطيالسي عن الليث بن
سعد؛ وحدثنا به يحيى بن عبد الحميد، عن إبراهيم بن سعد، عن
صالح بن کیسان.
وحدثنا به محمد بن أبي بكر، عن يزيد بن زريع، عن عبد
الرحمن بن إسحاق وحدثنا به محمد بن بشار، عن محمد بن بكر،
عن ابن جريج وحدثنا به محمد بن المثنى عن أبي بكر الحنفي، عن
عبد الحميد بن جعفر، كلهم عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن
عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد، عن النبي وَجلال، قال؛ وقد
ذكرناه في مسند المقداد.
قال أبو عمر: حديث المقداد هذا، حدثنا عبد الله بن محمد بن
أسد، حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن، حدثنا محمد بن يوسف،
حدثنا البخاري، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري،
عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي، عن المقداد بن
الأسود.

فتح البر
٢٦٢
قال البخاري: وحدثني إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم،
حدثنا ابن أخي بن شهاب، عن عمه، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي
ثم الجندعي، أن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبره أن المقداد بن
عمرو الكندي - وكان حليفا لبني زهرة، وكان ممن شهد بدرا مع
رسول الله وَّله؛ أخبره أنه قال لرسول الله وَ له: أرأيت إن لقيت
رجلا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم
لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن
قالها؟ فقال رسول الله وَخل لا تقتله، فقال: يا رسول الله، إنه قطع
إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها فقال رسول الله وَاجله: لا
تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن
يقول كلمته التي قال(١).
قال البخاري: وقال حبيب بن أبي حمزة، عن سعيد، عن ابن
عباس، قال: قال رسول الله وَظله للمقداد: إذا كان رجل مؤمن
يخفي إيمانه، سمع قول كافر فأظهر إيمانه فقتله، ولذلك كنت لا
تخفي أنت إيمانك بمكة قبل(٢).
قال أبو عمر: هذا تفسير للأول، حدثنا محمد بن عبد الملك،
قال: حدثنا ابن الأعرابي قال: حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا
سفيان، عن الزهري، سمع عروة يحدث عن كرز بن علقمة
الخزاعي؛ قال: سأل رجل النبي وَخالاول: هل للإسلام منتهى؟ فقال
رسول الله وَجله: أيما أهل بيت من العرب والعجم، أراد الله بهم
(١) انظر تخريج الحديث الذي قبله.
(٢) خ (١٢ / ٢٣٠ /٦٨٦٦).

استتابة المرتدين والمشركين والمهاندين
٢٦٣
خيرا أدخل عليهم الإسلام، قال: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: ثم
تقع الفتن كأنها الظلل، قال الرجل: كلا - والله - إن شاء الله،
قال: بلى، والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صبا، يضرب
بعضكم رقاب بعض(١).
قال الزهري: أساود صبا - يعني الحية - إذا أراد أن ينهش ارتفع
ثم انصب.
(١) حم (٤٧٧/٣). الحميدي (٥٧٤/١). ك (٣٤/١) وقال: هذا حديث صحيح وليس له علة
ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. انظر الصحيحة (٥١). الظلل: هي كل ما أظلك، واحدتها
ظلة. أراد كأنها الجبال والسحب.

فتح البر
٢٦٤
قاتل الله اليهود والنصارى ومن شاكلهم
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
[٣] مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول:
كان من آخر ما تكلم به رسول الله وَل ، أن قال: ((قاتل الله اليهود، اتخذوا
قبور أنبيائهم مساجد، لا یبقین دینان بأرض العرب)».
هكذا جاء هذا الحديث عن مالك في الموطآت كلها، مقطوعا،
وهو يتصل من وجوه حسان، عن النبي وَلّ، من حديث أبي
هريرة، (١) وعائشة(٢)، ومن حديث علي بن أبي طالب(٣)،
وأسامة(٤)، وأما عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي
العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى(٥)، فأشهر
وأجل من أن يحتاج إلى ذكره. حدثنا محمد بن عبد الله، قال:
حدثنا معاوية قال: حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال:
حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الحميد بن حبيب، قال:
حدثنا الأوزاعي، قال أخبرني ابن شهاب، عن ابن المسيب سمع أبا
هريرة يقول: قال: رسول الله وَظله: ((قاتل الله اليهود اتخذوا
قبور أنبيائهم مساجد)) (٦).
(١)، (٢) و(٦) سيأتي تخريجه في الباب الذي بعده.
(٣) ذكره الهيثمي في المجمع (٣١/٢) وقال: رواه البزار وفيه أبو الرقاد لم يرو عنه غير حنيف
المؤذن وبقية رجاله موثقون.
(٤) حم (٢٠٣/٥-٢٠٤). وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠) وقال: رواه أحمد والطبراني في
الكبير ورجاله موثقون.
(٥) هق (٢٠٨/٩). عبد الرزاق (٣٥٩/١٠ - ١٩٣٦٨/٣٦٠).
(٦) خ (١/ ٤٣٧/٧٠٠) ٣٠ (٣٧٦/١/ ٥٣٠) و(٣٢٢٧/٥٥٣/٣). ن (٤ /٢٠٤٦/٤٠١).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٦٥
ورواه مالك عن الزهري بهذا الإسناد، مثله.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد الباجي قال: حدثني أبي قال:
حدثنا محمد بن قاسم، قال: حدثنا مالك بن عيسى، قال: حدثنا
أبو داود سليمان بن سيف الحراني قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال
أخبرنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة
قال: لعن رسول الله وَّجله الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(١).
وقد روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن
المسيب عن عائشة، ذكره البزار قال: حدثنا عمرو بن علي قال
حدثنا خالد بن الحارث، قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة،
عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، وقول ابن شهاب فيه عن سعيد
ابن المسيب عن أبي هريرة أولى بالصواب في الإسناد، إن شاء الله،
وهو محفوظ من حديث عروة عن عائشة، أخبرنا عبيد بن محمد
قال: حدثنا عبد الله بن مسرور، قال: أخبرنا عيسى بن مسكين،
قال: أخبرنا محمد بن سنجر قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال:
حدثنا شيبان عن هلال بن حميد، عن عروة عن عائشة، قالت قال
رسول الله وَلّ في مرضه الذي لم يقم منه لعن الله اليهود
والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت ولولا ذلك أبرز
قبره، غير أنه خشي عليه أن يتخذ مسجدا(٢).
قال أبو عمر: لهذا الحديث والله أعلم، ورواية عمر بن عبد
العزيز له، أمر في خلافته أن يجعل بنيان قبر رسول الله وَّل محددا
بركن واحد، لئلا يستقبل القبر، فيصلى إليه. وأخبرنا عبيد بن
(١) و(٢) سيأتي تخريجه في الباب الذي بعده.

فتح البر
٢٦٦
٢٦٦
محمد قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني عيسى، قال حدثنا ابن
سنجر قال: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة، أن نساء النبي عليه السلام تذاكرن في مرضه كنيسة
رأينها بأرض الحبشة، وذكرن من حسنها، وتصاويرها، وكانت أم
سلمة، وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة، فقال رسول الله والجقه :
أولئك قوم إذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ثم
صوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله(١).
قال أبو عمر: هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء و
العلماء والصالحين مساجد، وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة
ولم يجزها بهذا الحديث، وبقوله : ((إن شرار الناس الذين يتخذون
القبور مساجد))(٢)، وبقوله وَجّل ((صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوها
قبورا))(٣) وهذه الآثار قد عارضها قوله وَّل ((جعلت لي الأرض
مسجدا وطهورا)) (٤)، وتلك فضيلة خص بها رسول الله وَ له، ولا
يجوز على فضائله النسخ، ولا الخصوص، ولا الاستثناء، وذلك
جائز في غير فضائله، إذا كانت أمرا أو نهيا، أو في معنى الأمر
والنهي، وبهذا يستبين عند تعارض الآثار في ذلك، أن الناسخ منها
قوله وَجّ ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) وقوله لأبي ذر
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) حم (٤٣٥/١). ابن خزيمة (٧٨٩). حب (٢٣٢٥/٩٤/٦). طب في الكبير (١٠٤١٣).
وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٣٠) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(٣) م (١ / ٥٣٨/ ٧٧٧). ت (٤٥١/٣١٣/٢). ن (٢١٩/٣/ ١٥٩٧).
(٤) خ (١ / ١٣٣٥/٥٧٤). م (١ / ٣٧٠/ ٥٢١).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٦٧
((حيثما أدركتك الصلاة فصل فقد جعلت لي الأرض مسجدا
وطهورا))(١) وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا موسى بن
إسماعيل، قال: حدثنا أبان، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن
عائشة، أن النبي ◌َّ له قال: ((لعن الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد))(٢)، وسيأتي من هذا ذكر في باب مرسل زيد بن أسلم عن
عطاء بن يسار، إن شاء الله(٣).
(١) خ (٦ / ٣٤٢٥/٥٦٦). م (١ / ٣٧٠ / ٥٢٠).
(٢) سيأتي تخريجه في الباب الذي بعده.
(٣) يا ليت أبا عمر ثبت على قوله يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء
والصالحين مساجد. والشبة التي قامت عند أبي عمر وغيره من أن الأخبار في الكتاب والسنة
لا يدخلها النسخ فهذا يمكن أن يقال إذا لم يكن الجمع ممكنا فكيف وأن النصوص التي جاءت
فيها الإخبار بفضائل النبي وَ لهل يمكن أن تحمل على العموم، وأحاديث النهي عن الصلاة في
القبور تحمل على الخصوص وبذلك يزول الإشكال وهذه قضية لا بد منها في مثل هذه
القضية لتواتر النصوص وصحتها في النهي عن الصلاة في المقبرة ويمكن أن نذكر ما ذكره ابن
حزم في المحلى وإلا فالمباحث في هذا الباب طويلة. قال ابن حزم رحمه الله: [المحلى بالآثار
٣٥١٠٠٣٤٤/٢]. ((ولا تحل الصلاة في حمام، سواء في ذلك مبدأ بابه إلى منتهى جميع
حدوده، ولا على سطحه، ومستوقده، وسقفه، وأعالي حيطانه، خربا كان أو قائما: فإن
سقط من بنائه شيء فسقط عنه اسم ((حمام)) جازت الصلاة في أرضه حينئذ. ولا في
مقبرة-مقبرة مسلمين كانت أو مقبرة كفار- فإن نبشت وأخرج ما فيها من الموتى جازت
الصلاة فيها. ولا إلى قبر، ولا عليه، ولو أنه قبر نبي أو غيره فإن لم يجد إلا موضع قبر، أو
مقبرة، أو حماما، أو عطنا، أو مزبلة، أو موضعا فيه شيء أمر باجتنابه -: فليرجع ولا يصلي
هنالك جمعة، ولا جماعة؟ فإن حبس في موضع مما ذكرنا فإنه يصلي فيه، ويجتنب ما
افترض عليه اجتنابه بسجوده، لكن يقرب مما بين يديه من ذلك ما أمكنه، ولا يضع عليه

فتح البر
٢٦٨
جبهة، ولا أنفا، ولا يدين، ولا ركبتين، ولا يجلس إلا القرفصاء؛ فإن لم يقدر إلا على
الجلوس، أو الاضطجاع؛ صلى كما يقدر وأجزاه. برهان ذلك -: ما حدثناه عبد الله بن ربيع
ثنا عبد الله بن محمد بن عثمان ثنا أحمد بن خالد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن
المنهال ثنا حماد بن سلمة عن عمرو ابن يحيى الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن
النبي وَّه قال: ((الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة)). حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي ثنا
ابن مفرج ثنا محمد بن أيوب الرقي ثنا أحمد بن عمرو البزار ثنا أبو كامل- هو الجحدري-
ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي
وَ الر قال: ((الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة)). قال البزار: أسنده أيضا عن عمرو بن
يحيى -: أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، وأحمد بن إسحاق. قال علي:
قال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في الدين: هذا حديث أرسله سفيان الثوري، وشك في
إسناده موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة. قال علي: فكان ماذا؟! لا سيما وهم
يقولون: إن المسند كالمرسل ولا فرق! ثم أي منفعة لهم في شك موسى ولم يشك حجاج؟!
وإن لم يكن فوق موسى فليس دونه! أو في إرسال سفيان- وقد أسنده حماد، وعبد الواحد،
وأبو طوالة، وابن إسحاق، وكلهم عدل !حدثنا أحمد بن محمد الجسور ثنا أحمد بن الفضل
الدينوري ثنا محمد بن جرير الطبري ثنا محمد بن بشار بندار ثنا عبد الرحمن بن مهدي
ثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني بسر بن عبيد الله سمعت
أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول:
سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)). حدثنا حمام ثنا ابن
مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخبرني عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة: أن عائشة وابن عباس أخبراه: ((أن رسول الله وَفُور لما حضرته الوفاة جعل
يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، وهو يقول لعنة الله على
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، تقول عائشة يحذر مثل ما صنعوا)). حدثنا عبد
الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن
علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا إسحاق بن إبراهيم وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له: قال
إسحاق: أخبرنا زكرياء بن عدي. وقال أبو بكر: ثنا زكرياء بن عدي عن عبيد الله بن عمرو
الرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث النجراني حدثني
جندب قال سمعت رسول الله وَ ل قبل أن يموت بخمس: ((وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون
قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» في
حديث طويل. قال علي: من زعم أنه عليه السلام أراد بذلك قبور المشركين فقد كذب على
رسول الله وَالر؛ لأنه عليه السلام عم بالنهي جميع القبور، ثم أكد بذمه من فعل ذلك في
قبور الأنبياء والصالحين. قال علي: فهذه آثار متواترة توجب ما ذكرناه حرفا حرفا، ولا يسع
أحدا تركها. وبه يقول طوائف من السلف رضي الله عنهم. روينا عن نافع بن جبير بن مطعم

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٦٩
أنه قال: ينهى أن يصلى وسط القبور والحمام، والحشان. وعن سفيان الثوري عن حبيب بن
أبي ثابت عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: لا تصلين إلى حش، ولا في حمام، ولا في
مقبرة! قال علي: مانعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة رضي الله عنهم، وهم
يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم.
وعن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا
ثلاث أبيات قبلة: الحش، والحمام، والقبر؟ وعن العلاء بن زياد عن أبيه، وعن خيثمة بن
عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصل إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة. وقال
أحمد بن حنبل : من صلى في حمام أعاد أبدا؟ وعن وكيع عن سفيان الثوري عن حميد عن
أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر فنهاني، وقال: القبر أمامك؟. وعن معمر
عن ثابت البناني عن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي عند قبر فقال لي: القبر، لا
تصل إليه؟ قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور. وعن
علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد! وعن ابن عباس رفعه: لا
تصلوا إلى قبر، ولا على قبر؟ وعن ابن جريج أخبرني ابن شهاب حدثني سعيد بن المسيب
أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال ابن جريج:
قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور أو إلى قبر؟
قال: نعم- كان ينهى عن ذلك- لا تصل وبينك وبين القبلة قبر؛ فإكان بينك وبينه سترة
ذراع فصل؟ قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط القبور؟ فقال: ذكروا أن
رسول الله وَلا قال: ((كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله))! قال ابن
جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: لا أعلمه إلا أنه كان يكره الصلاة وسط
القبور كراهية شديدة! وعن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال:
كانوا إذا خرجوا في جنازة تنصوا عن القبور للصلاة! وقال أحمد بن حنبل: من صلى في
مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا! قال علي: فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو
هريرة، وأنس، وابن عباس: مانعلم لهم مخالفا من الصحابة رضي الله عنهم! قال علي:
وكره الصلاة إلى القبر، وفي المقبرة، وعلى القبر: أبو حنيفة، والأوزاعي، وسفيان، ولم ير
مالك بذلك بأسا. واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله وَالله صلى على قبر المسكينة
السوداء؟ قال علي: وهذا عجب ناهيك به! أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما
جاء فيه، فلا يجيزون أن تصلى صلاة الجنازة على من قد دفن ثم يستبيحون بما ليس فيه من
أثر ولا إشارة مخالفة السنن الثابتة، ونعوذ بالله من الخذلان؟ قال علي : وكل هذه الآثار
حق، فلا تحل الصلاة حين ذكرنا، إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي
قد دفن فيه صاحبه، كما فعل رسول الله وَه، نحرم ما نهى عنه، ونعد من القرب إلى الله
تعالى أن نفعل مثل ما فعل؛ فأمره ونهيه حق، وفعله حق، وما عدا ذلك فباطل؛ والحمد لله
رب العالمين. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان [٢٩٨٠٠٠٢٨٦/١]. ومن أعظم مكايده التي

فتح البر
٢٧٠
كاد بها أكثر الناس، وما نجا إلا من لم يرد الله فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه
وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت
قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك
الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله. وكان أول هذا الداء العظيم
في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: (( قال نوح رب إنهم عصوني
واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا. ومكرا مكرا كبارا. وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا
تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا. وقد أضلوا كثيرا)). [سور نوح الآيات
(٢١-٢٤)] قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء- فيما بلغنا -: ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا
مهران عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما
صالحين من بني آدم. وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا
يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم ، فلما ماتوا
وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم.
قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام.
حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: كان آلهة
يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك. فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع
لهذيل. وكان يغوث لبني عطيف من مراد. وكان يعوق لهمدان. وكان نسر لكلاع من
حمير. وقال الوالبي، عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمان نوح. وقال البخاري:
حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس صارت
الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما
سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعرق
فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع؛ أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا،
وسموها بأسمائهم ، ففعلوا، فلم يعبدوا، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم، عبدت.
وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على
قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين:
فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله وَّل في الحديث المتفق
على صحته عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله وَل كنيسة رأتها بأرض
الحبشة، يقال لها: مارية. فذكرت له مارأت فيها من الصور. فقال رسول الله وَله: ((أولئك
قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه
تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)). وفي لفظ آخر في الصحيحين: أن أم حبيبة وأم
سلمة ذكرتا كنيسة رأينها. فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور. وهذا كان سبب عبادة
اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: (( أفرأيتم اللات

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٧١,
والعزى)) [سورة النجم الآية (١٩)] قال: كان يلت لهم السويق. فمات، فعكفوا على
قبره، وكذلك أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج. فقد رأيت أن سبب عبادة
ود، ويغوث ويعوق ونسرا، واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل
وعبدوها. كما أشار إليه النبي ◌َّر. قال شيخنا: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن
اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه
من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم
للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من
الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون
ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر. ومنهم
من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء مالا يرجونه في المساجد.
فلأجل هذه المفسدة حسم النبي وهو مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم
يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة
وقت طلوع الشمس وغروبها، ولأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس. فنهى أمته
عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون، سدا للذريعة. قال: وأما إذا
قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة. فهذا عين المحادة لله
ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما
علموه بالاضطرار من دين رسول الله وس قر أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من
اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد،
وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي وَّر بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فقد
صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.
وقد صرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك. وطائفة
أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم، إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا
يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله وَّ لعن فاعله، والنهي عنه. ففي صحيح
مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي وبَّ: قبل أن يموت بخمس
وهو يقول: (( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا؛
كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن
من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور
مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)). وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: (( لمانزل برسول الله
وَ طفق يطرح خميصة له على وجهه. فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال: وهو كذلك:
لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا)) متفق
عليه. وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ طّ قال: ((قاتل الله اليهود
والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)». وفي رواية مسلم (لعن الله اليهود والنصارى

فتح البر
٢٧٢
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن
وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة
رضي الله عنها: قال رسول الله وَ هر في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا)) متفق
عليه. وقولها: ((خشي)) هوبضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد في مسنده
بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي وَلا قال: ((إن من شرار الناس من تدركهم
الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد)). وعن زيد بن ثابت أن رسول الله العقل
قال: ((لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس
قال: ((لعن رسول الله (وَ ل زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)). رواه الإمام
أحمد وأهل السنن. وفي صحيح البخاري ((أن عمر بن الخطاب رأى أنس بن مالك يصلي
عند قبر، فقال: القبر، القبر)) وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنه
أجمعين ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس لا يدل على اعتقاده جوازه.
فإنه لعله لم يره. أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه. فلما نبهه عمر تنبه. وقال أبو سعيد
الخدري: قال رسول الله وَليقول: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه الإمام أحمد
وأهل السنن الأربعة، وصححه أبو حاتم بن حبان. وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى
القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القبلة. فروى مسلم في صحيحه عن أبي مرئد الغنوي
رحمه الله أن رسول الله وَ يه قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)). وفي هذا إبطال
قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول.
وهوباطل من عدة أوجه: منها: أنه وَلّ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم
مساجد. ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة. فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن
قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة، فإن الله حرم على الأرض
أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون. ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها. ومنها: أنه
أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر
الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده وَّ كان مقبرة
للمشركين، فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدا. ولم ينقل ذلك التراب، بل سوى
الأرض، ومهدها، وصلى فيه، كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: لما قدم
النبي وَّ﴿ المدينة، فنزل بأعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي ◌َ ◌ّل
فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدي السيوف، وكأني أنظر
إلى النبيِ وَّ﴿ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي
أيوب. وكان يحب أن يصلي حين أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وأنه أمر ببناء
المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار، فقال: ((يا بني النجار !! ثامنوني بحائطكم هذا» قالوا:
لا والله، ما نطلب ثمنه إلا إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين. وفيه

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٧٣
خرب، وفيه نخل، فأمر النبي وَيُّه بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت. وبالنخل
فقطع. فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة. وجعلوا ينقلون الصخر. وهو
يرتجزون - وذكر الحديث. ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهه عباد الأوثان
أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر. فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التي
لا تكاد تخطر ببال المصلي، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى
الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم
أفضل منها في المساجد. وغير ذلك، مما هو محادة لله ورسوله. فأين التعليل بنجاسة البقعة
من هذه المفسدة؟ ومما يدل على أن النبي وَطلال قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن
بها قوم نوح ومن بعدهم. ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل
النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المساجد مع تطيينها بطين طاهر. فتزول اللعنة. وهوباطل
قطعا. ومنها: أن قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها. فهما في
اللعنة قرينان. وفي ارتكاب الكبيرة صنوان. فإن كان ما لعن رسول الله وَّه فهو من الكبائر،
ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض
إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها. ولهذا قرن بينهما. فإن اتخاذ
المساجد عليها تعظيم لها، وتعريض للفتنة بها. ولهذا حكى الله سبحانه عن المتغلبين على
أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا: (( لنتخذن عليهم مسجدا)) [سورة الكهف: الاية
(٢١)]. ومنها: أنه رَّه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فذكره ذلك عقيب قوله: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد)) تنبيه
منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد. وبالجملة.
فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول وَله مقاصده. جزم جزما لا
يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغتيه: صيغة ((لا تفعلوا)) وصيغة ((إني
أنهاكم)) ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه
نهاه. واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم في تحقيق شهادة أن لا إله إلا
الله. فإن هذا وأمثاله من النبي وَيُلل صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له
وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه، وغرهم
الشيطان. بأن هذا تعظيم القبور المشايخ والصالحين. وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم
غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله !!! من هذا الباب بعينه دخل على
عباد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع
المشركون بين الغلو فيهم. والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم،
وإنزالهم التي أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية
تعظيمهم وطاعتهم. فأما المشركون فعصوا أمرهم ، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم. قال
الشافعي رحمه الله: أكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه

فتح البر
٢٧٤٠
وأما قوله في حديث مالك ((لا يبقين دينان بأرض العرب))،
فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن
يحيى بن عمر بن علي قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا
سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن ابن أبي نجيح عن سعيد
ابن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: يوم الخميس وما يوم
الخمیس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، قلت يا أبا عباس، وما
يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله وَ خلاله الوجع فقال: ((ائتوني
أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده))، فتنازعوا عنده، فقال: ((لا ينبغي
عندي التنازع، ذروني))، وأمرهم بثلاث فقال: ((أخرجوا المشركين
من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم)) والثالثة إما
سكت عنها، يعني ابن عباس، وإما قالها، فنسيتها(١)، يقوله سعيد
ابن جبير.
وذكر الحميدي وعبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة بإسناد مثله،
أخبرنا عبيد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن مسرور،
قال حدثنا عيسى بن مسكين قال: حدثنا ابن سنجر قال: حدثنا أبو
عاصم عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن
صَلَ الله
عبد الله يقول: أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أنه سمع النبي
وَسَلم
وعلى من بعده من الناس. وممن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرم في كتاب
ناسخ الحديث ومنسوخه فقال- بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((جعلت لي
الأرض مسجدا إلا المقبرة والحمام)) وحديث زيد بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن
ابن عمر: أن النبي ◌َنيّة ((نهى عن الصلاة في سبع مواطن- وذكر منها المقبرة)) قال الأثرم: إنما
كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب، لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم
مساجد .
(١) خ (٢٠٩/٦/ ٣٠٥٣). م (١٢٥٧/٣-١٦٣٧/١٢٥٨). د (٤٢٣/٣- ٣٠٢٩/٤٢٤)

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٧٥
يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب)) (١)، وذكره
عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني أبو الزبير ، أنه
سمع جابر بن عبد الله يقول أخبرني عمر بن الخطاب، أنه سمع
رسول الله وَله يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة
العرب حتى لا أدع بها إلا مسلما))(٢)، قال عبد الرزاق وأخبرنا
معمر، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله وَظنّه :
((لا يجتمع بأرض العرب - أو قال بأرض الحجاز - دينان))(٣)، قال
ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى وجد عليه الثبت، قال
الزهري فلذلك أجلاهم عمر، قال: وأخبرني ابن جريج عن موسى
ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، بمعنى حديث ابن المسيب، ،
وحديث موسى بن عقبة أكمل، وفيه: حتى أجلاهم عمر إلى تيماء
وأريحاء، أخبرنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
ابن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح،
عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة، عن إسحاق بن سمرة، عن
أبيه، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به رسول الله وَالجهل
أن قال: أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة
(١) و(٢) م (١٧٦٧/١٣٨٨/٣). د (٣٠٣٠/٤٢٤/٣).
ت (٤/ ١٣٣ - ١٦٠٦/١٣٤-١٦٠٧).
(٣) عبد الرزاق (٩٩٨٤/٥٣/٦). وذكره ابن حجر في التلخيص (١٢٤/٤). وقال: ورواه
أحمد في مسنده موصولا عن عائشة.

فتح البر
٢٧٦
العرب))(١)، هكذا قال وكيع فيما صح عندنا، من مسند ابن أبي
شيبة، وخالفه سفيان بن عيينة، ویحیی القطان، وإسماعيل بن زكريا
وأبو أحمد الزبيري كلهم قال مكان إسحاق بن سمرة، ((سعد بن
سمرة)، قرأت علی سعید بن نصر أن قاسما حدثھم، قال: حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير
الحميدي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أخبرني إبراهيم بن
ميمون مولى آل سمرة، عن سعد بن سمرة، عن أبيه سمرة، عن
أبي عبيدة بن الجراح، أن رسول الله وَ له قال: أخرجوا يهود
الحجاز))(٢). حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ،
حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد،
يعني القطان، عن إبراهيم بن ميمون، قال حدثني سعد بن سمرة بن
جندب، عن أبيه، عن أبي عبيدة، قال: إن من آخر ما تكلم به
رسول الله وَ طله ان قال: ((أخرجوا يهود الحجاز ونجران من جزيرة
العرب، واعلموا أن شرار عباد الله الذين اتخذوا قبورهم
مساجد))(٣). أخبرنا قاسم بن محمد، قال أخبرنا خالد بن سعد،
قال أخبرنا أحمد بن عمرو بن منصور، أخبرنا محمد بن سنجر،
حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا إسماعيل بن زكرياء، عن إبراهيم بن
ميمون، عن سعد بن سمرة بن جندب، عن أبيه عن أبي عبيدة بن
الجراح، قال: آخر ما تكلم به رسول الله وَ لّ أن قال: ((أخرجوا
يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، وإن شرار الناس
يتخذون القبور مساجد))(٤)، وذكره أحمد بن إبراهيم الدورقي عن
أبي أحمد الزبيري بإسناده مثله سواء.
(١ (و(٢)و(٣) و(٤) حم (١٩٥/١-١٩٦). وذكره الهيثمي في المجمع (٣٢٨/٥) وقال: رواه
أحمد بإسنادين ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما. ورواه أبو يعلى.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٧٧
قال أبو عمر: قول من قال ((قبور أنبيائهم))، يقضي على قول من
قال ((القبور)) في هذا الحديث، لأنه بيان مبهم، وتفسير مجمل، وأما
قوله أرض العرب وجزيرة العرب، في هذا الحديث، فذكر ابن
وهب عن مالك قال: أرض العرب مكة والمدينة واليمن، وذكر أبو
عبيد القاسم بن سلام عن الأصمعي قال: جزيرة العرب من أقصى
عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة
وما والاها من سائر البحر إلى أطرار الشام، قال: أبو عبيد، وقال
أبو عبيدة جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في
الطول، وأما في العرض فمن بير يبرين إلى منقطع السماوة.
قال أبو عمر: أخبرنا بذلك كله أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان
وأبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قالا حدثنا محمد بن عيسى،
وأخبرنا أبو القاسم بن عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن
محمد بن علي قال: حدثنا أحمد بن خالد قالا جميعا: حدثنا علي
ابن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه في شرح
غريب الحديث وبجميع الشرح المذكور، وقال يعقوب بن شيبة: حفر
أبي موسى على منازل من البصرة، في طريق مكة، خمسة منازل أو
ستة، وقال أحمد بن المعذل: حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى
الزهري قال: قال مالك بن أنس: جزيرة العرب المدينة ومكة
واليمامة واليمن، قال: وقال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب
المدينة ومكة واليمن وقرياتها. وذكر الواقدي عن معاذ بن محمد
الأنصاري أنه حدثه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي أنه سمعه
يقول: القرى العربية الفرع وينبع، والمروة. ووادي القرى، والجار،

فتح البر
٢٧٨
وخيبر؛ قال الواقدي: وكان أبو وجزة السعدي عالما بذلك، قال أبو
وجزة: وإنما سميت قرى عربية لأنها من بلاد العرب، وقال أحمد
ابن المعدل: حدثني بشر بن عمر، قال قلت لمالك: إننا لنرجو أن
تكون من جزيرة العرب يريد البصرة، لأنه لا يحول بيننا وبينكم
نهر، قال: ذلك، إن كان قومك تبوؤوا الدار والإيمان.
قال أبو عمر رضي الله عنه: قال بعض أهل العلم: إنما سمي
الحجاز حجازا، لأنه حجز بين تهامة ونجد، وإنما قيل لبلاد العرب
الجزيرة، لإحاطة البحر والأنهار بها، من أقطارها وأطرارها، فصاروا
فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٧٩
باب منه
[٤] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله
* قال: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(١).
في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الكفر، وتحريم السجود
على قبور الأنبياء؛ وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله عز
وجل. ويحتمل الحديث أن لا تجعل قبور الأنبياء قبلة يصلى إليها،
وكل ما احتمله الحديث في اللسان العربي فممنوع منه، لأنه إنما دعا
على اليهود محذرا لأمته عليه السلام من أن يفعلوا فعلهم.
وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية الصلاة في
المقبرة وإلى القبور، وليس في ذلك - عندي - حجة، وقد مضى
القول في الصلاة إلى القبور في باب زيد بن أسلم في مرسلاته،
وأتينا بآثار هذا الباب في باب زيد بن أسلم أيضا عن عطاء بن
يسار، فأغنى ذلك عن إعادة شيء من ذلك ههنا، وبالله العصمة
والتوفيق، لا شريك له.
(١) خ (١/ ٤٣٧/٧٠٠). م (١/ ٣٧٦ / ٥٣٠). د (٣٢٢٧/٥٥٣/٣). ن (٤/ ٢٠٤٦/٤٠١).

فتح البر
٢٨٠
اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد
[٥] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله وَلي قال: اللهم
لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد(١).
قال أبو عمر:
لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، على ما رواه يحيى
سواء، وهو حديث غريب، أعني قوله: اللهم لا تجعل قبري وثنا
یعبد ۔۔ ولا یکاد یوجد.
وزعم أبو بكر البزار، أن مالكا لم يتابعه أحد على هذا الحديث،
إلا عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، قال: وليس بمحفوظ عن
النبي ◌َُّلّ من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه، لا إسناد له
غيره؛ إلا أن عمر بن محمد أسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي
وَل، قال: وعمر بن محمد ثقة، روى عنه الثوري وجماعة، قال:
وأما قوله وَّله: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد،
فمحفوظ من طرق كثيرة صحاح(٢).
(١) ابن سعد في ((الطبقات)) (٢/ ٢٤٠-٢٤١) من طريق مالك. عبد الرزاق (١٥٨٧/٤٠٦/١).
ابن أبي شيبة (٢/ ٧٥٤٤/١٥٠) كلهم عن زيد بن أسلم مرسلا بسند صحيح. ووصله أحمد
(٢٤٦/٢). والحميدي (١٠٢٥). وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٨٣/٦) (٣١٧/٧) عن أبي
هريرة بسند صحيح وصححه البزار. انظر ((النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز
الحمید)». ص(١١٥).
(٢) خ (٤٤٤٤/١٧٧/٨). م (٥٣١/٣٧٧/١) عن عائشة وابن عباس. وأخرجاه من حديث أبي
هريرة مختصرا بنحوه.