Indexed OCR Text

Pages 241-260

استتابة المرتدين والمشركين والمهاندين
٢٤١
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل المرتدة. وهو قول
ابن شبرمة، وإليه ذهب ابن علية. وقال ابن شبرمة: إن تنصرت
المسلمة فتزوجها نصراني، جاز. وحجة من قال لا تقتل المرتدة، أن
ابن عباس روى هذا الحديث وقال: لا تقتل المرتدة، ومن روى
حديثا كان أعلم بتأويله. وقول ابن عباس في ذلك، رواه الثوري
وأبو حنيفة عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، وروى قتادة
عن خلاص، عن علي مثله، وهو قول الحسن، وعطاء؛ ومن
حجتهم أن رسول الله وَطله نهى عن قتل النساء والولدان(١). وأن أبا
بكر - رضي الله عنه- سبى نساء أهل الردة. وقالوا: معنى قوله
وَ له: من بدل دينه فاقتلوه، إنما هو على كل من كان حكمه إذا قدر
عليه القتل على كفره، والمرأة ليس حكمها القتل على كفرها؛ وإنما
حكمها السبي والاسترقاق، فلا تدخل في تأويل هذا الحديث؛ لنهيه
وَاللّه عن قتل النساء والولدان، وسيأتي القول في هذا الحديث في
موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله .
وروى ابن المبارك عن معمر، عن الزهري في المرتدة قال: تقتل،
وقال قتادة تسبى، لأن أبا بكر قتل أهل الردة وسبى نساءهم. قال
معمر: كانت دار شرك: أخبرنا خلف بن القاسم، حدثنا عبد الله
ابن جعفر بن الورد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام،
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري،
حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن مجاهد بن سعيد، عن
(١) خ (٦/ ٣٠١٤/١٨٣). م (٣/ ١٣٦٤/ ١٧٤٤). د (١٢١/٣/ ٢٦٦٨).
ت (١٥٦٩/١١٦/٤). جه (٢٨٤١/٩٤٧/٢).

٢٤٢
فتح البر
عامر الشعبي، قال: ارتدت بنو عامر، وقتلوا من كان فيهم من
عمال رسول الله وَخلقه، وحرقوهم بالنار؛ فكتب أبو بكر إلى خالد
- رضي الله عنهما- أن يقتل بني عامر، ويحرقهم بالنار.
ولما ارتد الفجأة -واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل- بعث
إليه أبو بكر الصديق الزبير بن العوام في ثلاثين فارسا وبيته ليلا
فأخذه، فقدم به على أبي بكر؛ فقال أبو بكر: أخرجوه إلى البقيع
-يعني إلى المصلى- فأحرقوه بالنار، فأخرجوه إلى المصلى فأحرقوه.
وزعم بعض أهل السير أنه رفع عليه أنه كان ينكح كما تنكح
المرأة، ذكر ذلك كله يعقوب بن محمد الزهري في كتاب الردة.
قال: وحدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن داود بن بكر، عن
محمد بن المكندر، أن خالدا كتب إلى أبي بكر يذكر أنه وجد في
بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة؛ فاستشار فيه أبو
بكر، فكان علي من أشدهم فيه قولا، فقال إن هذا ذنب لم تعص
به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتهم، أرى
أن تحرقوه بالنار، فأجمع رأيهم على ذلك، فكتب أبو بكر إلى
خالد، فحرقه. قال: وحدثني معن بن عيسى عن معاوية بن
صالح، عن عياض بن عبد الله، قال: لما استشارهم أبو بكر قالوا:
نرى أن ترجمه، فقال علي: أرى أن تحرقوه، فإن العرب تأنف من
المثلة، ولا تأنف من الحدود، فحرقوه.
وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب، في ردة أسد وغطفان يوم
بزاخة، قال فاقتتلوا -يعني هم والمسلمون قتالا شديدا-، وقتل
المسلمون من العدو بشرا كثيرا، وأسروا منهم أسارى؛ فأمر خالد
بالحظيرة أن تبنى، ثم أوقد تحتها نارا عظيمة فألقى الأسارى فيها،

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٤٣.
وروى شيبان عن قتادة عن أنس قال: قاتل أبو بكر أهل الردة، فقتل
وسبی وحرق.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال: حدثنا
سفیان، قال: حدثنا أيوب. قال: حدثنا عكرمة، قال: لما بلغ ابن
عباس أن عليا أحرق المرتدين -يعني الزنادقة- قال: لو كنت أنا
لقتلتهم، لقول رسول الله وَله: من بدل دينه فاقتلوه ولم أحرقهم،
لقول رسول الله وَله: لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله. قال سفيان:
فقال عمار الدهني - وكان في المجلس مجلس عمرو بن دينار،
وأيوب يحدث بهذا الحديث: أن عليا لم يحرقهم بالنار، إنما حفر
لهم أسرابا، فكان يدخن عليهم منها حتى قتلهم؛ فقال عمرو بن
دينار: أما سمعت قائلهم وهو يقول:
إذا لم ترم بي في الحفرتين
لترم بي المنایا حیث شاءت
فذلك الموت نقدا غير دين
إذا ما أوقدوه حطبا ونارا
وروى حامد بن يحيى، عن سفيان، عن مسعر، عن عطاء بن
أبي مروان، أن هذا الشعر للنجاشي، قاله إذ لحق بمعاوية فارا في
حين ضرب علي له في الخمر مائة جلدة.
قال أبو عمر:
قد روينا من وجوه، أن عليا إنما أحرقهم بعد قتلهم، ذكر العقيلي
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا شبابة، وذكره أبو زيد
عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا شبابة بن
سوار، قال: حدثنا خارجة بن مصعب، عن سلام بن أبي القاسم،
عن عثمان بن أبي عثمان الأنصاري، قال: جاء ناس من الشيعة إلى

فتح البر
٢٤٤
علي فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت هو؟ قال من أنا؟ قالوا أنت هو؟
قال: ويلكم من أنا؟ قالوا: أنت ربنا، قال ويلكم ارجعوا فتوبوا؛
فأبوا، فضرب أعناقهم، ثم قال: يا قنبر، إنتني بحزم الحطب،
فحفر لهم في الأرض أخدودا فأحرقهم بالنار ثم قال:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا
قال أبو عمر:
روى عثمان بن عفان(١)، وسهل بن حنيف، وعبد الله بن
مسعود(٢)، وطلحة بن عبيد الله، وعائشة (٣) وجماعة من الصحابة،
عن النبي وَل أنه قال: لا يحل دم إمرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث
كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس.
فالقتل بالردة على ما ذكرنا، لا خلاف بين المسلمين فيه، ولا
اختلفت الرواية والسنة عن النبي ◌َّ فيه، وإنما وقع الاختلاف في
الاستتابة، وفيما ذكرنا من المرتدة.
قال أبو عمر:
احتج من قال يقتل المرتد إذا ارتد ثالثة أو رابعة، بقول الله
عز وجل ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: (١٣٧)] الآية. والقياس أن
من ولد على الفطرة، أحق أن يستتاب؛ لأنه لا يعرف غير الإسلام.
(١) د (٤ / ٤٥٠٢/٦٤٠). ت (٤/ ٤٠٠ /٢١٥٨) وقال: هذا حديث حسن. ن
(٤٠٣١/١٠٦/٧). جه (٢٥٣٣/٨٤٧/٢).
(٢) خ (١٢ / ٦٨٧٨/٢٤٧). م (١٦٧٦/١٣٠٢/٣). د (٤/ ٤٣٥٢/٥٢٢).
ت (٤/ ١٢ - ١٣ / ١٤٠٢). ن (٧ / ١٠٥/ ٤٠٢٧). جه (٨٤٧/٢ /٢٥٣٤).
(٣) حم (١٨١/٦). د (٤/ ٤٣٥٣/٥٢٢). ن (٤٠٢٩/١٠٦/٧). انظر الإرواء (٢١٩٦).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٤٥
واحتج من لم ير استتابة المرتد وقال: يقتل على ظاهر هذا الحديث
دون استتابة- بحديث أبي موسى الأشعري، أن رسول الله وع الجاله
استعمله على اليمن، ثم اتبعه معاذ بن جبل؛ فقدم معاذ فوجد عنده
رجلا مقيدا بالحديد، فقال: ماشأن هذا؟ فقال هذا كان يهوديا
فأسلم، ثم ارتد وراجع دينه دين السوء؛ فقال معاذ: لا أجلس حتى
يقتل، قضاء الله ورسوله، فقال له أبو موسى: اجلس، فقال: لا
أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. قال: فأمر به فقتل(١).
رواه يحيى القطان، عن قرة بن خالد، عن حميد بن هلال، عن
أبي بردة، عن أبي موسى. وروي من وجوه عن أبي موسى، إلا أن
بعضهم قال فيه: إنه قد کان استتیب قبل ذلك أياما.
واحتج من رأى الاستتابة بهذا الحديث وهو ما حدثنا عبد الله بن
محمد بن یحیی، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي، قال حدثنا علي بن الحسين،
عن أبيه، عن زيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان
عبد الله بن سعد يكتب لرسول الله وحلول، فأزله الشيطان فلحق
بالكفار؛ فأمر به رسول الله * أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له
عثمان، فأجاره رسول الله وَلَّ(٢).
وأما ميراث المرتد، فقد اختلف العلماء فيه، والصحيح عندنا أن
ميراثه في بيت المال؛ لا يرثه أحد من ورثته، لقول رسول الله وَله :
لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر، وسنبين ذلك، ونذكر
أقاويل العلماء فيه عند ذكرنا حديث ابن شهاب، عن علي بن حسين
في كتابنا هذا إن شاء الله، والله المستعان.
(١) خ (٤٣٤١/٧٥/٨ -٤٣٤٢).
(٢) د (٤ / ٥٢٧ / ٤٣٥٨). ن (٧ / ١٢٣ / ٤٠٨٠).

٢٤٦
فتح البر
ما جاء في النهي عن قتل المصلي
[٢] مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن
الخيار، أنه قال: بينما رسول الله - ملح- جالس بين ظهراني الناس - إذ جاءه
رجل فساره، فلم يدر ما ساره حتى جهر رسول الله وَلير؛ فإذا هو يستأذن في
قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله - وَ ل * - حين جهر: أليس يشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فقال الرجل: بلى ـــ ولا شهادة له-
قال: أليس يصلي؟ قال: بلى - ولا صلاة له - فقال رسول الله ري: أولئك
الذین نهاني الله عنهم.
هكذا رواه سائر رواة الموطأ عن مالك: إلا روح بن عبادة، فإنه
رواه عن مالك متصلا مسندا:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا محمد بن الجهم السمري، قال حدثنا روح بن عبادة، عن
مالك، عن الزهري عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن
الخيار، عن رجل من الأنصار، أنه قال: بينما رسول الله وعليه-
وسلم
فذكره(١).
ورواه الليث بن سعد، وابن أخي الزهري، عن الزهري: مثل
رواية روح بن عبادة، عن مالك- سواء. ورواه صالح بن كيسان،
وأبو أويس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن
الخيار، أن نفرا من الأنصار حدثوه- وساق الحديث.
(١) حم (٤٣٢/٥-٤٣٣). عبد الرزاق (١٨٦٨٨/١٦٣/١٠).
حب (٣٠٩/١٣- ٥٩٧١/٣١٠). الهيثمي في المجمع (٢٩/١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح. وصححه الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣٣٧/٢).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٤٧
ورواه الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، كما
رواه يحيى والجماعة، عن مالك. ورواه معمر، فسمى الرجل الذي
لم يسمه روح بن عبادة.
وسنذكره- إن شاء الله، وسنذكر ما انتهى إلينا من روايات
أصحاب ابن شهاب لهذا الحديث في هذا الباب- إن شاء الله.
وأما الرجل الذي سار رسول الله - حمّ له فهو عتبان بن مالك- وأما
الرجل المتهم بالنفاق، والذي جرى فيه هذا الكلام، هو مالك بن
الدخشم :
حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا أحمد بن دحيم، حدثنا أبو جعفر
محمد بن الحسين بن زيد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن داود
البرلسي، حدثنا عبيد الله بن عمر الغداني، قال حدثنا عامر ابن
يساف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس،
عن أنس بن مالك، قال: لما أصيب عتبان بن مالك في بصره -
وهو رجل من الأنصار، وكان عقبيا بدريا- بعث إلى رسول
الله - وَلا- فقال: بأبي أنت وأمي يارسول الله، لو جئت فصليت في
بيتي، أو بقعة من داري، ودعوت الله-عز وجل- لنا بالبركة؟ فقام
رسول الله -43- في نفر من أصحابه حتى أتى منزله، فصلى -في
بيته، وخرج فصلى في بقعة من داره، ثم قعد القوم يتحدثون،
فذكر بعضهم ابن الدخشم، فقالوا: يا رسول الله، ذلك كهف
المنافقين ومأواهم، وأكثروا فيه، حتى رخص لهم رسول الله -مێهـ
في قتله، ثم قال لهم: هل يصلي؟ قالوا: نعم يا رسول الله، صلاة

فتح البر
٢٤٨
لا خير فيها أحيانا، ويلبي أحيانا. فقال رسول الله - مح له -: نهيت
عن قتل المصلين، إنه من يشهد أن لا إله إلا الله- مخلصا بها.
يموت على ذلك، حرمه الله على النار(١).
قال سعيد، قال قتادة، قال النضر بن أنس: أمرنا أبونا أن نكتب
هذا الحديث، وما أمرنا أن نكتب حديثا غيره، وقال: احفظوه يا
بني.
وفي هذا الحديث من الفقه، إباحة المناجاة والتسار مع الواحد دون
الجماعة، وإنما المكروه أن يتناجى الاثنان فما فوقهما دون الواحد،
فإن ذلك يحزنه؛ وإن مناجاة الاثنين دون الجماعة لا بأس بذلك،
بدليل هذا الحديث وغيره.
ويحتمل أن يستدل بهذا الحديث على أن الرجل الرئيس المحتاج
إلى رأيه ونفعه، جائز أن يناجيه كل من جاءه في حاجته؛ لقوله
- {وَلـ: استعينوا على حوائجكم بالكتمان(٢). وفيه أنه جائز للرجل
أن يظهر الحديث الذي يناجيه به صاحبه - إذا لم يكن في ذلك ضرر
على المناجي، أو كان مما يحتاج أهل المجلس إلى علمه.
وفيه أن من أظهر الشهادة بأن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول
الله، حقنت دمه، إلا أن يأتي ما يوجب إراقته مما فرض عليه من
الحق المبيح لقتل النفس المحرمة.
(١) الطبراني (٢٦/١٨). ابن عدي (١٧٣٩/٥) من طريق عامر بن يساف. وأورده الهيثمي في
المجمع (٢٩٦/١) وقال :... وفيه عامر بن يساف وهو منكر الحديث. وأصل الحديث في
الصحيحين. انظر خ (١/ ٤٢٥/٦٨٣). م (٣٣/٦١/١).
(٢) انظر تخريجه في الصحيحة (١٤٥٣).

٢٤٩
استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
وفي قول رسول الله -وحَ له -: أليس يصلي؟-بعد قوله: أليس
يشهد أن لا إله إلا الله؟- دليل على أن الصلاة من الإيمان، وأنه لا
إيمان لمن لا صلاة له.
وفي قوله-وَلاّ -: أولئك الذين نهاني الله عنهم، دليل على أن
من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لم ينهه الله عن
قتله، وكذلك قوله -أليس يصلي؟ دليل على أنه لا يجوز قتل من
صلى، وإذا لم يجز قتل من صلى، جاز قتل من لم يصل، وقد
تقدم القول في تارك الصلاة في باب زيد بن أسلم، عن بسر بن
محجن- فأغنى عن إعادته.
وفي قول رسول الله - مح له -: أولئك الذين نهاني الله عنهم، رد
لقول صاحبه القائل له: بلى ولا صلاة له، بلى ولا شهادة له، لأن
رسول الله- مَ له- قد أثبت له الشهادة والصلاة، ثم أخبر أن الله نهاه
عن قتلهم -يعني: عن قتل من أقر ظاهرا وصلى ظاهرا.
وأما قولنا: إن رسول الله -مَّ لوه- قد أثبت له الشهادة والصلاة،
فمأخوذ من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع،
ونحن نذكره هو وغيره في هذا الباب-إن شاء الله تعالى.
وسئل مالك-رحمه الله- عن الزندقة، فقال: ما كان عليه
المنافقون على عهد رسول الله -مَّل- من إظهار الإيمان، وكتمان
الكفر، هو الزندقة عندنا اليوم، قيل لمالك: فلم يقتل الزنديق
-ورسول الله وَلا-لم يقتل المنافقين- وقد عرفهم؟ فقال: إن رسول
الله وَله -لو قتله بعلمه فيهم- وهم يظهرون الإيمان، لكان ذريعة
إلى أن يقول الناس: يقتلهم للضغائن، أو لما شاء الله غير ذلك،
فيمتنع الناس من الدخول في الإسلام. هذا معنى قوله.

فتح البر
٢٥٠
وقد روي عن رسول الله -مَّله - أنه عوتب في المنافقين، فقال:
يتحدث الناس أني أقتل أصحابي(١).
وقد احتج عبد الملك بن الماجشون في قتل الزنديق بقول الله
* لَيِنِ لَّمْ يَتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى
عز وجل
◌َ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا
اٌلْعَدِينَةِ لَتُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّ قَلِيلًا
٦٠
ثُقِفُواْأُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا
﴾ [الأحزاب: (٦٠ _ ٦١)].
يقول: إن الشأن فيهم أن يقتلوا تقتيلا حيث وجدوا، ولم يذكر
استتابة؛ فمن لم ينته عما كان عليه المنافقون في زمن النبي - دَاللّـ
قتل حيث وجد . - والله أعلم.
قال أبو عمر: مالك وأصحابه كلهم - إلا ابن نافع- يجعلون مال
الزنديق إذا قتلوه لورثته المسلمين، وهم؛ لا يقتلونه لفساد في
الأرض كالمحارب وأهل البدع ولا يقتلونه حدا، وإنما يقتلونه على
الكفر؛ فكيف يرثه المسلمون- وقد قال رسول الله وح جله -: لا يرث
المسلم الكافر (٢).
وأما ابن نافع، فرواه عن مالك فقال ميراثه في لجماعة المسلمين
فهذا أبين، لأن الدم أعظم حرمة من المال، والمال تبع له.
واختلف الفقهاء في استتابة الزنديق المشهود عليه بالكفر
والتعطيل- وهو مقر بالإيمان، مظهر له، جاحد لما شهد به عليه،
منكر له .
(١) خ (٣٥١٨/٦٧٧/٦). م (١٩٩٨/٤-٢٥٨٤/١٩٩٩(٦٣)). ت (٣٨٩/٥- ٣٣١٥/٣٩٠).
(٢) خ (٦٧٦٤/٥٨/١٢). م (١٦١٤/١٢٣٣/٣). د (٣٢٦/٣-٢٩٠٩/٣٢٧
ت (٤ / ٢١٠٧/٣٦٩).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٥١
فقال مالك وأصحابه: يقتل الزنادقة ولا يستتابون. قال مالك:
ويستتاب القدرية كما يستتاب المرتد. قال ابن القاسم فقيل لمالك-
في القدرية -: كيف يستتابون قال يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه، فإن
فعلوا، وإلا قتلوا.
واختلف قول أبي حنيفة وأبي يوسف في الزنديق: فقالا مرة:
يستتاب، ومرة: فلا يستتاب- ويقتل دون استتابة. وقال الطحاوي:
أخبرنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن أبي
حنيفة قال: اقتل الزنديق، فإن توبته لا تعرف، قال: ولم يحك عن
أبي يوسف خلافا، وقال الشافعي: يستتاب الزنديق، كما يستتاب
المرتد ظاهرا، فإن لم يتب قتل؛ قال: ولو شهد شاهدان على رجل
بالردة فأنكر، قتل؛ فإن أقر أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله، وتبرأ من كل دين خالف الإسلام، لم يكشف عن غيره.
ومن حجة الشافعي في الزنديق، أنه يستتاب، فإن أقر وأظهر
الإسلام، لم يقتل؛ لأن رسول الله وَّخلّ لم يقتل المنافقين، لإظهارهم
الإسلام، ولو شاء لقتلهم بالشهادة عليهم دون العلم؛ والقضاء
بالعلم للحاكم عند الشافعي جائز، وهذه المسألة ليس هذا موضعها،
وإنما أتينا بما يطابق بعض معاني الحديث ويجانسه على شرط
الاختصار، وترك الإكثار.
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: يستتاب الزنديق؟
قال: ما أدري؟ قلت: إن أهل المدينة يقولون يقتل ولا يستتاب،
فقال: نعم يقولون ذلك، ثم قال: من أي شيء يستتاب وهو لا
يظهر الكفر، هو يظهر الإيمان؟ فمن أي شيء يستتاب؟ قلت:
فيستتاب عندك؟ قال: ما أدري؟ .

فتح البر
٢٥٢
-
ومن الحجة أيضا لمن أبى من قتل الزنديق - مع هذا الحديث
المذكور في هذا الباب - قوله وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم إلا
بحقها، وحسابهم على الله(١)) وقد قال ◌َله ((من قالها مخلصا من
قلبه دخل الجنة)) .
فدل على أن هناك من يقولها غير مخلص بها، وحسابه على
الله؛ كما قال رسول الله وَله وقد أجمعوا أن أحكام الدنيا على
الظاهر، وأن السرائر إلى الله عز وجل.
وأما الآثار المتصلة الثابتة في معنى حديث مالك هذا، فمنها: ما
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أبو
عبيدة بن أحمد، قال حدثنا محمد بن علي بن داود، قال حدثنا
سعيد بن داود، قال حدثنا مالك بن أنس، أن ابن شهاب حدثه، أن
محمود بن الربيع حدثه، وزعم أنه كان قد عقل رسول الله وَ له أن
عتبان بن مالك وهو أحد بني سالم قال: كنت أصلي لقومي في
زمن النبي ◌َّ فلما ساء بصري وبيني وبين قومي واد طفقت يشق
علي إجازة الوادي إذا كانت الأمطار، فشكوت ذلك إلى رسول الله
وَاللّه، قلت: يا رسول الله، وددت أنك تأتيني فتصلي في بيتي، في
مكان أتخذه مصلى، فقال رسول الله وَله: سأفعل، قال عتبان:
فغدا على رسول الله وَله وأبو بكر، حين تعالى النهار، فاستأذن،
فأذن له؛ فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟
فأشرت له إلى المكان الذي نريد، فقام رسول الله (جل و کبر وصلى،
(١) خ (١٣٩٩/٣٣٤/٣). م (٢١/٥٢/١). د (٢٦٤٠/١٠١/٣). ت (٢٦٠٦/٥/٥).
ن (٣٩٨٣/٨٩/٧). جه (٣٩٢٧/١٢٩٥/٢).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٥٣
ثم سلم فجلس في مصلاه، وحبسناه لخزير يصنع له: فسمع رجال
أهل الدار وهم يدعون والدور قربهم، فلم أشعر حتى كثر الرجال
في بيتي، فقال رجل منهم: فأين مالك بن الدخشم؟ لا أراه أتى!
فقال رجل آخر منهم: ذلك منافق، لا يحب الله ولا رسوله، فقال
رسول الله وَله: لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله،
يبتغي بذلك وجه الله؟ فقال الرجل: الله ورسوله أعلم، أما نحن يا
رسول الله، فما نرى مودته ونصيحته ووجهه إلا إلى المنافقين، قال
رسول الله وَ ◌ّ («فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله،
يبتغي بها وجه الله، والدار الآخرة))(١).
وحدثنا خلف بن سعيد، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال
حدثنا أحمد بن خالد، قال حدثنا علي بن عبد العزيز، قال حدثنا
حجاج بن المنهال، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني،
عن أنس، أن عتبان بن مالك الأنصاري كان ضریرا، فقال: يا
رسول الله، تعال فصل في داري، حتى أتخذ مصلاك مسجدا،
فجاء رسول الله وَجلّ فاجتمع إليه قومه، فتخلف مالك بن الدخشم،
فوقعوا فيه وقالوا: إنه، وإنه هو منافق! فقال النبي وَله: ((أليس
يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟)) قالوا: بلى يا رسول
الله، يقولها تعوذا، فقال: ((فوالذي نفسي بيده، لا يقولها عبد
صادقا بها، إلا حرمت عليه النار))(٢).
وعند حماد بن سلمة في هذا الحدیث أیضا، حديث آخر: حدثنا
خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، وأبو أحمد
الحسین بن جعفر الزیات، قالا حدثنا یوسف بن یزید، قال حدثنا
(١) و (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٥٤
أسد بن موسى، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلا من الأنصار، أرسل إلى
رسول الله وَلّ أن خط لي في داري مسجدا، فأتاه النبي وَل،
واجتمع قومه، وتغيب رجل منهم، فقال النبي وَلّ: أين فلان؟
فغمزه رجل منهم: إنه، وإنه! فقال النبي وَل: أليس قد شهد بدرا؟
قالوا: بلى، قال: فلعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا
ما شئتم، فقد غفرت لكم(١).
وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا ابن وضاح
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو خالد الأحمر، عن
الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أسامة بن زيد، قال: بعثنا رسول الله
وَخَلّ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا فقال:
لا إله إلا الله، فطعنته؛ فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته لرسول
الله وَخله فقال رسول الله وَخاله: ((قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت
يا رسول الله، إنما قالها فرقا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه
حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني
أسلمت يومئذ. قال فقال سعيد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله
ذو البطين - يعني أسامة - وذكر باقي الحديث(٢).
وأما طرق حديث ابن شهاب، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار،
فقد ذكرها إسماعيل بن إسحاق القاضي مستقصاة مجودة ونحن
نذکرها عنه:
(١) د (٤٦٥٤/٤٢/٥). جه (٧٥٥/٢٤٩/١). حب: الإحسان (١٢٣/١١/ ٤٧٩٧).
ك (٧٧/٤-٧٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه على اليقين: أن الله أطلع
عليهم فغفر لهم، إنما أخرجاه على الظن، وما يدريك لعل الله تعالى أطلع على أهل بدر.
ووافقه الذهبي. وللحديث شواهد يتقوى بها أخرجها الشيخان عن جابر وغيره.
(٢) خ (٦٨٧٢/٢٣٥/١٢). م (٩٦/٩٦/١). د (٢٦٤٣/١٠٢/٣).

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٥٥
حدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر، وأبو القاسم عبد الوارث بن
سفیان بن جبرون، قال حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدثنا محمد بن بشار، قال
حدثنا محمد بن بكر، قال أخبرنا بن جريج، قال أخبرني ابن
شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي
ابن الخيار، أن رجلا من الأنصار أتى النبي وَ له وهو في مجلس،
فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله وَلاقه
فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى يا رسول الله ولكن
لا شهادة له، قال: ألیس یشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: بلی یا
رسول الله، ولا شهادة له، قال: أليس يصلي؟ قال: بلى يا رسول
الله، ولكن لا صلاة له، فقال رسول الله وَّله: أولئك الذين نهاني
الله عنهم(١) .
قال القاضي: هكذا رواه ابن جريج مرسلا، ووافقه في إرساله
سفيان بن عيينة: حدثناه علي بن المديني، قال: حدثنا سفيان بن
عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن
الخيار، أن رسول الله وَ ل أتي برجل، فلما وجه ليقتل قال: أيشهد
أن لا إله إلا الله؟ قالوا: نعم، ولا شهادة له؛ قال: أيشهد أني
رسول الله؟ قالوا: نعم، ولا شهادة له، قال رسول الله وَله: أولئك
الذین نهاني الله عنهم(٢).
قال علي بن المديني: سمعته من سفيان مرارا، لم أسمعه يذكر
فیه سماعا، وهو من قدیم حدیث سفيان.
(١)و(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه (أول حديث).

فتح البر
٢٥٦
قال القاضي: قد روى هذا الحديث عن الزهري جماعة، منهم:
ابن جريج، ومالك بن أنس، وليث بن سعد، ومعمر، وأبو أويس،
وابن أخي الزهري، وابن عيينة؛ فلم يقل أحد منهم في حديثه أن
الرجل وجه ليقتل إلا ابن عيينة؛ وقد بلغني أن ابن عيينة كان ربما لم
يذكر هذا الكلام فيه، وإنما الحديث أن رجلا سار النبي وَله يستأذنه
في قتل رجل من المنافقين، وليس فيه: فوجه الرجل ليقتل.
قال أبو عمر:
قد أسقط ابن عيينة أيضا من هذا الحديث قول رسول الله ولايته:
أليس يصلي؟ قالوا: بلى ولا صلاة له، وهو كلام محفوظ في هذا
الحديث من وجوهه كلها، وله معنى صحيح جسيم عند أهل العلم،
وقد تقدم فيما أوردنا من الأحاديث ما يدل على غلط ابن عيينة وخطئه
في قوله في هذا الحديث: فلما وجه الرجل ليقتل، وبالله التوفيق.
قال إسماعل القاضي: حدثنا أبو مصعب الزهري، قال حدثنا
مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن
عبيد الله بن عدي بن الخيار، أنه حدثه عن النبي وَخلال أنه بينما هو
جالس بين ظهراني الناس، إذ جاء رجل فساره، فلم يدر ما ساره
به(١) _ فذکر الحدیث بمثل روایة یحیی حرفا بحرف.
قال القاضي: هكذا حدثنا به أبو مصعب، عن الزهري، عن
مالك مرسلا قال: ورواه روح بن عبادة، عن مالك مسندا، زاد في
إسناده رجلا، وقال في رواية أبي مصعب ما يدل على أن روح بن
عبادة قد أصاب في زيادته، وهو قوله: فلم يدر ما ساره به، وهذا
لا يقوله إلا رجل شهد النبي وَلّ، وعبيد الله بن عدي ان الخيار،
لم يدرك النبي وَ ار.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٥٧
حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قال حدثنا عبد العزيز بن
محمد الدراوردي، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن عروة بن
الزبير، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن عثمان بن عفان قال
له: هل أدركت رسول الله وَجله؟ قال: قلت: لا، ولكن قد خلص
إلي منه ما خلص إلى العذراء في خدرها من اليقين.
حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا
مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن
عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلا أخبره أن النبي وَلّ بينما هو
جالس بين ظهراني الناس، جاءه رجل فساره، فلم يدر ما ساره به
حتى جهر رسول الله وَله، فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من
المنافقين، فقال رسول الله وَله: أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمدا رسول الله؟ فقال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال:
أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال رسول الله وَله :
أولئك الذين نهاني الله عنهم(١).
قال القاضي: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا الليث بن
سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله
ابن عدي بن الخيار، أن رجلا من الأنصار حدثه أن رجلا من
الأنصار أتى رسول الله وَلّ يستأذنه في قتل رجل من المنافقين،
فقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولا شهادة له،
أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: بلى، ولا شهادة له، قال:
أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال رسول الله وَله:
أولئك الذين نهيت عنهم(٢) .
(١) و(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٢٥٨
قال القاضي: زاد فيه محمد بن المثنى، عن أبي الوليد الطيالسي
بهذا الإسناد: أن الرجل سار النبي وَلا يستأذنه في قتل رجل من
المنافقين، قال: فجهر رسول الله وَجله، قال: أليس يشهد أن لا إله
إلا الله؟ .
قال القاضي: وحدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال حدثني أبي،
قال: حدثنا ابن شهاب، أن عطاء بن یزید الجندعي حدثه، أن عبيد
الله بن عدي بن الخيار حدثه، أن نفرا من الأنصار حدثوه أن رسول
الله ◌َله بينما هو جالس بين ظهراني الناس، جاءه رجل فساره، فلم
يدر ما الذي ساره به حتى جهر رسول الله وَخلّ، فإذا هو يستأذنه في
قتل رجل من المنافقين، فقال له رسول الله وحمّ ل له حين جهر: أليس
يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال الرجل وهو
أنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال: أليس يصلى؟
قال: بلى، ولا صلاة له، قال رسول الله وَجله: أولئك الذين نهاني
الله عنهم(١) .
قال القاضي: قد أسند هذا الحدیث عدد اتفقوا فیه أنه عن رجل،
وجعله أبو أويس عن نفر، والذين اتفقوا فيه: مالك بن أنس، وليث
ابن سعد، وابن أخي الزهري، ومعمر بن راشد، وسمى معمر
الرجل عبد الله بن عدي الأنصاري إن كان ذلك مضبوطا عنه،
حدثنا به علي بن عبد الله قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا
معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن عبد الله بن
عدي، أن عبد الله بن عدي الأنصاري حدثه أن رسول الله وَجل بينما
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين
٢٥٩
هو جالس بين ظهراني الناس جاءه رجل يستأذنه أن يساره، فأذن له
فساره في قتل رجل من المنافقين، يستأذنه فيه، فجهر رسول الله ولاخله
فقال: ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟)) قال: بلى، ولا شهادة له،
قال: ((أليس يشهد أني رسول الله؟)) قال: بلى، ولا شهادة له،
قال: ((أليس يصلي؟)) قال: بلى، ولا صلاة له، قال: ((أولئك الذين
نهیت عنهم))(١) .
قال: وحدثنا إبراهيم بن حمزة، قال حدثنا عبد العزيز بن
محمد، عن محمد بن أخي الزهري، عن عمه، عن عطاء بن یزید،
أن عبد الله بن عدي قال: أخبرني رجل من الأنصار من أصحاب
النبي وَخُلّ أنه بينما هو جالس عند رسول الله وَخلال جاءه رجل من
الأنصار، فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فلم يدر ما قال
لرسول الله وَله، حتى كان رسول الله وَجله هو يجهر، فقال رسول
الله وَخله: أو ليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى يا رسول الله،
ولا شهادة له قال: أو ليس يشهد أن محمدا رسول الله وَ لاَ؟ قال:
بلى يا رسول الله ولا شهادة له، قال: أو ليس يصلي؟ قال: بلى يا
رسول الله، ولا صلاة له، قال رسول الله وَخجلول: أولئك الذين نهاني
الله عنهم.
قال القاضي: هكذا في كتابنا: عطاء بن يزيد، أن عبد الله بن
عدي، قال: أخبرني رجل من الأنصار، وإنما هو عبيد الله بن عدي
ابن الخيار، فقد اتفق على ذلك مالك بن أنس، وليث بن سعد،
وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وأبو أویس،
وهم سبعة بابن أخي الزهري، هؤلاء النفر السبعة، وليس فيهم
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
- ٢٦
أجود رواية من معمر، إن كان عبد الرزاق ضبط عن معمر، لأنه
جعله عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن عبد الله بن عدي
الأنصاري، عن النبي وَ اجله .
قال القاضي: وعبد الله بن عدي هذا، رجل من الأنصار، وليس
هو عبد الله بن عدي بن الحمراء، الذي روى حديثه الزهري عن أبي
سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنه سمع النبي وَظَلّ يقول
وهو بالحزورة في سوق مكة: والله إنك خير أرض الله، وأحب
الأرض إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت(١).
قال القاضي: عبد الله بن عدي بن الحمراء، رجل من قريش من
بني زهرة، وليس هو عبد الله بن عدي الذي روى حديثه عبد الرزاق
أن النبي وَله استؤذن في قتل رجل من المنافقين.
حدثني عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا: حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا
معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن المقداد بن
الأسود قال: يا نبي الله، أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين
ضربتين يضربني فقطع يدي، فذهبت لأضربه فقال: لا إله إلا الله ،
أفأقتله أم أدعه؟ قال: دعه، قلت: إنه قطع يدي، قال: وإن فعل،
فأعدت عليه مرارا، فقال رسول الله وَله: إن قتلته بعد أن يقول لا
إله إلا الله، فهو مثلك قبل أن تقتله، وأنت مثله قبل أن يقولها(٢).
قال القاضي: هكذا رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري،
عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد. اتفق على ذلك سبعة
(١) ت (٣٩٢٥/٦٧٩/٥) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. جه (٣١٠٨/١٠٣٧/٢).
(٢) خ (٤٠٧/٧-٤٠٨ /٤٠١٩). م (١ / ٩٥/٩٥). د (١٠٣/٣ - ٢٦٤٤/١٠٤).