Indexed OCR Text
Pages 221-240
الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٢١ هذا وكان القوم عربا في طبعهم الحفظ، وقلة نسيان، فكيف اليوم؟ وإذا كان القرآن الميسر للذكر «كالإبل المعقلة، من تعاهدها أمسكها))، فكيف بسائر العلوم؟ . والله أسأله علما نافعا، وعملا متقبلا، ورزقا واسعا، لا شريك له. ومن أحسن حديث يروى في كيفية الاستئذان: ما حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن الحسن بن صالح، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: استأذن عمر على النبي وَجِّ، فقال: السلام على رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر(١)؟ وروى منصور عن ربعي بن حراش، عن رجل من بنى عامر: أن رسول الله وَ لا قال له: قل: السلام. أأدخل(٢)؟ وقد ذكر ابن وهب قال: أخبرني عمر بن الحارث، عن أبي الزبير عن عمر مولى آل عمر أنه حدثه أنه دخل على عبد الله بن عمر بمكة، قال: وقفت على الباب فقلت: السلام عليكم. ثم دخلت فنظر في وجهي ثم قال: أخرج، ثم قلت: السلام عليكم آدخل؟ (١) ذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٤٧) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. (٢) د (٥١٧٧/٣٦٩/٥-٥١٧٨-٥١٧٩). وللحديث شاهد من حديث صفوان بن أمية عند: حم (٤١٤/٣). د (٥١٧٦/٣٦٨/٥). ت (٢/ ٦٢ / ٢٧١٠) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. فتح البر -٢٢٢ قال: أدخل الآن، من أنت؟ قلت: رجل من مصر، قال: وقال ابن جريج: قلت لعطاء كان يقال: إذا استأذن الرجل، ولم يسلم، فلا يؤذن له، حتى يأتي بمفتاح قلت: السلام؟ قال: نعم. قال أبو عمر: تهذيب هذه الآثار كلها على ما جاء في حديث ابن عباس: السلام عليكم أيدخل عمر؟ فمن سلم، ولم يقل آدخل، أو يدخل فلان، أو قال أدخل أو يدخل فلان، ولم يسلم، فليس بإذن يستحق به أن يوذن له، والله أعلم. وقد أخبرنا ابن عباس أن الاستئذان ترك العمل به الناس، وأظن ذلك لقرع الأبواب اليوم، والله أعلم. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((كان الناس ليس لبيوتهم ستور، ولا حجال فأمرهم الله بالاستئذان، ثم جاءهم الله بالستور، والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد)) . وقد أوضحنا هذا المعنى في باب صفوان بن سليم والحمد لله. وأنكر رسول الله وَ جله على جابر، حين دق على رسول الله وَله الباب فقال له رسول الله وَّ جله: من؟ فقال جابر: أنا، فأنكر ذلك عليه رسول الله وَ لخلقه، وقال: أنا، أنا - مرتين، أو ثلاثا، إنكارا لذلك. ورواه شعبة، وغيره، عن محمد بن المكندر، عن جابر بن عبد الله: ((أنه ذهب إلى النبي وَلّ في دين أبيه، قال: فدققت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أنا، قال: أنا، أنا، فكرهه(١). (١) خ (١١/ ٦٢٥٠/٤٢/٤٢). م (٢١٥٥/١٦٩٧/٣). د (٥١٨٧/٣٧٤/٥). ت (٢٧١١/٦٢/٥). جه (٣٧٠٩/١٢٢٢/٢). الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٢٣ باب منه [١٦] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله وَ ل# قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة(١). وفي هذا الحديث دليل على قبول خبر الواحد وإيجاب الحكم والعمل به، لأن الصحابة رضي الله عنهم قد استعملوا خبره، وقضوا به، وتركوا قبلةً كانو عليها لخبره وهو واحد ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله وَخُلّ ولا أنكره واحد منهم؛ وحسبك بمثل هذا قوة من عمل القرن المختار خير القرون، وفي حياة الرسول وَ جله. (١) خ (٤٠٣/٦٦٦/١) و(٧٢٥١/٢٨٨/١٣). م (٥٢٦/٣٧٥/١). ن (٢٦٥/١ / ٤٩٢). ٢٢٤ فتح البر باب منه [١٧] مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله وَ لو كان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك، فخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عنكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. هذا الحديث مرسل في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد، وقد تقدم القول في معناه مستوعبا في باب حديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب من كتابنا هذا، فلا وجه لإعادة القول في ذلك، وقد يستند معنى هذا الحديث من رواية ابن عباس وجابر(١) وغيرهما، عن النبي وَجله ، وسماع سليمان بن يسار من ابن عباس صحيح، وقال معمر عن الزهري في هذا الحديث: خمس رسول الله وَخلّ خيبر، ولم يكن له ولا لأصحابه عمال يعملونها ويزرعونها، فدعا يهود خيبر وقد كانوا أخرجوا منها، فدفع إليهم خيبر على أن يعملوها على النصف، يؤدونه للنبي وَّ، وقال لهم: أقركم على ذلك بما أقركم الله، فكان يبعث إليهم عبد الله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب أوله، ثم يخير يهود يأخذونها بذلك أو يدفعونها بذلك الخرص، وإنما كان رسول الله وَخليل أمر بالخرص في ذلك لكي تحصى الزكاة في ذلك قبل أن تؤكل الثمرة. (١) سيأتي تخريجهما في البيوع كتاب إحياء الموات والمساقاة والمزارعة والمياه باب [ما جاء في من يبعثه الإمام إلى الخرص]. الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٢٥ وفيه من الفقه إثبات خبر الواحد، ألا ترى أن عبد الله بن رواحة قدم على أهل خيبر وهو واحد، فأخبرهم عن النبي بَُّلّ بحكم كبير في الشريعة، فلم يقولوا له: إنك واحد لا نصدقك على رسول الله وَخلقه، ولو كان خبره واحدا لا يجب به الحكم، ما بعثه رسول الله داخل وحده. وفيه أن المؤمن وإن أبغض في الله، لا يحمله بغضه على ظلم من أبغضه، والظالم نفسه يظلم، قال رَّة ((الظلم ظلمات يوم القيامة))(١). وفيه دليل على أن كل ما أخذه الحاكم والشاهد على الحكم الحق أو الشهادة بالحق سحت، وکل رشوة سحت، وکل سحت حرام، ولا يحل لمسلم أكله، وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين. وقال جماعة أهل التفسير في قول الله عز وجل ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾ [المائدة: (٤٢)]. قالوا: السحت الرشوة في الحكم، وفي السحت كل ما لا يحل كسبه . وفي هذا الحديث دليل على أن السحت - وهو الرشوة عند اليهود - حرام ولا يحل، ألا ترى إلى قولهم: بهذا قامت السماوات والأرض، ولولا أن السحت محرم عليهم في كتابهم ما عيرهم الله فى القرآن بأكله، فالسحت محرم عند جميع أهل الكتاب - أعاذنا الله منه برحمته آمين. أنشدنا غير واحد لمنصور الفقيه رحمه الله: لتدخل فيه والأمانة فيه إذا رشوة من باب بیت تقمحت حليم تنحى عن جوار سفيه سعت هربا منها وولت كأنها (١) خ (٢٤٤٧/١٢٧/٥). م (٤ /٢٥٧٩/١٩٩٦)، ت (٤/ ٢٠٣٠/٣٣٠). فتح البر ٢٢٦ باب منه [١٨] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجدا شديدا؛ فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي ◌َّ، فذكرت ذلك لها؛ فأخبرتها أم سلمة، أن رسول الله وَلتر يقبل وهو صائم؛ فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرا؛ وقال: لسنا مثل رسول الله وَالتى، يحل الله لرسوله ما شاء؛ ثم رجعت امرأته الى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله وَّ؛ فقال رسول الله وَله: ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت قد أخبرتها، فذهبت ٢٣٢١ إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرا، وقال لسنا مثل رسول الله وَله، يحل الله لرسوله ما شاء؛ فغضب رسول الله ﴿ وقال: والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده(١). وفيه من الفقه أيضا، ايجاب العمل بخبر الواحد الثقة، ذكرا كان أو أنثى؛ وعلى ذلك جماعة أهل الفقه والحديث أهل السنة، ومن خالف ذلك، فهو عند الجميع مبتدع؛ والدليل على ما قلنا من العمل بخبر الواحد من هذا الحديث، قول رسول الله وَ له لأم سلمة: ألا أخبرتيها. فأوضح بذلك أن خبر أم سلمة يجب العمل به، وكذلك خبر المرأة لزوجها، ولو كان خبر أم سلمة لا يلزم المرأة، وخبر المرأة لا يلزم زوجها؛ لما قال رسول الله وَخلال لأم سلمة: (١) مالك مرسلا ووصله عبد الرزاق، عن رجل من الأنصار (٨٤١٢/١٨٤/٤) وأحمد من طريق عبد الرزاق (٤٣٤/٥). وذكره الهيثمي في المجمع وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (١٦٩/٣). الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٢٧ ألا أخبرتيها، لأنها كانت تقول: وكيف كنت أخبرها عنك وحدي؟ وأي فائدة في نقلي عنك وحدي؟ أو كيف تنقل المرأة الخبر وحدها إلى زوجها؟ وهذا بين في إيجاب العمل بخبر الواحد، وقبوله ممن جاء به اذا كان عدلا؛ والحجة في إثبات خبر الواحد والعمل به، قائمة من الكتاب والسنة ودلائل الإجماع والقياس، وليس هذا موضع ذكرها؛ وقد أفردنا لذلك كتابا تقصينا فيه الحجة على المخالفين، والحمد لله، وإنما قصدنا في كتابنا هذا لتخريج ما في الأخبار من المعاني، وقد علمنا أن الناظر فيه، ليس ممن يخالفنا في قبول خبر الواحد وبالله التوفيق. ٢٢٨ فتح البر ما جاء في النسخ [١٩] مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة زوج النبي وسلم أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا، ثم قالت إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى ﴾ [البقرة: (٢٣٨)]. فلما بلغتها، آذنتها، فأملت علي: وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ («حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين))، ثم قالت سمعتها من رسول الله وَلِيمٍ(١). في هذا الحديث من الفقه، جواز دخول مملوك المرأة عليها، وفيه ما يدل على مذهب من قال: إن القرآن نسخ منه ما ليس في مصحفنا اليوم، ومن قال بهذا القول يقول: إن النسخ على ثلاثة أوجه في القرآن: أحدهما ما نسخ خطه وحكمه وحفظه، فنسي - يعني رفع خطه من المصحف، وليس حفظه على وجه التلاوة، ولا يقطع بصحته على الله، ولا يحكم به اليوم أحد، وذلك نحو ما روى أنه كان يقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم(٢). ومنها قوله: لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لا تبغى إليه ثانيا، ولو أن له ثانيا، لابتغى إليه ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب، ويتوب الله على من تاب(٣). قيل: إن هذا كان في ـم (٦/ ٧٣ - ١٧٨). م (١ / ٤٣٧ / ٦٢٩). د (١ / ٨٧ ٢ / ٤١٠). ت (١) حــ - (٢٠١/٥-٢٩٨٢/٢٠٢). ن (١ / ٢٥٥/ ٤٧١). (٢) خ (١٢ /١٧٥/ ٦٨٣٠) عن ابن عباس عن عمر في خطبته الطويلة. (٣) أخرجه من حديث ابن عباس من قول النبي وَ لو: خ (٣٠٤/١١-٦٤٣٦/٣٠٥ -٦٤٣٧) وقال ابن عباس في آخره: فلا أدري من القرآن هو أم لا؟. الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٢٩ سورة(ص). ومنها: بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه. وهذا من حديث مالك عن اسحاق، عن أنس، أنه قال: أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه، ثم نسخ بعد: بلغوا قومنا، وذكره(١). ومنها قول عائشة: كان فيما أنزل الله من القرءان عشر رضعات، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله وَّجله وهن مما يقرأ(٢) - الى أشياء في مصحف أبي، وعبد الله، وحفصة، وغيرهم، مما يطول ذكره. ومن هذا الباب، قول من قال: إن سورة الأحزاب، كانت نحو سورة البقرة أو الأعراف: روی سفیان، وحماد بن زيد، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال قال لي أبي بن كعب: كائن تقرأ سورة الاحزاب، أو كائن تعدها؟ قلت ثلاثا وسبعين آية، قال: قط، لقد رأيتها وإنها لتعادل البقرة، ولقد كان فيما قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم(٣) وقال مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار قال: كانت سورة الأحزاب تقارن سورة البقرة. وروى أبو نعيم الفضل بن دکین، قال: حدثنا سيف عن مجاهد، قال كانت الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول، ولقد ذهب يوم مسيلمة قرآن كثير، ولم يذهب منه حلال ولا حرام. (١) م (١ / ٤٦٨ / ٦٧٧). (٢) م (١٤٥٢/١٠٧٥/٢). د (٢/ ٢٠٦٢/٥٥١). ن (٣٣٠٧/٤٠٩/٦). جه (١٩٤٢/٦٢٥/١). (٣) حم (١٣٢/٥). ن: في الكبرى (٧١٥٠/٢٧١/٤). وقال ابن كثير في التفسير (٤٤٨/٣): «هذا إسناد حسن)). فتح البر =٢٣٠ أخبرنا عيسى بن سعيد بن سعدان المقرئ، قال أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن أحمد بن جعفر الخرقي المقرئ، قال أخبرنا أبو الحسن صالح بن أحمد القيراطي، قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال أخبرني يحيى بن آدم، قال أخبرنا عبد الله بن الاجلح، عن أبيه عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه عن جده عميرة بن فروة، ان عمر بن الخطاب قال لأبي -وهو إلى جنبه -: أليس كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: إن انتفاءكم من اباءكم كفر بكم؟ فقال(١): بلى، ثم قال: أو ليس كنا نقرأ: الولد للفراش، وللعاهر الحجر (٢)- فيما فقدنا من كتاب الله؟ فقال أبي: بلى. والوجه الثاني أن ینسخ خطه ويبقى حكمه، وذلك نحو قول عمر ابن الخطاب: لولا ان يقول قوم زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، بما قضيا من اللذة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم. فقد قرأناها على عهد رسول الله حَ له(٣)، فهذا مما نسخ ورفع خطه من المصحف، وحكمه باق في الثيب من الزناة إلى يوم القيامة - إن شاء الله- عند أهل السنة. ومن هذا الباب قوله في هذا الحديث: وصلاة العصر- في مذهب من نفى أن تكون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد تأول قوم في قول عمر: قرأناها على عهد رسول الله وَالخاله، أي تلوناها، والحكمة تتلى، بدليل قول الله عز وجل: ﴿ وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: (٣٤)]. وبين أهل العلم في هذا تنازع يطول ذكره. (١) و(٣) تقدم تخريجه. (٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: من قول النبي وَيُّ لا على أنه آية من القرآن: خ (٦٨١٨/١٥٣/١٢). م (٢/ ١٤٥٨/١٠٨١). الاعتصام بالكتاب والسنة ٢٣١ والوجه الثالث أن ينسخ حكمه ويبقى خطه يتلى في المصحف، وهذا كثير، نحو قوله عز وجل: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَّذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: (٢٤٠)]. نسختها: [البقرة: (٢٣٤)] الآية. وهذا من يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرًّاً: الناسخ والمنسوخ المجتمع عليه. وقد أنكر قوم ان يكون هذا الحديث في شيء من معنى الناسخ والمنسوخ، وقالوا: إنما هو من معنى السبعة الأحرف التي أنزل الله القرآن عليها، نحو قراءة عمر بن الخطاب، وابن مسعود -رحمهما الله -: ((فامضوا إلى ذكر الله)). وقراءة ابن مسعود: ((فلا جناح عليه ان لا يطوف بهما)). وقراءة أُبي وابن عباس: ((وأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين)). وقراءة ابن مسعود وابن عباس: ((فلما خر تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب)). ونحو هذا من القراءات المضافة إلى الأحرف السبعة، وقد ذكرنا ما للعلماء من المذاهب في تأويل قول رسول الله وَله: أنزل القرآن على سبعة أحرف(١) في باب ابن شهاب عن عروة من هذا الكتاب. وقد أبت طائفة أن يكون شيء من القرآن إلا ما بين لوحي مصحف عثمان، واحتجوا بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: (٩)]. إلى أشياء احتجوا بها يطول وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ذكرها. (١) أخرجه خ (٢٤١٩/٩٣/٥) وم (١/ ٨١٨/٥٦٠[٢٧٠]). من حديث عمر بن الخطاب وفي الباب عن جماعة من الصحابة. وانظر كتاب صفات الصلاة باب [ما جاء في تعدد القراءات وتعاهد القرآن]. فتح البر ٢٣٢ وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان- وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا- هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لاحد ان يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه، وأن كل ما روي من القرآن في الآثار عن النبي وَلّ، أو عن أبي أو عمر بن الخطاب أو عائشة أو ابن مسعود أو ابن عباس، أو غيرهم من الصحابة مما يخالف مصحف عثمان المذكور، لا يقطع بشيء من ذلك على الله عز وجل، ولكن ذلك في الأحكام يجري في العمل مجرى خبر الواحد. وإنما حل مصحف عثمان رضي الله عنه هذا المحل، لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، وبالله التوفيق. ويبين لك هذا أن من دفع شيئا مما في مصحف عثمان كفر، ومن دفع ما جاء في هذه الآثار وشبهها من القراءات لم یکفر . ومثل ذلك من أنكر صلاة من الصلوات الخمس، واعتقد أنها ليست واجبة عليه كفر، ومن أنكر أن يكون التسليم من الصلاة، أو قراءة أم القرآن، أو تكبيرة الإحرام فرض، لم يكفر، ونوظر، فإن بان له فيه الحجة، وإلا عذر- إذا قام له دليله، وإن لم يقم له على ما ادعاه دليل محتمل، هجر وبدع، فكذلك ما جاء من الآيات المضافات إلى القرآن في الآثار، فقف على هذا الأصل. ٤ - كتاب استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٢٣٥. من غير دينه فاضربوا عنقه [١] مالك، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله وَل﴿ قال: من غَيّر دينه فاضربوا عنقه(١). هكذا رواه جماعة رواة الموطأ مرسلا، ولا يصح فيه عن مالك غير هذا الحديث المرسل عن زيد بن أسلم، وقد روى فيه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وَخُلّ قال: من بدل دينه فاقتلوه، وهو منكر عندي والله أعلم. والحديث معروف ثابت، مسند صحیح من حديث ابن عباس: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد، قال حدثنا سعيد بن السكن، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: أتي علي بزنادقة، فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا ما أحرقتهم، لقول رسول الله وَّ ◌ُله: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم، لقول رسول الله وَله: من بدل دينه فاقتلوه(٢). وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال أخبرنا أيوب، عن عكرمة، أن عليا أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، لأن رسول الله وَ لَه قال: لا تعذبوا بعذاب الله، (١) حديث مرسل وسيأتي موصولا. (٢) خ (١٢/ ٣٣١/ ٦٩٢٢). فتح البر ٢٣٦ وكنت قاتلهم، لقول رسول الله وَله: من بدل دينه فاقتلوه، فبلغ ذلك عليا، فقال: ويح أم ابن عباس!(١). قال أبو عمر: روي من وجوه أن عليا إنما حرقهم بالنار بعد ضرب أعناقهم، وسنذكر بعض الأخبار بذلك في آخر هذا الباب إن شاء الله . وفقه هذا الحديث أن من ارتد عن دينه حل دمه، وضربت عنقه، والأمة مجتمعة على ذلك، وإنما اختلفوا في استتابته: فطائفة منهم قالت: لا يستتاب على ظاهر هذا الحديث، ويقتل، وطائفة منهم قالت: يستتاب بساعة واحدة، ومرة واحدة، ووقتا واحدا، وقال آخرون: يستتاب شهرا، وقال آخرون: يستتاب ثلاثا على ما روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ولم يستتب ابن مسعود ابن النواحة وحده، لقول رسول الله وَ له: لولا أنك رسول لقتلتك، قال له: وأنت اليوم لست برسول، واستتاب غيره (٢). روى مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عمر عن الناس؟ فأخبره، ثم قال له عمر: هل من مغربة خبر؟ قال نعم: رجل كفر بعد إسلامه، قال: فماذا فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه، لعله يتوب (١) خ (٣٠١٧/١٨٤/٦). د (٤/ ٥٢٠- ٤٣٥١/٥٢١). ت (٤/ ١٤٥٨/٤٨). ن (٧/ ١٢٠/ ٤٠٧١). جه (٢٥٣٥/٨٤٨/٢). (٢) حم (٣٨٤/١ - ٣٩٠-٣٩١-٣٩٦-٤٠٤ - ٤٠٦). د (١٩٢/٣ - ١٩٣ / ٢٧٦٢). ك (٥٣/٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. استتابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٢٣٧ ويراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. أخبرنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا ابن أبي العقيب، قال حدثنا أبو زرعة، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه قال: قدم وفد أهل البصرة على عمر، فأخبروه بفتح تستر، فحمد الله، ثم قال: هل حدث فيكم حدث؟ فقالوا لا والله يا أمير المؤمنين، إلا رجل ارتد عن دينه فقتلناه، قال: ويلكم أعجزتم أن تطبقوا عليه بيتا ثلاثا، ثم تلقوا إليه كل يوم رغيفا، فإن تاب قبلتم منه، وإن أقام كنتم قد أعذرتم إليه؟ اللهم إني لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. وروى داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أنس بن مالك، أن نفرا من بكر بن وائل، ارتدوا عن الإسلام يوم تستر، ولحقوا بالمشركين، فلما فتحت قتلوا في القتال، قال: فأتيت عمر بفتحها، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ فعرضت في حديث لأشغله عن ذكرهم، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: قتلوا، قال: لأن أكون كنت أخذتهم سلما، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء، قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل: ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين؟ قال: كنت أعرض عليهم أن يدخلوا في الباب الذي خرجوا منه، فإن فعلوا، قبلت منهم؛ وإلا استودعتهم السجن. وروى أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، أن عليا أتى بالمستورد العجل وقد ارتد عن الإسلام، فاستتابه، فأبى أن فتح البر ٢٣٨ يتوب فقتله. وروى عبادة عن العلاء أبي محمد أن عليا أخذ رجلا من بكر بن وائل تنصر بعد الإسلام، فعرض عليه الإسلام شهرا فأبى، فأمر بقتله. ولا أعلم بين الصحابة خلافا في استتابة المرتد، فدل ذلك على أن معنى الحديث - والله أعلم - من بدل دينه وأقام على تبديله فاقتلوه، وأما أقاويل الفقهاء: فروى ابن القاسم عن مالك قال: يعرض على المرتد الإسلام ثلاثا فإن أسلم، وإلا قتل، قال: وإن ارتد سرا قتل ولم يستتب، كما تقتل الزنادقة، قال: وإنما يستتاب من أظهر دينه الذي ارتد إليه. قال مالك: ويقتل الزنادقة ولا يستتابون، والقدرية يستتابون، قال: فقيل لمالك: كيف يستتابون؟ قال: يقال لهم: اتركوا ما أنتم عليه، فإن فعلوا، وإلا قتلوا. وقال ابن وهب عن مالك: ليس في استتابة أمر من جماعة الناس . أخبرنا أحمد بن محمد، قال حدثنا الحسن بن سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن الجارود، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: المرتد يستتاب ثلاثا، والمرتدة تستتاب ثلاثا، والزنديق لا يستتاب. قال إسحاق: وقال لي إسحاق بن راهويه كما قال أحمد سواء. قال أبو عمر: هذا مذهب مالك سواء، وقال الشافعي: يستتاب المرتد ظاهرا، والزنديق جميعا، فمن لم يتب منهما قتل. وفي الاستتابة ثلاثا، قولان: أحدهما حديث عمر، والآخر أنه لا يؤخر، لأن النبي وَل لم يأمر فيه بأناة، وهذا ظاهر الخبر. قال الشافعي: ولو شهد عليه استقابة المرتدين والمشركين والمعاندين ٢٣٩ شاهدان بالردة فأنكر، قتل، فإن أقر أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتبرأ من كل دين خالف الإسلام، لم يكشف عن غيره. والمشهور من قول أبي حنيفة وأصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب، وهو قول ابن علية، قالوا: ومن قتله قبل أن يستتاب فقد أساء، ولا ضمان عليه. وقد روى محمد بن الحسن في السير عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أن المرتد يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، وإلا قتل مكانه، إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام، والزنديق عندهم والمرتد سواء، إلا أن أبا يوسف لما رأى ما يصنع الزنادقة، وأنهم يعودون بعد الاستتابة، قال: أرى إذا أتيت بزنديق أمرت بضرب عنقه، ولا أستتيبه، فإن تاب قبل أن أقتله لم أقتله وخليته . وقال الليث بن سعد وطائفة معه: لا يستتاب من ولد في الإسلام ثم ارتد إذا شهد عليه، ولكنه يقتل، تاب من ذلك أو لم يتب، إذا قامت البينة العادلة. وقال الحسن: يستتاب المرتد مائة مرة، وقد روي عنه أنه يقتل دون استتابة. وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة كان يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب، ويحتج بحديث معاذ مع أبي موسى الأشعري. وقد ذكرناه في آخر هذا الباب. قال أبو عمر: ظاهر هذا الحديث يشهد لما ذهب إليه الليث بن سعد، إلا أنه عم كل من بدل دينه، سواء ولد في الإسلام، أو لم يولد، والحديث عندي فيه مضمر، وذلك لما صنعه الصحابة رضي الله عنهم من الاستتابة، لأنهم لم يكونوا يجهلون معنى الحديث، فكأن معنى الحديث - والله أعلم - من بدل دينه فاقتلوه إن لم يتب. وقال فتح البر ـ ٢٤٠ مالك رحمه الله: إنما عنى بهذا الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر، وأما من خرج من اليهودية أو النصرانية، أو من كفر إلى كفر، فلم يعن بهذا الحديث، وعلى قول مالك هذا جماعة الفقهاء، إلا أن الشافعي - رحمه الله - قال: إذا كان المبدل لدينه من أهل الذمة، كان للإمام أن يخرجه من بلده، ويلحقه بأرض الحرب؛ وجاز له استحلال ماله مع أموال الحربيين، إن غلب على الدار؛ لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد له. هكذا حكاه المزني وغيره من أصحابه عنه، وهو المعروف من مذهبه. وحكى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أن الذي إذا خرج من دين إلى دين، كان للإمام قتله بظاهر الحديث. والمشهور عنه ما قدمنا ذكره من رواية المزني والربيع وغيرهما عنه. وقالت فرقة: إذا ارتد، استتيب؛ فإن تاب، قبل منه، ثم إن ارتد، فكذلك إلى الرابعة؛ ثم يقتل ولا يستتاب. وروي عن الحسن أنه يقتل، إلا أن يتوب قبل أن يرفع إلى الإمام؛ وإن لم يتب حتى يصير إلى الإمام، قتل، وكانت توبته بينه وبين الله، جعله حدا من الحدود، ولا یسع الإمام إلا أن يقيمه. واختلف الفقهاء أيضا في المرتدة، فقال مالك، والأوزاعي، وعثمان البتي، والشافعي، والليث بن سعد: تقتل المرتدة، كما يقتل المرتد سواء؛ وهو قول إبراهيم النخعي. وحجتهم ظاهر هذا الحديث، لأنه لم يخص ذكرا من أنثى، ومن تصلح للواحد والاثنين والجمع، والذكر، والأنثى، وقال: لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان(١)- فعم كل من كفر بعد إيمانه. (١) أخرجه بلفظ التمهيد الشافعي في مسنده والبيهقي (١٨/٨) والبزار كما في نصب الراية (٣١٧/٣-٣١٨) من حديث عثمان بن عفان، وأخرجه من حديثه: ت (٢١٥٨/٤٠٠/٤) وقال: حديث حسن، وغيره بلفظ آخر. وسيأتي تخريجه عن صحابة آخرين.