Indexed OCR Text
Pages 41-60
النبوة والوحي ٤١ وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن ليث، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: أتت امرأة النبي ◌َّ فقالت: يا نبي الله، ما حق الزوج على زوجته؟ قال: ((لا تمنعه نفسها ولو كانت على ظهر قتب)) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال: ((لا تصوم إلا بإذنه إلا الفريضة، فإن فعلت أثمت، ولم يقبل منها))، قالت: يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال: ((لا تصدق بشيء من بيته إلا بإذنه، قال: فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر))، قالت: يا رسول الله، ما حق الزوج على زوجته؟ قال «لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة الله، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب حتى تتوب، أو تراجع))، قالت: يا رسول الله وإن كان لها ظالما؟ قال: ((وإن كان لها ظالما» قالت: والذي بعثك بالحق، لا يملك علي أمري أحد بعدها أبدا ما بقيت(١). فإن كان ما أطعمته أم حرام رسول الله وحَله من مال زوجها عبادة ابن الصامت، ولم يكن من مالها، ففي هذا الحديث أيضا إباحة أكل مال الصديق بغير إذنه، وقد اختلف فيه العلماء إذا كان يسيرا ليس مثله يدخر ولا يتمول، ولم يختلفوا في الكثير الذي له بال، ويحضر النفس عليه الشح به أنه لا يحل إلا عن طيب نفس من صاحبه . واختلفوا في تأويل قول الله عز وجل ﴿أَوْ صَدِيقِككُمْ لَيْسَ (١) البيهقي (٢٢٢/٧). وعزاه في المطالب العالية (١٦٠٩/٤٤/٢) وفي سنده ليث بن أبي سليم وله شاهد من حديث ابن عباس قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٣١٠): رواه البزار وفيه حسين ابن قيس المعروف بحنش وهو ضعيف وقد وثقه حصين بن نمير وبقية رجاله ثقات. ٤٢ فتح البر [النور: (٦١)]. وقد ذكرنا عَلَكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [ هذا المعنى، فيما تقدم من كتابنا هذا والحمد لله. ومن أجاز أكل مال الصديق بغير إذنه، فإنما أباحه ما لم يتخذ الآكل خبنة، ولم يقصد بذلك وقاية ماله، وكان تافها يسيرا، ونحو هذا . وأما قوله: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، فإنه أراد - والله أعلم - أنه رأى الغزاة في البحر، من أمته ملوكا على الأسرة في الجنة، ورؤياه وحي وَله، ويشهد لقوله: ملوكا على الأسرة، ما ذكر الله عز وجل في الجنة بقوله ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكِعُونَ [يس: (٥٦)]. قال أهل التفسير: الأرائك السرر في الحجال، ومثله [الصافات: (٤٤)]. وهذا الخبر قوله عز وجل ﴿عَلَى سُرُرٍ مُنْقَبِينَ إنما ورد تنبيها على فضل الجهاد في البحر وترغيبا فيه، وفي هذا الحديث أيضا إباحة ركوب البحر في الجهاد، وفيه إباحة الجهاد للنساء، وقد روي عن أم عطية قالت: كنا نغزو مع رسول الله وَالجاهله فنمرض المرضى، ونداوي الجرحى، وكان يرضخ لنا من الغنيمة(١). واختلف الفقهاء في الإسهام للنساء من الغنيمة، إذا غزون، فقال ابن وهب: سألت مالكا عن النساء هل يجزين من المغانم في الغزو؟ قال: ما علمت ذلك، وقد أجاز قوم من أصحابنا أن يرضخ للنساء ما أمكن على مايراه الإمام، وقال الثوري وأبو حنيفة والليث والشافعي وأصحابهم لا يسهم لامرأة، ويرضخ لها، وقال (١) م (٣/ ١٤٤٧ / ١٨١٢). ٤٣ النبوة والوحي الأوزاعي: يسهم للنساء، وزعم أن رسول الله وَخلال أسهم للنساء بخيبر، قال الأوزاعي: وأخذ بذلك المسلمون عندنا. قال أبو عمر: أحسن شيء في هذا الباب ما کتب به ابن عباس إلى نجدة الخارجي، أن النساء كن يحضرن فيداوين المرضى، ويجزين من الغنيمة، ولم يضرب لهن بسهم. وفيه إباحة ركوب البحر للنساء، وقد كان مالك رحمه الله يكره للمرأة الحج في البحر، فهو في الجهاد لذلك أكره، والله أعلم. وقال بعض أصحابنا من أهل البصرة: إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز صغار، وإن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا، فلذلك كره ذلك مالك، قال: وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس، قال: والأصل أن الحج فرض على كل من استطاع إليه سبيلا من الأحرار البالغين، نساء كانوا أو رجالا إذا كان الأغلب من الطريق الأمن، ولم يخص برا من بحر، فإذا كان طريقهم على البحر، أو تعذر عليهم طريق البر فذلك لازم لهم مع الاستطاعة. وفي هذا الحديث ما يدل على ركوب البحر للحج، لأنه إذا ركب البحر للجهاد فهو للحج المفروض أولى وأوجب، وذكر مالك رحمه الله أن عمربن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر، فلم يركبه أحد طول حياته، فلما مات استأذن معاوية عثمان في ركوبه، فأذن له، فلم يزل يركب حتى كان أيام عمر بن عبد العزيز، فمنع الناس عمر بن عبد العزيز من ركوبه، ثم ركب بعده، إلى الآن، وهذا إنما كان من عمر وعمر رضي الله عنهما في التجارة وطلب الدنيا، والله علم. ٤٤ فتح البر وأما في أداء فريضة الحج فلا، والسنة قد أباحت ركوبه للجهاد في حديث إسحاق عن أنس، وحديث غيره، وهي الحجة وفيها الأسوة، فركوبه للحج أولى قياسا ونظرا، والحمد لله. ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه، في حين ارتجاجه، ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر ((لا يسألني الله عن جيش ركبوا البحر أبدا)) يعني التغرير . وفيه التحري في الإتيان بألفاظ النبي وَخلال، فقد ذهب إلى هذا جماعة، ورخص آخرون في الإتيان بالمعاني، وقد أوضحنا هذا المعنى في باب أفردناه له في كتاب جامع العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، وسيأتي في هذا الباب ذكر، في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله . وفيه أن الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماض إلى يوم القيامة، لأنه وَّله قد رأى الآخرين ملوكا على الأسرة، كما رأى الأولين، ولا نهاية للآخرين إلى يوم قيام الساعة، قال الله عز وجل ﴿قُلْ إِنَّ [الواقعة: (٤٩ - ٥٠)]. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَّوْمِ مَّعْلُوم اُلْأَوَّلِينَ وَالْأَخِرِنّ ج﴾ [الآية (٣٩ - ٤٠)]. وهذا ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ على الأبد. وقال ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ لإِّ وفيه فضل لمعاوية رحمه الله، إذ جعل من غزا تحت رايته من الأولين، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، الدليل على ذلك قول إبراهيم عليه السلام ((إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى)) فأجابه ابنه ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: (١٠٢)]. ٤٥ النبوة والوحي وهذا بين واضح، وقالت عائشة: أول ما بدىء به رسول الله وعد له من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح(١). وفي فرح رسول الله وَ طله واستبشاره وضحكه بدخول الأجر على أمته بعده سرورا بذلك، بيان ما كان عليه رسول الله وعَ ظله من المناصحة لأمته، والمحبة فيهم، وفي ذلك دليل على أن من علامة المؤمن سروره لأخيه بما يسر به لنفسه. وإنما قلنا إن في هذا الحديث دليلا على ركوب البحر للجهاد وغيره للنساء والرجال إلى سائر ما استنبطنا منه، لاستيقاظ رسول الله وَجلَّ وهو يضحك فرحا بذلك، فدل على جواز ذلك كله، وإباحته وفضله، وجعلنا المباح مما يركب فيه البحر قياسا على الغزو فیه . ويحتمل بدليل هذا الحديث أن يكون الموت في سبيل الله والقتل سواء، أو قريبا من السواء في الفضل، لأن أم حرام لم تقتل، وإنما ماتت من صرعة دابتها، وقال لها رسول الله وَّ جله ((أنت من الأولين)) وإنما قلت أو قريبا من السواء لاختلاف الناس في ذلك، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء، واحتج بقول الله عز وجل ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَّنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: (٥٨)]. الاثنين جميعاً، وبقوله تبارك اسمه وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: (١٠٠)]. وبقول النبي عليه السلام في حديث عبد الله (١) حم (٢٣٢/٦-٢٣٣). خ (٣/٢٨/١). م (١/ ١٣٩ - ١٤٠ / ١٦٠). فتح البر ٤٦ ابن عتيك ((من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله، فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله، ومن مات قعصا فقد استوجب المئاب))(١). ويقول فضالة بن عبيد: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، ذكر ذلك ابن المبارك عن ابن لهيعة عن سلمان بن عامر، عن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني، عن فضالة بن عبيد، في حديث ذكر فيه رجلين، أحدهما أصيب في غزاة بمنجنيق، والآخر مات هناك، فجلس فضالة عند الميت، فقيل له تركت الشهيد ولم تجلس عنده، فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، ثم تلا قوله عز وجل ((والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا)) الآية كلها. قال أبو عمر رحمه الله: قد ثبت عن رسول الله وَل أنه سئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: ((من أهريق دمه، وعقر جواده)) ولم يخص برا من بحر، رواه أبو ذر وغيره(٢). وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن مسلم بن عائذ عن عامر بن سعد عن سعد أن رجلا جاء ورسول الله وَّ يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى رسول الله وعَظله صلاته قال: من (١) حم (٣٦/٤). ك (٣٨/٢) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والهيثمي في المجمع (٥/ ٢٨٠)، وقال رواه أحمد والطبراني وفيه محمد بن اسحاق مدلس. وبقية رجاله ثقات. (٢) د (٢/ ١٤٤٩/١٤٦). جه (٢/ ٩٣٤ /٢٧٩٤). حم (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢ -٣٤٦ -٣٩١ - ٤١٢). وحب ( ١٠ /٤٩٦ /٤٦٣٩) وصححه. النبوة والوحي ٤٧ المتكلم آنفا؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: إذاً يعقر جوادك، وتستشهد في سبيل الله))(١). حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: ((من عقر جواده وأهرق دمه)) وبهذا الإسناد، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي وَ لخلقه مثله(٢) . وإذا كان من هرق دمه، وعقر جواده، أفضل الشهداء، علم أنه من لم يكن بتلك الصفة فهو مفضول، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب من يسمعه يقول من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ويقول لهم: قولوا من قتل في سبيل الله فهو في الجنة. قال أبو عمر: لأن شرط الشهادة شديد، فمن ذلك ألا يغل، ولا يجبن، وأن يقتل مقبلا، غير مدبر، وأن يباشر الشريك، وينفق الكريمة، ونحو هذا، كما قال معاذ، والله أعلم. وروينا في هذا المعنى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لا تغل ولا تخف غلولا، ولا تؤذ جارا، ولا رفيقا ولا ذميا ولا تسب إماما، ولا تفر من الزحف، يعني ولك الشهادة إن قتلت. (١) ك (٢ / ٧٤) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. (١٠ /٤٩٦-٤٩٧ / ٤٦٤٠). (٢) تقدم تخريجه. فتح البر ٤٨ واختلفوا أيضا في شهيد البحر، أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال قوم شهيد البر أفضل، واحتجوا بقوله وَّه ((أفضل الشهداء من عقر جواده وأهرق دمه(١))) وقال آخرون شهيد البحر أفضل، والغزو في البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع الإسناد، عن النبي وَلّ أنه قال: ((من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن غزاة في البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف))، قالوا يارسول الله: وما أصحاب الوكوف؟ قال: ((قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله))(٢). وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، ذكره ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: غزوة في البحر، أفضل من عشر في البر. والمائد فيه کالمتشحط في دمه . وعن عبد الله بن عمرو أيضا أنه قال: لأن أغزو في البحر غزوة أحب إلي من أن أنفق قنطارا متقبلا في سبيل الله. وإسناده ليس به بأس، ذكره ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون، عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وذكر ابن وهب أيضا عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن كعب الأحبار أنه قال: أفضل الشهداء الغريق، له أجر شهیدین، (١) تقدم تخريجه. (٢) ذكره الهندي في كنز العمال (١٠٧٧٤/٣٣٥/٤). وعزاه لابن عساكر عن علقمة بن شهاب القسري مرسلا. ٤٩ النبوة والوحي وأنه يكتب له من الأجر من حين يركبه حتى يرسى، كأجر رجل ضربت في الله عنقه، فهو يتشحط في دمه. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بكار العیشي، حدثنا مروان، أخبرنا هلال بن ميمون الزملي، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي وَلّ قال: ((المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين))(١). قال أبو عمر: قد ذكرنا ما بلغنا في ذلك، وروي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي عليه السلام، أنه قال: ((لا يركب البحر رجل إلا غازيا أو حاجا أو معتمرا، فإن تحت البحر نارا)) (٢) وهو حديث ضعيف، مظلم الإسناد، لا يصححه أهل العلم بالحديث، لأن رواته مجهولون، لا يعرفون، وحديث أم حرام هذا يرده. وفيما رواه يعلى بن شداد عن أم حرام كفاية في رده، وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ليث عن مجاهد قال: لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، أو غاز، وأكثر أهل العلم يجيزون ركوب البحر في طلب الحلال، إذا تعذر البر، (١) د (٢٤٩٣/١٦/٣). وحسنه الألباني في الإرواء (١١٩٤/١٦/٥). (٢) د (٢٤٨٩/١٣/٣) من طريق مطرف عن بشر أبي عبد الله. البيهقي (٣٣٤/٤) من طريق مطرف. كلاهما عن بشير بن مسلم عن عبد الله بن عمرو به. وبشر وبشير قال فيهما الحافظ في التقريب (١٣١/١-١٣٢) مجهولان وروى البيهقي (٣٣٤/٤) بسنده عن البخاري قال: لم يصح حديثه-يعني حديث بشير بن مسلم هذا- وقال الخطابي (هامش السنن ) وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث. فتح البر -٥٠ وركب البحر في حين يغلب عليه فيه السكون وفي كل ما أباحه الله، ولم يحظره على حديث أم حرام وغيره، إلا أنهم يكرهون ركوبه في الاستغزار من طلب الدنيا والاستكثار من جمع المال، وبالله التوفيق. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب قال: عجبت لراكب البحر. وقوله في حديث إسحاق في هذا الباب: يركبون ثبج هذا البحر، يعني ظهر هذا البحر، أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم ابن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا عفان بن مسلم، وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان -ح- وأخبرنا عبيد بن محمد، واللفظ لحديثه، قال: أخبرنا عبد الله ابن مسرور، قال: حدثنا عيسى بن مسكين، قال: حدثنا محمد بن سنجر، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قالا: حدثنا سلمة، عن يحيى بن سعيد، وقالا في حديث عفان، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام قالت: بينما رسول الله وَلّ قائلا في بيتي، فاستيقظ وهو يضحك، فقلت بأبي أنت يا رسول الله، مم تضحك؟ قال: عرض علي ناس من أمتي، يركبون ظهر البحر، كالملوك على الأسرة، فقلت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعلها منهم، ثم نام، فاستيقظ وهو يضحك، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، مم تضحك؟ قال: عرض علي ناس من أمتي، يركبون ظهر البحر كالملوك على الأسرة، فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: النبوة والوحي ٥١ = أنت من الأولين، فغزت مع زوجها عبادة بن الصامت في البحر، فلما قفلوا وقصتها بغلة لها فماتت(١). هكذا في هذا الحديث: فغزت مع زوجها عبادة بن الصامت. وروى هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس قال: اتكأ رسول الله څ چل# عند بنت ملحان، فساق هذا الحديث بنحو ما ذکرنا، إلا أنه قال في آخره: فنكحت عبادة بن الصامت، فركبت مع ابنة قرظة، فلما قفلت، وقصت بها دابتها، فقتلتها فدفنت، ثم ذكره أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس، وذكر ابن وهب، عن حفص بن مسيرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار هذا الحديث بمعناه، وقال: قال عطاء بن يسار: فشهدت أنا تلك الغزوة مع المنذر بن الزبير، فكانت معه في غزوتنا، فماتت بأرض الروم. وذكر خليفة ابن خياط عن ابن الكلبي، قال: وفي سنة ثمان وعشرين غزا معاوية ابن أبي سفيان في البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، من بني عبد مناف، ومعه عبادة بن الصامت، ومعه امرأته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، فأتى قبرص، فتوفيت أم حرام، فقبرها هناك(٢). قال أبو عمر: لم يختلف أهل السير فيما علمت أن غزاة معاوية هذه المذكورة في حديث هذا الباب، إذ غزت معه أم حرام، كانت في خلافة عثمان، لا في خلافة معاوية، قال الزبير بن أبي بكر: ركب معاوية البحر غازيا بالمسلمين في خلافة عثمان بن عفان، إلى قبرص، ومعه أم حرام بنت ملحان، زوجة عبادة بن الصامت، فركبت بغلتها حين خرجت من السفينة، فصرعت عن دابتها فماتت. (١) و(٢) تقدم تخريجه. ٥٢ فتح البر من آيات نبوته نبع الماء من تحت أصابعه [٦] مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله وَله، وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس وضوءا، فلم يجدوه، فأتي رسول الله بَير بوضوء في إناء، فوضع رسول الله وَّر في ذلك الإناء يده، ثم أمر الناس يتوضؤون منه، قال أنس: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم(١). في هذا الحديث تسمية الشيء باسم ما قرب منه، وذلك أنه سمى الماء وضوءا، لأنه يقوم به الوضوء، ألا ترى إلى قوله: فأتي رسول الله وَّ ، بوضوء في إناء، والوضوء بفتح الواو، فعل المتوضيء، ومصدر فعله، وبضمها الماء. وفيه إباحة الوضوء من إناء واحد للجماعة، يغترفون منه، في حين واحد، وفيه أنه لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ به، وهذا كله في فضل طهور الرجال، إجماع من العلماء، والحمد لله. وفيه العلم العظيم، من أعلام نبوته، صلى الله عليه، وهو نبع الماء من بين أصابعه، وكم له من هذه صلوات الله وسلامه ورضوانه عليه . حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال: حدثنا عفان، قال حدثنا حماد ابن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، قال: حضرت الصلاة، (١) حم (١٣٢/٣). خ (٦/ ٣٥٧٣/٧٢٠). م (٤ / ٢٢٧٩/١٧٨٣). ت (٣٦٣١/٥٥٦/٥). ن (١/ ٧٦/٦٤). ٥٣ النبوة والوحي فقام جيران المسجد يتوضؤون، وبقي ما بين السبعين إلى الثمانين، وكانت منازلهم بعيدة فدعا النبي عليه السلام، بمخضب فيه ماء، ما هو بملآن، فوضع أصابعه فيه وجعل يصب عليهم، ويقول: توضؤوا حتى توضؤوا كلهم، وبقي في المخضب مما كان فيه، وهم نحو من السبعين إلى الثمانين(١). وروى معمر، فزاد فيه ذكر التسمية. حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن زبان، قال: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ثابت وقتادة، عن أنس قال: نظر بعض أصحاب رسول الله وَخلال، وضوءا فلم يجدوا، فقال النبي وَّة، ههنا ماء؟ قال: فرأيت النبي ◌َّ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: توضؤوا بسم الله، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضؤون، حتى توضؤوا من آخرهم(٢). قال ثابت: قلت لأنس كم تراهم كانوا؟ قال: نحواً من سبعين. وقد روى ابن مسعود هذا المعنى بأتم من هذا وأحسن، حدثنا سعید بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا (١) حم (١٠٦/٣). خ (١٩٥/٣٩٨/١). م (٤/ ٢٢٧٩/١٧٨٣). (٢) أخرجه من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد: حم (١٦٥/٣). ن (٧٨/٦٥/١). حب : الإحسان (٦٥٤٤/٤٨٢/١٤). ابن خزيمة (١٤٤/٧٤/١) وصححاه. ٥٤ فتح البر إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا أصحاب محمد نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، إنا بينا نحن مع رسول الله وَلّ وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله وَله: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتي بماء، فصبه في إناء، ثم وضع كفه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه، ثم قال: ((حي على الطهور المبارك، والبركة من الله)) قال: فشربنا، وقال عبد الله: وكنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل(١). وروى جابر في ذلك مثل رواية أنس، في أكثر من هذا العدد، وفي غير المسجد وذلك مرة أخرى عام الحديبية. أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد ابن يحيى قال: أخبرنا محمد بن أيوب الرقي، قال: حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال حدثنا عمر بن علي قال: حدثنا محمد بن جعفر، وأبو داود، قالا: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر بن عبد الله كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: فذكر عطشا، فأتي رسول الله وَ له بتور فيه ماء، فوضع أصابعه فيه، وجعل الماء ينبع من بين أصابعه، كأنها العيون، فشربنا وسقينا، وكفانا، قال: قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وخمسمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا(٢). (١) حم (١/ ٤٦٠). خ (٣٥٧٩/٧٢٨/٦). ت (٣٦٣٣/٥٥٧/٥) من طريق أبي أحمد الزبيري عن إسرائيل بهذا الإسناد. (٢) خ (٣٥٧٦/٧٢١/٦). م (١٨٥٦/١٤٨٣/٣). ن (٦٤/١/ ٧٧). تور: إناء من صفر (نحاس) أو حجارة. (النهاية). النبوة والوحي ٥٥ وقال جرير: عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: قلت كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف وأربعمائة. قال أبو عمر: الذي أوتي النبي وَلّ من هذه الآية المعجزة، أوضح في آيات الأنبياء، وأعلامهم، مما أعطي موسى عليه السلام، إذ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وذلك أن من الحجارة ما يشاهد انفجار الماء منها، ولم يشاهد قط أحد من الآدميين، يخرج من بين أصابعه الماء، غير نبينا وَخله. وقد نزع بنحو ما قلت المزني وغيره، ومن ذلك حديث أنس وغيره، في الطعام الذي أكل من القصعة الواحدة ثمانون رجلا، وبقيت بهيأتها . وحدثنا النعمان بن مقرن إذ زودوا من التمر وهم أربعمائة راكب، قال: ثم نظرت فإذا به كأنه لم يفقد منه شيء، والأحاديث في أعلام نبوته أكثر من أن تحصى، وقد جمع قوم كثير كثيرا منها، والحمد لله . ومن أحسنها - وكلها حسن - ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح قال: حدثنا موسى بن معاوية، قال: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة الثقفي، عن أبيه، قال: خرجت مع النبي ◌َّ في سفر حتى أتينا منزلا، فقال النبي عليه السلام يأمره: ائت تلك الأشاتين فقل لهما أن رسول الله يأمركما أن تجتمعا، ففعلت، فأتت كل واحدة منهما إلى صاحبتها، قال: فخرج فاستتر بهما، فقضى فتح البر -= ٥٦ حاجته، ثم قال: ارجع إليهما، فقل لهما يرجعا إلى مكانهما، ففعلت، ففعلتا(١). وروي عن يعلى من وجوه، وحدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال: حدثنا يوسف بن يزيد، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة ابن الصامت، عن جابر بن عبد الله، قال: سرنا مع رسول الله وَله في مسير له حتى نزلنا واديا أفيح، فانطلق رسول الله وَ لا يقضي حاجته واتبعته فلم ير شيئا يستتر به، فنظر، فإذا في شاطىء الوادي شجرتان، فانطلق إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المحسوس الذي يصانع قائده، ثم أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان في المنصف مما بينهما لأم بينهما، فقال: التئما علي بإذن الله، قال: فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أسرع مخافة أن يحس رسول الله وعَاله بقربي، فتبعدت، قال: فجلست أحدث نفسي، ثم حانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله وَّ جله مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله وَ له وقف (١) حم (١٧٢/٤). جه (٣٣٩/١٢٢/١) قال البوصيري في الزوائد (له شاهد من حديث أنس ومن حديث ابن عمر: رواهما الترمذي في الجامع ). ابن أبي شيبة (٦/ ٣١٧٥٣/٣٢٠). الأشاتين: ضبطها ابن الاثير في (النهاية) ب ((الاشاتين)). والأشاء بالمد والهمز صغار النخل، والواحدة: أشاءة وهمزتها منقلبة من الياء، لأن تصغيرها أشي ولو كانت أصلية لقيل لها: أشيء. ٥٧ النبوة والوحي وقفة، فقال برأسه هكذا، عن يمينه ثم قال برأسه هكذا عن يساره، ثم أقبل(١) . حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير، عن جابر قال: خرجت مع رسول الله وَ لّ في سفر، وكان رسول الله وَله لا يأتي البراز حتى يبعد فلا يرى، فنزلنا بفلاة من الأرض، ليس فيها شجر، ولا علم، فقال: يا جابر، اجعل في إداوتك ماء، ثم انطلق بنا، قال: فانطلقنا حتى لا نرى، فإذا هو بشجرتين بينهما أربع أذرع، فقال: يا جابر، انطلق إلى هذه الشجرة فقل لها: يقول لك رسول الله وخلا الحقي بصاحبتك، حتى أجلس خلفكما، قال: ففعلت، فرجعت إليها، فجلس رسول الله وَل خلفهما، ثم رجعتا إلى مكانهما، فركبنا مع رسول الله وَّله، ورسول الله بيننا، كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فعرضت لنا امرأة، معها صبي لها، فقالت يا رسول الله، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم مرارا، فوقف لها، ثم تناول الصبي، فجعله بينه وبين مقدم الرحل، ثم قال: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله، اخسأ عدو الله، أنا رسول الله، ثلاثا، ثم دفعه إليها، فلما قضينا سفرنا، مررنا بذلك المكان، فعرضت لنا امرأة معها صبيها، ومعها كبشان تسوقهما، فقالت يا رسول الله اقبل مني هذين، فوالذي بعثك بالحق، ما عاد إليه بعد، (١) م (٤ / ٢٣٠٦ - ٧ ٣٠ ٢ / ٠١٢ ٣). فتح البر ٥٨ فقال رسول الله وَلظله: خذوا منها أحدهما، وردوا عليها الآخر، ثم سرنا ورسول الله وَلل كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فإذا جمل ناد، حتى إذا كان بين السماطين خر ساجدا، فحبس رسول الله وحمّ جله على الناس، وقال: من صاحب هذا الجمل؟ فإذا فتية من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله، قال: فما شأنه؟ فقالوا: استنينا عليه منذ عشرين سنة، وكانت به شجيمة فأردنا أن ننحره، فنقسمه بين غلماننا فانفلت منا، فقال: أتبیعوننیه؟ قالوا: لا، بل هو لك یا رسول الله، قال: أما لا، فأحسنوا إلیه حتی یأتیه أجله. قال المسلمون عند ذلك: نحن أحق يا رسول الله بالسجود لك من البهائم، قال: لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك كان النساء يسجدن لأزواجهن(١). وروى ابن وهب، قال أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب، في شأن العمرة، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله وَّل إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب فيلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد (١) د (١ / ١٤ / ٢). جه (١/ ١٢١ / ٣٣٥). النبوة والوحي ٥٩ عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا، قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم أسكبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جازت العسكر(١). وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ذكرنا منها في باب شريك بن أبي نمر في الاستسقاء، ما فيه شفاء، والحمد لله. (١) ك (١٥٩/١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وتعقب بأن حرملة بن يحيى لم يخرج له البخاري، فهو على شرط مسلم وحده. الهيثمي في المجمع (١٩٤/٦-١٩٥) وقال: ((رواه البزار والطبراني في ((الأوسط)) ورجال البزار ثقات)). حب: الإحسان (١٣٨٣/٢٢٣/٤). هق (٢٣١/٥). فتح البر | = ٦٠ صلى الله وسلم ما جاء كيف يأتي الوحي إلى الرسول [٧] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله# كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ويتلقى: أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال؛ وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا(١). في هذا الحديث دليل على أن أصحاب رسول الله وَلو كانوا يسألونه - عليه السلام - عن كثير من المعاني، وكان رسول الله وح له يجيبهم ويعلمهم؛ وكانت طائفة تسأل، وطائفة تحفظ وتؤدي وتبلغ حتی اکتمل الله دینه، والحمد لله. وفي هذا الحديث نوعان أو ثلاثة من صفة نزول الوحي عليه وكيفية ذلك، وقد ورد في غير ما أثر ضروب من صفة الوحي حتى الرؤيا؛ فرؤيا الأنبياء وحي أيضا، ولكن المقصد بهذا الحديث إلى نزول القرآن - والله أعلم. وقد بينا معنى هذا الحديث وشبهه في باب إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من هذا الكتاب، والحمد لله. وأما قوله: صلصلة الجرس: فإنه أراد في مثل صوت الجرس، والصلصلة الصوت، يقال: صلصلة الطست، وصلصلة الجرس، وصلصلة الفخار، وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن (١) خ (٢/٢٣/١). م (٤ / ١٨٣٦/ ٢٣٣٣). ت (٥/ ٣٦٣٤/٥٥٧). ن (٢ /٤٨٥ / ٩٣٣).