Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ هَذَا الَّذِيْ عَلَيْهِ حُفَّاظُ الأَثَرْ كَشَيْخَيِ الصَّحِيْحِ مَعْ أُهْلِ النَّظَرْ * : ** * ثم بيِّن أنَّه هل يجب ذكر سبب الجرح والتعديل أو لا ؟ فقال : (وصححوا) أي : جمهور أئمة الأثر من أربعة أقوالٍ (قبول تعديل بلا ذكر لأسباب له) مخافة (أن تثقلا) ، ويشق ذكرها لأنَّها كثيرةٌ ، فمتى كُلّف المعدّل ذكرها احتاج أن يقول : يفعل كذا وكذا - عادًا ما يلزمه فعله - ولا يفعل كذا وكذا ، عاداً ما يلزمه تركه فيطول . (ولم يروا قبول جرح أبهما) ذكر سببه من الجارح ؛ لعدم مخافة ذلك لأنَّ الجرح يحصل بأمرٍ واحدٍ ، و (للخلف) بين الناس (في أسبابه ، و) يدل لعدم قبوله مبهماً أنَّه (ربما استفسر الجرح) ببيان سببه من الجارح (فـ)-يذكر ما (لم يقدح) بناءً على ما يعتقد أنَّه يقدح . (كما فسره شعبة) بن الحجاج (بالركض) حيث قيل له : لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَوْنٍ (١). مع أنَّه ليس بقادح كما أشار إليه بقوله : (فما) ذا يلزم (٢) من ركضه ما لم يكن بموضع أو على وجه لا يليق ، ولا ضرورة تدعو إليه ؟ وكما روي عن شعبة أنَّه أتى المِنْهَال بن عمرو ، فسمع صوتاً من داره فتر که . ١- قال الصنعاني : واعلم أنه لا تصريح من المفسرين المذكورين بأنهم جرحوا من ذكر ، إذ شعبة لم يجرح من رآه يركض على برزون ، بل قال : تركت حديثه ، ولم يجرحه ، وكأنه رأى ذلك من خوارم المروءة ، وأنه يفسرها بسيرة أمثاله، وأن مثل ذلك الرجل لا يركض على برزون ، وكذلك من سمع في بيته صوت طنبور لم يجرحه ، بل قال : كره السماع منه ، وكذلك من رآه كثير الكلام، ولا شك أن هذا تعمق ومبالغة، ((توضيح الأفكار)» (١٤٥/٢). ٢- في س : يلزمه . ٢٤٢ قال ابن أبي حاتم : إنَّه سمع قراءةً بالتطريب (١) . وكذا قال أبوه أبو حاتم: إنَّه سمع قراءةً بألحان فكره السِّماع منه . وقال وهب بن جرير عن شعبة : أتيت منزل المنهال فسمعت منه صوت الطنبور فرجعت ولم أسأله . قال وهب : فقلت له: هلا سألته؟ عسى كأنَّه لا يعلم (٢) . فهذا لا يقدح في الثقة ، ولهذا قال ابن القطان عقب كلام ابن أبي حاتم : هذا ليس بجرح إلا أن يتجاوز إلى حدٍّ يحرِّم ، ولا يصح ذلك عنه انتهى . وقد وثقه جماعة منهم : ابن معين ، والنَّسائي ، واحتج به البخاري ، بل وعلّق له من رواية شعبة نفسه عنه في باب ((ما يكره من المثلة من الذبائح)» (٣) . فلم يترك شعبة الرِّوايةَ عنه ، وذلك إما لأنَّه سمعه منه قبل ذلك ، أو لزوال المانع منه عنده . فبان بما ذكر أنَّ البيان مزيل لهذا المحذور ومبيِّن لكونه قادحاً أو غير قادح ، وأنَّ ذلك لا يوجب الجرح . (هذا) القول المفصِّل هو (الذي عليه) الأئمة (حفاظ الأثر) ونقَّاده كما أفاده أيضاً قوله: ((وصححوا)» (كشيخي الصحيح) البخاري ومسلم (مع) بالإسكان (أهل النظر) كالشافعي . وقال ابن الصلاح : إنَّه ظاهر مقرّر في الفقه وأصوله (٤) وقال الخطيب : إنَّه الصواب عندنا (٥) . ١- راجع ((الجرح والتعديل)) (٣٥٧/٨). ٢ - ذكره ابن حجر في ((التهذيب)) (٣٢٠/١٠). ٣- راجع ((فتح الباري)) (٦٤٣/٩). ٤- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٩٦). ٥- راجع ((الكفاية)) (ص: ١٠٨). ( ٢٤٣ والقول الثاني عكسه ؛ فيشترط ذكر سبب التعديل دون الجرح ، لأنَّ أسباب العدالة يكثر التصنُّع فيها فيبني المعدّل على الظاهر ، كقول أحمد بن يونس (١) لمن قال له: عبدالله العُمْرِيُّ (٢) ضعيف: إنَّما يضعِّفه رافضي مبغضٌ لآبائه ، لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنَّه ثقة (٢). فاحتج على ثقته بما ليس بحجَّة ؛ لأنَّ حسن الهيئة يشترك فيه العدل وغيره . والثالث : أنَّه لابدَّ من ذكر سببهما معاً للمعنيين المتقدمين ، فكما يجرِّح الجارح بما لا يقدح كذلك يوثّق المعدَّل بما لا يقتضي العدالة كما مرَّ (٤). والرابع : عكسه إذا كان الجرح أو التعديل من عالم بصير به كما سيأتي مع انتقاد (٥) كونه قولاً مستقلاً بما فيه . * فَإِنْ يُقَلْ: قَلَّ بَيَانُ مَنْ جَرَحْ كَذَاَ إِذَا قَالُواْ لِمَتْنٍ : لَمْ يَصِحْ وَأَيْهَمُواْ فَالشَّيْخُ قَدْ أُجَابَا أُنْ يَجِبَ الْوَقْفُ إِذَا اسْتَرَابًا حَتَّى يُبَيْنَ بَحْثُهُ قَبُوْلَهْ كَمَنْ أُولُواْ الصَّحِيْحِ خَرَّجُوْ لَهْ ١- في س : يوسف وهو تحريف . ٢- هو: عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبدالرحمان ، العمري ، المدني، ضعيف، عابد، من السابعة، ((تقريب)) (٤٣٥/١). ٣- راجع ((الكفاية)) (ص: ٩٩). ٤- قال الآمدي : القول: بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به ، وإن كان حقاً إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضاً يكون عارفا بمواقع الخلاف في ذلك . والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها ، وإلا كان مدلساً ملبساً بما يوهم الجرح على من لا يعتقده ، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين . وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة والإحاطة بسريرة المخبر عنه ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على الظاهر. «الإحكام في أصول الأحكام)) (١/ ٢٧١). ٥- في د : انتفاء . ٢٤٤ فَفِيْ الْبُخَارِيِّ احْتِجَاجاً عِكْرِمَهْ مَعَ ابْنِ مَرْزُوْقٍ وَغَيْرُ تَرْجَمَهْ وَأَحْتَجْ مُسْلِمٌ بِمَنْ قَدْ ضُعَّفَا نَحْوُ سُوَيْدٍ إِذْ بِجَرْحٍ مَا اكْتَفَى * (فإن يقل) على القول بأنَّ الجرح لا يقبل إلا مفسِّراً: قد (قلَّ) فيما ينقل عن أئمة الحديث في الكتب المعول عليها في الرُّواة (بيانُ) سببٍ جرحٍ (من جرح) ، بل اقتصروا فيها غالباً على مجرَّد قولهم : فلان ضعيف ، أو ليس به بأس ، أو نحوه . و (كذا) قلَّ بيانهم سببَ ضعف الحديث (إذا قالوا) في كتبهم (المتن) أي : حديث: [إنَّه] (١) (لم يصح) ، بل اقتصروا فيها غالباً أيضاً على مجرد قوله : هذا حديث ضعيف ، أو غير ثابت ، أو نحوه . (وأبهموا) بيان السبب في الأمرين : فاشتراط بيانه يُفْضي إلى تعطيل ذلك ، وسدّ باب الجرح في الأغلب . (فالشيخ) ابن الصلاح (قد أجابا) عن ذلك بـ(أن يجب الوقف) أي : بأنًّا وإن لم نعتمده في إثبات الجرح (٢)، لكنا نعتمده في أنَّا نتوقّف عن الاحتجاج بالرّوي أو بالحديث (إذا) وفي نسخة ((إذا)) (استرابا) أي : لأجل الريبة القوية الحاصلة بذلك (٢) . ويستمر من وقف على ذلك واقفاً (حتى يُبِيْنَ) بضم الياء من أبان ، أي: يُظهر (بحثه) عن حال ذلك الراوي أو الحديث (قبولَه) والثّقة بعدالته بحيث لم يؤثر ما وقف عليه فيه من الجرح أو التضعيف [المجرد] (٤). ١ - ساقطة من ز ، ط . ٢- في ط : الحديث . وهو خطأ . ٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٩٨). ٤- الزيادة من د . ٢٤٥ (كمن) أي : كالذي من الرُّواة (أولوا) أي : أصحاب (الصحيح) البخاري ومسلم وغيرهما (خرجوا) فيه (له) مع أنَّه مَمن مسِّه من غيرهم جرح مبهم . ثم قال: ((فافهم ذلك فإنَّه مخْلَصّ حسن)) (١) . (ففي البخاري احتجاجا عكرمة) أي : فعكرمة (٢) التابعي مولى ابن عباس مخرّج له في ((صحيح)) البخاري على وجه الاحتجاج به فضلاً عن المتابعات ونحوها ، مع ما فيه من الكلام لِتَبَيِّنِ أنَّه ثقةٌ (مع ابن مرزوق) عمرو الباهلي (٣)، لكن متابعةً لا احتجاجاً . (وغير) بالرفع عطفاً على عِكْرِمةً ، وبالجر عطفاً على ابن مرزوق ، مضافاً فيهما إلى (ترجمة) بجعلها إسماً مراداً بها الرَّأُويُّ الذي خرّجه البخاري ، أطلقت عليه مجازاً عن المصدر الواقع عليه ، والمعنى : وغير راوٍ كإسماعيل بن أبي أُوَيْسٍ (٤)، وعاصم بن علي (٥). (و) كذا (احتج مسلم بمن قد ضعفا) من غيره (نحو سُوَيْدٍ) (٦) هو ابن ١- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٩٨). ٢- هو: عكرمة أبو عبدالله، مولى ابن عباس، أصله بريري، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة. ((تقريب)) (٣٠/٢). وقد أطال الحافظ ابن حجر في ترجمته ودافع عن جميع الجروح الواردة عليه في ((الهدى)» (ص: ٤٢٥ -٤٣٠) فراجعه لزاماً . ٣- قال الحافظ ابن حجر: ثقة له أوهام، من صغار التاسعة. ((تقريب)) (٧٨/٢)، وراجع أيضاً ((هدي الساري)) (ص : ٤٣٢). ٤- هو : إسماعيل بن عبدالله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، المدني ، صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه ، وكتب البخاري أحاديثه من أصوله لأنه أعطاه إياها وأذن له أن ينتقي منها مات سنة ست وعشرين ومائتين. ((تقريب)) (٧١/١)، ((هدي)» (ص: ٣٩١). ٥- هو : عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي ، أبو الحسن التميمي مولاهم ، صدوق ربما وهم . راجع ((تقريب)) (٣٨٤/١)، ((هدي الساري)) (ص: ٤١٢). ٦- هو : سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل ، ثم الحَدَثاني ، ويقال له الأنباري ، أبو محمد ، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه ، وأفحش ابن معين فيه القول . ((تقريب)» (٣٤٠/١). ٢٤٦ سعيد (إذا بالمطلق (جرح ما اكتفى) مسلم كالبخاري ؛ لأنَّ سويداً صدوق في نفسه كما قاله جماعة ، وقد ضعَّفه جماعة . وأكثر من فسَّر الجرح فيه ذكر أنَّه لما عَمِيَ ربّما تلقّن الشيء ، وهذا وإن كان قادحاً فإنَّما يقدح فيما حدَّث به بعد العمى لا فيما قبله . ولعلَّ مسلماً إنَّما خرَّج عنه ما عرف أنَّه حدَّث به قبل عماه ، أو ما صحَّ عنده بنزولٍ طلباً للعلوِّ ، لا ما تفرَّد به . قال إبراهيم بن أبي طالب : قلت لمسلم : كيف استجزت الرواية عن سويد في ((الصحيح)) ؟ فقال : ومن أين كنت آتي بنسخة حفص (١) وذلك أنَّ مسلماً لم يرو في ((صحيحه)) عن أحد ممن سمع حفصاً إلا عن سويد ، وروى فيه عن واحد ، عن ابن وهب ، عن حفص . ** قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ أَبُوْ الْمَعَالِيْ وَاخْتَارَهُ تِلْمِيْذُهُ الْغَزَّالِي قال الحافظ العراقي : وأما تكذيب ابن معين له فإنه أنكر عليه ثلاثة أحاديث : حديث : من عشق وعف ، وحديث : من قال في ديننا برأيه فاقتلوه ، وحديثه عن أبي معاوية ، عن الأعمش عن عطية ، عن أبي سعيد مرفوعاً : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة . فقال ابن معين : هذا باطل عن أبي معاوية . قال الدارقطني: فلما دخلت مصر وجدت هذا الحديث في مسند المنجنيقي - وكان ثقة - عن أبي كريب عن معاوية فتخلص منه سويد ، وأنكره عليه ابن معين لظنه أنه تفرد به عن أبي معاوية ، ولا يحتمل التفرد ولم يتفرد به ، وإنما كذبه ابن معين فيما تلقنه آخراً فنسبه إلى الكذب لأجله . ويدل عليه أن محمد بن يحيى السوسي قال : سألت ابن معين فقال : ما حدثك حفظا فاكتب عنه ، وما حدثك به تلقينا فلا. فدل هذا على أنه صدوق عنده، أنكر عليه ما تلقنه واللّه أعلم. ((فتح المغيث)) له (١٣/٢ - ١٤). ١- هو: حفص بن ميسرة العقيلي، أبو عمر الصنعاني، ثقة ربما وهم، من الثامنة. ((تقريب)) (١٨٩/١) . ٢٤٧ وَأَبْنُ الْخَطِيْبِ الْحَقُّ أُنْ يُحْكَمْ بِمَا أُطْلَقَهُ الْعَالِمُ بِأُسْبَابِهِمَا وَقَدِّمُوْ الْجَرْحَ، وَقِيْلَ: إِنْ ظَهَر مَنْ عَدِِّ الأَكْثَرَ فَهْوَ الْمُعْتَبَرْ * * * (قلت : وقد قال) في ردِّ السوال إمام الحرمين (أبو المعالي) في كتابه ((البرهان))، (واختاره تلميذه) أبوحامد (الغزالي، و) الإمام فخرالدين (ابن الخطيب) الرازي : (الحق أن يحكم بما أطلقه العالم) بإسكان الميم من ((يحكم)) - والعالم (بأسبابهما) أي: بأسباب الجرح والتعديل من غير بيان لها (١). واختاره القاضي أبوبكر الباقلاني (٢)، ونقله عن الجمهور. ولما كان هذا مخالفاً لما اختاره ابن الصلاح من كون الجرح المبهم لا يقبل وهو عين القول الرابع ، قال جماعة منهم التاج السبكي : ليس هذا قولاً مستقلاً بل تحرير لمحل النزاع ؛ إذ من لا يكون عالماً بأسبابهما لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد ؛ لأنَّ الحكم على الشيء فرع تصوره . أي : فالنزاع في إطلاق العالم دون إطلاق غيره ، وهذا إن سلّم فلانسلم أنَّ تقييد غير العالم بهما - أي : تفسيره لهما - لا يقبل . واختار (٣) شيخنا: أنَّه إن لم يخل المجروح عن تعديل لم يقبل الجرح فيه إلا مفسَّراً ، وإن خلا عن ذلك قُبل فيه (٤) مبهماً إذا صدر من عارف ؛ ١- راجع ((البرهان في أصول الفقه)) (٦٢١/١)، و((المنخول)) للغزالي (ص: ٢٦٣)، و ((المحصول)» (٥٨٧/٢/١). ٢- هو : الإمام محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم ، أبو بكر الباقلاني : المالكي ، كان فقيهاً بارعاً ، ومحدثاً حجة ، ومتكلماً على مذهب أهل السنة وطريقة الأشعري ، توفي سنة ٤٠٣ هـ. ((تاريخ بغداد)) (٣٧٩/٥). ٣- في ط : اختيار . ٤- في ص : منه وهو تحريف . ٢٤٨ لأنَّه إذا خلا عن ذلك فهو في حيز المجهول وإعمال قول المجرِّح أولى من إهماله . قال : ومال ابن الصَّلاح في مثل هذا إلى التوقّف انتهى (١). ثم بيَّن حكم (٢) تعارض الجرح والتعديل في راوٍ واحدٍ فقال : (وقدموا) أي: جمهور أئمة الأثر (٣) (الجرح) على التعديل وإن كان المعدّل أكثر عدداً لأنَّ مع الجارح زيادةُ علم لم يطلع عليها المعدّلِ ، ولأنَّه مصدَّق للمعدَّ فيما أخبر به من ظاهر حاله ويخبر عن أمر باطن خفي على المعدّل . نعم : إن لم يفسّر الجرح ، أو قال المعدِّل : عرفت السبب الذي ذكره الجارح لكنه تاب منه ، قدِّم التعديل ما لم يكن في الكذب على النّبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في محله . وقال ابن دقيق العيد في الأول : الأقوى طلب الترجيح لأنَّ كلاً منهما ينفي قول الآخر . ولو نفى المعدَّل الجرحَ بطريقٍ معتبرٍ كأن يقول عند التجريح بقتله لفلان يوم كذا : أنا رأيته بعد ذلك اليوم وهو حي ، تعارضا لعدم إمكان الجمع ؛ فيطلب الترجيح . (وقيل: إن ظهر من عدل الأكثر) بنصبه حالاً، بزيادة ((ال)) - أي : إن ظهر المعدَّلون أكثر عدداً (فهو) أي : التعديل (المعتبر) لأنَّ الكثرة تقوِّي الظن ، والعمل بأقوى الظنَّيْن واجب كما في تعارض الخبرين . ١- راجع ((شرح النخبة)) (ص : ١٥٥). ٢- في ص : حكم بين وهو تحريف . ٣- راجع للتفصيل ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٢٤)، ((تدريب الراوي)) (٣٠٩/١)، ((مقدمة جامع الأصول)) لابن الأثير (١٢٨/١)، ((فتح المغيث)) للسخاوي (٢٨٦/١). ٢٤٩ قال الخطيب : وهذا خطأ ؛ لأنَّ المعدلين وإن كثروا لا يخبرون بعدم ما أخبر به الجارحون ، ولو أخبروا به وقالوا : نشهد أنَّ هذا لم يقع منه ، لم يصح لأنَّها شهادة على نفي محض (١) . ولأنَّ تقديم الجرح إنما هو لتضمُّنه زيادةً خفيت على المعدِّل ، وذلك موجود مع زيادة عدد المعدل . وقيل : إنَّهما حينئذ يتعارضان فيطلب الترجيح لزيادة قوة كل منهما من وجه . وقيل : يقدم الأحفظ . * * * وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ لَيْسَ يَكْتَفِيْ بِهِ الْخَطِيْبُ وَالْفَقِيْهُ الصِّيْرَفِي حَدَّثَنِيْ الثِّقَةُ، بَلْ لَوْ قَالاً : وَقِيْلَ : يَكْفِيْ نَحْوُ أُنْ يُقَالاً : أُسَمِّ . لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ جَمِيْعُ أُشْيَاخِيْ ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ وَيَعْضُ مَنْ حَقٌّقَ لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ عَالِمٍ فِيْ حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ ثم بيِّن حكم التعديل المبهم ، والرِّواية عن المعيّن بلا تعديل ، وغيرهما فقال : (ومبهم التعديل) أي : تعديل المبهم (ليس يكتفي به) أبو بكر (الخطيب)، وأبو نصر بن الصبّاغ، (والفقيه) أبو بكر (الصَّيْرَفِيُّ)، وغيرهم ؛ إذ لا يلزم من كونه عدلاً عنده أن يكون عند غيره كذلك ، فلعله إذا سمَّاه يكون ثمن جرحه غيره بجرحٍ قادحٍ ، بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع تردُّداً في القلب (٢) . ١- راجع ((الكفاية)) (ص : ١٠٧). ٢- راجع ((الكفاية)) (ص: ٩٢، ٣٨٨-٣٨٩). ٢٥٠ (وقيل: يكتفي) تعديله كما لو عيّنه، لأنَّه مأمون في الحالين ، وهو ماشٍ على قول من يحتجُّ بالمرسل ، وأولى بالقبول . (نحو أن يقالا) بألف الإطلاق : (حدثني الثقة) ، أو العدل . (بل) صرح الخطيب بأنَّه (لو قالا) بألف الإطلاق - أيضاً : (جميع أشياخي ثقات) و (لو لم أسمـ) ـهِمْ، ثم روى عمن لم يسمِّه (لا يقبل) أيضاً (من قد أبهم) ؛ لما ذكر فيما قبله . وإن كان أعلى منه كما أفاده كلامه ؛ بأنَّ التعديل به إخبار مستقل بخلافه بما قبله (١) . أما إذا قال : كل من أروي لكم عنه وأسمِّيه فهو عدل رضا ، كان تعديلاً منه لكل من روى عنه وسمَّاه كما جزم به الخطيب (٢). وقيل : يكفي تعديل المبهم من عالم لا من غيره . كما قال : (وبعض من حقّق لم يرده) أي : تعديل المبهم ، إن صدر (من عالم) أي : مجتهدٍ كمالك والشافعي (في حق من قلده) في مذهبه ، كقوله : ((حدثني الثقة). فحيث روى مالك عن الثقة عن بكير بن عبدالله بن الأشج ، فالثقة مَخْرَمَةُ بن بكير ، أو عن الثقة ، عن عمرو بن شعيب ، فهو عبدالله بن وهب وقيل : الزهري ، وقيل : ابن لهيعة . وحيث روى الشافعي عن الثقة عن ابن أبي ذئب فهو محمد بن أبي فديك ، أو عن الثقة من الليث بن سعد فهو يحيى بن حسَّان ، أو عن الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة ، أو عن الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة ، أو عن الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد ، أو عن الثقة ١- في س : فيما . ٢- راجع (الكفاية)) (ص: ٩٢). ٢٥١ عن صالح مولى التَّواْمَة فهو إبراهيم بن أبي يحيى (١) . وخرج بـ ((من قلَّده)) غيره ؛ فلايقبل في حقه لأنَّ المجتهد لا يورد الخبر بذلك احتجاجاً به على غيره ، بل يورد لأصحابه لبيان قيام الحجة به عنده ، وقد عرف هو من رواه عنه . * * * * وَلَمْ يَرَوْ فُتْيَاهُ أُوْ عَمَلَهُ عَلَى وِفَاقِ الْمَتْنِ تَصْحِيْحاً لَهُ وَلَيْسَ تَعْدِيْلاً عَلَى الصَّحْيْحِ رِوَايَةَ الْعَدَلِ عَلَى التَّصْرِيْحِ (ولم يروا) أي : جمهور أئمة الأثر (فتياه) أي : فتواه كما هو بخطّه أي : العالم مجتهداً أو مقلّداً (أو عمله على وفاق المتن) أي : الحديث الوارد في ذلك المعنى (تصحيحاً له)، ولا تعديلاً لراويه ؛ لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطاً ، أو لدليل آخر وافق ذلك الحديث ، أو لكونه ممّن يرى العمل بالضعيف وتقديمَه على القياس . وقيل : هو تعديل وهو ما رجِّحه الأصوليون ، وقياسه ترجيح أنَّه تصحيح أيضاً عندهم (٢) . ١- راجع ((تعجيل المنفعة)) (ص: ٣٥٩)، ((تدريب الراوي)) (٣١٢/١-٣١٤)، ((فتح المغيث)) للسخاوي (٢٨٩/١ -٢٩٠). ٢- اختلف العلماء من المحدثين والفقهاء في أن العالم إذا أفتى أو عمل بمقتضى حديث لم يُرو إلا من طريق راو لم تثبت عدالته ، وضبطه فهل عمله أو إفتاؤه بوفقه يكون تعديلاً للراوي أو تصحيحاً لذلك الحديث ؟ فذهب جمهور المحدثين إلى أن ذلك لا يكون تصحيحاً للرواية ولا تعديلاً لراويها وهو اختيار ابن الصلاح ، والنووي ، والعراقي ، والسخاوي والسيوطي ، والطيبي ، وغيرهم . راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٠٠) (فتح المغيث)) للعراقي (٢٠/٢)، ((وتدريب الراوي)» (٣١٥/١)، ((الخلاصة)) للطيبي (ص: ٨٧)، ((فتح المغيث)) للسخاوي (٢٩١/١)، ((الإرشاد)) للنووي (٢٩١/١). ٢٥٢ وقال الحافظ ابن كثير بعد أن نقل كلام ابن الصلاح : قلت : وفي هذا نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث ، أو تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه ، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه. ((الباعث الحثيث)) (ص : ٩٧). وتعقبه العراقي بقوله : وفي هذا النظر نظر ؛ لأنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون ثم دليل آخر من قياس أو إجماع ، ولا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها ، ولعل له دليلاً آخر واستأنس بالحديث الوارد في الباب ، وربما كان المفتي أو الحاكم يرى العمل بالحديث الضعيف وتقديمه على القياس. راجع ((التقييد والإيضاح)) (ص : ١٤٤). وقال الخطيب : فأما إذا عمل العالم بخبر من روى عنه لأجله فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه ؛ لأنه لم يعمل بخيره إلا وهو رضا عنده عدل ، فقام عمله بخبره مقام قوله : هو عدل مقبول الخبر، ((الكفاية)) (ص: ٩٢). وما قاله الخطيب هو المختار عند جمهور الأصوليين ، ولكنهم اشترطوا له شرطين : أحدهما : أن لا يمكن حمل عمله على الاحتياط في الدين . وثانيهما : أن لا يكون احتمال موافقة خبر آخر للخبر الذي عمل به موجوداً . وإلا لم يكن عمله تعديلاً له ، ولا تصحيحاً لروايته . راجع ((المحصول)) (٥٩٠/٢/١)، ((الإحكام)) للآمدي (٨٨/٢)، ((البرهان)) لإمام الحرمين الجويني (٦٢٤/١)، ((جمع الجوامع)) للسبكي مع شرح المحلي وحاشية البناني (١٦٤/٢)، ((غاية الوصول شرح لب الأصول)) للمؤلف (ص: ١٠٤)، ((المسودة في أصول الفقه)) لآل ابن تيمية (ص: ٢٤٣)، ((التحرير)) لابن الهمام (ص: ٣١٨)، ((المنخول)» للغزالي (ص: ٢٦٤) ((نشر البنود)» (٥٤/٢)، ((المستصفى)) للغزالي (١٦٣/١)، ((مختصر المنتهى)» لابن حاجب (٦٦/٢)، ((تيسير التحرير)) (٥٠/٣)، ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٣٠/١)، ((سلم الوصول)) (٧٦٤/٣)، ((مناهج العقول)» للبدخشي (٢٤٨/٢)، ((إرشاد الفحول)» (ص: ٦٧) ((المنهل الروي)» لبدر ابن جماعة (ص: ٦٥). وهذا إذا كان المجتهد من أهل الاجتهاد التام في علمي الحديث والاستدلال ، وأما من ليس الحديث صنعته فلا عبرة بخلافه ولا بوفاقه فإن العلماء شنعوا على أمثال صاحب الهداية من الحنفية الذين ملئوا كتبهم بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ومن نحا نحوه من شراح كتابه . هذا الإمام بدر الدين العيني يقول بياناً لسوء حالة علماء مذهبه في الحديث مثل الأترازي ، وقوام الدين الكاكي، وأكمل الدين البابرتي، والسروجي، والسُّغناقي وغيرهم: ((انظر إلى هذا التقصير من هؤلاء كيف سكتوا عن تحرير الحديث الذي ذكره المصنف - أي صاحب الهداية = ٢٥٣ (وليس تعديلاً) لمن يَرْويْ عنه (١) الْعَدل مطلقاً (على الصحيح) الذي عليه أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم (رواية العدل على) وجه (التصريح) باسمه ؛ لأنَّه يجوز أن يروي عن غير عدلٍ . ومقابل الصحيح قولان : أحدهما : أنَّها (٢) تعديل مطلقاً؛ لأنَّ الظاهر أنَّه لا يَرْوي إلا عن من غير أصل ، والخصم الذي يحتج لمذهبه بالأحاديث الصحيحة هل يرضى بهذا الحديث الذي ليس للترمذي أصل)) ((البناية)) (٣٧٢/٥). وقال أيضاً : والعجب العجب من صاحب الرعاية مع ادعائه التعمق في العلوم وكونه في ديار الحديث وكتبه الجمة يقول بعد قوله : ..... الحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة. وكيف عزوه إلى الترمذي بهذا المتن وقد بينت لك ما أخرجه الترمذي ، فهل هذا استهتار عظيم بالألفاظ النبوية اللهم اجعلنا ممن ينتبه لهذا وممن ينتقد الجيد والزيف. البناية (٢٢٠/٨). هذا وقد ذكر ابن عابدين هذه القاعدة في حاشيته (٥٥٣/٤) في مسئلة لا يتحقق فيها الشروط المذكورة بلفظ: ((استدلال المجتهد من الحديث تصحيح له)»، وذكرها أيضاً الكوثري في بعض مؤلفاته، وجعلها التهانوي أصلاً من أصول الحنفية في ((إنهاء السكن)) الذي طبعه الشيخ عبدالفتاح أبو غدة باسم ((قواعد في علوم الحديث)) (ص: ٥٧). واستشهد لها بأقوال العلماء التي لا علاقة لها بهذه الصورة المشترط لها بالشروط السابقة ، مع ذهاب كل واحد من هؤلاء إلى الإغماض عن الشروط وعدم التنبيه إليها محاولةً منهم بجعل هذه القاعدة مطلقة عن تلك القيود التي تدفع عن حصول الثمرات المطلوبة للرد على مخالفيهم والدفاع عما تمسك به بعض أئمتهم من متمسكات ضعيفة ؛ فيجب على القارئ التنبه لمثل هذه القواعد الخادعة أو المحرفة عن المفاهيم المستقرة الثابتة الصحيحة عند جمهور الأصوليين . وإن أردت مزيداً من الاطلاع على حالة العلماء الذين يعتبر استدلالهم بالحديث تصحيحاً له عند هؤلاء المتعصبين راجع ((البناية شرح الهداية)) لبدر الدين العيني وما قاله فيهم من الكلمات الجارحة في الأماكن التالية : ٥٢٤/١، ٥٧٠، ٦٢٢، ٧٢٩، ٥٠/٢ - ٥١، ٣٠٧، ٥٠٦، ٥٤٠، ٥٨٥، ٦١٥ ٥ ٠ ٦٨، ٧٧٢، ٧٩٩، ١٠٠٤، ٨١/٣، ١٥٢، ١٦٨، ٢٥١، ٢٥٤، ٫٢٥٨ ٥٥٧ ٠ ٦٠٤، ٣٠٤/٤، ٧١٧، ٧٣٦، ١٦٤/٥، ٢٥١، ٣٩٢، ٧٤٩، ٣٧٢، ٨١٧/٦ . ٨١٨، ٨٠٣/٧: ٨٦٢، ٢٢٠/٨: ٦/٩، ١٢٢، ١٠/ ٣٣٣، ٤٩٨ . ١- في س : عن . ٢- في س ، ز : أنه . ٢٥٤ عدلٍ ، إذ لو عَلِم فيه جرحاً لذكره لئلا يكون غاشاً في الدين . وردَّه الخطيب بأنَّه قد لايعلم عدالته ولا جرحه ، كيف ؟ وقد وجد جماعة من العدول الثقات روواً عن ضعفاء (١) . والثاني : أنَّها تعديل له إن علم أنَّه لايَرْوِي إلا عن عدلٍ ، وإلا فلا. وهذا هو الصحيح عند الأصوليين(٣) كالآمديِّ (٣)، وابن الحاجب (٤). وأما رواية غير العدول (٥) فليست تعديلاً اتفاقاً. وخرج بالتصريح باسمه ما لم يصرح به ، فلايكون تعديلاً جزماً ، بل لو عدَّلَ مُبْهماً لم يكتفَ به كما مرَّ . وَاخْتَلَفُواْ هَلْ يُقْبَلُ الْمَجْهُولُ وَهْوَ عَلَى ثَلاَثَةٍ مَجْعُولُ وَرَدَّهُ الأُكْثَرُ وَالْقِسْمُ الْوَسَطْ مَجْهُولُ عَيْنٍ مَنْ لَهُ رَارٍ فَقَطْ مَجْهُولُ حَالٍ بَاطِنٍ وَظَاهِرٍ وَحُكْمُهُ الرَّدُّ لَدَى الْجَمَاهِرِ فِيْ بَاطِنٍ فَقَطْ فَقَدْ رَأَى لَهَّ وَالثَّالثُ الْمَجْهُولُ لِلْعَدَالَهُ مَا قَبْلَهُ مِنْهُمْ سُلَيْمٌ فَقَطَعْ حُجِّيَّةٌ فِيْ الْحُكْمِ بَعْضُ مَنْ مَّنَعْ يُشْبِهِ أَنَّهُ عَلَى ذَا جُعلً بِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ : إِنَّ الْعَمَلاً ١- راجع ((الكفاية)) (ص: ٨٩). ٢- راجع ((الإحكام)) للآمدي (٨٨/٢)، ((مختصر المنتهى)) لابن حاجب (٦٦/٢)، ((المنخول)» للغزالي (ص: ٢٦٤)، ((البرهان)) لإمام الحرمين الجويني (٦٢٣/١). ٣- هو : علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي، الفقيه، الأصولي ، الملقب بسيف الدين ، أبو الحسن، الشافعي، توفي سنة ٦٣١هـ. ((طبقات السبكي)) (١٢٩/٥). ٤- هو : عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس ، أبو عمرو ، جمال الدين ، أبن حاجب . الفقيه ، المالكي كان أصولياً ، متكلماً ، نظاراً محققاً، توفي في إسكندرية سنة ٦٤٦هـ . راجع ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/٣)، («البداية والنهاية)) (١٧٦/١٣)، ((شذرات الذهب)) (٢٣٤/٥) . ٥- في د : العدل . ٢٥٥ فِيْ كُتُبٍ مِنَ الْحَدِيْثِ اشْتَهَرَتْ خِبْرَةُ بَعْضِ مَنْ بِهَا تَعَذِّرَتْ فِيْ بَاطِنِ الأُمْرِ وَبَعض يَشْهَرُ ذَ الْقِسْمَ مَسْتُوْراً وَقِيْهِ نَظَرُ * * * (واختلفوا) أي : العلماء (هل يقبل) الراوي (المجهول ؟ وهو على) أقسام (ثلاثة مجعول) : الأوّل : (مجهول عينٍ) وهو: (من له راوٍ) أي: من لم يرو عنه إلا راوٍ (فقط)، وسمّاه الراوي، كجبار الطائي (١)، وعبدالله بن أعز (٢) - بالزاي - فإنَّ كلاً منهما لم يرو عنه إلا أبو إسحاق السَّبِيْعِيُّ (٣). (وردَّه) أي: مجهول العين (الأكثر) من العلماء ، فلا يقبلونه مطلقاً ، وهو الصحيح للإجماع على عدم قبول غير العَدّل، والمجهول ليس عدلاً ولا في معناه في حصول الثقة به . ولأنَّ الفسق مانع من القبول كالصِّبًا والكفر ، فيكون الشك فيه مانعاً من ذلك كما أنَّه فيهما ") كذلك . وقيل: يقبل مطلقاً لقوله تعالى: ((إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيِّنُواْ)) (٥) أي : فتثبّتوا كما قرئ به في السبع . ١- هو: جبار بن القاسم الطائي روى عن ابن عباس، وعنه أبو إسحاق الهمداني ، قاله ابن أبي حاتم في ((كتاب الجرح والتعديل)) (٥٤٣/٢). وقال الذهبي: قال الأزدي: ضعيف، ((ديوان الضعفاء» (ص : ٤١) . ٢- قال ابن أبي حاتم: روى عن ابن مسعود في القصص، وعنه أبو إسحاق. ((الجرح والتعديل)) (٨/٥) . ٣- هو: عمرو بن عبدالله الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، ثقة عابد، اختلط بأخرة. ((تقريب)» (٧٣/٢) . ٤- في ز : فيها . ٥- سورة الحجرات : الآية ٦ . ٢٥٦ فأوجب التثبّت عند وجود الفسق ، وعند عدمه لا يجب التثبّت فيجب العمل بقوله . وقيل : إن كان مشهوراً في غير العلم كالزُّهْدِ والنَّجدة قُبل ، وإلا فلا . وقيل : إن زكّاه أحد من أئمة الجرح والتعديل - ولو كان الراوي عنه - قُبل ، وإلا فلا . وصحَّحه شيخنا (١) . وقيل : إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يَرْوِي إلا عن عدلٍ - واكتفينا في التعديل بواحد - قُبل ، وإلا فلا . (والقسم الوسط) أي الثاني : (مجهول حال باطن وظاهر) من العدالة والجرح مع معرفة عينه برواية عدلين عنه . (وحكمه: الردُّ) فلا يقبل مطلقاً أيضاً (لدى) أي: عند (الجماهر) من العلماء . وقيل : يقبل مطلقاً ، وإن لم تقبل رواية القسم الأول . وقيل : إن كان الراويان لا يرويان إلا عن عدل قُبل ، وإلا فلا . (و) القسم (الثالث: المجهول للعدالة) أي : مجهولها (في باطن فقط) أي : لا في الظاهر . (فقد رأى له حجيةً) أي : احتجاجاً (في الحكم بعض من منع) قبول (ما قبله) من القسمين (منهم) : الفقيه (سُلَيْم) بضم أوله - ابن أيوب الرَازِيُّ (٢) (فقطع به) (٣) . ١- راجع ((شرح النخبة)) (ص: ١٥٣)، ولفظه: وتقبل التزكية من عارف بأسبابهما ولو من واحد على الأصح . ٢- هو: سليم بن أيوب الرازي ، الشافعي ، تفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني ، وكان رأساً في العلم، توفي سنة ٤٤٧ هـ ((طبقات السبكي)) (١٦٨/٣)، ((تهذيب الأسماء)» للنووي (٢٣١/١) . ٣- نقل عنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص: ١٠١). ٢٥٧ وعزاه النووي لكثير من المحقّقين وصحَّحه (١). لأَنَّ الأخبار مبني على حسن الظن [بالراوي] (٣)، ولأنَّ رواية الأخبار تكون عند من يتعسَّر عليه معرفة العدالة الباطنة . وبهذا فارقت الرَّوايةُ الشَّهادةَ ، فإنّها تكون عند الحكام وهم لا يتعسر عليهم ذلك . (وقال الشيخ) ابن الصَّلاح: (إنَّ العملا يشبه أنَّه على ذا) القول (جعلا في كتب) كثيرة (من الحديث اشتهرت) بين الأئمة وغيرهم حيث خرج فيها لرواة (خبرة بعض من) خرّج له منهم (بها) أي: بالكتب (تعذَّرت في باطن الأمر) لتقادم العهد بهم ؛ فاكتفى بالعدالة الظاهرة (٣). (وبعض) من الأئمة وهو البَغَوِيُّ (يشهر) بفتح أوله وثالثه - من الشهرة ، وهي الوضوح ، يقال : شهرت الأمر أشهر شهراً وشهرةٌ ، يعني يلقَّب (ذا القسم مستوراً) أي : به . وتبعه عليه الرافعيُّ(٤) والنّوَوِيُّ . زاد الناظم : (وفيه) أي : تلقيب من ذكر بالمستور (نظر) . إذ في عبارة الشَّافعيِّ في ((اختلاف الحديث)) ما يقتضي أنَّ ظاهري العدالة من يحكم الحاكم بشهادتها . (٥) فإنَّه قال في جواب سوالٍ أورده : فلايجوز أن يترك الحاكم ١- راجع ((المجموع)) (٢٧٧/٦). ٢- ساقطة من ط . ٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٠١). ٤- هو : الإمام أبو القاسم عبدالكريم بن محمد الرافعي ، الشافعي ، تفقه على والده أبي الفضل محمد بن عبدالكريم حتى صار إماماً في الفقه والتفسير والأصول، توفي سنة ٦٢٣هـ. ((طبقات السبكي)) (١١٩/٥) ((تهذيب الأسماء)) (٢٦٤/٢). ٥- في د : الحكم . ٢٥٨ بشهادتها إذا كانا عدلين في الظاهر (١). فلا يحسن تعريف المستور بهذا ؛ فإنَّ الحاكم لا يسوغ له الحكم به ، لكن الظاهر أنَّ الشافعي إنَّما أراد بالباطن ما في نفس الأمر لخفائه عنا فلا نُكَلِّفُ به بدليل أنَّه أطلق في أوَّل ((اختلاف الحديث)) أنَّه لا يحتج بالمجهول (٢). وأما اكتفاؤه بحضورهما عقد النكاح مع ردَّه المستور ، فإنَّ النكاح إنما فيه تحمُّل لا حكم ؛ ولهذا لو رفع العقد بهما إلى حاكم لم يحكم بصحته . ثم بيِّن حكم رواية المبتدع فقال : وَالْخُلْفُ فِيْ مُبْتَدعٍ مَا كُفِّرَاَ قيْلَ: يُرَدُّ مُطْلَقاً واسْتُنْكراً وَقِيْلَ : بَلْ إِذَا اسْتَحَلَّ الْكَذِبَا نُصْرَةَ مَذْهَبٍ لَهُ وَنُسبَا مِنْ غَيْرِ خَطَائِيَةٍ مَا نَقَلُواْ لِلشَّافِعِيِّ إِذْ يَقُولُ: أُقْبَلُ وَالأَكْثَرُوْنَ وَرَآهُ الأَعْدَلاَ رَدُّواْ دُعَاتَهُمْ فَقَطْ وَنَقَلاً فِيْهِ ابْنُ حِبَّانَ اتَّفَاقًا وَرَوُواْ عَنْ أُهْلِ بِدْعٍ فِيْ الصَّحِيْحِ مَا دَعَوْاً (والخلف) أي : الاختلاف واقع بين الأئمة (في) قبول رواية (مبتدع ما كفرا) ببدعته . (قيل : يرد مطلقاً) سواء الداعية وغيره ، لأنه فاسق ببدعته وإن كان متأولاً فالتحق بالفاسق غير المتأول كما التحق الكافر المتأول بغير المتأول . وهذا يروى عن مالك وغيره ، ونقله الآمدي عن الأكثرين (١٢) ، وجزم به ١- راجع ((اختلاف الحديث)) على هامش كتاب الأم (٧/٧، ١٦). ٢- المصدر السابق (٢٢/٧) . ٣- راجع («الإحكام)) (٨٣/٢). ٢٥٩ ابن الحاجب (١) . (واستنكر) أي: وأنكره ابن الصَّلاح، فقال: ((إنَّه بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث فإنَّ كتبهم طافحة بالرِّواية عن المبتدعة غير الدُّعاة)) (٢) كما سيأتي . (وقيل) : لا يردُّ مطلقاً (بل إذا استحل الكذبا) في الرِّواية أو الشهادة (نصرة مذهب له) ، أو لأهل مذهبه ، سواء أدعى إلى مذهبه أم لا ، بخلاف ما إذا لم يستحل ذلك لأنَّ اعتقاده حرمة الكذب يمنعه منه فيصدق . (ونسبا) هذا القول (للشافعي إذ يقول) أي لقوله : (أقبل من غير خطابية ما نقلوا) . وعبارته : ((أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة ؛ لأنَّهم يرون الشهادة بالزُّور لموافقيهم)) (٣). (والأكثرون) من العلماء (ورآه) ابن الصلاح (الأعدلا) أي : أعدل الأقوال ، وأولاها (رَدُّواْ دُعَاتَهم فقط). قال: وهو مذهب الكثير أو الأكثر (٤). ([ونقلا فيه] (١٥ ابن حبان اتفاقاً) حيث قال : الداعية إلى البدعة لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبةً لا أعلم بينهم فيه اختلافاً . ١- راجع ((مختصر المنتهى)) (٦٢/٢). ٢- راجع ((علوم الحديث)) (ص : ١٠٤). ٣- وقال في ((كتاب الأم)) (٢١٠/٦) : فكل مستحل بتأويل من قول أو غيره فشهادته ماضية لا ترد إلا أن يكون منهم من يعرف باستحلال شهادة الزور على الرجل ، أو يكون منهم من يستحل أو يرى الشهادة للرجل إذا وثق به فترد شهادته من قبل استحلاله الشهادة بالزور . انتهى مختصراً . ٤- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ١٠٣-١٠٤). ٥- ما بين المعكونتين ساقط من ز . ٢٦٠ لكن استغرب شيخنا حكاية الاتفاق . (و) قد (رووا) أي : أئمة الحديث كالبخاري ومسلم أحاديث (عن) جماعة من (أهل بدع) بإسكان الدال (في الصحيح) على سبيل الاحتجاج والاستشهاد بهم ؛ لأنَّهم (ما دعوا) أحداً إلى بدعتهم ولا استمالوه إليها . منهم : خالد بن مَخْلَد (١)، وعبيدالله بن موسى العَبْسي (٣) ، وعبدالرزاق بن همام (٣)، وعمرو بن دينار (٤). وأما من كفّر ببدعته كمنكري علمه - تعالى - بالمعدوم وبالجزئيات ، فلايقبل على خلاف فيه . ١- هو : خالد بن مَخْلد القَطْوَانِيُ، أبو الهَيْثُم البَجَلِيُّ مولاهم، الكوفي، صدوق يتشيع ، وله أفراد. ((تقريب)) (٢١٨/١). وقال في ((هدي الساري)» (ص: ٤٠٠): قلت : أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره، لاسيما ولم يكن داعية إلى بدعته ، وأما المناكير فقد تتبعها ابن عدي من حديثه وأوردها في كامله ، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري ، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد وهو حديث أبي هريرة: ((من عادى لي ولياً)» . وروى له الباقون سوى أبي داوود . ٢- في س ، ز : العقبى وهو خطأ. وهو عبيدالله بن موسى بن أبي المختار باذام، العبسي، الكوفي ، أبو محمد ، ثقة كان يتشبع، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم. ((تقريب)) (٥٣٩/١ - ٥٤٠). وقال في ((الهدي)) (ص: ٤٢٣): قال ابن معين: كان عنده جامع سفيان الثوري وكان يستضعف فيه . قلت : لم يخرج له البخاري من روايته شيئا . ٣- هو : عبدالرزاق بن همام بن نافع ، الحميري مولاهم ، أبو بكر الصنعاني ، ثقة ، حافظ ، مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشبع. ((تقريب)) (٥٠٥/١)، ((هدي الساري)» (ص : ٤١٨) . ٤- هو : عمرو بن دينار المكي ، أبو محمد الأثرم ، الجمحي مولاهم ، ثقة ثبت ، من الرابعة . ((تقريب)) (٦٩/٢). وقال الذهبي: وما قيل عنه من التشيع فباطل. ((الميزان)) (٢٦٠/٣).