Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(وما خلا عن كل ذا) أي : ما ذكر من تابعٍ وشاهدٍ (مفارد) بفتح الميم
أي : أفراد ، فيكون الحديث فرداً وينقسم بعد ذلك لقسمي الشاذ والمنكر
كما در .
وممن صرَّح بما مر في كيفية الاعتبار ابن حبَّان حيث قال :
مثاله : أن يَرْوِيَ حمَّد بن سلمة حديثاً لم يتابع عليه عن أيوب ، عن
ابن سيرين ، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، عن النَّبي صلى اللّه
عليه وسلم ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيوب عن ابن سيرين ؟
فإن وجد علم أنَّ للخبر أصلاً يرجع إليه .
وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة ، وإلا
فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم ؟
فأيُّ ذلك وجد يعلم به أنَّ للحديث أصلاً يرجع إليه ، وإلا فلا انتهى .
ولا يختص ذلك بالثقة ، ولهذا قال ابن الصَّلاح :
«واعلم أنَّه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد روايةُ من لا يحتجُّ
بحديثه وحده بل يكون معدوداً من الضعفاء ، وفي كتابي (١) البخاري
ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد .
وليس كل ضعيفٍ يصلح لذلك ، ولهذا يقولون : فلان يعتبر به ، وفلان
(٢)
لا یعتبر به)»
٠
*
* *
مِثَالُهُ: لَوْ أُخَذُواْ إِهَابَهَا فَلَفْظَةُ الدِّبَاغِ مَا أَتَى بِهَا
عَنْ عَمْروٍ إِلاَّ ابْنُ عُيَيْنَةٍ وَقَدْ تُوْنِعَ عَمْرَوَ فِي الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ
١- في د : کتاب .
٢- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٧٦).

١٨٢
ثُمَّ وَجَدْنَا أَيُّمَا إِهَابٍ فَكَانَ فِيْهِ شَاهِدَاً فِيْ الْبَابِ
*
*
(مثاله) أي : ما وجد له تابع وشاهد خبر : (لَوْ أُخَذُواْ إِهَابَهَا) بكسر
الهمزة - أي: جلدها ((فَدَيَغُوْهُ فَانْتَفَعُواْ بِهِ)) المروي عن مسلم وغيره من
طريق سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن
ابن عباس «أُنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلّم مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوْحَةٍ أُعْطِيَتْهَا
مَوْاَةٌ لِمَيْمُوْنَةً مِنَ الصَّدَقَةِ)) (١) فذكره .
(فلفظة الدباغ) فيه (ما أتى بها) [أحد] (٢) (عن عمرو) من أصحابه
(إلا) بدرج الهمزة (ابن عيينة) بصرفه للوزن - فإنَّه انفرد بها ولم يتابع
عليها .
(وقد توبع) شيخه (عمرو) عن عطاء (في الدباغ) .
فرواه الدَّارَقُطْنِيُّ واْبَيْهَقِيُّ عن ابن وَهْب ، عن أسامة بن زيد اللَّيْئِيِّ،
عن عطاء ، عن ابن عباس أن النَّبي صلى الله عليه وسلّم قال لأهل شاةٍ
ماتت: ((أُلاَّ نَزَعْتُمْ إِهَايَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ)) (٣) .
قال البيهقي: وهكذا رواه اللَّيْث بن سعدٍ ، عن يزيد بن أبي حَبِيْبٍ(٤)،
عن عطاء. وكذا رواه يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء (٥) .
فهذه متابعات لابن عيينة في شيخ شيخه (فاعتضد) بها .
(ثم وجدنا) من رواية عبدالرُّحمان بن وَعْلَةَ، عن ابن عباس مرفوعاً :
١- راجع ((صحيح مسلم)) (٥٢/٤)، ((سنن أبي داوود)) مع العون (١٧٨/١١).
٢ - ساقطة من ص .
٣- راجع ((السنن الكبرى)) (١٦/١)، ((السنن الدارقطني)) (٤٤/١).
٤- في ظ : عن يزيد عن أبي حبيب وهو خطأ .
٥- ((السنن الكبرى)) (١٦/١).

١٨٣
((أُيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)) رواه مسلم وغيره (١) .
ولفظ مسلم : ((إذا دُبِغَ الإِهَابُ)) .
(فكان فيه) لكونه بمعنى حديث ابن عيينة (شاهد في الباب) .
أي عند من لا يقصره على ما جاء عن صحابي آخر ، أما من يقصره
عليه - وهم الجمهور كما مر - فعندهم أنَّ روايةَ ابن وَعْلَة هذه متابعة لفظاً
(٢)
[لعطاء] (٣).
ولهذا عدل (٣) شيخنا عن التمثيل به إلى التمثيل بحديث فيه المتابعة
التامة والقاصرة، [والشاهد باللفظ] (٤)، والشاهد بالمعنى.
وهو : ما رواه الشَّافعيُّ، عن مالك ، عن عبدالله بن دينار ، عن
عبدالله بن عمر رضي اللّه عنهما أنَّ رسول اللّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال:
«الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُوْنَ فَلاَ تَصُوْمُواْ حَتَّى تَرَواْ الهلالَ وَلاَ تُفْطِرُواْ حَتَّى تَرَوَهُ ،
فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ ثَلاَثِيْنَ)) (٥) .
رواه عدة من أصحاب مالك بلفظ: ((فَاقْدِرُواْ لَهُ)) (٦) .
فَأشار البيهقي إلى أنَّ الشَّافعيِّ تفرَّد بقوله: ((فَأُكْمِلُومُ الْعدَّةَ
ثَلاَثِيْنَ)) .
فنظرنا فوجدنا البخاريِّ رواه بلفظ الشَّافعيِّ فقال : حدثنا عبدالله بن
مَسْلَمَةَ (٧) الْقَعْنَبِيُّ، حدثنا مالك إلى آخره (٨).
١- راجع ((صحيح مسلم)) (٥٣/٤)، ((مسند أحمد)) (٢١٩/١)، ((جامع الترمذي)) مع تحفة
الأحوذي (٤٥/٣).
٢- هذه الزيادة من د .
٣- في ظ : عدله وهو خطأ .
٤- ما بين المعكوفتين ساقط من ز .
٥- راجع ((كتاب الأم)) (٩٤/٢).
٦- راجع (الموطأ)) (٢٦٩/١).
٨- راجع ((فتح الباري)) (١١٩/٤).
٧- في س : سلمة . وهو خطأ.

١٨٤
فهذه متابعة تامة لما رواه الشافعي .
ودلَّ هذا على أنَّ مالكاً رواه عن عبدالله بن دينار باللفظين ، وقد توبع
فيه عبدالله بن دينار عن ابن عمر حيث رواه مسلم من طريق أبي أسامة ،
عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: ((فَاقْدرُوا
ثَلاثيْنَ)) (١) .
ورواه ابن خُزَيْمَةً من طريق عاصم بن محمد بن زيد ، عن أبيه ، عن
جدِّه ابن عمر بلفظ: ((فَكَمِّلُواْ ثَلاَثِيْنَ)) (٢).
فهذه متابعة قاصرة .
وله شاهدان :
أحدهما : من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم ، عن شعبة ، عن
محمد بن زياد، عن أبي هريرة بلفظ: ((فَأُكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِيْنَ)).
وثانيهما : من حديث ابن عباس [رواه النَّسائي من طريق عمرو بن
دينار، عن محمد بن حُنَيْن، عن ابن عبّاس](٣) بلفظ حديث ابن دينار عن
ابن عمر سواء (٤) .
وهذا باللفظ وما قبله بالمعنى .
١- راجع ((صحيح مسلم) (١٩٠/٧).
٢- ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٠٢/٣) فيه : فأكملوا ثلاثين .
٣- مابين المعكوفتين ساقط من ظ .
٤- راجع ((سنن النسائي)) مع التعليقات السلفية (٢٤٤/١).
1,2

١٨٥
زيادات الثقات
وَأَقْبَلْ زِيَادَاتِ الثَّقَاتِ مِنْهُمُ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ الْمُعْظَمُ
قَسَّمَهُ الشَّيْخُ فَقَالَ مَا انْفَرَدْ
وَقِيْلَ لاَ ، وَقِيْلَ لاَ مِنْهُمْ وَقَدْ
فِيْهِ صَرِيْحاً فَهْوَ رَدُّ عِنْدَهُمْ
دُوْنَ الثِّقَاتِ ثقَةٌ خَالَفَهُمْ
فِيْهِ الْخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعاً
أُوْ لَمْ يُخَالِفْ فَاقْبَلَنْهُ وَدَّعَى
تُرْبَةُ الأَرْضِ فَهِيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ
أُوْ خَالَفَ الإطلاقَ نَحْو جُعلَتْ
*
*
وتعرف بجمع الطّرقِ والأبواب ، وهي من الصَّحابة مقبولة اتفاقاً ومن
غيرهم ما ذكره بقوله :
(واقبل) أنت (زيادات الثقات) مطلقاً من التابعين فمن دونهم (منهم)
أي : من الثقات الرَّأوين للحديث بدونها، بأنْ رواه أحدهم مرةً بدونها ومرةً بها .
(ومن سواهم) أي : سوى الرُّأوين بدونها من الثِّقات أيضاً ، سواء أ
كانت في اللفظ أم [في] (١) المعنى، تعلق بها الحكم الشَّرعي أم لا، غيِّرت
الحكم الثابت أم لا ، غيّرت الإعراب أم لا ، علم اتحاد المجلس أم لا ، كثر
الساكتون عنها أم لا .
(ف) هذا ما (عليه المعظم) من الفقهاء والمحدثين والأصوليين (٢).
وقيّده جماعة منهم ابن عبد البر بما إذا لم يكن راويها دون من لم يَرْوِها
حفظاً واتقاناً (٣).
١- ساقطة من ص ، د .
٢- وقد ادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول. ((تدريب الراوي)) (٢٤٦/١).
٣- وإليه ذهب ابن خزيمة قاله السخاوي في ((فتح المغيث)) (٢٠٠/١).
قال الحافظ ابن حجر: واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل ،
=

١٨٦
(وقيل : لا) تقبل الزِّيادة مطلقاً، لا ممّن رواه ناقصاً ولا من غيره ؛
لأنَّ ترك الحفّاظ لها يضَعَّفها ، إذ يبعد عادةً سماعُ الجماعة لحديثٍ واحدٍ
وذهاب زيادةٍ فيه على أكثرهم ونسيانها (١) .
(وقيل : لا) تقبل (منهم) أي : ممّن رواه مرةً بدونها ومرةً بها ؛ لأنَّ
روايته له بدونها أورثت شكاً فيها ، لأنَّ الإنسان طبع على [حب] (٢) إشهار
(٣) علمه (٤).
وتقبل من غيره من الثقات ؛ لانتفاء ذلك فيه .
وقيل : تقبل (٩) إن لم تغيِّرِ الإعرابَ (٦).
وقيل : تقبل إن اختلف المجلس ، أو ادعى نسيانها (٢) .
ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً ثم يفسرون
الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه ، والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء
الشذوذ في حد الصحيح والحسن ، والمنقول من أئمة الحديث المتقدمين كعبدالرحمان بن مهدي ،
ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، والبخاري ، وأبي
زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها
ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة ، وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول
بقبول زيادة الثقة مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك. ((شرح النخبة)) (ص: ٤٧-٤٩).
١- نسب هذا القول الغزالي والإسنوي إلى الإمام أبي حنيفة ، إلا أن أصحابه قد صرحوا بقبول زيادة
الثقة إذا كان الراوي واحداً، ((المنخول)» (ص: ٢٨٣)، ((شرح المنهاج» للإسنوي (٢٤٨/٢).
((أصول السرخسي)) (٢٥/٢)، ((فتح الغفار)» (١١٨/٢)، ((تيسير التحرير)) (١٠٨/٣).
٢- هذه الزيادة من ط ، د .
٣- في ط : اشتهار .
٤- حكاه الخطيب عن فرقة من الشافعية منهم أبو نصر القشيري، ونحوه قول ابن الصباغ، «فتح
المغيث)) (٢٠١/١).
٥- في س : لا تقبل وهو خطأ .
٦ - حكاه ابن الصباغ عن بعض المتكلمين. ((فتح المغيث)) للعراقي (٩٩/١).
٧- هو قول ابن الصباغ، نقله السخاوي في ((فتح المغيث)) (٢٠١/١).

١٨٧
وقيل : لا تقبل (١) إن كثُر الساكتون عنها ، ولم يغفل مثلهم عن
مثلها (٢) .
وقيل : لا تقبل إلا أن تفيد حكماً .
وقيل : تقبل في اللفظ كالتأكيد دون المعنى .
وقيل : عكسه .
(وقد قسمه) أي: ما ينفرد به الثقة من الزيادة (٣) (الشيخ) ابن
الصَّلاح (فقال) أخذاً من كلامهم : قد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثِّقة إلى
ثلاثة أقسام:
(ما انفرد) بروايته (دون الثقات) أو ثقةٍ أحْفَظَ (ثقةٌ خالفهم) أو خالف
الثَّقةَ الأَحْفَظَ (فيه) أي : فيما انفرد به [الثقة] (٤) (صريحا) بأن لا يمكن
الجمع بينهما .
(فهو رد) أي : مردود كما مر في الشاذ (عندهم) أي : عند
المحقّقين ، ومنهم الشافعي .
(أو لم يخالف) فيه أصلاً کتفرده بحدیث .
(فاقبلنه) لأنَّه جازم بما رواه وهو ثقة ولا معارض (*) لروايته ؛ إذ
الساكت عنها لم ينفها لفظاً ولا معنىٍّ.
(وادعى فيه) أي : في قبول هذا القسم (الخطيب) البغدادي (الاتفاق)
من العلماء حالة كونه (مجمعا) عليه (٦).
١- في س : تقبل .
٢- هو اختيار ابن السمعاني وغيره. ((فتح المغيث)) (٢٠١/١).
٣- في ز : الرواية .
٥- فى س : تعارض .
٦- راجع ((الكفاية)) (ص : ٤٢٥).
٤- هذه الزيادة من ظ .

١٨٨
وهذا تكملة وتأكيد .
( أو خالف (١) الإطلاق) بأن زاد لفظة في حديث لم يذكرها سائر من
رواه (نحو جُعِلَتْ تُرْبَةُ الأرْضِ) بدرج الهمزة - في حديث: ((فُضَّلْتُ عَلَى
النَّاسِ بِثَلاَثٍ: جُعِلَتْ صُفُوْقُنَا كَصُفُوْفِ الْمَلاَئِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ
مَسْجِداً وَطَهُوْراً)) .
(فهي) أي: زيادة ((تربة)) (فرد نقلت) تفرد بها أبو مالك سَعْد بن
طارق الأشْجَعِيُّ، عن رِبْعِيٍّ، عَن حُذَيْفَةً (٢) .
رواها مسلم وغيره (٣) .
قال أعني ابن الصَّلاح : فهذا يشبه القسم الأوّل من حيث أنَّ ما رواه
الجماعة عام أي في جميع أجزاء الأرض ، وما رواه المنفرد (٤) [فهو] (٥)
مخصوص أي بالتراب وفي ذلك نوع مخالفة ، ويشبه الثاني من حيث أنَّه
لا منافاة بينهما (٦) .
١- في ط : خلاف .
٢- قال الحافظ ابن حجر : هذا التمثيل ليس بمستقيم أيضاً ؛ لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث
عن ربعي بن حراش، كما تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة، فإن أراد أن لفظة ((تربتها))
زائدة في هذا الحديث على باقي الأحاديث في الجملة فإنه يرد عليه أنها في حديث علي رضي الله
تعالى عنه أيضاً كما نبه عليه شيخنا . وإن أراد أن أبا مالك تفرد بها وإن رفقته عن ربعي رضي
الله تعالى عنه لم يذكروها كما هو ظاهر كلامه فليس بصحيح. «النكت)» (٧٠٠/٢-٧٠١).
٣- راجع ((صحيح مسلم)) (٤/٥)، ((صحيح ابن خزيمة)) (١٣٣/١)، ((مسند الإمام أحمد)»
(٩٨/١، ١٥٨) عن علي رضي الله عنه.
٥- ساقطة من س ، ز ، د .
٤- في ط : المفرد .
٦- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٧٩).
وقال الحافظ ابن حجر : لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء ، والذي يجري على قواعد
المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد بل يرجحون بالقرائن. (النكت))
(٦٨٧/٢) .

١٨٩
*
*
ثَالشَّافِعِي وَأُحْمَدُ احْتَجًا بِذَ وَالْوَصْلُ وَالإِرْسَالُ مِنْ ذَا أُخذَ
لَكِنَّ فِيْ الإِرْسَالِ جَزْماً فَاقْتَضَى تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى
هَذَا قُبُوَّلُ الْوَصْلِ إِذْ فِيْهِ وَفِيْ الْجَرْجِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَضِيْ
* *
*
(فالشافعي) بالإسكان لما مر (وأحمد احتجا بذا) أي باللفظ الزائد
حیث خصًا التيمم بالتراب .
(والوصل والإرسال) في تعارضهما (من ذا) أي : من باب زيادة
الثقات (أخذا) فالوصل زيادة ثقةٍ .
(لكنَّ) بالتشديد (في الإرسال جرحا) في الحديث (فاقتضى) ذلك
(تقديمه) عند الأكثر لكونه (١) من قبيل تقديم الجرح على التعديل ؛
فافترقا .
(ورد) تقديم الإرسال بـ (أن مقتضى هذا) أي : ما علَّل به تقديمه
(قبول الوصل) أيضاً (إذ فيه) أي : في الوصل (وفي الجرح علم زائد
للمقتفي) أي : المتبع ، فتعارضا .
والأوجه أنَّ الزيادة في الوصل ؛ إذ الإرسال نقص في الحفظ (٢)
١- في س : لأنه .
٢- قال الخطيب: وهذا القول هو الصحيح عندنا ؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله
ولا تكذيب له ، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم إلا أنهم أرسلوه لغرض
أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر. وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله
أخرى لا يضعف ذلك أيضا له ؛ لأنه قد ينسى فيرسله ، ثم يذكر بعده فيسنده ، أو يفعل الأمرين
معاً عن قصد منه لغرض له فيه. ((الكفاية)) (ص: ٤١١).

١٩٠
الأفراد
الْفَرْدُ قِسْمَانِ: فَفَرْدٌ مُطْلَقا وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْدَ سَبَقًا
وَالْفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ مَا قَبَّدْتْهُ بثقَةٍ أُوْ بَلْدِ ذَكَرْتَهُ
لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ إِلاَّ وَآئِلْ
أُوْ عَنْ فُلاَنٍ نَحْوَ قَوْلِ القَائِلُ
لَمْ يَرْوِ هَذَا غَيْرُ أُهْلِ الْبَصْرَةِ
لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ إِلَّ ضَمْرَهُ
تَجَوِّزاً فَاجْعَلْهٌ مِنْ أُوَّلِهَا
فَإِنْ يُرِيْدُواْ وَاحِداً مِنْ أُهْلِهَا
ضُعْفَ لَهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّهْ
وَلَيْسَ فِيْ أُفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ
لَكِنْ إِذَا قَيَّدَ ذَكَ بِالفِّقَهْ فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ ممَّا أُطلقَهْ
الأفراد بفتح الهمزة .
(الفرد قسمان: ففرد) يقع (مطلقاً) وهو أولهما : بأن ينفرد به راوٍ
واحدٌ عن كل أحدٍ .
(وحكمه) مع مثاله (عند الشذوذ سبقا) أي : سبق في نوع الشاذ .
(والفرد بالنسبة) إلى جهةٍ خاصةٍ ، وهو ثانيهما . وله أنواع :
(ما قيدته بثقة أو بلد) معيَّنٍ (ذكرته) كمكة ، والبصرة ، والكوفة ،
وسيأتي مثالها ، (أو) براوٍ معيِّنٍ، بأن (١) لم يروه (عن فلان) إلا فلان.
(نحو قول القائل) أبي الفَضْل بن طاهر (٢) في حديث أصحاب
١ - د : كقولك : لم يروه .
٢- هو الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي ، المعروف بابن القيسراني ، قال
الذهبي : ليس بالقوي فإنه له أوهام كثيرة في تواليفه . وقال ابن حجر : له انحراف عن السنة
إلى التصوف غير المرضي وهو في نفسه صدوق لم يتهم، توفي سنة ٥٠٧هـ. ((ميزان الاعتدال)»
(٥٨٧/٣)، ((لسان الميزان)) (٢٠٧/٥)، ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٤٣/٤).

١٩١
((السنن)) الأربعة من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن وائل (١) بن داوود ، عن
ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس «أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم
أُوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيْقٍ وَتَمْرٍ)) (٢): (لم يروه عن بكر إلا وائل) بدرج
الهمزة - أي : أبوه .
ولم يروه عن وائل إلا ابن عيينة ؛ فهو غريب .
وكذا قال الترمذي : إنه حسن غريب (٢) .
ولا يلزم من تفرُّد وائل به عن ابنه (٤) بكر تفرُّده به مطلقاً ، فقد ذكر
الدَّارَقُطْنِيُّ في ((علله)) أنَّه رواه محمد بن الصَّلْت التَّوَّزِيُّ (٥)، عن ابن
عُيَيْنة ، عن زياد بن سعد ، عن الزهري .
قال: ولم يتابع عليه ، والمحفوظ عن ابن عيينة (١) ، عن وائل، عن
ابنه (٧)، ورواه جماعة عن ابن عيينة ، عن الزهري بلا واسطة .
ومثال المقيّد بالثقة: قول القائل في حديث ((قراءة النَّبِيِّ صلى اللَّه عليه
وسلَّم في الأُضْحَى وَالْفِطْرِ بـ ((قاف)) و((إذا اقتربت)): (لم يروه ثقة إلا
ضَمْرَةٍ) بدرج الهمزة - أي : ابن سعيد المازني .
فقد انفرد به عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي واقد اللَّيْئِيِّ، عن النّبي
١ - صدوق، من الثامنة / مع . ((التقريب)) (١٠٧/١).
٢- راجع ((سنن أبي داوود)) مع العون (٢٠٨/١٠)، ((جامع الترمذي)) (١٠٩٥)، ((سنن ابن
ماجة)) (١٩٠٩).
٣- انظر ((جامع الترمذي)) (٣٩٤/٣) بتحقيق فؤاد عبدالباقي .
٤- في ز : أبيه وهو خطأ ،
٥- صدوق يهم، من العاشرة /خ س. ((التقريب)) (١٧٢/٢).
٦- في ط : هو ابن عيينة .
٧- في س : أبيه وهو خطأ ، وفي د : عن عبدالله .

١٩٢
صلى الله عليه وسلّم رواه مسلم وغيره (١).
وإنَّما قيَّد بالثقة لرواية الدارقطني له من رواية ابن لَهِيْعَةً (٢) - وقد
ضعفه الجمهور - عن خالد بن يزيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن
. (٣)
عائشة
ومثال المقيَّد ببلد : قول القائل في حديث أبي داوود ، عن أبي داوود
الطيالسي ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري
قال ((أُمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم أُنْ نَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا
تَيْسَر)) (٤): (لم يرو هذا) الحديث (غير أهل البصرة) .
فقد قال الحاكم : إنهم تفردوا بذكر الأمر فيه من أول الإسناد إلى
آخره (٥) .
وكذا قال في حديث عبدالله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى
اللَّه عليه وسلّم: إن قوله: ((وَمَسَحَ رَأَسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلٍ يَدِهِ)) سنَّة غريبة
تفرَّد بها أهل مصر (٦) .
(فإن يريدوا) أي : القائلون بما ذكر ونحوه (واحداً) فقط (من أهلها)
أي : من أهل تلك البلدة (تجوزا) في الإضافة كما يضاف فعل واحدٍ من
قبيلة إليها مجازاً (فاجعله من أولها) أي : من أوّل الصور المذكورة في
١ - راجع ((صحيح مسلم)) (١٨١/٦)، ((سنن النسائي)) مع تعليقات السلفية (١٨٧/١).
٢- هو عبدالله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، قاضي مصر وعالمها ، صدوق من السابعة ، خلط بعد
احتراق كتبه ، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما ، وله في مسلم بعض شيء
مقرون، توفي ١٧٤هـ ((التقريب)) (٤٤٤/١).
٣- راجع ((سنن الدارقطني)) (٤٦/٢).
٥ - انظر ((سنن أبي داوود)) مع العون (٤٣/٣).
٥- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٩٧).
٦- انظر ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٩٨).

١٩٣
الباب وهو الفرد المطلق .
ومنه حديث: «كُلُومُ الْبَلْحَ بِالتَّمْرِ)» السابق في نوع المنكر حيث قال
الحاكم : هو من أفراد البصريين عن المدنيين، تفرّد به أبو زُكَيْرٍ (١) عن هشام
بن عروة (٢) .
فجعله من أفراد البصريين وأراد واحداً منهم .
(وليس في أفراده) أي : هذا الباب (النَّسْبِيَّة) وهي (٣) أنواع القسم
الثاني (ضعف لها من هذه الحيثيه) أي : حيثية الفردية .
(لكن إذا قيَّد) القائل من الحفّاظ (ذاك) التفرُّد (بالثقة) كقوله: لم
يروه ثقةٌّ إلا فلان (فحكمه يقرب مما أطلقه) أي : من القسم الأول .
لأنَّ رواية غير الثِّقة كلا روايةٍ ، فيُنْظُرُ فيه هل بلغ رُتْبَةَ من يُعْتَبر
بحديته أو لا ؟ وفي المتفرِّد بالحديث هل بلغ رُتْبةَ من يحتجُّ بتفرُّده أو لا ؟
فعلم أنّ من أنواع القسم الثاني ما يشارك الأول كإطلاق تفرُّد أهل بلد
بما يكون راويه منها واحداً ، وتفرد ثقةٍ بما يشاركه في روايته ضعيف (٤) .
تنبيه : قال ابن دقيق العيد : إذا قيل في حديثٍ : تفرَّد به فلان عن
فلان ، احتمل أن يكون تفرداً مطلقاً ، وأن يكون تفرد به عن هذا المعيّن
خاصةً ، ويكون مروياً عن غير ذلك المعيّن ؛ فليتنبّه لذلك (٥) .
١- في س : زكريا وهو خطأ .
٢- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٠١).
٣- في د : وهو أنواع .
٤- في س : ضعيفة وهو خطأ .
٥- انظر ((الاقتراح)) (ص : ١٩٩ - ٢٠٠).

١٩٤
المعلّل
وَسَمِّمَا بِعِلَةٍ مَشْمُوْلُ مُعَلَّلاً وَلاَ تَقُلْ مَعْلُولُ
وَهْيَ عِبَارَةٌ عَنْ أُسْبَابٍ طَرَتْ فِيْهَا غُمُوْضٌ وَخِفَاءٌ أُثْرَتْ
تُدْرَكُ بالْخلاف والشَّفَرُّدِ
مَعْ قَرَآئِنٍ تَضُمُّ يَهْتَدِيْ
تَصْوِيْبِ إِرْسَالٍ لِمَاَ قَدْ وُصِلاً
جِهِْذُهَا إِلَى الَّلاَعِهِ عَلَى
فِيْ غَيْرِهِ ، أُوْ وَهْمِ وَاهِمٍ حَصَلْ
أُوْ وَقْفِ مَا يَرْفَعُ أُوْ مَتْنٍ دَخَلْ
مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرَهُ أُنْ سَلِمَا
ظَنَّ فَأُمْضَى أُوْ وَقَفْ فَاحْجَمَا
** *
قال ابن الصَّلاح: ((معرفة علل الحديث من أجلِّ علومه وأدقّها
وأشرفها ، وإنَّما يتضلّع بذلك أهل الحفظ والخِبْرَة والفهم الثاقب)) (١).
(وسم) أنت (ما) هو من الحديث (بعلة) خفيَّةٍ من علله الآتية في سندٍ
أو متنٍ (مشمول معللا) كما عبّر به ابن الصَّلاح .
(ولا تقل) فيه: هو (معلول) وإن وقع في كلام كثير من أهل الحديث
والأصول ، والكلام، والعروض؛ [لأنَّه] (٢) من ((عَلَّه الشَّرَاب)) (٣) إذا أسقاه
مرةً بعد أخرى ، لا مما نحن فيه .
وقال ابن الصَّلاح: إنَّه مرذول (٤) عند أهل العربية واللغة (٥) .
١- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٨١).
٢- ساقطة من ط .
٣- في د ، ظ : بالشراب.
٤- في س ، د : مردود وهو خلاف ما هو في نص الكتاب .
٥- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٨١).

١٩٥
والنووي [قال] (١): إنَّه لحسن (٢).
قال الناظم (٣): والأجود ((المُعَلُّ)) كما هو في عبارة بعضهم، وأكثر
عباراتهم في الفعل: ((أُعَلَّهُ فُلاَنٌ بِكَذَا)) وقياسه ((مُعَلِّ)) وهو المعروف
لغةً .
قال الجَوْهَرِيُّ (٤): ((لاَ أُعَلَّكَ اللَّه)) أي: لا أصابك بعلَّةٍ)) انتهى (٥) .
وقوله: والأجود (٦) ((المعل)) أي : أجود من المعلول ، أو منه ومن
المعلَّل تغليباً ، وإلا فالمعلل لا جودة فيه ؛ فإنَّه لا يجوز أصلاً إلا بتجوّزٍ .
لأنَّه ليس من هذا الباب بل من باب ((التعلُّل)) (٧) الذي هو التشاغل
والتلهِّيْ، ومنه تعليل الصَّبِيِّ (٨) بالطعام كما ذكره هو أيضاً.
أما ((معلول)) فموجود، وبه عبِّر شيخنا (٩)، بل قال: إنَّه الأولى.
لأنَّه وقع في عبارات أهل الفن مع ثبوته في اللُّغة - أي ومن حفظ حجة
على من لم يحفظ - لكن الأعرف أنَّ فعله ثلاثي مزيد ، فالأجود
((المعل)) (١٠) كما قاله الناظم ، وإن كان المعلول أولى لما مر .
(وهي) أي : العلّة الخفيّة (عبارة عن أسباب) بدرج الهمزة - جمع
١- هذه الزيادة من د .
٢- راجع ((التقريب)) مع التدريب (٢٥١/١).
٣- راجع ((فتح المغيث)) له (١٠٦/١).
٤- هو : إسماعيل بن حماد الفارابي ، الجوهري ، أبو نصر ، قرأ العربية على أبي علي الفارسي ،
وأبي سعيد السيراني ومن مؤلفاته في اللغة ((الصحاح))، قال الحافظ ابن حجر: وقع له في
الصحاح أوهام عديدة ، ولو كان من يهم من المصنفين يترك لما سلم أحد ، وقد تلقى العلماء كتابه
بالقبول، توفي سنة ٣٩٣هـ. ((لسان الميزان)) (١ /٤٠٠-٤٠٢).
٥- راجع ((الصحاح)) (١٧٧٤/٥).
٦- في س : الأجود .
٧- في د : التعليل .
٨- في ص : صبي .
٩- راجع ((النكت)) (٧١٠/٢).
١٠- في ظ : المعلل .

١٩٦
سببٍ ، وهو لغةً: ما يتوصل به إلى غيره .
واصطلاحاً : ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم .
(طرت) بحذف الهمزة تخفيفاً - أي : طلعت بمعنى ظهرت للناقد
(فيها) أي : الأسباب (غموض وخفاء) العطف (١) فيه عطف تفسير
(أثّرت) أي : قدحت في قبول الحديث .
(تدرك) أي : الأسباب أو العلة (٢) بعد جمع طرق الحديث والفحص
عنها (بالخلاف والتفرد) أي : بمخالفة راويه لغيره ممن هو أحفظ وأضبط أو
أكثر عدداً، ويتفرده (٣) به بأن لم يتابع عليه (مع قرائن تضم) لما ذكر .
(يهتدي) بمجموع ذلك (جهبذها) بذال معجمة - أي : الحاذق في هذا
الفن (إلى اطلاعه على تصويب إرسال لما قد وصلا ، أو) تصويب (وقف ما
يرفع ، أو) تصويب فصل (٤) (متن) ولو بعضاً (دخل) مدرجاً (في) متن
(غيره، أو) إلى اطلاعه على (وهم واهم حصل) بغير ما ذكر كإبدال راوٍ
ضعيف بثقة .
وقد (ظن) الجهبذ قوةً ما وقف عليه من ذلك (فأمضى) الحكم بما ظنَّه
من عدم قبول الحديث لأنَّ مبنى ذلك على غلبة الظن .
(أو) تردّد بحيث (وقف) بادغام فائه في [فاء] (٥) (فاحجما) عن
الحكم بقبول الحديث وعدمه احتياطاً .
كل ذلك (مع كونه) أي : الحديث المعلِّ (٦) أو المتوقّف فيه (ظاهره)
قبل الوقوف على علته (أن سلما) أي : سلامته منها لجمعه شروط
١- في س : فالعطف .
٣- في ز : ويتفرد به .
٥- ساقطة من ز .
٢- في س : والعلة .
٤- في س : وصل .
٦- في س : المعلل .

١٩٧
قبوله ظاهراً .
فقوله ((ظاهره)) منصوب خبر ((كان))، و ((أن سلما)) فاعله، أو
مرفوع مبتدأ و ((أن سلما)) خبره والجملة خبر ((كان)).
وعلم من تعريف العِلَّة بما ذكر أنَّ المعلِّ : حديث فيه أسباب خفيّة
طرأت عليه فأثّرتْ فيه .
قال شيخنا : وأحسن منه أن يقال : هو حديث ظاهره السلامة اطلع فيه
بعد التفتيش (١) على قادح .
ومثاله : حديث ابن جريج في الترمذي وغيره : عن موسى بن عُقْبَة ،
عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((مَنْ جَلْسَ
مَجْلِساً فَكَثُرَ فِيْهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَّقُوْمَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ))
الحديث (٢) .
فإنَّ موسى بن إسماعيل الْمِنْقَرِيَّ (٣) رواه عن وُهَيْب بن خالد الباهلي(٤)،
عن سُهَيْل المذكور ، عن عون بن عبداللّه (٥) .
وبهذا أعلَّه البخاري فقال : هو مرويّ عن موسى بن إسماعيل ، وأما
موسى بن عُقْبَةَ فلانعرف له سماعاً من سهيل (٦) .
١- في ظ : بعض المفتشين .
٢ - تمام المتن: ((مَنْ جَلَسَ فِيْ مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيْهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أُنْ يَقُوْمَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أُشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أُسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِيْ مَجْلِسِهِ
ذَلِكَ)». قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ، لانعرفه من حديث سهيل
إلا من هذا الوجه. ((جامع الترمذي)) مع التحفة (٣٩٢/٩-٣٩٣).
٣- ثقة ثبت، من صغار التاسعة / ع. ((التقريب)) (٢٨٠/٢).
٤- ثقة ثبت، لكنه تغير قليلاً بأخرة، من السابعة / ع. «تقريب» (٣٣٩/٢).
٥- كذا في ظ ، د ، وفي الباقية عبدالله بن عون وهو خطأ.
٦- قال السخاوي : وكذا أعله أحمد ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة، والوهم فيه من سهيل ؛ فإنه كان
قد أصابته علة نسي من أجلها بعض حديثه. ((فتح المغيث)) (١/ ٢١٢).

١٩٨
** * * *
تَقْدَحُ فِي الْمَتْنِ بِقَطْعٍ مُسْنَدِ
وَهْيَ تَجِيْءُ غَالِباً فِيْ السَّنَدِ
كَالْبَيِّعَنِ بِالْخِيَارِ صَرَّحُواْ
أُوْ وَقْفِ مَرْقُوْعٍ وَقَدْ لاَتَقْدَعُ
عَمْراً بِعَبْدِاللَّهِ حِيْنَ نَقَلاَ
بِوَهْمٍ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ أُبْدَلاً
إِذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَهَا فَتَقَلَهْ
وَعَلَّةُ الْمَتْنِ كَتَفْيِ الْبَسْمَله.
وَصَحُّ أنَّ أنساً يَقُولُ: لاَ أُحْفَظَ شَيْئاً فِيْهِ حِيْنَ سُئِلاً
(وهي) أي : العلّة الخفيّة القادحة (تجيء غالباً في السند) أي :
وقليلاً في المتن ، فالتي في السند (تقدح في) قبول (المتن بقطع مسند)
متصل (أو وقف مرفوع) أو غير ذلك من موانع القبول ، وذلك حيث لم
يتعدد السند ، أو لم يَقْوِ الاتصال أو الرفع - مثلاً - على القطع أو
الوقف .
(وقد لا تقدح) فيه بأن يتعدَّد السند ، أو يقوى الاتصال ، أو نحوه ،
أو يقع الاختلاف في تعيين واحد من ثقتين (كـ) حديث (البيعان بالخيار)
المرويِّ عن عبدالله بن دينار المدني، عن مولاه ابن عمر.
فقد (صرّحوا) أي: النُّقَّاد (بوهم) راويه (١) (يعلى بن عُبَيْد)
الطُّنَافِسِيَّ إذ (أبدلا) بألف الإطلاق (عمرا) هو ابن دينار المكي (بعبدالله)
بن دينار الذي هو الصواب .
فالباء داخلة على المتروك تشبيهاً للإبدال بالتبدل ، وإلا فهو خلاف ما
عليه أئمة اللغة من أنَّها إنَّما تدخل على المأخوذ في الإبدال كالتبديل ،
وعلى المتروك في الاستبدال والتبدل إن لم يذكر مع المتروك والمأخوذ غيرهما
١- في ز : رواية .

١٩٩
في الأربعة .
وقد حرِّر ذلك شيخنا شيخ الإسلام الشمس القاياتي أتم تحرير في
شرحه لخطبة ((منهاج النووي)) . وبذلك اندفع ما قيل : إنَّ الباء في الإبدال
إنَّما تدخل على المتروك .
(حين نقلا) بألف الإطلاق - أي : روى يعلى (١) ذلك عن سفيان
الثورى ، عن عمرو بن دينار وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثوري ، فكلهم
قالوا ((عبدالله)) (٢) بل توبع الثوري فرواه كثيرون عن عبدالله.
قال ابن الصَّلاح: ((وكلاهما أي: عمرو وعبدالله ثقة)) (٣). أي :
فلهذا لم يقدح الخلاف فيهما في المتن .
(وعلة المتن) القادحة فيه (كـ) حديث (نفي) قراءة (البَسْمَلَة) في
الصَّلاة المرويِّ عن أنس (إذ ظن راو) من رواته حين (٤) سمع قول أنس
رضي اللّه تعالى عنه: (صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلّم وأبي
بكر وعثمان رضي الله عنهم فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُوْنَ بِالْحَمْدِ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ)) (٥)
(نفيها) أي : البسملة بذلك .
(فنقله) مصرِّحاً بما ظنَّه فقال عقب ذلك: ((فَلَمْ يَكُوْنُواْ يَفْتَتِحُوْنَ الْقِرَاءَةَ
بِبِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيْمِ)).
١- في س : بعد وهو خطأ .
٢- في س : عبيدالله وهو خطأ.
٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٨٣). ٤- في س : حيث .
٥- أخرجه مسلم في صحيحه (١١٠/٤)، وأخرجه البخاري بلفظ: ((كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد
لله رب العالمين)» («فتح الباري)» (٢٢٦/٢)، ورواه الترمذي، وأبو داوود ، والنسائي ، وابن
ماجة، وابن خزيمة كلهم بلفظ: ((كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)) ((جامع
الترمذي)» (٢٤٦)، ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٤٨/١)، ((سنن أبي داوود)) مع العون
(٢٨٨/٢)، ((سنن النسائي)) مع التعليقات السلفية (١٠٨/١)، ((سنن ابن ماجة)):
(٨١٣، ٨١٤).

٢٠٠
وفي رواية: ((لاَ يَذْكُرُوْنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيْمِ فِيْ أُوَّلِ قِراءَةٍ وَلاَ فِيْ
آخرها » (١) .
فصار بذلك حديثاً مرفوعاً ، والراوي له مخطئ في ظنه .
ومن ثَمَّ قال الشَّافعيُّ وأصحابه : المعنى أنَّهم يبدون بقراءة أمِّ القرآن
قبل ما يقرأ بعدها ، لا أنَّهم يتركون الْبَسْمَلَة (٢) .
(و) قد (صح) كما صرَّح به الدارقطني وغيره ما يتأيد به القول بخطأ
النافي (أنَّ أنساً) رضي الله عنه (يقول: ((لا أحفظ شيئا فيه)) حين سئلا)
بألف الإطلاق .
أي سأله أبو مسلمة (٣) سعيد بن يزيد أ كان رسول اللَّه صلى الله عليه
وسلّم يستفتح بالحمد للّه ، أو ببسم اللَّه الرحمان الرحيم (٤) ؟
لكن قد روي الحديث عن أنس جماعة منهم حُمَيْد وقتادة . والمعلُّ إنّما
هو رواية حميد إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم (٥) عن مالك عنه ، فإنَّ
سائر الرُّواة عن مالك لم يذكروا فيها ((خلف النَّبي صلى الله عليه وسلّم))
فليس عندهم إلا الوقف .
وأما رواية قتادة فلم يتفق أصحابه عنه على ذكر النفي المذكور ، بل
أكثرهم لم يذكروه ، وجماعة منهم ذكروه بلفظ: ((فَلَمْ يَكُونُواْ يَجْهَرُوْنَ بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيْمِ)) .
١- أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١١١/٤).
٢- راجع ((كتاب الأم)) (٩٣/١).
٣- في س ، ز : سلمة ، وكذا في التقريب لابن حجر وهو في التهذيب والكاشف وفي سنن
الدارقطني وغيرها من المصادر: أبو سلمة، ثقة. من الرابعة / ع. ((تقريب)) (٣٠٨/١).
٤- فأجاب: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك. ((سنن الدارقطني))
(٣١٦/١)، وقال : هذا إسناد صحيح .
٥- في س : وهب بن الوليد بن مسلم وهو خطأ .