Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
المرسل
مَرْفُوعُ تَابِعٍ عَلَى الْمَشْهُوْرِ مُرْسَلٌ أُوْ قَيِّدْهُ بِالْكَبِيْرِ
وَالأُوَُّ الأَكْثَرُ فِيْ اسْتِعْمَالِ
أُوْ سَقْطُ رَآوٍ مِنْهُ ذُوْ أُقْوال
ويجمع على مراسيل ، ومراسل مأخوذ من الإرسال وهو : الإطلاق .
كقوله تعالى: ((إِنَّا أُرْسَلْنَا الشَّيَاطِيْنَ عَلَى الْكَافِرِيْنَ)) (١).
فكأنَّ المرسِلَ أطلق الإسناد ولم يقيِّدْه بجميع الرُّواة (٢).
(مرفوع تابع) أي : ما رفعه تابعيّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلّم
صريحاً أو كنايةً (على المشهور) عند أئمة المحدِّثين (مرسل).
وقيّده شيخنا بما لم يسمَعْه من النّبي صلى اللَّه عليه وسلّم ليخرج من
لقيه كافراً فسمع منه ثم أسلم بعد موته صلى الله عليه وسلّم وحدث بما
سمع(٣) منه كالتنُّوخِيِّ رسول هِرَقْل - ورُوي قيصر - فإنَّه مع كونه تابعياً
محكوم لما سمعه بالاتصال لا بالإرسال (٤) .
وخرج بالتابعي [مرسل الصَّحابي وسيأتي آخر الباب ، ولا فرق في
التابعي] (٥) بين الكبير والصغير .
(أو) بالدرج (قيِّده) أي : أو المرسل مرفوع تابعي مقيّد (بالكبير)
فمرفوع الصَّغير لا يسمَّى مرسلاً بل منقطعاً .
وظاهرٌ أنَّ ذكر الكبير هنا وفيما يأتي جرى على الغالب ، والمراد من
كان جلُّ روايته عن الصَّحابة ، وفي كلامهم ما يشير إليه .
١- سورة مريم : الآية ٨٣ .
٣- في ظ : سمعه .
٢- في ظ : رواته .
٤- راجع ((النكت)) (٥٤٦/٢). ٥- ما بين المعكوفتين ساقط من ظ .
١٤٢
(أو سقط راو منه) أي: أو المرسل (١): ما سقط من سنده راوٍ واحدٌ
أو أكثر سواء أكان من أوله أم آخره ، أم بينهما ؛ فيشمل المنقطع والمعضل
والمعلق .
وهذا ما حكاه ابن الصَّلاح عن الفقهاء والأصوليين، والخَطيْب (٢).
وكذا قال النَّوَوِيُّ : المرسل عند الفقهاء والأصوليِّين والخطيب وجماعة
من المحدِّثين : ما انقطع إسناده على أيِّ وجهٍ كان ، وخالفنا أكثر المحدثين
فقالوا : هو رواية التابعي عن النّبي صلى الله عليه وسلّم (٣).
فالمرسل (ذو أقوال) ثلاثةٍ ، الثاني أضيقها والثالث أوسعها (والأول
الأكثر في استعمال) أهل الحديث .
وما رواه تابع التابعي يسمونه معضلاً .
قال الناظم : وسيجيئ في التدليس عن ابن القَطَّان أنَّ الإرسال: روايته
عن من لم يسمع منه . فعليه من روى عن من سمع منه ما لم يسمع منه بل
بينه وبينه فيه واسطة ليس بإرسال بل تدليس ، وعليه فيكون هذا قولاً
رابعاً انتهى (٤) .
والأوجه أن يجعل مقيّداً للثالث بأن يقال : ما سقط منه راوٍ فأكثر وخلا
عن التدليس .
نعم قيل : المرسل هو المنقطع ، وهو : ما سقط منه راوٍ واحدٌ . فعليه
[هذا] (٥) يكون رابعاً .
١- في س : بالمرسل .
٢- راجع ((الكفاية)) (ص: ٣٨٤)، ((علوم الحديث)) (ص: ٤٨).
٣- راجع ((المجموع)) (٦٠/١-٦١).
٤- راجع ((فتح المغيث)) للعراقي (٦٩/١).
٥- الزيادة من ظ .
۔
١٤٣
وَأَحْتَجِّ مَالِكٌ كَذَاَ الثُّعْمَانُ وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُواْ
وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ لِلْجَهْلِ بِالسَّاقِطِ فِيْ الإِسْنَادِ
وَمُسْلِمٌ صَدْرَ الْكِتَابِ أُصْلَهْ
وَصَاحِبُ (التَّمْهِيْدِ)) عَنْهُمْ نَقَلَهْ
(واحتج) الإمام (مالك) هو ابن أنس في المشهور عنه (١)، و (كذا)
أبو حنيفة (النعمان) ابن ثابت (وتابعوهما) من الفقهاء والأصوليين
والمحدثين (به) أي : بالمرسل ، واحتج به أيضاً أحمد في أشهر الرِّوايتين
عنه (ودانوا) به أي : جعلوه ديناً يدينون (٢) به في الأحكام وغيرها .
(وردّه) أي : الاحتجاج به (جماهر) بحذف الياء تخفيفاً جمع جمهور
أي : معظم (النقاد) من المحدِّثين كالشَّافعيِّ، وحكموا بضعفه (للجهل
بالساقط في الإسناد ) .
فإنَّه يحتمل أن يكون تابعياً (٣)، ثم يحتمل أن يكون ذلك التابعي
١- قال ابن العربي المالكي في ((عارضة الأحوذي)) (٢٤٦/١): إن تحقيق مذهب مالك أنه لا يقبل
إلا بمراسيل أهل المدينة. وكذا ذكره مقيداً ابن عبد البر في ((الاستذكار» (٢٩/١)؛ فنسبة
القول المطلق إلى الإمام خطأ، لاسيما وقد قال مالك رحمه الله: ((إذا خرج الحديث عن الحجاز
انقطع نخاعه». وقال طاووس: ((إذا حدثك العراقي مائة حديث فاطرح تسعة وتسعين))، وقال
هشام بن عروة : ((إذا حدثك العراقي بألف حديث فألق تسعمائة وتسعين وكن من الباقي في
الشك، وقال الزهري: ((إن في حديث أهل الكوفة دغلاً كثيراً)) وغيرها من ملاحظات أهل العلم
على أحاديث غير أهل الحجاز المذكورة في التدريب (٨٥/١) وغيرها من المصادر . فلا يتصور
بعد هذا أن يكون الإمام قد اعتمد على كل ما وصل إليه من المراسيل من تلك الجهات ، أما
أهل المدينة فللإمام نحوهم اهتمام وعناية فيما يروونه من المتون أو بما يعتادونه من الأعمال باسم
الشرع والسنة وعذره في هذا معلوم عند أهل العلم .
٢- في ظ : يتدينون .
٣- قال ابن حجر: أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض بالاستقراء ستة أو سبعة ، وأما
بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له. ((شرح النخبة)) (ص: ٦٧).
١٤٤
ضعيفاً ، وبتقدير كونه ثقةً يحتمل أن يكون روى عن تابعيٍّ أيضاً
فيحتمل أن يكون ضعيفاً ، وهكذا إلى الصَّحابي ، وإن اتفق أنَّ الذي
أرسله كان لا يَرْوِي إلا عن ثقةٍ ؛ إذ التوثيق في المبهم غير كافٍ كما
يسأتي .
(وصاحب التمهيد) وهو ابن عبد البر (عنهم) أي : عن المحدثين
(نقله) أي : ضعف المرسل (١).
(ومسلم صدر الكتاب) الذي صنَّفه في الصحيح (أصله) أي : جعل
ردّ الاحتجاج به أصلاً حيث قال على وجه الإيراد على لسان خَصْمِهِ الذي
ردَّ هو عليه اشتراطَ ثبوتِ اللَّقاء: ((والمرسل في أصل قولنا وقول أهل
العلم بالأخبار ليس بحجةٍ)) (٢)، وأقره حين ردًّ كلامه (٢) .
وما احتج به للقول الأوّل من أنَّه صلى الله عليه وسلّم أثنى على عصر
التابعين وشهد له بالخيرية ثم للقرنَيْن بعد قرن الصَّحابة ، ومن أنَّ تعاليق
البخاري المجزومة محكوم بصحتها .
رُدَّ بأنَّ الحديث محمول على الغالب ، وإلا فقد وجد في القرنَيْن من هو
متَّصَف بالصَّفات المذمومة (٤)، وتعاليق البخاري قد علمت صحتها من
١ - راجع ((التمهيد)) (٣/١-٧).
٢- في ز: ((ليست)) وهو خلاف ما ورد في كلام مسلم .
٣- راجع مع شرح النووي (١/ ١٣٢).
٤- قال ابن حجر بعد أن ذكر اختلاف العلماء في قبول رواية الرافضة : قلت : وهذه والله
قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل ؛ إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام والصحابة
متوافرون . ثم في عصر التابعين فمن بعدهم ، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمراً جعلوه
حديثاً وأشاعوه فريما سمعه الرجل السني فحدث به ولم يذكر من حدث به ويجيء الذي
يحتج بالمقاطيع فيحتج به ويكون أصله ما ذكرت، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ((لسان
الميزان)) (١١/١) .
١٤٥
شرطه في الرِّجال وتقييده [بالصحة] (١) بخلاف التابعين (٢).
*
* *
لَكِنْ إِذَا صَحَّلَنَا مَخْرَجُهُ بِمُسْتَدٍ أُوْ مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
نَقْبَلْهُ قُلْتُ : الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ
مَنْ لَيْسَ يَرْوِيْ عَنْ رِجَالِ الأولِ
وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ أَبَداً
والشَّافِعِيُّ بِالْكِبَارِ قَبَّداً
وَمَنْ إِذاَ شَارَكَ أُهْلَ الْحِفْظِ وَفَقَهُمْ إِلاَّ بِنَفْصِ لَفْظِ
(لكن إذا صح لنا) أي : أيُّها المحدثون خصوصاً الشافعيَّة تبعاً
لإمامهم (مخرجه) أي : اتصال المرسل (بمسند) (٣) يجيء من وجهٍ آخر
صحيحٍ أو حسنٍ أو ضعيفٍ يعتضد به (أو مرسل) آخر (يخرجه) أي :
يرسله (من ليس يروي عن رجال) أي : شيوخ راوي المرسل (الأول) حتى
يظنّ عدم اتحادهما (نقبله) بجزمه جواباً لـ ((إذا)) على مذهب الكوفيين
والأخفش ، وعلى مذهب غيرهم للوزن كقول شاعر :
وإذ تصبك مصيبة فاصبر لها وإذا تصبك خصاصة فتحمل
وكذا نقبله [إذا اعتضد] (4) بموافقة قول بعض الصَّحابة، أو بفتوى
عوام أهل العلم ، وقوّة هذه الأربعة مترتَّبة بترتيبها المذكور .
١- ساقطة من ز .
٢- قلت : تعليقات البخاري معلومة السند والمخرج عند البخاري رحمه اللّه ووصلها ابن حجر في
مصنف مستقل ثم لم يوردها الإمام مورد الاحتجاج وإنما ذكرها في عناوين الأبواب ، مع أن
البخاري رحمه الله تعالى نادرة في الأزمنة كلها محدثاً وفقيهاً ذكرها في كتابه الذي التزم فيه
الصحة ووافقه عليها الأمة . فهذه فروق أساسية ثابتة بين التعليقات والمراسيل ومن أراد
التسوية بينها جاهلاً أو متجاهلاً لايكون موثوقاً بعلمه ولا بدیانته .
٣- في س : بمسند غيره.
٤- ساقطة من ز .
١٤٦
(قلت : الشيخ) ابن الصَّلاح (لم يفصل) في المرسل المعتضد بين كبار .
التابعين وصغارهم ، وكأنّه بناه على المشهور في تعريفه كما مرَّ .
(و) الإمام (الشافعي) الذي أخذ ابن الصَّلاح من كلامه ذلك
(بالكبار) منهم (قيَّدا) المعتضد . (ومن) أي: وقيِّده أيضاً بمن (روى)
منهم (عن الثقات أبداً) بحيث إذا سمَّى من روى عنه لم يسم مجهولاً ولا
مرغوباً عن الرّواية عنه (١) .
ولا يكفي قوله: ((لم آخذ إلا عن الثقات)) كما تقدَّمت الإشارة إليه .
ولا فرق في ذلك بين مرسل سعيد بن المسيِّب ومرسل غيره .
قال النَّوَوِيُّ في ((مجموعه)): وما اشتهر عند فقهاء أصحابنا [من] (٢)
أنَّ مرسلَ سعيدٍ حجةٌ عند الشَّافعيِّ ليس كذلك، بل مرسله كمرسل غيره ،
والشافعي إنَّما احتج بمراسيله التي اعتضدت بغيرها ، كما قاله البَيْهَقيُّ
والخطيب البغدادي وغيرهما .
ثم قال : وأما قول القَفَّال(٣): قال الشافعي: ((مرسل سعيد عندنا حجةٌ))
فمحمول على التفصيل الذي قدَّناه عن الْبَيْهَقِيِّ والخطيب والمحقّقين (٤).
قال البيهقي : وزيادة سعيد في هذا [الباب] (*) على غيره فيه أنّه
١- راجع ((الرسالة)) للشافعي (ص: ٤٦٢).
٢- ساقطة من ظ .
٣- في ظ : الفقهاء، والصحيح ما أثبتاه .
والقفال هو: أبوبكر القفال المروزي كما وصفه النووي في ((المجموع)»، وهو: عبدالله بن
أحمد بن عبدالله الإمام ، الزاهد ، كان أحد أئمة الدنيا من أصحاب الشافعي ، يعرف بالقفال
الصغير، توفي سنة ٤١٤ هـ. راجع ((طبقات السبكي)) (١٩٨/٣)، ((طبقات ابن هداية))
(ص : ١٣٤).
٤- راجع ((المجموع)) (١/ ٦٢).
٥ - هذه الزيادة من ز .
١٤٧
أصحُّ التابعين إرسالاً فيما زعم الحفاظ (١) .
(ومن) أي: و [من] (٢) قيّده أيضاً بمن (إذا شارك) منهم (أهل الحفظ)
في أحاديثهم (وافقهم) فيها ولم يخالفهم (إلا بنقص لفظ) من ألفاظهم
بحيث لا يختلُّ به المعنى ؛ فإنّه لا يضرُّ في قبول مرسله ، وهذا آخر زيادة
الناظم .
ثم المرسل لا ينحصر اعتضاده فيما ذكر بل يعتضد بغيره كقياس ،
وفعل صحابي ، وعمل أهل العصر .
وكل ما اعتضد به المرسل فهو دال على صحَّة مخرجه فيحتجُّ به ،
ولا يحتج بما لم يعتضد .
نعم : قال التاج السُّبْكِيُّ (٣): إن دلَّ على محظور ولم يوجد غيره
فالأظهر وجوب الانكفاف (٤) .
يعني احتياطاً ، وفي كلام الإمام ما يؤيِّده .
فَإِنْ يُقَلْ: فَالْمُسْنَدُ الْمُعْتَمَدُ فَقُلْ: دَلَيْلاَن بِهِ يُعْتَضَدُ
وَرَسَمُواْ مُنْقَطِعاً عَنْ رَجُلٍ وَفِيْ الأُصُولِ نَعْتُهُ بِالْمُرْسَلِ
فَحُكْمُهُ الْوَصْلُ عَلَى الصَّابِ
أُمَّا الَّذِيْ أُرْسَلَهُ الصِّحَابِي
(فإن يقل) : إذا اعتضد المرسل بمسْنَدٍ (فالمسند) هو (المُعْتَمَد) عليه
*
١- راجع ((السنن الكبرى)) (٤٢/٦، ٢٦٠/١٠).
٢- هذه الزيادة من ط .
٣- هو الإمام ، قاضي القضاة ، تاج الدين أبو نصر عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي ،
الشافعي، توفي سنة ٧٧١هـ. راجع ((الدرر الكامنة)) (٤٢٥/٢).
٤- راجع ((جمع الجوامع)» مع شرح المحلي (١٧١/٢).
١٤٨
في الاحتجاج به فلا حاجة للمرسل .
(فقل) أخذاً من كلام ابن الصَّلاح : هما (دليلان) إذ المسْتَد إن كان
يحتجُّ به منفرداً دليل برأسه ، والمرسل (به) أي : بالمسند (يعتضد) ويصير
دليلاً آخر ؛ فيرجح بهما عند معارضة حديثٍ واحدٍ .
على أنَّ الإمام الرازي خصَّ الكلام بمسْنَدٍ لا يحتج به منفرداً كما نقله
(١)
شيخنا عنه
٥
وعليه يكون اعتضاده به كاعتضاده بمرسل آخر ؛ فيكون كل منهما
معتضداً بالآخر وحجّة به .
(ورسموا) أي : سمّى جماعة من المحدثين (منقطعاً) قولهم : (عن
رجل) أو شيخ، أو نحوه مما هو مبْهَم، فلم يسمُّوه بالمرسل (وفي) كتب
(الأصول) كالبرهان (٢) لإمام الحرمين (٣) (نعته) أي: تسميته (بالمرسل).
قال الناظم : وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثر ، فإنَّ الأكثر
على أنَّ هذا متصل في إسناده مجهول (٤) .
أي مبهم ، لكنه مقيّد بما إذا لم يسمَّ المبهم في رواية أخرى ، وإلا
فلايكون مجهولاً ، وبما إذا صرَّح من أبهمه بالتحديث ونحوه وإلا فلايكون
حديثه متصلاً؛ لاحتمال أن يكون مدلّساً .
هذا كله إذا كان الرّأوي عنه غير تابعيٍّ، أو تابعياً ولم يصفه بالصُّحبة
وإلا فالحديث صحيح لأنَّ الصحابة كلهم عدول .
١- راجع ((النكت)) (٥٦٧/٢)، ((المحصول)) (٦٦٠/١/٢).
٢- راجع (١/ ٦٣٢) .
٣- هو الإمام أبو المعالي عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني ، المعروف بإمام الحرمين ، أعلم
المتأخرين من أصحاب الشافعي، توفي سنة ٤٧٨هـ. راجع ((طبقات السبكي)) (٢٤٩/٣).
((وفيات الأعيان)) (١٦٨/٣).
٤- راجع «فتح المغيث)) للعراقي (١/ ٧٣) .
١٤٩
ووقع في كلام البيهقي تسميته أيضاً مرسلاً ، ومراده مجرَّدُ التَّسْمية
وإلا فهو حجّة كما صرَّح به في موضع كالبخاري .
(٢)
لكن قيَّده أبو بكر الصَّيْرَفِيُّ (١) من الشَّافعيّة بأن يصرِّح التابعي
بالتحديث ونحوه ، فإن عَنْعَنَ فمرسل لاحتمال أنَّه روى من تابعيّ .
قال الناظم: وهو حسن متجه ، وكلام من أطلق محمول عليه (٣).
وتوقّف فيه شيخنا لأنَّ التابعي إذا كان سالماً من التدليس حملت
عِنْعَنَته على السِّماع .
(أما) الحديث (الذي أرسله الصحابي) بأن لم يسمعه من النّبي صلى
اللّه عليه وسلّم إلا بواسطةٍ كبيراً كان كابن عمر ، وجابر ، أو صغيراً كابن
عبَّاس، وابن الزُّبَيْر (فحكمه) وإن كان مرسلاً (الوصل) فيحتج به (على
الصواب) لأنَّ غالب روايته عن الصِّحابة وهم عدول لا تقدح فيهم الجهالة
بأعيانهم .
وقول الأستاذ أبي إسحاق الإِسْفَرائِيْنِيِّ (٤) وغيره: ((أنَّه لا يحتج به))
ضعيف كما أشار الناظم إلى حكايته وردَّه بتعبيره بالصواب .
[نعم: من أحضر إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم غير مميِّز كعبيد الله بن
عدي بن الخيار فمرسله غير صحيح فلا يحتج به] (٥) .
١- هو الإمام أبو بكر محمد بن عبدالله البغدادي ، المعروف بالصيرفي ، كان إماماً في الفقه
والأصول ، قال الشاشي القفال : كان أعلم الناس بأصول الفقه بعد الشافعي ، توفي سنة
٣٣٠هـ. راجع ((تاريخ بغداد)» (٤٤٩/٥)، ((طبقات السبكي)) (١٦٩/٢).
٢- في س : التابع .
٣- راجع ((التقييد والإيضاح)) (ص: ٧٤).
٤- هو الإمام إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، الأستاذ ، ركن الدين ، أبو إسحاق
الإسفراييني، الشافعي، المتكلم الأصولي، الفقيه، توفي سنة ٤١٨هـ. انظر ((طبقات
السبكي)) (١١١/٣)، ((تهذيب الأسماء)) للنووي (١٦٩/٢).
٥- مابين المعكونتين ليست في ظ .
١٥٠
المنقطع والمعضل
وَسَمَّ بِالْمُنْقَطِعِ الَّذِيْ سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ بِهِ رَارٍ فَقَطْ
بأَنَّه الأَقْرَبُ لاَ اسْتِعْمَالا
وَقِيْلَ : مَا لَمْ يَتَّصِلْ وَقَالاً :
فَصَاعِداً وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ
وَالْمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ
وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعًا
حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعا
*
* *
(وسم بالمنقطع) على المشهور (الذي سقط قبل الصحابي به) أي : من
سنده (راو فقط) في الموضع الواحد من أيِّ موضعٍ كان .
وإن تعدّدت المواضع بحيث لا يزيد الساقط في كل منها على واحد ؛
فيكون منقطعاً من مواضع .
وخرج بالواحد ((المعضل)) مع أنَّ الحاكم يسمِّيه منقطعاً أيضاً (١) ، وبما
قبل الصَّحابيِّ ((المرسل)).
(وقيل) : المنقطع (ما لم يتصل) سنده ولو سقط منه أكثر من واحدٍ ؛
فيدخل فيه المرسل ، والمعضل ، والمعلّق .
وقيل غير ذلك .
(وقالا) بألف الإطلاق - أي : ابن الصَّلاح: (بأنَّه) أي : الثاني
(الأقرب) معنى ؛ فإنَّ الانقطاع ضدُّ الاتصال فيصدق بالواحد وبالجميع وبما
بينهما .
[قال] (٢): وقد صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم (٣).
١- ليست في ظ .
٢- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٧).
٣- راجع ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص: ٥٣).
١٥١
(لا استعمالا) بل أكثر استعمالهم فيه القول الأول ؛ فأكثر ما
يستعمل فيه المنقطع ما رواه من دون التابعي عن الصحابي كمالك عن ابن
عمر ، وأكثر ما يستعمل فيه المرسل ما رواه التابعيُّ عن النَّبي صلى اللّه
عليه وسلم .
(والمعضل) بفتح الضاد من ((أُعْضَلَهُ فَلاَنٌ)) أي : أعياه فهو معضل
أي : معْياً [فكأن المحدِّث الذي حدث به أعضله وأعياه ؛ فلم ينتفع به من
يرويه عنه. هذا معناه لغةً] (١).
ومعناه اصطلاحاً :
(الساقط منه) أي : من سنده (اثنان فصاعداً) بنصبه بالحالية - أي :
فذهب السقوط صاعداً في الموضع الواحد من أيّ موضع كان وإن تعدّدت
المواضع سواء أكان الساقط الصَّحابيَّ والتابعي أم غيرهما .
فيدخل فيه - كما قال ابن الصَّلاح - قول المصنّفين : قال النَّبي صلى
اللّه عليه وسلّم ، أي : كما قيل بمثله في المرسل والمنقطع.
وقوله: (( إنَّ المعضل لقب لنوعٍ خاصٍ من المنقطع ؛ فكل مُعْضَلٍ
منقطع ولا عكس)) إنّما يأتي على القول الثاني في المنقطع .
واعلم أن المعضل يقال للمشكل أيضاً ، وهو حينئذ بكسر الضاد أو
بفتحها ، على أنَّه مشترك نبّه عليه شيخنا .
(ومنه) أي : من المعضل (قسم ثان) وهو : (حذف النَّبي) صلى اللّه
عليه وسلّم (والصحابي) رضي الله عنه (معاً، ووقف متنه على من تبعا)
أي : على التابعي .
كقول الأعمش، عن الشَّعْبِيِّ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ((عَمَلْتَ كَذَاَ
١- ما بين المعكونتين ساقط من ز .
١٥٢
وكَذَاَ ، فَيَقُولُ : مَا عَمِلْتُهُ؛ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيْهِ فَتَنْطِقُ جَوَرِحُهُ أُوْ لِسَانُهُ ،
فَيَقُولُ لِجَوَرِحِهِ: أَبْعَدَكُنَّ اللَّه مَا خَاصَمْتُ إِلاَّ فِيْكُنَّ). رواه الحاكم (١) .
وقال عقبة : أعضله الأعمش وهو عند الشَّعْبي متصل مسند ، رواه
مسلم من حديث فُضَيْلِ بنِ عمرو، عن الشَّعبي، عن أنس قال: ((كُنَّا عنْدَ
رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم فَضَحِكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُوْنَ مِمَّ ضَحِكْتُ ؟
قُلْنَا: اللَّهَ وَرَسُولُهُ أُعْلَمُ . قَالَ : مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ :
يَا رَبِّ أَمْ تُجرِّنِيْ مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَالَ: فَإِنِّي لاَ أُجِيْزُ الْيَوْمَ عَلَى
نَفْسِيْ شَاهِداً إِلَّ مِنِّي. فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيْداً، وَبِالْكِرَامِ
الْكَاتِبِيْنَ عَلَيْكَ شُهُوْداً. فَيُخْتَمُ عَلَى فِيْهِ ثُمَّ يُقَالُ لأَرْكَانِهِ: أَنْطِقِيْ)) (٢)
الحديث نحوه .
قال ابن الصَّلاح : وهذا أي جعل القسم الذي حذف فيه النَّبي [صلى اللّه
عليه وسلّم] (٣) والصَّحابيُّ من المعضل جيّد حسن؛ لأنَّ هذا الانقطاع بواحدٍ
مضموماً إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين : الصحابي ورسول الله
صلى الله عليه وسلّم فذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى (٤).
١ - راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٣٨).
٢ - انظر ((صحيح مسلم)) مع شرح النووي (١٠٤/١٨).
٣- هذه الزيادة مني .
٤- راجع ((علوم الحديث)) (ص : ٥٥).
١٥٣
العنعنة
مِنْ دُلْسَةٍ رَاوِيْهِ وَاللَّقَا عُلِمْ
وَصَحِّحُواْ وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ
وَمُسْلِمٌ لَمْ يَشْرِطِ اجْتِمَاعا
وَيَعْضُهُمْ حَكَى بِذَ إِجْمَاعًا
طُولُ صَحَابَةٍ ، وَيَعْضُهُمْ شَرَطْ
لَكِنْ تَعَاصُراً وَقِيْلَ: يُشْتَرَطْ
وَقَيْلَ : كُلُّمَا أَتَانَا مِنْهُ
مَعْرِفَةَ الرَُّوِيْ بِالأُخْذِ عَنْهُ
مُنْقَطِعٌ حَتَّى يَبِيْنَ الْوَصْلُ وَحُكْمُ ((أُنَ)) حُكْمُ (عَنْ)) فَالْجُلُّ
سَوَّوْاْ وَلِلْقَطْعِ نَحَا الْبَرْدِيْجِي حَتَّى يَبِيْنَ الْوَصْلُ فِيْ التَّخْرِيْجِ
*
(العنعنة) وما لحق بها من المؤنَّنِ .
العَنْعَنَة: مصدر ((عَنْعَنَ الْحَدِيْثَ)) إذا رواه بـ ((عن)) من غير بيان
للتحديث (١) أو الإخبار أو السماع .
(وصححوا) أي : جمهور المحدثين وغيرهم (وصل) سندٍ (معنعن سَلِمَ
من دُلْسَةٍ) بضمِّ الدال بمعنى تدليس (راويه) فاعل سَلِمَ (واللقاء) بالقصر
للوزن - بينه وبين من عنعن عنه (علم) وهذا كناية عن سماعه منه .
واحتجّوا لذلك بأنَّه لو لم يسمعه منه لكان) بعدم ذكره الواسطة بينهما
مدلّساً ، والكلام فيمن لم يعرف(٣) بالتدليس ، والظاهر السَّلامة منه.
(وبعضهم) كالحاكم والخطيب (حكى بذا) أي : في ذا القول
(إجماعاً) .
١- في ظ : للحديث .
٢- في س : فكان .
٣- في ز : لا يعرف .
١٥٤
وعبارة الحاكم : ((الأحاديث المعنعنة التي ليس فيها تدليس متّصلة
بإجماع أئمةِ النَّقْلِ)) (١) .
وهذا عليه البخاري وغيره (٢) .
(و) لكن (مسلم لم يشرط) في الحكم (٣) باتصاله (اجتماعا) أي :
لقاءاً لهما، بل أنكر اشتراطه وادَّعى أنَّه قول مخترع لم يُسْبَق قائله إليه (٤)
وأنَّ القول الشائع المتَّفق عليه بين أهْلِ العلمِ بالأخبارِ ما ذهب هو إليه (٥) .
(لكن) اشترط (تعاصرا) لهما وإن لم يأت في خبر قطُّ أنَّهُما اجتمعا
أو تشافها .
قال ابن الصلاح : وفيما قاله نظر ، أي لأنَّهم كثيراً ما يرسلون ممن
عاصروه ولم يلقوه فاشترط لقيَّهما لتُحمل الْعَنْعَنَةُ على السِّماعِ (٦).
١- راجع ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٣٤).
٢- قال الحافظ ابن حجر : ادعى بعضهم - يعني ابن كثير في اختصار علوم الحديث ص : ٥٢ -
أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة . وأخطأ في هذه الدعوى . بل هذا
شرط في أصل الصحة عند البخاري فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك .
((النكت)). (٥٩٥/٢).
٣- في س : يحكم ، وفي ظ : الحكم .
٤- راجع ((مقدمة صحيح مسلم)) (١٢٧/١ - ١٤٤).
٥- قلت : ليس هذا القول بمتفق عليه فقد خالفه البخاري وابن المديني ، ونقل ابن حجر عن الشافعي
بأنه مقتضى ما ذهب إليه. راجع ((النكت)) (٥٩٥/٢-٥٩٦)، ((الباعث الحثيث)»
(ص : ٥٢).
٦- راجع (علوم الحديث)) (ص: ٦٠).
وقال ابن حجر : والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال ، فلو لم
يكن مدلساً وحدث عن بعض من عاصره لم يدل ذلك على أنه سمعه ؛ لأنه وإن كان غير مدلس
فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه الشيوع الإرسال بينهم فاشترط أن يثبت أنه لقيه وسمع منه
ليحمل ما يرويه عنه بالعنعنة على السماع ، لأنه لو لم يحمل على السماع لكان مدلساً .
والغرض السلامة من التدليس. ((النكت)) (٥٩٦/٢).
١٥٥
(وقيل) : إنه (يشترط طول صحابة) (١) بينهما، قاله ابن
السَّمْعَانِيَّ (٢).
(وبعضهم) وهو أبو عمرو الدّنيُّ (٣) (شرط معرفة الراوي) المعَنْعِن
(بالأخذ) بالدرج (عنه) أي : عمن عنعن عنه، بأن كان معروفاً بالرِّواية
عنه .
(وقيل) في السَّند المعَنْعَنِ : (كل ما أتانا (٤) منه) وإن لم يكن راويه
مدلّساً فهو (منقطع) لا يحتج به (حتى يبين) أي : يظهر (الوصل) بمجيئه
من طريق آخر أنَّه سمعه منه؛ لأنَّ ((عن)) لا تشعر بشيء من أنواع
التحمُّل .
قال النَّوَوَيُّ : وهذا مردود بإجماع السَّلَف .
قال شيخنا: وقد ترد ((عن)) ولا يراد بها بيان حكم اتصال أو انقطاع ،
بل ذكر قصّةٍ ، سواءٌ أُأُدْركَها أم لا ، بتقدير محذوف أي : من قصة فلانٍ ،
أو شأنه ، أو نحو ذلك .
مثاله: ما رواه ابن أبي خَيْثَمَةً في ((تاريخه)) عن أبيه ، قال : حدثنا
أبو بكر بن عيَّاش قال: حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الأُخْوَصِ: ((أنَّه خَرَجَ
عَلَيْهِ خَوَرِجُ فَقَتَلُوهُ)) .
١- في ظ : صحابة .
٢- هو الإمام أبو المظفر منصور بن محمد التميمي الشافعي، محدث، أصولي ، فقيه ، تفقه على
مذهب أبي حنيفة ثم ورد بغداد وانتقل إلى المذهب الشافعي ورجع إلى بلده فلم يقبلوه ، وقام
عليه العوام، وخرج إلى طوس، ثم قصد نيسابور، وتوفي بمرو سنة ٤٨٩ هـ. ((طبقات
السبكي)) (٢١/٤)، ((البداية والنهاية)) (١٥٣/١٢)، ((شذرات الذهب)) (٣٩٣/٣).
٣- هو الإمام عثمان بن سعيد القرطبي، المالكي، المقرئ، الحافظ، توفي سنة ٤٤٤هـ. ((تذكرة
الحفاظ)) (١١٢٠/٣).
٤- في ظ : أتا منه .
١٥٦
فلم يُرِدْ أبو إسحاق بقوله: ((عن أبي الأحوص)) أنَّه أخبر بذلك وإن
كان قد لقيه وسمع منه؛ لأنَّ يستحيل أن يكون أخبره بعد قتله ، وإنَّما
أراد نقل ذلك بتقدير [مضاف] (١) محذوف كما تقرر (٢) .
(وحكم أنَّ) بالفتح والتشديد نحو : أنَّ فلاناً قال (حكم عن) فيما
تقرر (فالجل) بضم الجيم - أي : المعظم من العلماء ، ومنهم الإمام مالك
(سووا) بينهما كما نقله عنهم ابن عبد البر في ((تمهيده)) (٣).
وأنَّه ((لا اعتبار بالحروف والألفاظ بل باللّقاء والمجالسة والسِّماع)).
يعني مع السَّلامة من التدليس .
(وللقطع) أي: ولانقطاع ما رواه الراوي بـ ((أنّ)) (نحى) أي : ذهب
أبو بكر (البرديجي) بفتح الموحدة أكثر من كسرها ، وبالدال المهملة ، نسبة
لـ((بَرْدِيْج)) قرية من قرى ((طُوْس)) (حتى يبين الوصل) له بأنَّه سمعه -
مثلاً - ممن رواه عنه (في التخريج) يعني في روايةٍ أخرى .
* * * * *
قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأَى ابْنُ شَيْبَهْ كَذَا لَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
قُلْتُ: الصَّوَبُ أنَّ مَنْ أُدْرَكَ مَا رَوَهُ بِالشَّرْطِ الَّذِيْ تَقَدَّماً
بِقَالَ، أُوْ عَنْ، أُوْ بِأَنَّ فَسَوَاَ
يُحْكَمْ لَهُ بِالْوَصْلِ کَیْفَ مَا رَوَی
وَقَوَلَ يَعْقُوْبَ عَلَى ذَاَ نَزَّل
وَمَا حَكَى عَنْ أُحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
إِجازَةٌ وَهْوَ بِوَصْلٍ مَّا قَمَنْ
زَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ ((عَنْ)) فِيْ ذَا الزَّمَنْ
* *
(قال) أي ابن الصلاح : (ومثله) أي : ما نحى إليه البَرْدِيْجِيُّ (رأي)
١- ساقطة من ز .
٢- راجع ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (٥٨٦/٢ -٥٨٧).
٣- راحم ١١/ ١٢ - ١٤).
١٥٧
الحافظ الفَحْل أبو يوسف يعقوب (ابن شَيْبَةً) (١).
فإنَّه حكم على رواية أبي الزُّبَيْر ، عن محمد بن الحنفية ، عن عمّار قال
((أُتَيْتُ النَّبِيَّ صلى اللّه عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّيْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدِّ عَلَيَّ
السَّلامَ» بالاتصال .
وعلى رواية قيس بن سعد ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن الحنفية
((أن عماراً مَرَّ بِالنَّبِيِّ صلى اللّه عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّيْ)) بالإرسال، لكونه
قال : أنَّ عماراً ، ولم يقل : عن عمار .
(كذا له) أي : لابن الصلاح حيث فهم الفرق بينهما من مجرَّد لفظهما(٢)
(ولم يصوب) أي : يعرج (صوبه) أي : صَوْبَ مقصد ابن أبي شيبة في
الفرق ؛ لأنَّ حكمه على الرّواية الثانية بالإرسال ليس من جهة تعبير ابن
الحنفية بـ ((أنَّ))، بل من جهة أنَّه لم يسند الحكاية فيها إلى عمّار بل إلى
نفسه مع أنَّه لم يدرك مرورَه ، بخلافه في الأولى فإنَّه أسندھا فیها إليه (٣)
فكانت متصلة (٤) .
(قلت : الصواب أن من أدرك ما رواه) من قصة وإن لم يعلم أنه
شاهدها (بالشرط الذي تقدما) وهو السلامة من التدليس (يحكم) بالجزم
(له) أي : لما رواه (بالوصل كيف ما روى بقال، أو عن، أو بأن) أو
يذكر ، أو فعل ، أو نحوها (فسوا) بالقصر لغة في مده - أي : فكلها
كما قال ابن عبد البر وغيره سواء في أنَّه يحكم له بالوصل صحابياً كان
راويه أو تابعياً .
١- هو الإمام يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور ، السدوسي ، محدث ، فقيه ، توفي سنة
٢٦٢هـ. ((تذكرة الحفاظ)» (٥٧٧/٢)، ((تاريخ بغداد)) (٢٨١/١٤).
٢- في ظ : لفظها .
٣- في د : إلى نفسه .
٤- كذا في ((فتح المغيث)) للعراقي (٧٩/١).
١٥٨
ومن لم يدرك ذلك فهو مرسل صحابي أو تابعي ، أو منقطع إن لم
يسنده إلى من رواه عنه، [وإلا] (١) فمتصل .
وسواء {في ذلك (٣)] أَرَوَى بـ((عن)) أم بغيرها ، وهذه قاعدة يعمل بها .
(وما حكى) أي : ابن الصَّلاح (عن) الإمام (أحمد بن حنبل) من أنَّ
قول عُرْوَةَ: ((أنَّ عائشة قالت: يا رسول الله! وقوله: عن عائشة)) ليسا
سواء (و) عن (قول يعقوب) ابن شيبة مما قدمته (على ذا) أي : المذكور
من القاعدة (نزل) .
وتقدم بيان تنزيل قول يعقوب ، وأما تنزيل قول أحمد فعروة في اللفظ
الأوّل لم يسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصَّة فكانت مرسلةً ، وفي الثاني
أسنده إليها بالعَنْعَنَةِ فكانت متصلةً (٣) .
(وكثر) كما قال ابن الصلاح بين المنتسبين إلى الحديث (استعمال
((عن)) في ذا الزمن) المتأخر أي : بعد الخمس مائة (٤) (إجازةً) .
قال : فإذا قال أحدهم : قرأت على فلان [عن فلان] (٥) أو نحو ذلك
فظنَّ به أنَّه رواه بالإجازة .
(وهو) مع ذلك (بوصل ما) أي : بنوع من الوصل (قمن) بكسر الميم
وفتحها وهو الأنسب هنا أي : حقيق بذلك .
والحاصل أنَّ ما فيه ((عن)) يحكم باتصاله سماعاً في الزمن المتقدم ،
وهو ما قدمه قبل ، وباتصاله إجازةً في الزمن المتأخر ، وهو ما هنا .
١- ليست في ظ .
٢- أيضا .
٣- راجع ((علوم الحديث)) (ص: ٥٧)، ((الكفاية)) (ص: ٤٠٨).
٤- في ص : خمس المائة .
٥ - ساقطة من س .
١٥٩
وإنَّما أمر ابن الصلاح فيه بالظن بذلك ولم يجزم بالحكم به [لأنَّ زمنه لم
يكن تقرر (١) فيه اصطلاح بذلك، وأما الآن فقد تقرر واشتهر فجزم به] (٢) ..
قال شيخنا: وحكم ((أنّ)) في ذلك حكم ((عن)) إذا لم يَحْكِ بها الإخبارَ
أو التحديثَ، فإن حكى بها ذلك («كحدثنا فلان أنَّ فلاناً أخبره)» فهو
تصريح بالسِّماع .
وما قاله قريب مما ردّ به ابن الصَّلاح على الخَطَّابِيِّ في زعمه أنَّ
[في] (٣) ذلك إجازة ، وسيأتي ذلك في مبحث : كيف يقول من روى بالمناولة
والإجازة ؟
١ - في س : تصور .
٢- ما بين المعكونتين ساقط من ز .
٣- الزيادة من ظ .
١٦٠
تعارض الوصل والإرسال أو الرفع والوقف
وَأَحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ فِيْ الأَظْهَرِ وَقِيْلَ: بَلْ إِرْسَالُهُ لِلأَكْثَرِ
وَنَسَبَ الأوَّلَ لِلنَّظَارِ أُنْ صَحْحُوْهُ وَقَضَى الْبُخَارِيّ
مَعْ كَوْنِ مَنْ أُرْسَلَهُ كَالْجَبَل
بِوَصْلِ ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِي»
ثُمَّ فَمَا إِرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ
وَقِيْلَ : الأُكْثَرُ . وَقِيْلَ : الأحْفَظُ
مُسْتَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ وَرَأُوْاْ
يَقْدَحُ فِيْ أُهْلِيَّةِ الْوَاصِلِ أُوْ
أُنَّ الأُصَحِّ الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ فِيْ ذَ وَذَ كَمَا حَكَوْاً
* *
وقد ذكر التعارضين بهذا الترتيب فقال :
(واحكم) أي : إجعل الحكم فيما يَخْتَلِفُ فيه الثَّقاتُ من الحديث بأن
يَرْوِيَه بعضُهم موصولاً وبعضُهم مرسلاً (لوصل ثقةٍ) وإن كان المُرْسِلِ أكثر
أو أحْفَظَ (في الأظهر) عند المحقّقين من أهل الحديث ؛ لأنَّ معه زيادة
علمٍ.
(وقيل: بل إرساله) أي: [بل] (١) إجعَل الحكمَ لإرسالِ الثَّقةِ، ونَسَبَه
الخطيبُ (للأكثر) من أهْلِ الحدِيْثِ ؛ لأنَّ الإرسالَ نوع قدحٍ في الحديث
فتقديمه على الموصُول من قبيل تَقْديم الجَرْحِ على التَّعْديل (٢) .
(ونسب) ابن الصَّلاح القول (الأوَّل للنظّار) بضم النون وتشديد الظاء -
وهم [هنا] (٣) أهل الفقه والأصول (أن صححوه) بفتح الهمزة بدل اشتمال من
١- لبست في ظ .
٢- راجع ((الكفاية)) (ص: ٤١١).
٣- ليست في ظ .