Indexed OCR Text
Pages 101-120
( ولا تُحدِّثْ) نَذْباً (عَجِلاً) أي: في حالةِ كونكَ مُسْتَعْجِلاً لقلةِ الفَهْمِ مَعَ ذَلِكَ ؛
ولَهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَذْرَمَةِ الْمَنهيِّ عَنْهَا. (أَوْ إِنْ تَقُمْ) أي: أَوْ في حالِ (١) قِيَامِكَ،
( أَوْ في الطّريقِ )، وَلَوْ حَالِساً، تَعْظِيماً لِلْحَدِيْثِ، ولأنَّ ذَلِكَ يفرقُ القلبَ والفَهْمَ .
(ثُمَّ) بَعْدَ مَا مَرَّ ( حَيْثُ اخْتِيْجَ لَكَ في شَيْءٍ) مِن الْحَدِيْثِ (ارْوِهِ) وجوباً،
كَمَا قَالَهُ الْخَطِيْبُ (٢) لِخَبَرِ أَبِي داودَ (٣) ، وغيرِهِ : (( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ نَافِعٍ، فَكَتَمَهُ جَاءَ
يَومَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمَاً بِلِحَامٍ مِنْ نارٍ)) (٤) .
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: ((الَّذِي نقولُهُ أَنَّهُ مَتَى (٥) احتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُ استُحِبَّ لَهُ
التَّصَدِّي لروائِتِهِ ، ونشرِهِ في ، أيسنٌّ كَانَ )) (٦) .
وَقَالَ ابْنُ النَّاظِمِ : (( والذي أقولُهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَدِيْثُ فِي ذَلِكَ البلدِ إِلاَّ
عِنْدَهُ، واحْتِيجَ إِلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وإِنْ كَانَ ثَمَّ غيرُهُ . ففرضُ كِفايةٍ هَذَا)) .
( وابنُ خِلاَّدٍ) الرَّامَهُرْمُزِيُ (سَلَكْ) فِي كِتَابِهِ " الْمُحَدِّثِ الْفَاصِلِ " (٧) التَّحْدِيدَ
بالسنُّ ؛ فصرَّحَ (بأنَّهُ) أي : التَّحْدِيثُ ( يَحْسُنُ للخَمسينَا عاماً) أي: بَعْدَهَا.
- تَعَالَى عنهم، فإن فيه التخويف والتحذير، وهو سبب لإثارة الخوف من الله تعالى، فإن لم يؤثر في الحال أثر
في المآل، فأما الكلام والفقه المجرد الّذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات-المذهب منه والخلاف-
فلا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله تعالى. بل لا يزال متمادياً في حرصه إلى آخر عمره)). نكت
الزركشي ٦٤٣/٣.
(١) في (ص): (( حالة)).
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٣٢٣/١ عقب (٧١٧).
(٣) سنن أبي داود ( ٣٦٥٨).
(٤) ورواه أحمد ٢٦٣/٢، وابن ماجه (٢٦٦)، وابن حبان (٩٥)، والطبراني في الأوسط ( ٢٣١١) و
(٣٣٤٦) و(٣٥٥٣)، وفي الصغير (١٦٠) و (٣١٥) و(٤٥٢)، والحاكم ١٠١/١، وابن عبد البر في
جامع بيان العلم ٤/١-٥، والبغوي في شرح السنة (١٤٠ ) من طريق أبي هريرة . وانظر: كلام أبي
عبد الله الحاكم على هذا الحديث بعد تخريجه في مستدر كه١٠١/١، وتعليق الشّيخ شعيب على هذا الحديث
(٥) في جميع النسخ الخطية: (( من))، وما أثبتناه من ( م) وهو الموافق لما في معرفة أنواع علم الحديث.
(٦) انظر : معرفة أنواع علم الحديث : ٤٠١
(٧) ٣٥٢ ( ٢٨٧ ) .
١٠١
وَقَالَ: ((إِنَّهُ الَّذِي يَحسنُ عِنْدِي من (١) طريقِ الأَثْرِ، والنَّظَرِ؛ لأَنَّها انتهاءُ
الكهولةِ، وَفِيْهَا مجتمعُ الأَشُدِّ)) (٢) .
قَالَ: ( ولا بأسَ ) بِهِ (لأربعينَا) عَاماً، أي: بَعْدَهَا. (( فَليسَ ذَلِكَ بِمُسْتَنْكَرٍ ،
لأَنَّها حدُّ الاستواءِ، ومنتهى الكمالِ)) (٣) .
( وَرُدِّ ) أي: رَدّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِياضٌ ما قَالَهُ بأنّ اسْتحسانَهُ هَذَا، لا تقومُ لَهُ
حجةٌ بمَا قَالَهُ .
قَالَ: ((وَكَمْ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقدمينَ، فمَنْ (٤) بَعْدَهُم مِنَ الْمُحَدِِّيْنَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ
إِلَى هَذَا السنِّ ، وَقَدْ نَشَرَ مِن العِلمِ، وَالْحَدِيْثِ مَا لا يُحْصَى، هَذَا عمرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ
تُوفِي وَلَمْ يُكْمِلِ الأَرْبَعِينَ ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ لَمْ يبلغِ الْخَمْسِينَ ، وكذا إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ .
وهذا مَالِكٌ قَدْ جَلَسَ للناسِ ابْنُ نَّيِّفٍ وعشرينَ سَنة - وَقِيْلَ : ابنُ سبعَ عشرةَ -
والناسُ متوافرونَ ، وشيوخُه - ربيعةُ، وابنُ شِهابٍ، وابنُ هُرْمُز، ونافِعٌ ، وابنُ الْمُنْكَدرِ ،
وغيرُهُمْ - أحياءٌ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ابنُ شِهابِ حَدِيْثَ الْفُرَيْعَة أختِ أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ .
ثُمَّ قَالَ: وكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ قَدْ أُخِذَ عَنْهُ العلمُ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ، وانتصَبَ لِذَلِكَ في(٥)
آخرينَ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ (٦) والْمُتَأْخِّرِيْنَ)) (٧).
(و) لَكِنْ (الشَّيْخُ) ابنُ الصَّلاَحِ حَملَ كلامَ ابنِ خَلاّدٍ عَلَى محمَلٍ صَحِيْحٍ، حَيْثُ
(بِغيرِ البارعِ) أي: الفائِقِ لأصْحابِهِ في العِلمٍ، وغيرِهِ (خَصَّصَ) كلامَهُ.
فإنَّهُ قَالَ : ((وما ذكرَهُ ابنُ خلّدِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِيْمَنْ تَصَدَّى لِلْتَّحْدِيثِ
ابْتِدَاءُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ براعةٍ في العلْمِ تعجّلَتْ لَهُ قَبْلَ السِّنِّ الَّذِي ذكرَهُ ، فهذا إنَّما يَنْبَغِي
(١) في (م): ((عن)).
(٢) انظر: المحدّث الفاصل: ٣٥٢ (٢٨٧).
(٣) انظر: المحدّث الفاصل: ٣٥٢ (٢٨٧).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي الإلماع: ((ومن)).
(٥) ((في)) هنا للمصاحبة بمعنى ((مَعَ)). مغني اللبيب ٢٢٣/١.
(٦) في (م): ((المتقديمن)).
(٧) الإلماع : ٢٠٠ - ٢٠٤ ، وانظر: معرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٤٠٣ .
١٠٢
لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ استيفاءِ السِّنِّ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّهُ مِظَنَّةٌ للاحتياجِ إِلَى مَا عِنْدَهُ.
(لاَ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيْ) وسائِرٍ مَنْ ذَكَرَهُمُ الْقَاضِي عِيَاضُ، مِمَّنْ حَدَّثَ قَبْلَ ذَلِكَ ؛
لأنّ الظَّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ لبَرَاعَةٍ مِنْهُمْ في العِلْمِ تَقَدَّمَتْ، ظَهَرَ لَهُمْ مَعَهَا الاحْتِيَاجُ إِلَيْهِمْ، فَحَدَّثُوْا
قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ لاَنَّهُمْ سُئِلُوا ذَلِكَ إِمَّ بصريحِ السُّؤَالِ، وإمَّا بقرينةِ الْحَالِ)) . انتهى (١).
فوقتُ التَّحْدِيثِ دائِرٌ بَيْنَ وقتِ الْحَاجَةِ ، وسنِّ مَخْصُوصٍ .
وأما الوَقتُ الَّذِي يُنْتَهَى إِلَيْهِ ، فَقَدِ اختُلِفَ فِيْهِ أَيْضاً، وَقَدْ أَخَذَ فِي بَيَانِهِ ، فَقَالَ :
وَبِالْثَمَانِيْنَ ابْنُ خَلَّدٍ جَزَمْ
٦٩١. وَيَنْبَغِي الإِمْسَاكُ إِذْ يُخْشَى الْهَرَمْ
كَأَنَسِ وَمَالِكٍ وَمَنْ فَعَلْ
٦٩٢. فَإِنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ لَمْ يُبَلْ
كَالطَّرِيّ حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِئَةْ
وَالْبَغَوِيُ وَالْهُجَيْمِيْ وَفِتَهْ
٦٩٣.
( وَيَنْبَغِي) لَهُ نَذْباً (الإمْساكُ) عَنِ التَّحْدِيثِ ( إِذْ) أي: وقِتَ كَوْنِهِ
( يُخْشَى الْهَرَمْ ) الْمُفضِي غَالِباً إِلَى النَّغُّرِ، وَخَوفِ الَخَرَفِ ، والتَّخْلِيطِ ، بِحَيْثُ يروي
مَا لَيْسَ مِن حديثِهِ (٢) .
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: (( والنَّاسُ فِي السِّنِّ الَّذِي يَحْصَلُ بِهِ الْهَرمُ مُتَفاوتونَ بِحَسَبٍ
اختلاف أحوالهم)» (٣) .
( وبالثَّمَانينَ ) أي: بأحبيةِ الإِمْساكِ عَنِ التَّحْدِيثِ عِنْدَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ (ابنُ خَلاَّدِ )
الرَّامَهُرْمُزِيُّ ( جَزَمْ) ، فَقَالَ: ((إِذَا تَنَاهَى العُمرُ بِالْمُحَدِّثِ فأعجبُ إليّ أَنْ يُمْسِكَ في
الْثّمَانِينَ ، فَإِنَّهُ حدُّ الْهرمِ . والتَّسبيحُ، والذّكرُ ، وتلاوةُ الْقُرْآنِ ، أَوْلَى بأبْنَاءِ الثّمَانِيْنَ)) .
قَالَ (٤): (فإنْ يَكُنْ ثَابِتَ عَقْلٍ )، وَرَأيٍ يَعْرِفُ حَدِيْثَهُ، ويقومُ بِهِ ، (لَمْ يُبَلْ)
أي : لَمْ يُبَالِ بِذَلِكَ ، بَلْ رجوتُ لَهُ خيراً (٥) .
(١) انظر : معرفة أنواع علم الحديث : ٤٠٣ بتصرف .
(٢) قال القاضي عياض: ((الحدّ في ترك الشّيخ التحديث التغير، وخوف الخرف)). الإلماع: ٢٠٤.
(٣) انظر : معرفة أنواع علم الحديث : ٤٠٣.
(٤) لم ترد في ( ق ) .
(٥) المحدث الفاصل : ٣٥٤ (٢٨٩).
١٠٣
(كَأَنَسٍ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، (وَمَالِكٍ ) هُوَ ابنُ أَنَسٍ، ( وَمِنْ فَعَلْ) ذَلِكَ غَيْرُهُمَا،
( وَ) أَبُو القاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ ( الْبَغويُّ، وَ) أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ (الْهُجَيْمِيْ)
نسبةٌ لَهُخَيْمٍ بِنِ عَمْرٍو ، (وفئة) أي: جَمَاعَةٌ غَيْرُهم، (5) الْقَاضِي أَبِي الطيبِ
(الطَّبريّ) كُلُهُمْ ( حَدَّثُوْا بَعْدَ الْمِنَهْ) (١) .
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ تبعاً لِلْقَاضِي عِيَاضٍ: ((وَإِنَّمَا كرهَ مَنْ كَرِهَ لأصحاب الثِّمانِينَ
التَّحديثَ ؛ لأنَّ الغالبَ عَلَى مَنْ بلغَها ضعفُ حالِه ، وتغيُّرُ فهمه ؛ فَلاَ يفطنُ لَهُ إلّ بَعْدَ
أنْ يَخْرَفَ ويُخْلّطَ)) (٢).
وَإِنَّ مَنْ سِيْلَ(٣) بِجُزْءٍ قَدْ عَرَفْ
وَيَنْبغِي إِمْسَاكُ الاعْمَى إِنْ يَخَفْ
٦٩٤.
وَتَرْكُ تَحْدِيْثٍ بِحَضْرَةِ الأَحَقِ
رُجْحَانَ رَاوِ فِيْهِ دَلِّ فَهْوَ حَقْ
٦٩٥.
بَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ
وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الآخِْذَ عَنْهُ
٦٩٦.
(١) انظر : الإلماع : ٢٠٤- ٢٠٧.
قال الزركشي : ((وظاهره أنه وقع ذلك لغيرهم ، وقد رأيت في فوائد رحلة المصنف بخطه: أخبرني
بنيسابور الشّيخ أبو الحسن بن محمّد الطوسي بقراءتي عليه، عن الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمّد
السمعاني المروزي رحمه الله تعالى قال : لا يعرف في الإِسلام محدّث حدّث بعد استيفاء مئة إلا أبو القاسم
البغوي وأبو إسحاق الهجيمي وأبو الطيب الطبري .
قال الشّيخ أبو عمرو: قلت : هذا الحصر مردود ، فهذا الحسن بن عرفة عاش مئة وعشراً وكتب عنه لخمسة
قرون ، وسماع إسماعيل الصفار منه - بمقتضى سنه - لا يكون إلا بَعْدَ المئة من سن الحسن ، وأما قول ابن
خلاد في كتابه : لا يعرف رجل في الإسلام حدّث بعد استيفائه مئة سنة إلا أبو إسحاق الهجيمي .
فإنا لا نستدرك عليه ؛ وذلك أنه أراد من حدّث بعد المئة ولم يحدّث قبلها، وذلك لا يعرف لغير الهجيمي
فإنه آلى إلا يحدث بعد المئة إن يستوفي المئة فتم له ذلك، ولم يشاركه في ذلك البغوي والطبري وغيرهما)).
نكت الزركشي ٦٣٨/٣ -٦٣٩. وانظر: المنتظم ٢٣/٧ .
(٢) انظر : معرفة أنواع علم الحديث : ٤٠٣ .
قال الحافظ ابن كثير : ((إذا كان الاعتماد على حفظ الشّيخ الرّاوي، فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا
طعن في السن. وأما إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وخطه وضبطه، فهاهنا كلما كان السن عالياً كان
الناس أرغب في السّماع عليه». اختصار علوم الحديث ٤٢٥/٢ .
(٣) بكسر السين وتسهيل الهمزة ؛ لضرورة الوزن ، وسينبه الشارح عليه .
١٠٤
عَلَيْهِمْ وَلِلْحَدِيْثِ رَثّلِ
٦٩٧. وَلاَ تَقُمْ لأَحَدٍ وَأَقْبِلٍ
فِي بَدْءِ مَجْلِسٍ وَخَتْمِهِ مَعَا
٦٩٨. وَاَحْمَدْ وَصَلٌ مَعْ سَلامٍ وَدُعَا
( وَيَنْبَغِي) نَدْباً أَيْضاً (١) ( إِمْسَاكُ الاعْمَى (٢)) بالدرجِ - عَن التَّحْدِيثِ (إِنْ
يَخَفْ ) أَنْ يدخلَ عَلَيْهِ فِي حَدِيْثِ مَا لَيْسَ مِنْهُ .
( وإِنَّ مَنْ سِيْلَ)(٣) - بكسر السينِ، وتَخْفِيْفِ الْهَمْزَة - ، أي: وينبغي لِمَنْ
سُئِلَ فِي أَنْ يحدِّثَ ( بِجُزْءٍ )، أَوْ نَحْوِهِ، و (قَدْ عَرَفْ رُجْحَانَ راوٍ) مِنْ مُعَاصِرِيهِ
(فِيْهِ)، لكونِهِ أَعْلِى سَنداً مِنْهُ فِيْهِ، أَوْ متصلَ السَّمَاعِ بِالنِّسْبةِ إِلَيْهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ
الْمُرجِّحَاتٍ، (دَلَّ) أي: يدلُّ السَّائِلُ (٤) لَهُ عَلَيْهِ لَيَأْخُذَهُ عَنْهُ. (فَهْوَ ) أي: إِرْشَادُهُ
بالدَّلالةِ عَلَى ذَلِكَ ( حَقْ )، وَنَصيحةٌ في العِلْمِ؛ لأنَّ الراجِحَ عَلَيْهِ أحقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ
فَعَلَّهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وغيرِهِم .
قَالَ شُرَيْحُ بنُ هانِئ: ((سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنِ الْمَسْحِ -
يعني عَلَى الْخُفْيْنِ - فَقَالَتْ: إيتِ عَلًِّ؛ فإِنَّهُ أعلمُ بِذَلِكَ مِنِّي)) (٥).
(وَ) يَنْبَغِي نَذْباً للمحدِّثِ أَيْضاً (تَرْكُ تَحْديثٍ بِحَضْرةِ الأحقُّ)، أي: مَنْ هُوَ أحقُّ
مِنْهُ بالتَّحْدِيثِ، فَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ إِذَا اجتمعَ مَعَ الشَّعْبِيِّ، لَمْ يتكلم إِبْرَاهِيْمُ بِشيْءٍ(٦).
(١) لم ترد في ( ق ) .
(٢) في (م): ((الأعمى)) بإثبات الهمزة، ولم يفطن لقول الشارح.
(٣) في (م): (( سئل)) .
(٤) في (ص): (( السّامع)) .
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٦٦)، وأحمد ١١٣/١، ومسلم ١٦٠/١ (٢٧٦) (٨٥)، والنسائي ٨٤/١ ،
وأبو يعلى (٢٦٤)، وابن خزيمة (١٩٤)، وأبو عوانة ٢٦١/١-٢٦٢ و٢٦٢، والبيهقي ٢٧٢/١ و
٢٧٥ ، والبغوي (٢٣٨) كلهم من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن الحكم ، عن القاسم بن
مخيمرة ، عن شريح بن هانئ به ، وفي رواية ابن أبي شيبة من طريق معاوية ، عن الأعمش ، عن القاسم،
عن شريح، به ولم يذكر (الحكم) .
(٦) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٣٢٠/١.
١٠٥
( وبعضُهُمْ كَرِهَ الاخذَ (١)) بالدرجِ (عَنْهُ بِبَلَدٍ، وَفِيْهِ ) مَنْ هُوَ (أَوْلَى ) بِهِ
( مِنْهُ) ، لسنِّهِ ، أَوْ عِلْمِهِ ، أَوْ غيرِهِ .
فَقَدْ قَالَ يَحْتِى بِنُ مَعِيْنِ: ((الَّذِي يُحَدِّثُ ببلدة، وفيها أولى بالتَّحدْثِ مِنْهُ
أَحْمَقٌ(٢) وأنا إِذَا حدَّثْتُ ببلدٍ فِيْهِ مثلُ أَبِي مُسْهِر، فيجبُ لِلِحِيَّتِي أَنْ تُحْلَقَ) (٣).
( وَلاَ تَقُمْ ) نَدْباً إِذَا كُنْتَ بِمَجْلِسِ التَّحْدِيثِ ، ولا القارِئِ أَيْضاً (لأَحَدٍ) إِكْراماً
لِلْحَدِيْثِ. وَعَنْ الْفَقيهِ أَبِي زيدٍ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ الْمَرْوَزِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ :
(القارِئُ لِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ ﴿ِ، إِذَا قَامَ لأحدٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خطيئَةٌ))(٤).
(١) في (م): ((الأخذ )) بإثبات الهمزة .
(٢) لم ترد في ( ق ) .
(٣) رواه الخطيب في الجامع ٣١٩/١ (٧٠١).
قال الزركشي في نكته ٦٤٢/٣: ((سئل ابن المبارك وسفيان بن عيينة حاضر، فقال: نهينا أن نتكلم عند
أكابرنا . قلت : إلا بإذنه . وقد بوّب ابن عبد البر باباً في فتوى الصغير بين يدي الكبير بإذنه ، واستشهد
بحديث معاذ لما أراد النّيّ ﴿ بعثه إلى اليمن ، قال: دعا أبا بكر وعمر وقال: أشيروا عليّ فيما آخذ من
اليمن ، قالا: يا رسول الله قد نهى الله أن يتقدم بين يدي الله ورسوله ، فكيف نقول وأنت حاضر ؟ فَقَالَ
رَسُوْل الله:﴿® : إذا أمرتكما فلم تتقدما بَيْن يدي الله ورسوله .
قال عبد الرحمان بن غنم : فقلت لمعاذ : فللرجل العالم أن يقول ومن معه عداده من الناس في الأمر لابد
منه ، قال: إن شاء قال وإن شاء أمسك حتّى يكفيه أصحابه وذلك أحب إلي ، قال أبو عمر: هذا
حديث لا يحتج بمثله لضعف إسناده ، ولكنه حديث حسن نقله الناس)). وانظر: جامع بيان العلم
وفضله ١٢٠/١-١٢١.
وللعلامة ابن دقيق العيد تقييد حسن لهذا الإطلاق ، فقال : ((ولابد أن يكون ذلك مشروطاً بأن لا
يعارض هذا الأدب ما هو مصلحة راجحة عليه . ومن الآداب المذكورة : أنه إذا التمس منه ما يعلمه عند
غيره بإسناد أعلى من إسناده ، أو أرجح من وجهٍ آخر ،أن يعلم الطّالب به ويرشده إليه نصحاً . وهذا
أيضاً يفصلٌ الحال فيه :
وينبغي أن يكون عند الاستواء فيما عدا الصفة المرجحة ، أما مع التفاوت: بأن يكون الأعلى إسناداً عامياً
لا معرفة له بالصنعة ، والأنزل إسناداً عارفاً ضابطاً، فهذا يتوقف فيه بالنسبة إلى الإرشاد المذكور ؛ لأنه
قد يكون في الرّواية عن هذا الشخص العامى ما يوجب خللا)). الاقتراح: ٢٧٠-٢٧١.
(٤) نقله ابن الصّلاح. انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ٤٠٦، وفتح المغيث ٢٩٢/٢-٢٩٣.
١٠٦
( وَ) لاَ تُخُصَّ أحداً مِمَّنْ تُحدّثُهم بإقبالِكَ عَلَيْهِ ، بَلْ (أَقْبِلٍ عَلَيْهِمِ ) - بكسرِ
الميم - جَمِيعاً نَدباً، لِقَوْلِ حبيبٍ بنِ أَبِي ثابتٍ: (إنَّهُ من السُّنَّةِ)(١).
(ولِلحَدِيْثِ رَتِّلٍ) نَدْباً، ولا تسرُدْهُ سَرْدًاً يَمْنِعُ السَّامِعَ مِن إِدْرَاكِ بَعْضِهِ ، فَفِي
" الصَّحِيْحَيْنِ " (٢) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا: (لَمْ يَكُنِ النَِّيُّ ◌َ يُسْرِدُ الْحَدِيْثَ
كَسَرْدِكُمْ)) (٣). زادَ التِّرْمِذِيُّ: (( وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكُلِّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ
إِلَيْهِ ))، قَالَ: إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيْحٌ (٤).
ولا تُطِلِ الْمَجْلِسَ ، بَلْ اجْعَلْهُ مُتَوسِّطً، حَذَراً من سآمَةِ السَّامِعِ وَمَلِلِهِ ، إلا إنّ
علمتَ أن الْحَاضِرِينَ لا يتبرمون بطولِهِ .
فَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ وغيرُهُ: ((إِذَا طالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيْهِ نَصِيبٌ)) (٥) .
(واحْمَدْ) رَبَّكَ تَعَالَى، (وَصَلٌ مَعْ سَلامٍ) عَلَى النَِّّلَّ، (وَ) مَعَ (دُعَا) (٦) يَلِيقُ
بالْحَالِ ( في بدء) كُلِّ ( مَجْلِسٍ وَ) في ( خَتْمِهِ مَعَا ) ، فكُلُّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ .
كأنْ يَقُوْلَ (٧): «الْحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيْراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيْهِ ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا
(١) رواه الْخطيب في الجامع ٣٠٥/١ (٦٨٥) و٤١١/١ (٩٨١).
(٢) قلّد المصنف هنا الحافظ العراقي، فإنّه عبر بنفس كلامه هنا، وقول المصنف هذا فيه إيهام أن البخاري
أخرج الحديث موصولاً، وليس الأمر كذلك؛ إنما أخرجه البخاري تعليقاً ٢٣١/٤ (٣٥٦٧)، قال
الليث : حدَّثني يونس ، عن ابن شهاب أنّه قال: أخبرني عُروة بن الزبير ، عن عائشة ... ، وانظر : تحفة
الأشراف ١٠٥/١٢ (١٦٦٩٨)، فقد نص على أنَّه معلق عند البخاري .
(٣) أخرجه الحميدي (٢٤٧)، وأحمد ١١٨/٦ و١٣٨ و١٥٧ و٢٥٧، والبخاري ٢٣١/٤ (٣٥٦٧
معلقاً )، ومسلم ١٦٧/٧ (٢٤٩٣)، وأبو داود (٣٦٥٤) و (٣٦٥٥) و (٤٨٣٩)، وفي الشمائل
(٢٢٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٣)، وأبو يعلى (٤٣٩٣) و (٤٦٧٧) ، وابن حبان
(٧١٥٣) من حديث عروة عن عائشة .
(٤) الترمذي ( ٣٦٣٩).
(٥) رواه الخطيب في الجامع ١٢٨/٢ (١٣٨٥)، وانظر: أدب الإملاء والاستملاء: ٦٨.
(٦) في (م): ((ودعاء)).
(٧) في (ع) و (م): ((تقول)).
١٠٧
وَيَرْضَى اللَّهُمَّ صَلّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ
إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ
إِبْرَاهِيْمَ فِيْ الْعَالَمِينَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، كُلِّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ، وَكُلِّمَا غَفَلَ عَنْ
ذِكْرِكَ الْغَافِلُونَ، اللَّهُمَّ صَلّ وَسَلِّمْ عَلَى سَائِرِ النَّبِّينَ، وآلِ كُلِّ، وَسَائِرِ الصَّالِحِيْنَ،
نَهَايَةَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ السَّائِلُوْنَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبيّكَ مُحَمَّدٌ
﴿، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ (١) مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ لِ﴿))(٢).
أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالأَخْذِ (٣) ثُمَّ إِنْ
وَاعْقِدْ لِلإِمْلاَ مَجْلِساً فَذَاكَ مِنْ
٦٩٩.
مُحَصِّلا ذَا يَفْظَةٍ مُسْتَوِيَا
تَكْثُ (٤)جُمُوْعٌ فَاتَّخِذْ مُسْتَمْلِيَا
٧٠٠.
يَسْمَعُهُ مُبَلِّغَاً أَوْ مُفْهِمَا
بِعَالِ اوْ فَقَائِماً يَتْبَعُ ما
٧٠١.
وَبَعْدَهُ اسْتَنْصَتَ ثُمَّ بَسْمَلاَ
واسْتَحْسَنُوْا الْبَدْءَ بقَارئ ثَلاَ
٧٠٢.
يَقُوْلُ : مَنْ أَوْمَا ذَكَرْتَ وَابَتْهَلْ
فَالْحَمْدُ فَالصَّلاَةُ ثُمَّ أَقْبَلْ
٧٠٣.
وَالشَّيْخُ تَرْجَمَ الشُّيُّوْخَ وَدَعَا
لَهُ وَصَلَّى وَتَرَضَّى رَافِعا
٧٠٤.
(واعْقِدْ) نَذْباً، إنْ كُنْتَ محدِّثاً عَارِفاً، ( للإِمْلا) - بالدرجِ ، والقَصْرِ للوزنِ -
في الْحَدِيْثِ (مَجْلِساً) مِنْ حِفْظِكَ، أَوْ كتابِكَ ، والْحِفْظُ أشْرَفُ .
( فَذَاكَ ) أي : الإِمْلاَءُ ( منْ أرفعٍ) وجوهِ ( الاسْماعِ) - بالدرجِ - من
الْمُحَدِّثِ (والاخذِ) (٥) -بالدرجِ- للطَّالِبِ، بَلْ هُوَ أَرْفَعُهَا، كَمَا مَرَّ بِينُهُ فِي أَوْلِ أقسامُ
التَّحَمُّلِ، وَمِن فَوَائِدِهِ : اعتِنَاءُ الرَّاوِي بِطُرُقِ الْحَدِيْثِ ، وَشَوَاهِدِهِ ، وَمُتَابعاتِهِ .
(١) في (ع): ((استعاذك)).
(٢) قال الزركشي معقّبًا على هذا الكلام : ((اعلم أنّ المأثور في التحميد والصلاة أفضل من هذا ، وقد ورد
في التحميد سنن مشهورة فينبغي اتباعها، وكذلك تتبع السنة الصحيحة في الصلاة على النبي {﴿، وقد نبّه
على هذا النووي -رحمه الله تعالى-). نكت الزركشي٦٤٦/٣، وانظر: روضة الطالبين ٦٥/١١ - ٦٦ .
(٣) بدرج همزة ( الإسماع) و ( الأخذ ) على التوالي ؛ لضرورة الوزن .
(٤) في (أ) : (( يكثر)) .
(٥) في (م): ((والأخذ)) بإثبات الهمزة ، ولم يفقه الناشر قول الشارح .
١٠٨
(ثُمَّ إِنْ تَكْثُرْ جُمُوعٌ ) مِنَ الْحَاضِرِينَ ( فَاتَّخِذْ ) وجوباً ( مُسْتَمليا ) يتَلَقْنُ مِنْكَ
للاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، بِخِلافٍ مَا إِذَا قَلْتْ، ( مُحصِّلاً ذا يَفْظَةٍ ) -باسْكانِ القَافِ للوزنِ-،
أي: مُتَقّظاً بارعاً في الفَنِّ اقتداءٌ بأئِمَّةِ الْحَدِيْثِ، كمالِكٍ، وشُعْبَةَ، ووكيعٍ ،وأبي عاصمٍ (١).
وروى أبو داودَ وغيرُهُ من حَدِيْثِ رافِعِ بنِ عَمْرٍو ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللهَّ
يَخْطُبُ النَّاسَ (٢) بِمِنَى حِيْنَ ارْتَفَعَ الصُّحَى عَلَى بَعْلَةٍ شَهْبَاءَ وَعَلِيٍّ ◌َبُ يُعَبِرُ عَنْهُ)) (٣).
فإِنْ تَكَاثرَ الْحَمْعُ، بِحَيثُ لا يَكْفِيٍ واحِدٌ فَزِدْ بِحسبِ الْحَاجَةِ ، فَقَدْ أَمْلَى أَبُو
مُسْلِمِ الكَجِّيُّ فِي ((رَحْبَةٍ غَسَّانَ)) (٤) ، وَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ سبعةُ مُسْتَمْلِينَ ، يُبَلِّغُ كُلٌّ مِنْهُمْ
صاحبَهُ الَّذِي يَلِيهِ (٥).
وَخَرَجَ بالْمتيقِظِ: الْمِغَفِّلُ كمستَعْلِي يَزِيدَ بنِ هَارُونَ ، حَيْثُ قَالَ لَهُ يَزِيدُ: حَدَّثْنَا
عِدَّةٌ . فَقَالَ : عدَّةُ ابنُ مَنْ ؟ فَقَالَ لَهُ يَزِيْدُ: عدةُ ابنُ فقدُّكَ (٦) .
ويندبُ أنْ يَكُوْنَ جَهُوْرِيَّ الصَّوْتِ، (مُسْتَوِيا) أي: جالِساً (بـ) مكَانٍ (عَللٍ) ،
كَكُرْسيِّ (٧)، (اوْ) (٨) -بالدرج- (فَقَائِماً) -عَلَى قَدَمَيْهِ- كابنِ عُلَيَّةَ، بِمَجْلِسٍ
(١) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٥٥/٢ - ٥٦ .
(٢) ساقطة من ( م ).
(٣) أخرجه أبو داود ( ١٩٥٦)، والنسائي في الكبرى ( ٤٠٩٤) كلاهما عن مروان ، عن هلال بن عامر
المزني ، قال حدثني رافع بن عمرو المزني ، به .
(٤) رحبة : - بالفتح - الموضع المتسع بين أفنية البيوت. قال في المراصد ٦٠٨/٢: ((والرحاب كثيرة)).
والذي يظهر أن هذا الموضع ساحة عامة تنسب إلى رجلٍ يدعى غسان ، ولم نتحقق موضعها الآن .
(٥) انظر: تاريخ بغداد ١٢١/٦-١٢٢، والجامع لأخلاق الرّاوي ٥٣/٢ (١١٦٠)، وأدب الإملاء
والاستملاء : ٩٦ .
(٦) الجامع لأخلاق الرّاوي ٦٦/٢-٦٧ (١٢٠١)، وأدب الإملاء والاستملاء: ٨٩-٩٠ . واسم هذا
المستملي : بربخ .
(٧) قيّد ابن السمعاني ذلك بما إذا كثر عدد من يحضر السماع ، وكانوا بحيث لا يرون وجه المستملي،
فيستحب أن يجلس على منبر أو غيره حتى ترى الجماعة وجهه ويبلغهم صوته . وانظر : أدب الإملاء :
٥٠ ، ونكت الزركشي ٣ / ٦٥٠.
(٨) في (م) : (( أَوْ)) بإثبات الهمزة، وهو ذهول .
١٠٩
مَالِكٍ (١) وآدمٍ بِنِ أَبِي إياسٍ، بِمَجْلِسِ شُعْبَةً(٢) تَعْظِيماً لِلْحَدِيْثِ، ولأنَّ ذَلِكَ أبلغُ لِلسَّامِعِينَ.
(يَتْبَعُ) الْمُسْتَمْلِي ( مَا يَسْمَعُهُ) مِنْكَ، وَيوردُهُ عَلَى وَجْهِهِ مِن غَيْرِ تغيُّرِ ( مُبَلِّغاً)
بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلِغْهُ لفظُ الْمُمْلِي، (أَوْ مُفْهِمَا) بِهِ مَنْ يبلغُهُ عَلَى بُعْدٍ ، وَلَمْ يَتَفَهَّمْهُ فيتوصَّلُ
بِصَوتِ الْمُسْتَمْلِي إِلَى تَفَهُّمِهِ، وتَحَقُّقِهِ (٣). وَقَدْ تَقَدَمَ بيانُ حُكْمٍ مَنْ يَسْمَع إلا مِنَ الْمُسْتَمْلِي.
( واسْتَحْسَنُوا ) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ مِمَّنْ تَصَدَّى للإملاءِ، أَوْ التَّحْدِيثِ (البَدْءَ) أي :
الابتداءَ في مَجْلِسِهِ ( بِقارِئٍ ثَلاَ) أي: بقراءةٍ قَارِئٍ مِنَ الْمُسْتَمْلِي، أَوْ الْمُمْلِي، أَوْ
غَيْرِهِمَا مِنَ الْحَاضِرِينَ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ (٤).
فَقَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ ﴿ُه، إِذَا قَعَدُوا يَتَذَاكَرُونَ فِي الْعِلْمِ يأمُرُونَ رَجُلاً أَنْ يَقْرأ
سُؤْرَةٌ (٥) ، واختارَ شَيْخُنَا تَبَعاً لِلنَّاظِمِ أَنْ تَكُونَ (٦) سورةَ ((الأعلَى))، لِمُنَاسَبَةِ
سَنُفْرَتُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾ (٧).
(وَبَعْدَهُ) أي: بَعْدَ (٨) الفَرَاغِ مِن التِّلاوَةِ (اسْتَنْصَتَ) أي: الْمُسْتَمْلِي، أَوْ الْمُمْلِي،
أَوْ غيرهما إن احْتِيجَ للاسْتِنْصَاتِ اقتداءً بِمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ " من قولِهِ ﴿ْ لِحَريرِ في حجَّةٍ
الوَدَاعِ: (( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) (٩) .
(١) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٦٦/٢ (١٢٠٠)، وأدب الإملاء والاستملاء: ٨٨-٨٩.
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٥٦/٢ (١١٥٥)، وأدب الإملاء والاستملاء : ١٥.
(٣) قال الزركشي: ((عبارة الخطيب: ويستحب له ألا يخالف ، وكذا قال ابن السمعاني في أدب الإملاء، ثُمَّ
صرّح بالوجوب فقال : ويستحب للمستملي ألا يخالف لفظ المملي في التبليغ عنه، بل يلزمه ذلك ، خاصة
إذا كان الراوي من أهل الدراية والمعرفة بأحكام الرواية )). نكت الزركشي ٦٥٠/٣، وانظر : الجامع
الأخلاق الراوي ٦٧/٢، وأدب الإملاء : ١٠٥.
(٤) انظر: أدب الإملاء والاستملاء: ٩٨ . وقال الخطيب: سورة من القرآن. انظر: الجامع لأخلاق
الرّاوي ٦٨/٢ عقب (١٢٠٦).
(٥) انظر: الفقيه والمتفقه ١٢٧/٢، والجامع لأخلاق الرّاوي ٦٨/٢ (١٢٠٧).
(٦) في ( م ) : (( يكون)) .
(٧) الأعلى : ٦ .
(٨) لم ترد في ( م ) .
(٩) صحيح البخاري ٤١/١ (١٢١) و٢٢٤/٥ (٤٤٠٥) و٣/٩ (٦٨٦٩) و ٦٣ (٧٠٨٠)
وصحيح مسلم ٥٨/١ (٦٥). وأخرجه الطيالسي (٦٦٤)، وابن أبي شيبة (٣٧١٦٤)، وأحمد=
١١٠
(ثُمَّ) بَعْدَ إنصاتِهِمْ (بسمَلاَ) أي: الْمُسْتَمْلِي، أي: قَالَ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ))
أَوْلاً (فَالْحَمْدُ) لله، (فالصَّلاةُ) والسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِعَ لَّ(١) لِخَبَرِ: (( كُلُّ أَمْرِ ذِيْ بَالِ،
لَمْ يُبْدَأُ فِيْهِ بِبِسْمِ اللهِ. وفِي رِوَايَةٍ بِحَمْدِ اللهِ وفِي رِوَايَةٍ : وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ -،فَهُوَ أُقطعُ)(٢).
فَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ استعمالُ الرِّوَايَاتِ الثّلاثِ .
( ثُمَّ ) بَعْدَ ذَلِكَ (أَقْبَلْ) أي: الْمُسْتَمْلِي عَلَى الْمُمْلِي (يَقُوْلُ) أي: قائِلاً لَهُ:
( مَن) ذكرتَ، أَوْ مَن (٣) حَدَّتَكَ مِنَ الشُّيُوخِ، (أَوْ مَا ذكرتَ) من الأحاديثِ ؟
( وابتهَلْ) أي: دَعَا (لَهُ) مَع ذَلِكَ بقولِهِ: رَحِمَكَ اللهُ، أَوْ أَصْلَحَكَ اللهُ (٤) أَوْ
غفَرَ الله لَكَ، أَوْ نَحوَهُ (٥) .
=٣٨٥/٤ و٣٦٣ و٣٦٦، والدارمي (١٩٢٧)، وابن ماجة (٣٩٤٢)، والنسائي ١٢٧/٧ و١٢٨
وفي الكبرى (٥٨٨٢)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٤٩٦)، وابن حبان (٥٩٤٩)، والطبراني
في الكبير (٢٢٧٧) (٢٤٠٢)، وابن مندة في الإيمان (٦٥٧)، والبغوي (٢٥٥٠).
(١) ينظر الجامع لأخلاق الرواي ٢ / ٦٩، وأدب الإملاء : ٩٨.
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٨/٢، وأبو داود (٤٨٤٠)، وابن ماجه (١٨٩٤)، والنسائي في الكبرى
(١٠٣٢٨)، وفي عمل اليوم والليلة (٤٩٤)، وابن حبان (١) و(٢)، والدارقطني ٢٢٩/١،
والبيهقي في الكبرى ٢٠٨/٣-٢٠٩ .
كلهم من طريق قرة بن عبد الرحمان عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، مرفوعاً موصولاً به .
وقد خالف قرة في هذا الحديث أصحاب الزهري ( يونس ، وعقيل ، وشعيب ، وسعيد بن عبد العزيز ،
والحسن بن عمر)) الّذين رووه عن الزهري مرسلاً .
أخرجه النسائي هكذا في عمل اليوم والليلة ( ٤٩٥) و (٤٩٦) و (٤٩٧)، ورجح الدار قطني في
السنن ٢٢٩/١ وفي علله ٣٠/٨ الرّواية المرسلة على الموصولة.
وانظر: تخريجاً موسعاً كتبه الشّيخ شعيب في تعليقه على مسند الإمام احمد ٣٢٩/١٤-٣٣١ (٨٧١٢)،
وضعيف ابن ماجة للألباني ( ٤١٥ )، وإرواء الغليل ( ٢).
(٣) لفظ الجلالة لم يرد في ( م ).
(٤) ساقطة من ( م ) .
(٥) روي عن يحيى بن أكثم ، قال: ((نلت القضاء، وقضاء القضاة، والوزارة، وكذا، وكذا . ما سررت بشيء
مثل قول المستملي: من ذكرت رحمك الله)). انظر: الجامع ٧١/٢ (١٢١٥)، وأدب الإملاء : ١٠٤.
١١١
( وَ) إِذَا انْتَهَى تَّبَعَاً لِلْمُمْلِي إِلَى ذكرِ النَّبِيِّ ◌َُّ من الإسنادِ (صَلّى)، وسلمَ عَلَيْهِ
نَدْباً ، وإنْ تكرَّرَ ذَلِكَ .
(وَ) كَذَا إِذَا انْتَهَى إِلَى ذِكرِ أحدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﴿ه (تَرَضَّى) عَنْهُ (رَافِعًا) صَوْتَهُ
بِذَلِكَ كُلِّهِ ، فإِنْ كَانَ ذَلِكَ (١) الصَّحَابِيُّ أَبُوه صَحَابِيٌّ، أَوْ أَبُوهُ وجُّهُ صَحَابِيانِ ، وَذَكَرَ
الْحَمِيْعَ ، قَالَ : رَضِيَ الله عَنْهُمَا ، أَوْ عَنْهُمْ .
وَيندبُ أَيْضاً التَّرَضِّي، والتَّرَحُمُ عَلَى الأَئِمَّةِ ، فَقَدْ قَالَ القَارِئُ لِلرِّبِيعِ بِنِ سُلَيْمَانَ
يَوْماً: حَدَّثَكُمْ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَقُلْ: ◌َُهِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: ((وَلاَ حَرِفٌ، حَتَّى يُقالَ:
رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ)) (٢) .
( والشَّيْخُ) الْمُمْلِي (تَرْجَمَ الشُّيُوخَ) الَّذِيْنَ رَوَى عَنْهُمْ بِذكرِ بَعْضٍ أوْ صَافِهِم
الْحَمِيلَةِ ، (وَدَعَا) لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وَنَحْوِهِمَا (٣) .
لأَهُمْ آبَاؤُهُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ مَأمُورٌ بالدُّعَاءِ لَهُمْ، وبِبِرِّهِم ،
وذِكْرٍ مَآئِرِهِم والثَّاءِ عَلَيْهِمْ، كأنْ يَقُوْلَ: حَدَّثَنِي النّقَةُ، أَوْ الأَمينُ، أَوْ الْحَبِيبُ الأمينُ ، أَوْ
الْحَافِظُ فُلاَنٌ ، أَوْ حَدَّثَنِي فُلاَنٌ، وَكَانَ مِن مَعَادِنِ الصِّدْقِ ، ثُمَّ يَسُوقُ سَنَدَهُ (٤).
كَعَنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ
وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ
٧٠۵.
يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ(٥) فَصُنْ
لِأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ
٧٠٦.
أَوْلاَهُمُ (٦) وَانْتَقِهِ وَأَفْهِمِ
وَارْوٍ فِي الإِمْلاَ عَنْ شُيُوْخٍ قَدِّمِ
٧٠٧.
(١) في (م) و (ص): ((ذاك)).
(٢) انظر: الجامع ١٠٦/٢-١٠٧ (١٣١٦)، وأدب الإملاء : ٦٣.
(٣) لم ترد في (ص ) .
(٤) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٨٥/٢-٨٧ (١٢٤٥) و (١٢٤٦) و (١٢٤٧) و (١٢٤٨) و
(١٢٥٠) و (١٢٥٤ ).
(٥) الأصل عدمُ صرفه ، والوجهان جائز وزناً ، غير أنّ النَّاظِم اختار صرفه ؛ بالمراعاة كراهة العرب توالي
ثلاثة متحركات .
(٦) في (جـ): ((أعلاهم))، ويجب في كلتا الحالتين إشباع حركة الميم؛ لضرورة الوزن .
١١٢
عَنْ كُلِّ شَيْخِ فَوْقَ مَتْنٍ وَاعْتَمِدْ
مَا فِيْهِ مِنْ فَائِدَةٍ وَلاَ تَزِدْ
٧٠٨.
وَاجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ خَوْفَ الْفَتْنِ
عَالِيَ إِسْنَادِ (١) قَصِيْرَ مَتْنِ
٧٠٩.
( وَ) أما (ذِكْرُ) راوٍ (مَعْرُوْفٍ بِشَيْءٍ مِنْ لَقَبْ ) اشتُهرَ بِهِ،
( كَقُنْدَرٍ ) لِمُحَمَّدِ بنِ حَعْفَرِ وغيرِهِ ، مِمَّ يَأْتِي فِي بَابِ الأَلْقَابِ. (أَوْ) من (وَصْفِ
تَقْصٍ) ، كَالْحَولِ لِعَاصِمٍ، والشللِ لْمَنْصُورٍ ، والْعَرجِ لعبدِ الرَّحْمَانِ بنِ هُرْمُزَ. (أَوْ)
من ( تَسَبْ لِأُمِّهِ ) كابنٍ أُمّ مَكْتُومٍ ، وابنٍ بُحَيْنَةَ. (فَجَائِزٌ) لقولِهِلَ ﴿ لما سلْمَ من
رَكْعَتَيْنِ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ: ((أَكَمَا يَقُوْلُ ذُوْ الْيَدَيْنِ؟)) (٢)؛ ولأنّ ذَلِكَ إنَّما يذكرُ (٣)
لِلْبَيَانِ والنَّمْبِيزِ .
هَذَا (مَا لَمْ يَكُنْ) مَنْ يوصفُ بِهِ (يَكْرَهُهُ). أمَّا إِذَا كَانَ يَكْرُهُهُ
( كابنٍ عُلَيَّةٍ )، والأصمِّ، (فَصُنْ) نَفْسَكَ عَن ارتِكَابِهِ؛ لأَنَّهُ حينئذٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِقَولِهِ
تَعَالَى: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ﴾ (٤).
(١) في (ب) و (جـ): ((الإسناد)).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠١٧)، وابن ماجه (١٢١٣)، وابن خزيمة (١٠٣٤ ). من طريق عبيد الله بن
عمر ،عن نافع ، عن ابن عمر . مرفوعاً به .
ورواه مالك (٧٩)، والحميدي (٩٨٣)، وأحمد ٣٧/٢ و٢٣٤ و٢٤٧ و٢٨٤، والدارمي
(١٥٠٤)، والبخاري ١٢٩/١ (٤٨٢) و١٨٣ (٧١٤) و٨٦/٢ (١٢٢٨) و(١٢٢٩) و٢٠/٨
(٦٠٥١) و ١٠٨/٩ (٧٢٥٠)، ومسلم ٨٦/٢ (٥٧٣) (٩٧) (٩٨)، وأبو داود (١٠٠٨) و
(١٠٠٩) و (١٠١٠) و (١٠١١)، وابن ماجه (١٢١٤)، والترمذي (٣٩٤) و (٣٩٩)،
والنسائي ٢٠/٣ و٢٢ و٢٦، وفي الكبرى (٤٨٦) و (٤٨٧) و (٤٨٨) و (١٠٥٦) و
(١٠٥٧) و (١٠٦٦) و (١٠٦٧)، وابن الجارود (٢٤٣)، وابن خزيمة (٨٦٠) و (١٠٣٥) و
(١٠٣٦)، والطحاوي في شرح المعاني ٤٤٤/١ و٤٤٥، وابن حبان (٢٢٥٢) و (٢٢٥٣) و
(٢٢٥٤) و (٢٢٥٥)، والبيهقي ٣٤٦/٢ و٣٥٣ و٣٥٤ .
كلهم من طرق عن محمّد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، به مرفوعاً .
(٣) ((إنما يذكر)) لم ترد في ( ص) .
(٤) الحجرات : ١١ .
١١٣
ولأنَّ الإِمامَ أَحْمَدَ نَهَى ابنَ مَعْيْنِ ، أَنْ يَقُوْلَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ عُلَيَّةَ، حَيْثُ
قَالَ لَهُ: قُلْ إِسْمَاعِيْلَ بِنَ إِبْرَاهِيْمَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أنْ ينسَبَ إِلَى أُمِّهِ ، وَلَمْ
يخالفْهُ ابنُ مَعِيْنِ فِيْهِ ، بَلْ قَالَ: ((قَدْ قبلناهُ مِنْكَ يَا مُعَلِمَ الْخَيْرِ))(١) .
قَالَ النَّاظِمُ هُنَا: ((والظَّاهِرُ أنَّ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ الأدَبِ ، لا اللزومِ)) (٢).
لكنَّهُ أقرَّ ابن الصَّلاَحِ في "النظم" في بَحْثِ الأَلْقَابِ عَلَى الَّحْرِيْمِ .
وهذا فيمَنْ عُرفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وإلا فَلاَ تَحْرِيْمَ ، ولا كَرَاهَةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الإِمامُ
أَحْمَدُ (٣) .
( وارْوٍ ) تَدْباً ( في الاملا) (٤) بالدرجِ والقصرِ (عَنْ شُيُوخِ ) رويتَ عَنْهُمْ ، ولا
تَقْتُصِرْ عَلَى شَيخِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لأنَّ التَّعدُّدَ أكثرُ فَائِدَةً ، و (قَدِّمٍ ) مِنْهُمْ (أَوْلاَهُمُ ) سنّاً ،
أَوْ عُلو إسْناد ، ونحوَهُ (٥) .
( وانْتَقِهِ ) أي : الْمَرْوِيِّ بالإِمْلَاءِ أَيْضاً، أي: ائتِ بخيارِهِ بحيثُ يَكُوْنُ أنفع،
وأعمَّ فَائِدَةً .
وأَنْفَعُهُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيْبُ - الأحاديثُ الْفِقْهِيَّةُ (٦) .
(وأفهِمٍ) أَنْتَ ، أي: بَيِّنْ نَدْباً لِلسَّامِعِينَ ( مَا فِيْهِ مِنْ (٧) فَائِدَةٍ ) مِن بيانِ مُجْمَلٍ ،
أَوْ غَرِيبٍ ، أَوْ عِلَّةٍ فِيْمَا تُمْلِيهِ (٨).
(١) أسنده الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي ٧٩/٢ (١٢٣٧).
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ٣٢٤/٢.
(٣) انظر: فتح المغيث ٣٠٨/٢ .
(٤) في (م) : (( في الاملاء)) بإثبات الهمزة ، وهو ذهول .
(٥) في (ع) و (ص): (( أو نحوه)) .
(٦) الجامع لأخلاق الرّاوي ١١٠/٢ عقب (١٣٢٧).
(٧) ليست في ( ق ) .
(٨) الجامع لأخلاق الرّاوي ١١١/٢ عقب (١٣٢٩).
١١٤
ويندبُ أنْ يُنَبِّهَ عَلَى فَضْلِ مَا يَرْوِيهِ، وعلى علوِّ سَنَدِهِ ، وثقةِ راوِيهِ،
وَمَا انْفَرَدَ عَنْ شيخِهِ بِهِ ، وَكونِ الْحَدِيْثِ لا يُؤْجَدُ إلّ عِنْدَهُ (١) . ( وَلاَ تَزِدْ ) فِي إِمْلَائِكَ
(عَنْ كُلِّ شَيْخٍ ) مِن شُيُوخِكَ ( فَوْقَ مَثْنٍ ) واحِدٍ ، فإِنَّهُ أعمُّ منفعَةً .
( واعتمِدْ) فِيْمَا تَرْوِيهِ (عاليَ إسْنادٍ قَصيرَ مَتْنِ )، لِمَزِيدِ الفائدة فِيْهِ (٢) ،
(واجْتَنِبِ) في إمْلائِكَ ( الْمُشْكِلَ) مِنَ الأحاديثِ التِي لا تَحْتملها(٣) عُقُوْلُ الْعَوامِ ،
كأحَادِيثِ الصِّفَاتِ التِي ظَاهِرُهَا يقتضي التَّشْبِيهَ وَالتَّحْسِيمَ ، وإثْبَاتِ الْحَوارِحِ ،
والأَعْضَاءِ للأزليّ الْقَدْمِ ( خَوفَ الْفَتْنِ ) - بفتحِ الفاءِ من فَتَنَ - ، أي: خوفَ الافتِتَان ،
والصَّلالِ؛ فإن سامعَها لجهلِهِ مَعَانِيهَا، يَحْمِلُها عَلَى ظَاهِرَها، أَوْ يُنْكِرُهَا فيردُهَا، و(٤)
يكذّبُ رواتها (٥). وَقَدْ صَحَّ قولُهُ مَ﴾: (كَفَى بِالْمَرْءِ كِذْباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)) (٦).
وقولُ ابنِ مَسْعُودٍ : ((إنَّ الرَّجُلَ ليحدِّثَ بالْحَدِيْثِ ، فَيَسمِعُهُ مَنْ لا يَبْلِغُ عقلُهُ فهمَ
ذَلِكَ الْحَدِيْثِ فَيَكُوْنُ عَلَيْهِ فِتْنَةً)). (٧)
وَقَوْلُ الإِمَامِ مَالِكٍ: ((شَرُّ العِلْمِ: الغَرِيْبُ، وَخَيْرُ العِلْمِ: الْمَعْرُوْفُ الْمُسْتَقِيمُ)) (٨).
وَأَمَّا خَبَرُ: ((حَدِّثُوا عَنْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ وَلاَ حَرَجَ )) (٩). فَقَالَ بعضُ العُلَمَاءِ إِنَّ قَوْلَهُ:
(١) الجامع لأخلاق الرّاوي ٩٣/٢ عقب (١٢٧٢)، و٩٧/٢ عقب (١٢٨٣)، و١٠٢/٢ عقب
(١٣٠١) و (١٣٠٢)، و١٢٠/٢ عقب (١٣٦٠)، و١٢٢/٢ عقب (١٣٦٦).
(٢) الجامع لأخلاق الرّاوي ٨٨/٢ عقب (١٢٥٨).
(٣) في (م): ((تحملها)).
(٤) في (م): ((أو)).
(٥) الجامع لأخلاق الرّاوي ١٠٧/٢ - ١٠٨ عقب (١٣١٧).
(٦) الجامع ١٠٨/٢ (١٣١٩). والحديث أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ٨/١، وأبو داود (٤٩٩٢).
(٧) رواه مسلم في مقدمة صحيحه ١ / ١١ وفيه انقطاع.
(٨) روى نحوه الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي ٢/ ١٠٠ (١٢٩٢).
(٩) تقدم تخريجه من حديث عبد الله بن عمرو وأخرجه الحميدي (١١٦٥)، وأحمد ٤٧٤/٢ و٥٠٢ ،
وأبو داود (٣٦٦٢) من حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة.
١١٥
( وَلَاَ حَرَجَ )) في مَحَلِّ الْحَالِ، أي: حَدِّثُوا عَنْهُمْ حَالَةَ كَوْنِهِ لاَ حَرَجَ في
التَّحْدِيْثِ عَنْهُمْ (١) .
بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِ
وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ (٢) فِي الأَوَاخِرِ
٧١٠.
مَجَالِسَ الإِمْلاَءِ فَهْوَ حَسَنُ
وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ مُتْقِنُ
٧١١.
غِّى عَنِ الْعَرْضِ لِزَبْغِ يَحْصُلُ
٧١٢. وَلَيْسَ بِالإِمْلَاءِ حِيْنَ يَكْمُلُ
( واسْتُحْسِنَ ) لِلْمُمْلِي (الإِنْشَادُ) الْمُبَاحُ الْمُرَقْقُ لِلْقُلُوبِ (٣) (فِي الأَوَاخِرِ)
مِن مَحَالِسِ الإِمْلاَءِ (بَعْدَ الْحِكَايَاتِ ) اللّطِيفَةِ (مَعَ النَّوادِرِ ) الْحَسَنَةِ، وإِنْ كَانَتْ
مُنَاسَبَةٌ لْمَا أَمْلَهُ، فَهُوَ أَحْسَنُ. كُلُّ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ عَلَى عَادَةِ الأَئِمَّةِ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ (٤).
وَعَنْ عَلِيِّ ◌َلُهُ: ((رَوْحُوا الْقُلُوبَ، وَابْتَغُوا لَهَا طُرَفَ الْحِكْمَةِ)) (٥).
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ لأَصْحَابِهِ: ((هَأْتُوا مِنْ أَشْعَارِ كُمْ ، هَاتُوا مِنْ حَدِيْئِكُمْ،
فَإِنّ الْأُذُنَ مَجَّاجَةٌ ، وَالقَلْبُ حَمضٌ)) (٦) ، أي: مشتهٍ للحمضِ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَإِنَّمَا أُخِذَ مِن شَهْرةِ الإِلِ لِلحمضِ، وَهُوَ مَا مَلَحَ وَأَمَرَّ من
النَّبَاتِ كَالأَثلِ وَالطّرِفَاءِ، لاَنَّهَا إِذَا مِلَّتَ الْخلةَ، وَهُوَ مِنِ النَّبَاتِ مَا كَانَ حُلوّاً ، اشْتَهَتٍ
الْحَمضَ ، فتحولَ إليهِ (٧).
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٢٨.
(٢) في (جـ ): ((الاسناد )).
(٣) في (ق ): (( للقلب)).
(٤) بوب له الخطيب في الجامع ٢/ ١٢٩ عقب (١٣٨٨).
(٤) الجامع ٢ / ١٢٩ رقم (١٣٨٩)، وفيه محمد بن حمير مجهول ، وقد قال الدارقطني: لا أعرفه. لسان
الميزان ٥ / ١٥٠ .
(٥) الجامع ٢ / ١٣٠ رقم (١٣٩٢).
(٧) انظر: الصحاح ٣/ ١٠٧٢ (حمض). و((الأذن تجّاجة)) أي: (( لا تعي ما تسمع، ولكنها تلقيه نسياناً،
كما يُمَجُّ الشيء من الضم )). انظر: لسان العرب ٤٣٩/٣ (محج). وانظر: تاج العروس ٣٠٢/١٨ .
١١٦
. ثُمَّ ما مَرَّ مَحِلُهُ فِي الرَّاوِي (١) العَارِفِ غَيْرِ العَاجِزِ. (وإِنْ يُخَرِّجْ لِلرَّوَاةِ) الَّذِيْنَ
لَيْسُوا أهْلاً لِلْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيْثِ، وَعِلَلِهِ، وَاخْتِلاَفِ طُرُقِهِ، أَوْ أَهْلاً لِذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ عَجْزوا
عَنْ الْتَّخْرِيْجِ ، وَالنَّفْتِيْشِ ، لِكِيْرِ سنٍّ، أَوْ ضعفِ بدنِ ( مُثْقِنُ) مِنْ حُفَاظِ وَقْتِهِمْ
(مَجَالِسَ الإِمْلَاءِ) التِي يُرِيْدُوْنَ إِمْلاَءَهَا قَبْلَ يَوْمٍ مَحَالِسِهِمْ، إمَّا بِسُؤَالٍ مِنْهُمْ لَهُ أَوْ انْتِدَاءُ
( فَهْوَ حَسَنُ ) وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ يَسْتَعِيْنُوْنَ بِمَنْ يُخَرِّجُ لَهُمْ (٢).
( وَلَيْسَ بِالإِمْلاَءِ حِيْنَ يَكْمُلُ ) أي: يَنْقَضِي ( غِنَّى عَنِ الْعَرْضِ )، وَالْمُقَابَلَةٍ،
(لِزَيْغٍ) أي لِإِصْلاَحِ مَا (يَحْصُلُ) مِنْ فَسَادِ زَيْغِ الْقَلَمِ ، وَطُغْيَانِهِ (٣).
وَالْمُقَابَلَةُ لِلإِمْلاَءِ تَكُوْنُ مَعَ الشَّيْخِ مِنْ حِفْظِهِ، لا عَلَى أُصُولِهِ، كَذَا حَصَرَهُ
النَّاظِمُ (٤) ، وَفِيْهِ نَظَرٌ .
أَدَبُ (٥) طَالِبِ الْحَدِيْثِ
( أَدَبُ ) ، وفي نُسخٍ: آدَابُ (٦) (طَالِبُ الْحَدِيْثِ ) غَيْرَ مَا مَرَّ :
وَجِدَّ وَابْدَأُ بِعَوَاِلِي مِصْرِكًا
وَأَخْلِصِ الَّّةَ فِي طَلَبِكًا
٧١٣.
لِغَيْرِهِ وَلاَ تَسَاهَلْ حَمْلاً
٧١٤. وَمَا يُهِمُّ ثُمَّ شُدَّ الرَّحْلاَ
(١) في (ع): ((المخرج)).
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢ / ٨٨ (١٢٥٩).
(٣) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي٢/ ١٣٣، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤١١.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٣٣١.
(٥) انظر في ذلك :
الإلماع: ٤٥ وما بعدها، ومعرفة أنواع علم الحديث: ٤١١، والإرشاد ٥٢١/١-٥٢٨، والتقريب:
١٤٦- ١٤٩، والاقتراح: ٢٨٠-٢٨٤، والمنهل الروي: ١٠٨، واختصار علوم الحديث : ١٥٧ -
١٥٨، ونكت الزركشي ٦٦١/٣-٦٦٧، والشذا الفياح ٤٠٠/١-٤١٨، والمقنع ٤٠٧/١-٤١٨ ،
وشرح التبصرة والتذكرة ٣٣٢/٢، ونزهة النظر: ٢٠٤، وفتح المغيث ٣١١/٢-٣٤٦، والتدريب
١٤٠/٢-١٥٨، وقواعد التحديث: ٢٣٣-٢٣٦، وتوجيه النظر ٧١٩/٢-٧٢٧.
(٦) في (ص ): ((آداب))، وفي نسخة: ((أدب)).
١١٧
وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ وَلاَ تَنَاقَلِ
وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ
٧١٥.
وَلاَ تَكُنْ يَمْتَعُكَ التَّكَبُّرُ
عَلَيْهِ تَطْوِيْلاَ بِحَيْثُ يَضْجَرُ
٧١٦.
كَثْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبٍ
أَو الْحَيّا (١) عَنْ طَلَبِ وَاجْتَنب
٧١٧.
لاَ كَثْرَةَ الشُّيُّوْخِ صِيْتاً عَاطلاً
مَا تَسْتَفِيْدُ عَالِیاً وَنَازِلاً
٧١٨.
( وَأَخْلِصِ النَّةَ) للِّ تَعَلَى ( في طَلَبِكَا) لِلْحَدِيْثِ؛ إِذْ النَّفْعُ بِهِ - بَلْ وِبِسَائِرِ
الْعُومِ - مُتَوقّفٌ عَلَى الإِخْلاصِ فِيْهِ ، والإِغْرَاضِ عنِ الأَغْرَاضِ الدُّنْبَويَّةِ .
قَالَ رَسُوْلُ اللهِوَهِ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الله لاَ يَتَعَلِّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيْبَ
بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ - أي رِيْحَهَا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(٢).
وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ النَّخعيُّ: « مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً يُريدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ، والدَّارَ الآخِرَةَ، آتاهُ اللهُ
مِنَ العِلْمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ))(٣) .
( وَجِدَّ) - بِكَسْرِ أَوْلِهِ وَضَمِّهِ -، أي : اجْتَهِدْ فِي طَلَبِكَ لَهُ، واحْرِصْ عَلَيْهِ ،
مِنْ غَيْرِ توقُفٍ ، ولاَ تَأْخِيرٍ ، فمَنْ حَدَّ وَجَدَ .
قَالَ مَ ﴿ه: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجَزْ)) (٤).
وَقَالَ أَيْضاً: (( التُّؤْدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إلّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ)) (٥) .
(١) بالقصر ؛ لضرورة الوزن .
(٢) أخرجه أحمد ٣٣٨/٢، وسنن أبي داود (٣٦٦٤)، و سنن ابن ماجه (٢٥٢)، وابن حبان ( ٧٨ )،
والحاكم ١ / ٨٥، والخطيب في تاريخه ٥ / ٣٤٦ - ٣٤٧ و٨ / ٧٨ جميعهم من طريق فليح بن
سليمان ، عَنْ عَبْد الله بن عَبْد الرَّحْمَان، عَنْ سعيد بن يسار ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ، وَهُوَ سند ضعيف لضعف
فليح بن سليمان .
(٣) نحوه روى الخطيب في جامعه ١٠٤/١ (٧٠).
(٤) أخرجه أحمد ٢ / ٣٦٦ و٣٧٠ ، ومسلم ٥٦/٨ (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٧٩)، وابن أبي عاصم في
السنة ( ٣٥٦)، والنسائي في الكبرى ( ١٠٤٥٧) و (١٠٤٦١ ) وفي عمل اليوم والليلة (٦٢١) و
(٦٢٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٥٩) و (٢٦٠) و (٢٦١)، وابن حبان (٥٧٣٠) و
(٥٧٣١)، والبيهقي ٨٩/١٠ وفي الأسماء والصفات ٢٦٣/١، من طريق الأعرج ، عن أبي هريرة ، به.
(٥) رواه أبو داود ( ٤٨١٠ ).
١١٨
وَقَالَ يَحْتَى بِنُ أَبِي كثيرٍ: (( لا يُنَالُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الْحَسَدِ)) (١).
وعَنِ الشَّافِعِيِّ: (( لا يَطْلبُ هَذَا العِلمَ مَنْ يطلبُهُ بالتَّمَلُّلِ - وَفِي رِوَايَةٍ بِالْمَلَلِ -
وغنَى النَّفْسِ فَيُفْلِحُ، ولكِنْ مَنْ طلبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وضِيقِ العَيشِ، وخدمةِ العلمِ: أَفْلَحَ ))(٢).
( وابْدَأُ بِعَوالِي) شُيوخِ ( مِصْرِكا) أي: بِأَخْذِهَا عَنْهُمْ ، والزمِ العُكُوفَ عَلَيْهِمْ
حَتَّى تَسْتَوْفِيَها، ( وَ) ابدأُ مِنْهَا (مَا) أي: بِمَا ( يُهِمُّ) - بِضَمِّ الْيَاءِ - من ذَلِكَ،
وَغَيْرِهِ ، كَمَرْوِيِّ انْفَرَدِ بِهِ بَعْضُهُمْ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (( مَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغيرِ الْمُهِمِّ ، أَضَرَّ بِالْمُهِمِّ)) (٢) .
وإن اسْتَوَى جَمَاعَةٌ فِي السَّنَدِ ، وَأَرَدْتَ الاقْتِصَارَ عَلَى أحَدِهِمْ، فَاخْتَرْ الْمِشْهُورَ
مِنْهُمْ فِي طَلَبِ الْحَدِيْثِ، والْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالإِنْقَانِ فِيْهِ وَالْمَعْرِفَةِ لَهُ (٤) .
فإِنْ تَسَاوَوْا فِي ذَلِكَ أَيْضاً، فالأشْرَاف، وذَوِي الأَنْسَابِ مِنْهُمْ، فإِنْ تَسَاوَوْا في
ذَلِكَ أَيْضاً ، فَالأَسَنُّ (٥) .
( ثُمَّ) بَعْدَ اسْتِيفَائِك لأخذِ مَا بِمِصْرِكَ مِنْ مَرْويِّ شُوخِهَا (شُدَّ الرَّحْلا)، أَوْ
امْشٍ ، أَوْ ارْكَبِ البَحْرَ حَيْثُ اسْتَطَعْتَ ، وَغَلَبَتْهُ السَّلامَةُ (لغَيْرِهِ ) أي : لغيرِ مِصرِكَ مِنَ
الْبُلْدَانِ ، وغيرِهَا؛ لِتَحْمَعَ بَيْنَ عُلُوٌّ الإِسْنَادَيْنِ وعلم الطَّائِفَتَيْنِ.
وَلِخَبَرٍ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيْقً يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيْقاً إِلَى الْجَنَّةِ))(٦) .
(١) ساقة مسلم في صحيحه في موضع بعد أن ذكر المتابعات والطرق ١ / ٤٢٨ رقم (١٧٥) طبعة محمد
فؤاد ، وهو في مدخل البيهقي : ٢٧٧ ، وكذلك في جامع بيان العلم وفضله ١ / ١٠٩ بألفاظ متقاربة.
(٢) الحلية ١١٩/٩، والمحدث الفاصل ص ٢٠٢ الفقرة (٨٤)، وجامع بيان العلم ١/ ٩٨، وللخطيب
البغدادي في الفقيه والمتفقه ٩٤/٢ عدد من الأخبار عن الشافعي بنحو هَذَا المعنى .
(٣) الجامع لأخلاق الرّاوي ١٦٠/٢ (١٤٨٥).
(٤) الجامع ١٢٦/١ عقب (١٢٥).
(٥) الجامع ١٢٧/١ عقب (١٢٧).
(٦) جزء من حديث طويل رواه أبو خيثمة في العلم (٢٥)، وابن أبي شيبة (٢٦١٠٨)، وأحمد ٢٥٢/٢
و ٣٢٥ و٤٠٦ ، والدارمي (٣٥١)، ومسلم ٧١/٨ (٢٦٩٩)، وأبو داود (١٤٥٥) و (٣٦٤٣)، وابن
ماجه (٢٢٥)، والترمذي و(٢٦٤٦) و(٢٩٤٥)، وابن حبّان (٨٤)، والحاكم في المستدرك ٨٨/١-٨٩=
١١٩
وَقَدْ رَحَلَ جَابرُ بنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ أَنِيسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - مَسيْرَةَ
شَهْرِ فِي حَدِيْثٍ وَاحِدٍ (١) .
وإذ رحَلْتَ فاسْلُكَ مَا سلَكْتُهُ فِي مِصْرِكَ مِنَ الانتِداءِ بالأهمِّ فَالأَهَمِّ ، (ولا تَسَاهَلْ)
- بفتحِ النَّاء - ( حَمْلاَ) أي: ولا تَتَسَاهَلْ فِي التَّحَمُّلِ، وَالسَّمَاعِ، بِحَيْثُ تُخِلُ بِمَا
عَلِيْكَ . ولا تَشْتَغِلْ في الغربةِ إلا بِمَا تَسْتَحِقُّ لأَجْلِهِ الرِّحْلَةِ، فشهوةُ السَّمَاعِ - كَمَا قَالَ
الْخَطِيْبُ (٢) - لا تَنْتَهِي، والنَّهْمَةُ من الطّلَبِ لا تَنْقَضِي، والعِلْمُ كالْبِحَارِ الْمُتَعَذّرِ كَيْلُهَا،
والْمَعَادِنِ التِي لا يَنْقَطِعُ نَيْلُهَا (٣) .
(واعملْ بِمَا تَسْمَعُ) بِمِصْرِكَ ، وغيرِهَا مِنَ الأحَادِيْثِ التِي يُعْمَلُ بِهَا (في الفَضَائِلِ)
والتَّرْغِيباتٍ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنْ رَجُلاً قَالَ: ((يَا رَسُوْلَ الله! ما يَنْفِي عَنِّي حجَّةَ الْجَهْلِ؟ قَللَ:
العِلْمُ . قَالَ: فَمَا يَنْفِي عَنِّي حجَّةَ العِلْمِ؟ قَالَ: العَمَلُ)(٤).
وَقَالَ (٥) إِبْرَاهِيْمُ بِنُ إِسْمَاعِيْلُ بِنِ مجمَّعٍ: ((كنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيْثِ بالعَمَلِ
(٦)
بِهِ)) (٦) .
وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: (( مَا كَتَبْتُ حَدِيْثاً إِلاَّ وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ ، حَتَّى مَرَّ بِي فِي
الْحَدِيْثِ أنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ّ احتَجَمَ، وأعْطَى أَبَا طيبةَ ديْنَاراً (٧)، فأعْطَيتُ الْحَجَّامَ دِيْنَاراً حِيْنَ
احْتَجَمْتُ)) (٨) .
= وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١٣/١-١٤، والبغوي في شرح السنة (١٢٧) و (١٣٠)،
كلهم من طرق عن الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي هريرة . به .
(١) انظر: الرحلة في طلب الحديث : ١٠٤.
(٢) انظر: الجامع لأخلاق الرّاوي ٢٤٥/٢ عقب (١٧٤٠).
(٣) لم ترد في ( ق ) .
طَبْه. وانظر: فتح الباري ١٨٠/١ و
(٤) أخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل : ٤ من حديث عليّ
٤١/٧ و٣٩٣/١٢ و٤١٧ .
(٥) في (م) و (ع) زيادة: ((الشعبي ووكيع و)).
(٦) الجامع لأخلاق الراوي ٢٥٩/٢ (١٧٨٩).
(٧) هذا الحديث اتفق على إخراجه الشيخان، البخاري ٣/ ٨٢ (٢١٠٢) و١٠٣/٣ (٢٢١٠) و
١٢٢/٣ (٢٢٨١) و٧ / ١٦١ (٥٦٩٦). ومسلم ٣٩/٥ (١٥٧٧). وهو في مسند أحمد
١٠٠/٣ و١٠٧ و١٨٢، وانظر تخريجاً له موسعاً في كتاب " شمائل النبي {﴿﴿ " برقم (٣٦٠).
(٨) أورده الذهبي في السّير ٢١٣/١١ وصدّره بقوله: ((وقال المرّوذي: قال لي أحمد ... )).
١٢٠