Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤٣
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
يَلِيهِ، وَهِيَ مُبَالَغَة تُنْبِئ عَنْ تَعْظِيمِ حَقّ الْجَارِ وَأَنَّ إِضْرَارِهِ مِن الْكَبَائِرِ. قَالَ: وَيَفْتَرِق
الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِحِ وَغَيْرِ الصَّالِحِ. وَالَّذِي يَشْمَل الْجَمِيعِ إِرَادَة الْخَيْرِ لَهُ،
وَمَوْعِظَتِهِ بِالْحُسْنَى، وَالدُّعَاء لَهُ بِالْهِدَايَةِ، وَتَرْكِ الْإِضْرَارِ لَهُ إِلَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِب فِيهِ
الْإِضْرَار ◌َهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالَّذِي يَخُصّ الصَّالِحِ هُوَ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ، وَغَيْرِ الصَّالِحِ كَفّه
عَنِ الَّذِي يَرْتَكِبهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَب مَرَاتِب الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ،
وَيَعِظَ الْكَافِرِ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَيُبَيِّن مَحَاسِنْه وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَيَعِظُ الْفَاسِقِ
بِمَا يُنَاسِبُهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا وَيَسْتُر عَلَيْهِ زَلَله عَنْ غَيْرِهِ، وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ، فَإِنْ أَفَادَ فَبِهِ وَإِلَّا
فَيَهْجُرُهُ قَاصِدًا تَأْدِيبِه عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامِه بِالسَّبَبِ لِيَكُفّ. [الفتح ١٢٤/١٧].
٤٩٦٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً،
فَلَا يَتَنَاجِى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجِى اثْنَان دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلَ أَنْ
يُحْزِنَهُ) قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: يُقَالِ حَزَنَهُ وَأَحْزَنَهُ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ. وَالْمُنَاجَاةِ الْمُسَارَةِ.
وَانْتَجَى الْقَوْمِ، وَتَنَاجَوْا أَي: سَارَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّعْي عَنْ تَنَاجِي إِثْنَيْنِ بِحَضْرَةٍ ثَالِث، وَكَذَا ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَر
بِحَضْرَةٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَهْي تَّحْرِيمٍ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنَاجَاة دُون وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ
يَأْذَن. وَمَذْهَب اِبْن عُمَر رَضِيَ الله عَنْهُ وَمَالِك وَأَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّعْي
عَامٌ فِي كُلّ الْأَزْمَانِ، وَفِي الْحَضَرِ وَالسَّفَر.
وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ الْمُنَاجَاةِ فِي السَّفَرِ دُونِ الْحَضَرِ؛ لِأَنَّ السَّفَرِ
مَظِنَّةِ الْخُوْفِ. وَادَّعَى بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْسُوخِ وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ،
فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامِ، وَأَمِنَ النَّاس سَقَطَ النَّهْي.
وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُحْزِئُوهُمْ. أَمَّا إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةٍ،
(١) أخرجه البخاري (٥٩٣٢) ومسلم (٢١٨٤) والترمذي (٢٨٢٥) وقال: حسن صحيح، وأحمد
(٤٠٣٩) وابن ماجه (٣٧٧٥).

٦٤٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فَتَنَاجَى إِثْنَانِ دُون ◌ِثْنَيْنِ فَلَا بَأْس بِالْإِجْمَاعِ. وَاللَّه أَعْلَم. [النووي ٣٢٢/٧].
٤٩٦٦ [وَعَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) ثَلاثًا قُلْنَا:
لِمَنْ؟ قَالَ: (الله، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلَأَئِّمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
قال الأبي في ((شرح مسلم)): قوله: ((الدِّينَ النَّصِيحَةُ)) أي: عماده النصيحة.
وقال النووي: كقوله: ((الحج عرفة)) أي: معظمه.
وجعل الخطابي النصيحة في وجازة لفظها وجمعه، كلفظ: الفلاح الجامع خير
الدنيا والآخرة.
عياض: وحدَّ الصير في النصيحة بأنها فعل الشيء الذي به الصلاح، وحدها
الخطابي بأنها كلام يراد به الخير للمنصوح.
المازري: اشتقاقها من نصحت العسل إذا صفيته؛ لأن الناصح يصفي قوله من
الغش.
ويحتمل أنه من نصحت الثوب إذا خطته؛ لأن الناصح يلم خلل أخيه كما يلم
الخياط خرق الثوب بالنصاح والمنصحة أي: بالخيط والإبرة.
(قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله) الأبي: عياض: نصيحة الله تعالى الإيمان به، وبما يجب له
ويستحيل عليه، ويجوز في فعله والتزام تكاليفه، والعمل بها على الوجه المطلوب من
إخلاص وغيره. انتهى.
المناوي: بدئ بالله؛ لأن الدين له حقيقة. انتهى.
النووي: قال الخطابي: ونصيحة الله تعالى إنما ترجع إلى العبد؛ لأن الله لا غني
عن نصح الناصحین انتهى.
(١) أخرجه مسلم (٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، وأحمد (١٦٩٨٢)، والنسائي (٤١٩٧)، وابن حبان
(٤٥٧٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٥٢٦٥)، والطبراني (١٢٦٧)، وأبو عوانة (١٠١)، وابن
خزيمة في ((السياسة كما في إتحاف المهرة للحافظ)) (٢٤٥٦)، والبغوي في ((الجعديات)) (٢٦٨١)،
وابن قائع (١٠٩)، وأبو نعيم في ((المعرفة)) (١٢٩١)، وابن عساكر (٥٤).

٦٤٥
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
ويتبين ما قاله بما يأتي في تفسير نصيحة الله، فإن منفعة ذلك راجعة إلى العبد.
(وَلِرَسُولِهِ) الأبي: عياض: نصيحته ◌َله التصديق برسالته، والوقوف عند أمره
ونهيه، ونصرته حيًّا ببذل المال والنفس دونه، وميتًا بالذبِّ عن سنته، ونشرها والدعاء
إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة، ومحبة آل بيته وأصحابه، وتجنب من ابتدع في سنته
انتهى.
وثقَّى بالرسول؛ لأن الكتاب إنما تلقى بواسطته، فنصيحته فرع نصيحة الرسول
الآتي به.
(وَكِتَابِهِ) الأبي: عياض: نصحه التصديق بأنه من عند الله تعالى، ومعجزة
لرسوله و183 وتفهم معانيه والوقوف عند حدوده، وتلاوته على الوجه الذي ينبغي والذب
عنه بدفع شبه الزائغين وتحريف المبطلين. انتهى.
وثلَّث بالكتاب؛ لأنه المتضمن لشرائع الدين وأحكامه.
(وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ) الأبي: عياض: نصحهم: إرشادهم لمصالح دينهم ودنياهم
وعونهم على ذلك، وتعليم جاهلهم وتنبيه غافلهم، والذب عنهم وعن أعراضهم، وتوقير
كبيرهم ورحمة صغيرهم، وسد خللهم وترك حسدهم وغشهم، وجلب النفع إليهم ودفع
الضرر عنهم انتهى.
قدمت نصيحتهم على الخاصة من باب البداءة بالأمكن الأسهل في الأغلب،
وإن سهلت نصيحة الخاصة استحقت التقدم لأهميتها، ولتلك الأهمية قدمت في
الروايات الآتية.
(وَخَاصَّتِهِمْ) هم المراد بالأئمة. الأبي: عياض: نصيحتهم طاعتهم في الحق
وإعانتهم عليه وأمرهم به، وتذكيرهم الله تعالى، وإعلامهم بما لم يبلغهم من أمر
المسلمين، وتألف القلوب لطاعتهم.
النووي: والصلاة خلفهم والجهاد معهم، ودفع الصدقة إليهم والدعاء لهم
بالصلاح، وألا يغروا بالثناء الكاذب، هذا إن أريد بالأئمة الخلفاء وولاتهم وهو

٦٤٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
المشهور، وإن أريد به العلماء فالنصح لهم قبول روايتهم، وتقليدهم في الأحكام وحسن
الظن بهم. انتهى.
تنبيه: هذا الحديث الكريم قيل: هو أحد الأحاديث الأربعة التي هي
مدار الدين.
قال النووي: ولا يصح بل هو وحده المدار.
قال المناوي: لم يوفه حقه من جعله ربع الإسلام بل هو الكل.
تتميم: هذا الحديث في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((قال: لله وكتابه ورسوله وأئمة
المسلمین وعامتهم)».
وفي ((صحيح البخاري)) لفظه: (لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم)).
وذكره في ((الجامع الصغير)) مقتصرًا على قوله: ((الدين النصيحة)) ونسبه للبخاري
في ((التاريخ)) والبزار عن ابن عمر.
قال المناوي: بدئ أولاً بالله؛ لأن الدين له حقيقة، وثنَّى بكتابه الصادع ببيان
أحكامه المعجز ببديع نظامه، وثلَّث بما يتلو كتابه في الرتبة، وهو رسوله الهادي لدينه
الموقف على أحكامه، المفضل بحمل شريعته، وربَّع بأولي الأمر الذين هم خلفاء الأنبياء
القائمون بسنتهم، ثم خمَّس بالتعميم. انتهى.
وقد علمت أن هذا الحديث كل الدين، والمصنف - رحمه الله - أشار إلى شيء
من معانيه المندرجة تحته، وأتبعها ببعض فروعها الداخلة فيها مما يتأكد الاهتمام به،
والتنبيه عليه بحسب الداعي لذلك ككونه مما يكثر جهله، كبعض آفات العبادة أو
التساهل فيه، كالغيبة أو الغفلة عما يترتب عليه كالحلف عند البيع والشراء وهذه
إشارة إجمالية، والدواعي لا تنحصر.
قال الشيخ زروق: (وَالنَّصِيحَة لِرَسُولِهِ وَ﴿ بِاتَّبَاعٍ سُنَّتِهِ) قال ابن زكري: هي
أقواله ◌َله وأفعاله، ومنها تقريره، وقد أمر الله في كتابه باتباع نبيه وجوبًا في الواجبات،
وندبًا في المندوبات.

٦٤٧
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
(وَإِكْرَامٍ قَرَابَتِهِ) هم آله ◌َّه وقد افترض الله محبتهم، وموالاتهم في كتابه.
(وَالشَّفَقَة عَلَى أُمَّتِهِ) من البيِّن أنه بأوجهه الثلاثة الآتية من أوامره تعالى
(وَالنَّصِيحَة لِكِتَابَةَ بَتَدَبُّرِ آيَاتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَأْمُورَاتِهِ، وَتَحْسِين تِلَاوتِهِ) كل ذلك من أوامره
تعالی وأوامر رسوله چ.
فهذه الثلاثة والله أعلم - أعني: نصيحة الله ورسوله وكتابه - متحدة بحسب
الذات مختلفة بالإضافة، فمن اتبع الأوامر واجتنب النواهي من حيث إنها من الله
ويريد بذلك عبادته وقرباه عد ذلك منه نصيحة له تعالى، ومن حيث إنها واردة على
لسان الرسول 88* يريد بذلك طاعته ومرضاته عد ذلك منه نصيحة له، ومن حيث
إنها متلقاة من الكتاب مقتبسة من آياته يريد بذلك تعظيمه والتأدب بآدابه عد ذلك
منه نصيحة له، وبهذا يتضح العطف.
(والنَّصِيحَة لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالذَّبِ - أي: بِالدَّفْعِ .. عَنْ أَعْرَاضِهِمْ) بألا يقع
فيها ولا يترك من يقع فيها إن قدر.
(وَإِقَامَةِ حُرْمَتِهِمْ) بألا يتعرض لنفوسهم ولا لأعراضهم ولا لأموالهم.
(وَالنَّصْرَةِ لَمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ) ظالمين كانوا أو مظلومين والنصرة للظالمين
بالأخذ على أیدیھم.
وقوله: (جَلْبًا) أي: لمنافعهم.
(وَدَفْعًا) [أي] (ب): لمضارهم، منصوبان على نزع الخافض؛ أي: بالجلب والدفع،
وهذه الثلاثة بعض أوامره تعالى وأوامر الرسول والكتاب خصت بالذكر تأكيدًا لينتبه
لها بخصوصها.
(وَالنَّصِيحَةِ لخَاصَّتِهِمْ) وهم الأمراء والعلماء والفقراء.
(بِالطّاعةِ للأُمَرَاءِ) أي: الانقياد لهم في أوامرهم ونواهيهم.
(إِلَّا فِي مُحرَّمِ مُجْمَع عَلَيْهِ) كقتل النفس وشرب الخمر فتحرم طاعتهم فيه.
(وَالتَّصْدِيقِ للعُلَمَاءِ إِلَّ فِيمَا لَا يَهْدِي العَلْمُ إِلَيْهِ) بألا يكون موافقًا مقتضى

٦٤٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الكتاب والسنة.
(وَللفُقَرَاءِ بِالتَّسْلِيمِ فِيمَا لَا إِنْكَارِ يَجِبُ عَلَيْهِ) أي: لأجله احترز به مما يجب
إنكاره فإنه ينكر عليهم مع اعتقاد كمالهم.
واعلم أن من قام بالنصرة المذكورة كان ذلك سببًا لنصرة الله تعالى له.
قال في ((المدخل)): قال علماؤنا رحمة الله عليهم في قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللهَ
يَنصُرْكُمْ وَيُثَّبِّتْ أُقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] نصر العبد لربه هو اتباع أمره واجتناب
نهيه فإذا فعل ذلك كان سببًا لنصرة الله تعالى وأمنه مما يخافه انتهى. [شرح النصيحة
الكافية للشيخ زروق للعلامة ابن زكري].
٤٩٦٧ - [وعَنْ جَرِيرٍ بن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ((بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ عَلَى إِقَامِ
الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْجِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
قال النووي: إِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَى الصَّلاة وَالزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا قَرِينَتَيْنِ، وَهُمَا أَهَمّ أَرْكَان
الْإِسْلَامِ بَعْد الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَظْهَرهَا. وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ لِدُخُولِهَا فِي السَّمْع وَالطَّاعَةِ.
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثٍ جَرِيرٍ مَنْقَبَةٍ وَمَكْرُمَة ◌ِجَرِيرٍ عَلُهُ رَوَاهَا الْحَافِظِ أَبُو الْقَاسِم
الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ. اِخْتِصَارُهَا: أَنَّ جَرِيرًا أَمَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فَرَسًا فَاشْتَرَى لَهُ فَرَسًا
بِثَلَائِمِائَةِ دِرْهَم، وَجَاءَ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ لِيَنْقُدَهُ الثَّمَنَ، فَقَالَ جَرِيرٍ لِصَاحِبِ الْفَرَس: فَرَسُك
خَيْرُ مِنْ ثَلَائِمِائَةِ دِرْهَم. أَتَبِيعُهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمْ؟ قَالَ ذَلِكَ إِلَيْك يَا أَبَا عَبْد الله. فَقَالَ:
فَرَسُكِ خَيْرِ مِنْ ذَلِكَ. أَتَبِيعُهُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَم؟ ثُمَّ لَمْ يَزُلْ يَزِيدُهُ مِائَة، فَمِائَة، وَصَاحِبِه
يَرْضَى، وَجَرِيرٌ يَقُول: فَرَسَك خَيْرِ إِلَى أَنْ بَلَغَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَاشْتَرَاهُ بِهَا. فَقِيلَ لَهُ فِي
ذَلِكَ، فَقَالَ: إِّ بَايَعْتِ رَسُول اللّه ◌َّهِ عَلَى النُّصْحِ لِكُلٌّ مُسْلِمٍ. والله أَعْلَم.
الفصل الثاني
٤٩٦٨ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصادق الصدوقَِلَ يَقُولُ: ((لَا
(١) أخرجه البخاري (٥٢٤)، ومسلم (٢٠٨).

٦٤٩
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيّ). رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي](١).
٤٩٦٩ - [وعَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾: «الرَّاحِمُونَ
يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنِ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُم مَنْ فِي السَّمَاءِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِي ](٤).
(الرَّاحِمُونَ) أي: لِمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ آدَمِيّ وَحَيَوَان لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ
وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ (يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَن) أي: يُحْسِن إِلَيْهِمْ وَيَتَفَضَّل عَلَيْهِمْ. وَالرَّحْمَة مُقَيَّدَة
بِتِّبَاعِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّة، فَإِقَامَة الْحُدُود وَالإِنْتِقَامِ لِحُرْمَةِ الله تَعَالَى لَا يُنَافِي كُلّ مِنْهُمَا
الرَّحْمَةِ (ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ) بِالْجُزْمِ جَوَاب الْأَمْرِ (يَرْحَمْكُم مَنْ فِي السَّمَاءِ) هُوَ الله
تَعَالَی.
وَفِي السِّرَاجِ الْمُنِير: وَقَدْ رُوِيَ بِلَفْظِ: ((إِرْحَمُوا أَهْلِ الْأَرْضِ يَرْحَمَكُمْ أَهْلِ السَّمَاءِ»
وَالْمُرَاد بِأَهْلِ السَّمَاءِ الْمَلَائِكَة وَمَعْنَى رَحْمَتهمْ لِأَهْلِ الْأَرْضِ دُعَاؤُهُمْ لَهُمْ بِالرَّحْمَةِ
وَالْمَغْفِرَة.
٤٩٧٠ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ
صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَفِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ:
هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيْبٌ](٣).
٤٩٧١ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رسول الله وََّ: «مَا أَكْرَمَ شَابُّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٤٢) والترمذي (١٩٢٣) وقال: حسن، وأحمد (٧٩٨٨) وابن حبان (٤٦٦)
والبيهقي (١٦٤٢٠) والطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٥٣)، والحاكم (٧٦٣٢) وقال: صحيح الإسناد،
والطيالسي (٢٥٢٩) وابن أبي شيبة (٢٥٣٦٠) وأبو يعلى (٦١٤١) والخطيب (١٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٩٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) وقال: حسن
صحيح، وأحمد (٦٤٩٤)، والبيهقي (١٧٦٨٣) وفي (شعب الإيمان)) (١١٠٤٨)، والحاكم (٧٢٧٤)،
والحميدي (٥٩١)، والديلمي (٣٣٢٨).
(٣) أخرجه الترمذي (١٩٢١)، وأحمد (٢٣٢٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٩٨٠)، والطبراني
(١١٠٨٣).

٦٥٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
سِنِّهِ إِلا قَيَّضَ اللهُ لَهُ عِنْدِ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](١).
٤٩٧٢ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهُ إِكْرَامَ ذِي
الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلا الْخَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ السُّلْطَانِ
الْمُقْسِطِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالْبَيْهَقِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢).
٤٩٧٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: «خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ
بَيْتُ فِيهِ يَتِيمُ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِینَ بَيْتُ فِيهِ یَتِیمُ يُسَاءُ إِلَيْهِ». رَوَاهُ ابْن
مَاجَه ](٣).
٤٩٧٤ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾: ((مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ
يَمْسَحْهُ إِلَّا للهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تمرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتُ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ
يَتِيِمِ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنٍ)) وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي
وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ](٤).
٤٩٧٥ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ: «مَنْ آوَى يَتِيمًا إِلَى طَعَامِهِ
وَشَرَابِهِ، أَوْجَبَ اللهُ لَهُ الْجَنَّةَ الْبَّةَ، إِلَّ أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرِ، وَمَنْ عَالَ ثَلاثَ بَنَاتٍ أَوْ
مِثْلَهُنَّ مِنَ الأَخَوَاتِ، فَأَذَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللهُ، أَوْجَبَ اللهُ لَهُ الْجَنَّةَ)) فَقَالَ
رَجُلُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ، حَتَّى لَوْ قَالُوا: أَوَ وَاحِدَةً؟ لَقَالَ: وَاحِدَةً
((وَمَنْ أَذْهَبَ اللهُ بِكَرِيمَتَيْهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَال:
(عَيْنَاهُ)) رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))](٥).
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٢٢) وقال: غريب.
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٥٧)، وأبو داود (٤٨٤٣)، والترمذي (٢٠٢٢) وقال: غريب،
والبيهقي (١٦٤٣٥)، وابن المبارك (٣٨٨)، وابن أبي شيبة (٣٢٥٦١).
(٣) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)» (١٣٧)، وابن ماجه (٣٦٧٩)، وابن المبارك (٦٥٤)، وعبد بن
حميد (١٤٦٧).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٢٠٧) وابن المبارك (٦٥٥) والطبراني (٧٨٢١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٧٩).
(٥) أخرجه البغوي (٢٨٥/٦).

٦٥١
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
٤٩٧٦ - [وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: (لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ
خَيْرُ لهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبُ وَنَاصَحَ الرَّاوِي
لَيْسَ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيْثِ بِالقَوِي ](١).
٤٩٧٧ - [وعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِهْ قَالَ: «مَا
تَحَلَ وَالِدَّ وَلَدَهُ مِنْ تُحْلِ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَالْبَيْهَِي فِي («شُعَبِ
الإِيْمَانِ)) وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا عِنْدِي حَدِيْث مُرْسَل](٩).
٤٩٧٨ - [وَعَنْ عَوْفٍ بن مَالِكِ الأشْجَعِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَ: ((أَنَا وَامْرَأَةٌ
سَفْعَاءُ الْخَذَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمِ القِيَامَةِ) وَأُوْمَأْ يَزِيْدِ بْن ذُرَيْع إِلى الْوُسْطَى وَالسَّبَابَةِ ((امْرَأَةُ
آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتَ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يتاماهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُو)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ](٣).
(أَنَا وَامْرَأَةَ سَفْعَاءِ الْخَدَّيْنِ) أي: مُتَغَيِّرَة لَوْن الْخَدَّيْنِ لِمَا يُكَابِدِهَا مِن الْمَشَقَّة
وَالضَّنْكِ. قَالَ الْخَطَّبِيُّ: السَّفْعَاءِ هِيَ الَّتِي تَغَيَّرَ لَوْنِهَا إِلَى الْكُمُودَةِ وَالسَّوَاد مِنْ ظُول
الْأَيْمَة كَأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ سَفْعِ النَّار وَهُوَ أَنْ يُصِيب لَفْحِهَا سَيِّئًا فَيَسْوَدّ مَكَانه، يُرِيد
بِذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلَامِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَة قَدْ حَبَسَتْ نَفْسِهَا عَلَى أَوْلَادَهَا وَلَمْ تَتَزَوَّج فَتَحْتَاج
إِلَى أَنْ تَتَزَّيَّن وَتَصْنَعَ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا، اِنْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخِ عَبْد الْحَقّ الدَّهْلَوِيُّ: السَّفْعَة بِضَمِّ الْمُهْمَلَة نَوْعِ مِن السَّوَاد لَيْسَ
بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ هُوَ سَوَادٍ مَعَ لَوْنِ آخَرِ. وَفِي الصِّحَاحِ سَوَادٍ مُشْرَب بِالْخُمْرَةِ أَرَادَ أَنَّهَا
بَذَلَتْ نَفْسِهَا لِأَوْلَادِهَا وَتَرَكَت الزِّينَةِ وَالثََّفُّهُ حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنِهَا مِن الْمَشَقَّة إِقَامَة عَلَى
(١) أخرجه الترمذي (١٩٥١)، وقال: غريب.
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٣٥٦) والترمذي (١٩٥٢) وقال: غريب، وهذا عندي
حديث مرسل، وأحمد (١٥٤٣٩) والبيهقي (٢١٠٦) وفى ((شعب الإيمان)) (٨٦٥٣) وعبد بن حميد
(٣٦٢) وابن قانع (٢٦١/١)، والحاكم (٧٦٧٩) وقال: صحيح الإسناد، والعقيلي (٣٠٨/٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٤٩) وأحمد (٢٤٠٥٢) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٦٨٠).

٦٥٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَلَدِهَا بَعْد وَفَاة زَوْجِهَا، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِلْقَةِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ذَات مَنْصِب
وَجَمال.
(كَهَاتَيْنِ) أي: مِنِ الْأُصْبُعَيْنِ فَإِنْ قُلْت دَرَجَات الْأَنْبِيَاء أَعْلَى مِنْ دَرَجَات سَائِر
الْخُلْقِ لَا سِيَّمَا دَرَجَة نَبِيّنَا وَلِّلَا يَنَالَهَا أَحَد.
قُلْت: الْغَرَضِ مِنْهُ الْمُبَالَغَةِ فِي رَفْع دَرَجَته فِي الْجَنَّة وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنِ الْأُصْبُعَيْنِ
إِشَارَةٍ إِلَى النَّفَاؤُتِ بَيْنِ دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم السَّلَامِ . وَآَحَاد الْأُمَّة قَالَهُ السُّيُوطِيُّ فِي
((مِرْقَاة الصُّعُودِ)).
قُلْت: وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ: ((وَفَرَّجَ بَيْنِهمَا)) [عون ١٨٩/١١].
٤٩٧٩ - [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ
يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَّدَهُ عَلَيْهَا - يَعْنِي: الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد ](١).
٤٩٨٠ - [وعَنْ أُنَسِ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: «مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ، وَهُوَّ
يِقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ، فَنَصَرَهُ نَصَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصِرُهُ أَدْرَكَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ)). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))](٢).
٤٩٨١ [وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ ذَبَّ عَنْ لَخْمِ
أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللّه أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ البَيْهَقِي فِي: («شُعَبِ
الإِيْمَانِ)](٣).
٤٩٨٢ [وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ آل﴿ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ
(١) أخرجه أبو داود (٥١٤٦)، وأحمد (١٩٥٧)، وابن أبي شيبة (٢٥٤٣٥)، والحاكم (٧٣٤٨) وقال:
صحيح الإسناد.
(٢) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٣٣٠/٦).
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٦٥٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٤٢)، والطبراني (٤٤٢)، وابن المبارك
(٦٨٧)، وقال الهيثمي (٩٥/٨) إِسناده حسن، والطيالسي (١٦٣٢)، وعبد بن حميد (١٥٧٩)، وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٦٧/٦)، والرافعي (٢٦١/١)، والديلمي (٥٦٦٧).

٦٥٣
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلا كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ثُمَّ تَلا هَذِهِ
الآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))](١).
٤٩٨٣ - [وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّنَّه قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأْ مُسْلِماً فِي
مَوْضِعِ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّ خَذَلَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ
فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً فِي مَوْضعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ
مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنِ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ](؟).
٤٩٨٤ - [وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا
كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُودَةً». رَوَاهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِي](٣).
٤٩٨٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ:((إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةٌ أَخِيهِ فَإِنْ
رَأَى بِهِ أَذِّى فَلْيُمِظْهُ عَنْهُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَضَعَّفْهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلأَبِي دَاوُد: «الْمُؤْمِنُ
مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ)](٤).
(الْمُؤْمِن مِرْآة الْمُؤْمِن) بِكَسْرٍ مِيمٍ وَمَدّ هَمْز أي: آلَة لإِرَاءَةٍ مَحَاسِن أَخِيهِ
وَمَعَائِهِ لَكِنْ بَيْنِه وَبَيْنه، فَإِنَّ النَّصِيحَة فِي الْمَلَأَ فَضِيحَة، وَأَيْضًا هُوَ يُرِي مِنْ أَخِيهِ مَا
لَا يَرَاهُ مِنْ نَفْسِه، كَمَا يَرْسُم فِي الْمِرْآة مَا هُوَ مُخْتَفٍ عَنْ صَاحِبه فَيَرَاهُ فِيهَا، أي: إِنَّمَا
يَعْلَمِ الشَّخْص عَيْبِ نَفْسِه بِإِعْلَامِ أَخِيهِ كَمَا يَعْلَم خَلَل وَجْهِه بِالنَّظَرِ فِي الْمِرْآة
(يَكُفّ عَلَيْهِ ضَيْعَته) أي: يَمْنَع تَلَفه وَخُسْرَانه، فَهُوَ مَرَّة مِن الضَّيَاعِ.
وَقَالَ فِي ((النَّهَايَة)): وَضَيْعَة الرَّجُلِ مَا يَكُون مِنْ مَعَاشِه كَالصَّنْعَةِ وَالتِّجَارَة
(١) أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (٣٢٩/٦).
(٢) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٤٧/١)، وأبو داود (٤٨٨٤)، وأحمد (١٦٤١٥)، والطبراني
(٤٧٣٥)، والبيهقي (١٦٤٥٩)، وابن المبارك (٦٩٦).
(٣) أخرجه البخاري في ((الأدب)) (٧٥٨)، وأبو داود (٤٨٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٨١)،
والبيهقي (١٧٣٨٧)، والطبراني (٨٨٣)، والحاكم (٨١٦٢) وقال: صحيح الإسناد، ولم أقف
عليه عند الترمذي.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩١٨)، والترمذي (١٩٢٩).

٦٥٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَالزِّرَاعَة وَغَيْرِ ذَلِكَ أي: يَجْمَع ◌ِلَيْهِ مَعِيشَته وَيَضُمّهَا لَهُ (وَيَخُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ) أي:
يَحْفَظُهُ وَيَصُونَهُ وَيَذُبّ عَنْهُ بِقَدْرِ الطَّاقَة.
٤٩٨٦ - [ وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ
مُنَافِقِ بَعَثَ اللهُ مَلَكَّا يَحْيِي لَخْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارٍ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ
يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(١).
(مَنْ حَتَى) مِنِ الْحِمَايَة أي: حَرَسَ وَحَفِظَ (مُؤْمِنًا) أي: عِرْضه (مِنْ مُنَافِقٍ)
أي: مُغْتَاب، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُنَافِقًا لِأَنَّهُ لَا يُظهِر عَيْب أَخِيهِ عِنْدِه لِيَتَدَارَكِ بَلْ يَظْهَرِ عِنْده
خِلَاف ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ يَظْهَرِ النَّصِيحَة وَيُبْطِنِ الْفَضِيحَةِ (يَحْيِي ◌َخْمه) أي: لَم حَامِي
الْمُؤْمِنِ (وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا) أي: قَذَفَهُ (بِشَيْءٍ) أي: مِن الْعُيُوبِ (يُرِيد شَيْنه) أي: عَيْبه
(بِهِ) أي: بِذَلِكَ الشَّيْء، وَالْجُمْلَة حَال مِن الضَّمِیر لِلاحْتِرَازِ عَمَّنْ يُرِيد ◌ِهِ زَجْره أَو
إِحْتِرَاس غَيْرِهِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْمُجَوَّزَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. (حَبَسَهُ الله) أَوْ وَقَفَهُ (حَتَّى
يَخْرُج مِمَّا قَالَ) أي: مِنْ عُهْدَته.
وَالْمَعْنَى حَتَّى يُنَقَّى مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ بِإِرْضَاءِ خَصْمِه أَوْ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِتَعْذِیبِهِ بِقَدْرٍ
ذَنْبه.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: سَهْلِ بْنِ مُعَاذ يُكَتَّى أَبًا أَنَس مِصْرِيّ ضَعِيف. وَأَخْرَجَ هَذَا
الْحَدِيث أَبُو سَعِيد بْن يُونُس فِي تَارِيخ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ رِوَايَة عَبْد الله بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ
يَحَْى بْن أَيُّوب وَقَالَ اِبْنِ يُونُس لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا أَعْلَم بِمِصْر. [عون ٤٠٧/١٠].
٤٩٨٧ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رسول الله مَ﴾: ((خَيْرُ الأَصْحَابِ
عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ ◌ِجَارِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِي
وَالدَّارِمِي وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنُّ غَرِيْبُ(٢).
(١) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٧٧/١) وأبو داود (٤٨٨٣) وأحمد (١٥٦٨٧)، والطبراني
(٤٣٣)، وابن المبارك (٦٨٦).
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٥)، والترمذي (١٩٤٤)، وأحمد (٦٥٦٦)، والبيهقي في
=

٦٥٥
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
(خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ الله خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ) الصاحب يقع على الأدنى والأعلى
والمساوي في صحبة دين أو دنيا سفرًا أو حضرًا، فخيرهم عند الله منزلة وثوابًا فيما
اصطحبا أكثرهما نفعًا لصاحبه وإن كان الآخر قد يفضله في خصائص أخر. [فيض ٢/
٦٢٤].
٤٩٨٨ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلُّ لِلنَّبِيِ: ((يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ لِي أَنْ
أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ
أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ)). رَوَاهُ ابْنِ
مَاجَە](١).
قال القاري: فيه إشارة إلى أن ألسنة الخلق أقلام الحق.
٤٩٨٩ - [وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ:(أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد](٢).
(أَنْزِلُوا النَّاسِ مَنَازِلهُمْ) أي: عَامِلُوا كُلّ أَحَدٍ بِمَا يُلَائِمِ مَنْصِبِهِ فِي الدِّينِ وَالْعِلْم
وَالشَّرَف.
قَالَ الْعَزِيزِيُّ: وَالْمُرَاد بِالْحَدِيثِ الْحَضّ عَلَى مُرَاعَاة مَقَادِيرِ النَّاسِ وَمَرَاتِهِمْ
وَمَنَاصِبِهِمْ وَتَفْضِيل بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَجَالِس وَفِي الْقِيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْحُقُوقِ.
الفصل الثالث
٤٩٩٠ - [عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي قُرَاد، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ تَوَضَّأْ يَوْمًا فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ
يَتَمَسَّحُونَ بِوُضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُم النَّبِيُّ ◌ََّ: ((مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟)) قَالُوا: حُبُّ الله
=
(«الشعب» (٩٥٤١)، والدارمي (٢٤٣٧)، وابن حبان (٥١٨)، والحاكم (١٦٢٠) وقال: صحيح على
شرط الشيخين، وسعيد بن منصور (٢٣٨٨)، وعبد بن حميد (٣٤٢)، وابن خزيمة (٢٥٣٩)،
والقضاعي (١٢٣٥)، والديلمي (٢٨٨٧).
(١) أخرجه أحمد (٣٨٠٨)، وابن ماجه (٤٢٢٣)، والطبراني (١٠٤٣٣)، والبيهقي (٢٠١٨٣)، قال
البوصيري: (٢٤٢/٤) هذا إسناد صحيح، قال الهيثمي (٢٧١/١٠) رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٤).

٦٥٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ يُحِبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَلْيَصْدُقْ
حَدِيْتُهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ، وَلْيُحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَه)](١).
٤٩٩١. [وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ
بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعُّ إِلَى جَنْبِهِ)). رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))] (٢).
٤٩٩٢ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ تَذْكُرُ مِنْ كَثْرَةِ
صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَها بِلِسَانِهَا قَالَ: ((هِيَ فِي النَّارِ)) قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ تَذْكُرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِلأَنْوَارِ
مِنَ الأَّقِطِ وَلَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا قَالَ: ((هِيَ فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ أَحْمَد وَالبَيْهَقِي فِي:
(شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٣).
٤٩٩٣ - [وعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ وَقَفَ عَلَى نَاسِ جُلُوسِ فَقَالَ: «أَا
أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟)) قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ رَجُلُّ: بَلَى
يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، فَقَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ،
وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُُّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَالبَيْهَقِي فِي: «شُعَبِ
الإِيْمَانِ) وَقَالَ التِّرْمِذِي: هَذَا حَدِيْثُ حَسَنُّ صَحِيحٌ](٤).
٤٩٩٤ - [وعَن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَسَمَ
بَيْنَكُمْ أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، إِنَّ اللّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ
وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي
(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (١٥٣٣).
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٢)، والبيهقي (١٩٤٥٢)، وفي ((شعب الإيمان)) (٣٣٨٩)،
والطبراني (١٢٧٤١)، وأبو يعلى (٢٦٩٩)، وقال الهيثمي (١٦٧/٨) رجاله ثقات، والحاكم (٧٣٠٧)
وقال: صحيح الإسناد، والخطيب (٣٩١/١٠).
(٣) أخرجه أحمد (٩٩٢٦) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩٥٤٥).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٢٦٣) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٨٧٩٨)، وابن حبان (٥٢٨)، والبيهقي
في ((شعب الإيمان)» (١١٢٦٨).

٦٥٧
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسْلِمُ عَبْدُ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ
بَوَائِقَهُ))](١).
(إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ) أي قدر
أخلاقًا لخلقه فيما يتخلفون فيها يتخلفون كل على حسب ما قدر له كما قدر الأرزاق
فأعطى كلًّا من عباده ما يليق به في الحكمة.
وكما قدر فيهم رحمة واحدة فقسمها بينهم على التفاوت فيها يتراحمون. [الفيض
٣٦٣/١].
٤٩٩٥ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ مَأْلَفُّ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ
لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ)). رَوَاهُمَا أَحْمَد وَالْبَيْهَِي فِي: ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](٢).
٤٩٩٦ - [وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «مَنْ قَضَى لِأحَدٍ مِنْ أمَّتِي حَاجَةٍ
يُرِيْدِ أنْ يَسُرَّهُ بِهَا فَقَدْ سَرَّبِي، وَمَنْ سَرَّبِي فَقَدْ سَرَّ الله وَمَنْ سَرَّ اللّه أَدْخَلَهُ اللهُ
الجنَّة))](٣).
٤٩٩٧ [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِوَِّ: (مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا كَتَبَ اللّهُ لَهُ ثَلاثًا
وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةٍ: وَاحِدَةً فِيْهَا صَلاحُ أَمْرِهِ كُلُّه، وَثْنَتَانِ وَسَبْعِونَ لهُ دَرَجَاتِ يَوْمَ
القِيَامَةِ](٤).
٤٩٩٨ - ٤٩٩٩ [وعَنْهُ، وعن عبد الله قالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: «الْخَلْقُ
(١) أخرجه أحمد (٣٦٧٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٥٢٤)، والحاكم (٧٣٠١) وقال: صحيح
الإسناد، وقال الهيثمي (٥٣/١) رجال إسناده بعضهم مستور وأكثرهم ثقات، والعدني في
((الإيمان)) (٦٤) بتحقيقنا.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٨٩١) والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٨٩٦)، والطبراني (٥٧٤٤)، والروياني
(١٠٤٨).
(٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٥٣).
(٤) أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٥٠/٣)، والبيهقي في شعب الإيمان)) (٧٦٧٠)، وابن أبي
الدنيا في ((قضاء الحوائج)) (٩٦)، والعقيلي (٥٢٤)، والخطيب (٤١/٦).

٦٥٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
عِيَالُ اللهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللّه مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ). رَوَى البَيْهَفِي الأَحَادِيث
الثَّلاثَةِ فِي: (شُعَبِ الإِيْمَانِ))](١).
(الْخَلْقُ عِيَالُ الله) عيال المرء بكسر العين، من يعوله، ويقوم برزقه وإنفاقه
وهو بالنسبة إلى غيره مجاز صورة، وإلا فهو الرزاق كما أنه هو الخلاق.
٥٠٠٠ - [وعَنْ عُقْبَةَ بن عَامٍِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: (أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ جَارَانٍ)). رَوَاهُ أَحْمَد](٤).
٥٠٠١ [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ نَلِ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: «امْسَحْ
رَأْسَ الْتَقِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ)). رَوَاهُ أَحْمَد ](٣).
٥٠٠٢ - [وعَنْ سُرَاقَةَ بن مَالِكٍ، أَنّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: «أَلا أَدُلُّكُم عَلَى أَفْضَلِ
الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ مَرْدُودَةُ إِلَيْكَ، لَيْسَ لَهَا كَاسِبُّ غَيْرُكَ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٤).
(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٤٤٥)، وأبو يعلى (٣٣١٥)، والهيثمي (١٩١/٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٤١٠)، والطبراني (٨٣٦)، والهيثمي (١٧٠/٨).
(٣) أخرجه أحمد (٩٠٠٦)، والهيثمي (١٦٠/٨).
(٤) أخرجه أحمد (١٧٦٢٢)، وابن ماجه (٣٦٦٧)، والطبراني (٦٥٩٢)، والحاكم (٧٣٤٥) وقال:
صحيح على شرط مسلم.

باب الحب في الله ومن الله
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﴾ في ((رسالته))(١): المحبة حالة شريفة، ولا
توصف المحبة بوصف ولا تحدّ بحد أوضح ولا أقرب إلى الفهم من المحبة، وقال ابن
مسروق: رأيت سمنونًا يتكلم في المحبة فتكسرت قناديل المسجد كلها، وقال
إبراهيم بن فاتك: سمعت سمنونًا وهو جالس في المسجد يتكلم في المحبة، إذ جاء طير
صغير فقرب منه، ثم قرب فلم يزل يدنو حتى جلس على يده، ثم ضرب بمنقاره الأرض
حتى سال منه الدم ثم مات، وكان سمنون يقدّم المحبة على المعرفة، والأكثرون يقدمون
المعرفة على المحبة. وقال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم
فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنًّا فقالوا: هات ما عندك يا عراقي، فأطرق
رأسه ودمعت عيناه، ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء
حقوقه، ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هويته، وصفا شربه من كأس وده،
وانكشف له الجبار من أستار غيبه؛ فإن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك
فأمر الله، وإن سكن فمع الله؛ فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ، وقالوا: ما على
هذا مزید، جبرك الله يا تاج العارفین، انتهى.
وقال ابن عطاء الله في ((لطائف المنن)): اعلم أن المحبة هي من أجلّ مقامات
اليقين، حتى اختلف أهل الله أيهما أتم مقام المحبة أو مقام الرضا، وإن كان الذي
نقول به أن مقام الرضا أتم؛ لأن المحبة ربما حكم سلطانها على المحب، وقوي عليه
وجود الشغف، فأداه ذلك إلى طلب ما لا يليق بمقامه، ألا يرى أن المحب يريد دوام
شهود الحبيب، والراضي عن الله راضٍ عنه أشهده أم حجبه، المحب يحب دوام
الوصلة، والراضي عن الله راضٍ وصله أو قطعه؛ إذ هو ليس مع ما يريد لنفسه، بل
(١) في (ص١٤٣).
- ٦٥٩ -

٦٦٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
إنما هو مع ما يريد الله له، والمحب طالب لدوام مراسلة الحبيب، والراضي لا طلب له،
انتهى المراد منه مختصرًا.
وقال الشيخ أحمد شهاب الدين القسطلاني في كتابه ((المواهب اللدنية)) في
المقصد السابع: اعلم أن المحبة، كما قال صاحب ((المدارج)): هي المنزلة التي يتنافس
فيها المتنافسون، وإليها يشخص العاملون، وإلى علمها شمّر السابقون، وعليها تفانى
المحبون، وبروح نسيمها تروّح العابدون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة
العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو
في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من
لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال
التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم
يكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس، وتوصل إلى منازل لم يكونوا أبدًا بدونها واصليها،
وتبوئهم من مقاعد الصدق إلى مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها، وهي مطايا
القوم التي سُراهم في ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى
منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من معية
محبوبهم أوفر نصيب، وقد قدَّر الله يوم قدّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة:
أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة! لقد سبق القوم السعاة
وهم على ظهور الفرش نائمون، ولقد تقدم الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون،
أجابوا مؤذن الشوق إذ نادى حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى
محبوبهم، وكان بذلهم بالرضا والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح،
انتهى.
وقال أبو المواهب الشاذلي ه في ((قوانين الحكم)): حقيقة: المحبة نار تحرق
الأكباد ولوعة تنمو وتزداد. حقيقة: المحبة كتمان سر المحبوب فيما تجلى على المحب
من مشاهدة الغيوب. حقيقة: المحبة خلاص جوهر الروح من الأعراض، وفناء النفس

٦٦١
كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله
من الحظوظ والأغراض، المحبة الحقيقة جذبة اضطرارية غير اختيارية، انتهى
مختصرًا(١).
وقال الشيخ الأكبري محيي الدين بن العربي ه في ((فتوحاته المكية)»(٢) في الباب
الثامن والسبعين ومائة: اعلم - وفقك الله - أن الحب مقام إلهي؛ فإنه وصف به
نفسه وتسمى بالودود وفي الخبر بالمحب، ومما أوحى الله به إلى موسى القفيها في التوراة: يا
ابن آدم إني وحقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبًّا، وقد وردت المحبة في القرآن
والسنة في حق الله وفي حق المخلوقين، فقال الله تعالى لنبيه * آمرًا أن يقول لنا:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ [آل عمران:٣١] وقال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللُّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[المائدة: ٥٤].
والمحبة الواردة في القرآن كثيرة.
وأما الأخبار فقوله وَل﴿ عن الله أنه قال: «كنتُ كنزًا مخفيًّا لم أُعرف، فأحببتُ
أن أُعرف فخلقتُ خلقًا، وتعرّفتُ إليهم، فبي عرفوني))(٣) فما خلقنا إلا له.
قلت: قوله: ((في)) من حيث حساب الجُمَّل اثنان وتسعون، وعدد حساب اسم
(محمد) كذلك، فالمعنى من باب الإشارة: فبمحمد وَّه ((عرفوني)) أو المراد: فبظهوري
عرفوني، وهو ټ أول مظهر.
وأورد بعضهم: أن الخفاء من الأمور النسبية لا بد فيه من مخفي ومخفي علیه،
ولا يجوز أن يكون المخفيّ عليه هو الله تعالى؛ لأنه تعالى ظاهر بنفسه لنفسه عالم
بذاته أزلاً وأبدًا، ولا يجوز أيضًا أن يكون هو الخلق؛ لأنهم لم يكونوا موجودين في
الأزل حتى يكون الحق مخفيًّا عليهم.
(١) في (ص١٤٣) بتحقيقنا.
(٢) في (٢٩٦/٧).
(٣) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (١٧٣/٢).

٦٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وقال بعضهم: معنى قوله: ((فخلقت خلقًا)) أي: قدرت أعيانًا تقديرية، فتعرفت
إليهم بجلالي وجمالي، ودللتهم عليَّ، فبي مني إليهم عرفوني، وكان هذا التعريف بلسان
ترجمان القدم، وهو الحقيقة المحمدية التي هي أصل الكل.
قال الشيخ في ((الفتوحات))(١) عن هذا الحديث: هو الصحيح كشفًّا، الغير الثابت
نقلاً عن رسول الله لو عن ربه ملك، انتهى.
وقال الشيخ الجيلي في ((كمالاته)(٢): هذا حديث صحيح من طريق الكشف،
ضعيف من طريق الإسناد، وقد أجمع المحققون على صحته، وذكره غير واحد منهم في
مصنفاته، انتهى.
ثم قال الشيخ محي الدين: قال رسول الله وَل﴾: ((إن الله يقول: ما تقرب
المتقربون بأحب إليَّ من أداء ما افترضته عليهم، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل
حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به))(٣) وألطف
ما في الحب ما وجدته، وهو أن تجد عشقًا مفرطًا، وهوى وشوقًا مقلقًا، وغرامًا ونحولاً،
وامتناع نوم ولذة بطعام، ولا يدري فيمن ولا بمن ولا يتبين لك محبوبك، وهذا ألطف
ما يكون من المحبة، ودونه وهو حب الحب، وهو الشغل بالحب عن متعلقه، جاءت
ليلى إلى قيس وهو يصيح ليلى ليلى، ويأخذ الجليد ويلقيه على فؤاده فتذيبه حرارة
الفؤاد، فسلّمت عليه، وهو في تلك الحال، فقالت له: أنا مطلوبك، أنا بغيتك، أنا
محبوبك، أنا قرّة عينك، أنا ليلى! فالتفت إليها وقال: إليك عني فإن حبك شغلني عنك.
وهذا ألطف ما يكون وأرق ما في المحبة، ولكن هو دون ما ذكرناه في اللطف.
واعلم أن كل حب لا يحكم، على صاحبه بحيث أن يصمّه عن كل مسموع سوى ما
یسمع من كلام محبوبه، ویعمیه عن کل منظور سوی وجه محبوبه، ويخرسه عن كل كلام
(١) في (ص١٨).
(٢) في (٥٦/٤).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٨٤/٥)، وابن حبان (٥٨/٢).