Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢٣
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
كَانَ أَحَدِهمَا ذَكَرًا وَالْآخَرِ أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتهمَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُل أولاد الْأَعْمَامِ
وَلَا أولاد الْأَخْوَالِ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلِ بِتَحْرِيمِ الْجُمْعِ بَيْنِ الْمَرْأَةَ وَعَمَّتَهَا أو خَالَتِهَا فِي
النَّكَاحِ وَنحوه، وَجَوَازِ ذَلِكَ فِي بَنَات الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَال.
وَقِيلَ: هو عَامّ فِي كُلّ رَحِم مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمِيرَاث، يَسْتَوِي الْمَحْرَمِ وَغَيْره،
وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلِهِ وَله: (ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك)) هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي هو
الصَّوَاب.
٤٩٢٢ - [وَعَنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ)».
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٩٢٣ - [وَعَن ابن عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: (لَيْسَ الواصِلُ بِالْمُكَافِئِ،
وَلَكِنَّ الواصِلَ مَنْ إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)). رَوَاهُ البُخَارِي)(٢).
٤٩٢٤ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ
وَيَقْطَعُونِي، وَأَحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((لَئِنْ كُنْتَ
كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِقُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللّه ظَهِيرٌّ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى
ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣).
الفصل الثاني
٤٩٢٥ - [عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةَ: ((لا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ، وَلا يَزِيدُ
فِي الْعُمُرِ إِلا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٤).
(١) أخرجه البخاري (٥٦٣٨)، ومسلم (٢٥٥٦)، وأحمد (١٦٧٧٨)، والترمذي (١٩٠٩) وقال: حسن
صحیح. وابن حبان (٤٥٤)، والطبراني (١٥١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٤٥)، وأحمد (٦٥٢٤)، وابن حبان (٤٤٥)، وأبو داود (١٦٩٧)، والترمذي
(١٩٠٨) وقال: حسن صحيح. والبيهقي (١٢٩٩٨)، والحميدي (٥٩٤)، والبزار (٢٣٧١).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٥٨)، وابن حبان (٤٥٠).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٤٦٦) وابن ماجه (٩٥) وابن أبي شيبة (٢٩٨٦٧) والطبراني (١٤٤٢) والحاكم
(١٨١٤) وقال: صحيح الإسناد.

٦٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(لا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ) الْمُرَادِ بِالْقَدَرِ الْمُقَدَّر، وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنِ الْحَصْرَيْنِ مِن
التَّنَاقُضِ، فَيَجِب حَمْل الْمُقَدَّر عَلَى غَيْرِ الْعُمْرِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَالَ الْغَزَالِيّ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَة الدُّعَاء مَعَ أَنَّ الْقَضَاء لَا مَرَدّ لَهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ
جُمْلَة الْقَضَاءِ رَدّ الْبَلَاءِ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الدُّعَاءِ سَبَب رَدّ الْبَلَاءِ وَوُجُودِ الرَّحْمَة كَمَا أَنَّ الْبَدْر
سَبَب ◌ِخُرُوجِ النَّبَاتِ مِن الْأَرْضِ، وَكَمَا أَنَّ الُّرْس يَدْفَع السَّهْم كَذَلِكَ الدُّعَاءِ يَرُدّ الْبَلَاءِ.
إِنْتَهَى.
قُلْت: يَكْفِي فِي فَائِدَة الدُّعَاءِ أَنَّهُ عِبَادَة وَطَاعَةٍ، وَقَدْ أُمِرَ بِهِ الْعَبْدِ فَكَوْنِ الدُّعَاء
ذَا فَائِدَة لَا يَتَوَقَّف عَلَى مَا ذَكَرَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَمِثْله: (لَا يَزِيدِ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ) إِمَّا لِأَنَّ الْبَارٌ يَنْتَفِعِ بِعُمْرِهِ وَإِنْ قَلَّ أَكْثَر مِمَّا
يَنْتَفِعِ بِهِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ يُزَادِ لَهُ فِي الْعُمْرِ حَقِيقَة بِمَعْنَى أَنَّهُ لُولَمْ يَكُنْ بَارًّا
لَقَصُرَ عُمْرهِ عَنِ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ إِذَا بَرَّلَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُون أَظْوَلِ عُمْرًا مِنْ غَيْرِ الْبَارّ،
ثُمَّ التَّفَاوُتِ إِنَّمَا يَظْهَرِ فِي التَّقْدِيرِ الْمُعَلَّقِ لَا فِيمَا يَعْلَم الله تَعَالَى أَنَّ الْأَمْرِ يَصِيرِ إِلَيْهِ،
فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْبَلِ التَّغَيُّرُ وَإِلَيْهِ يُشِير قَوْله تَعَالَى: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِت وَعِنْده أُمّ
الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
(وَإِنَّ الرَّجُلِ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِن الْحِرْمَان؛ أي:
يُمْنَعِ الرِّزْقِ الَّذِي جَاءَ وَدَخَلَ فِي يَده فَيَتْلَف عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ وَالرِّزْق
الَّذِي قُدِّرَ لَهُ لولَمْ يَعْصِ، وَحِينَئِذٍ لا بُدّ مِن التَّقْدِيرِ فِي قَوْله: ((وَلَا يَرُدّ الْقَدَر)) وَلَا يَبْظُل
الْحَصْرِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَفِي («الزَّوَائِد)»: سَأَلْت شَيْخِنَا أَبَا الْفَضْلِ الْقَرَائِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ: حَسَن،
وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ الْقِطْعَةِ الثَّالِثَةِ.
قُلْت: وَالْأَولِيَّانِ رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيّ عَنْ سَلْمَان. [حاشية السندي على ابن ماجه
(٨١/١)].
٤٩٢٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ فِيهَا

٦٢٥
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ الثَّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) وَكَانَ
أَبَرَّ النَّاس بِأَمِّهِ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) وَالبَيْهَِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ)) وفي رواية: (نِمْتُ
فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ)) بَدَل: ((دَخَلْتُ الْجَنَّةَ)](١).
٤٩٢٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِهِ: ((رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا
الوالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوالِدِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي](؟).
٤٩٢٨ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رَجُلاً أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ لِيَ امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي
بِطَلَاقِهَا. قَالَ لَهُ أبو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيِّ يَقُولُ: ((الوالِدُ أُوسَطُ أبواب الْجَنَّةِ،
فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظٍ عَلَى الْبَابَ أَوْ ضَيِّع)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وابْن مَاجَه](٣).
٤٩٢٩ - [وَعَنْ بَهْزِ بن حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ
أَبُّ؟ قَالَ: (أُمَّكَ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أُمَّكَ)) قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (أَبَاكَ)) ثُمَّ الأَقْرَبَ
فَالأَقْرَبَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وأبو داود](٤).
٤٩٣٠ - [وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ : ﴿ يَقُولُ:
قَالَ اللَّهُ وَ: أَنَا اللّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَّهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ
وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُهُ. رَوَاهُ أَبو داود](٥).
(وَشَقَّقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي) قال الإمام العلامة ابن برجان الإشبيلي:
(١) أخرجه أحمد (٢٥٣٧٦)، وابن حبان (٧٠١٥)، والحاكم (٧٢٤٧) وقال: صحيح على شرط
الشيخين. والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٠٦)، والبغوي (٢٥٦/٦).
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٩٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٨٢٩)، والحاكم (٧٢٤٩) وقال:
صحيح على شرط مسلم. والبزار (٢٣٩٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٥٩٢)، والترمذي (١٩٠٠) وقال: صحيح. وابن ماجه (٣٦٦٣)، وابن حبان
(٤٢٥)، والحاكم (٢٧٩٩) وقال: صحيح الإسناد. والطيالسي (٩٨١)، والحميدي (٣٩٥)، وابن
أبي شيبة (٢٥٤٠٠).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٠١٨)، وأبو داود (٥١٤١).
(٥) أخرجه أحمد (١٦٨٠)، والبخاري في «الأدب المفرد)» (٥٣)، وأبو داود (١٦٩٤)، والترمذي (١٩٠٧)
وقال: صحيح. وابن حبان (٤٤٣)، والحاكم (٧٢٦٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٩٤١).

٦٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
تنبيه: أنكر قوم الاشتقاق في هذا الاسم لضرب من التحقيق ألهموه، وقال به قوم
لضرب من الحق وجدوه، وفصل الخطاب في ذلك أن أسماء الله ليست مشتقة من شيء،
بل كل شيء موجود فهو عن وجود وجودها، وما كان ذلك في وجود الموجودات كذلك وجب
أن يكون لكل اسم حروف ركبت عنها تسميته، وتلك الحروف بأعيانها قد ركبت في
سائر الموجودات للتعريف بتسميات لمسميات هي من مقتضيات الأسماء العلى، فلا بأس
على طالب أسماء ربه ك في استعراض تلك الحروف في مسميات الوجود؛ ليصل بذلك إلى
تحقيق أسماء ربه ك بتفرقها وتجمعها، فتتلفق له جملة المعرفة على ذلك.
ألا تسمعه كيف سمى نفسه بخالق؟ لأنه يخلق ويرزق؛ لأنه رازق، وبارئ؛ لأنه
برأ، وغافر؛ لأنه يغفر، كذلك رحيم وحكيم وغير ذلك، بل كيف يسوغ لمتعرف العلم
بربه ك إنكار الاشتقاق على سنن الاشتقاق بعدما سمع رسول الله ولي فيما يرويه
عن ربه حَالَ: ((قَالَ اللهُ رََّ: أَنَا اللهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِن
اسْمِي، (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُهُ) فنص العليم الحكيم حَلّه وتعالى علاؤه
وشأنه أنه اشتق للرحم اسمًا من اسمه الرحمن، فالراء والحاء والميم أصليات، والألف
واللام فهما للتعريف، وهكذا فليكن الاشتقاق أن تكون الموجودات مشتقة من
الأسماء لا الأسماء مشتقة من الموجودات، فافهم.
واعلم - علمنا الله وإياك من علمه - أن الغفلة قطعت بالأكثر عن معرفة الله
وثّ مما قطع بأكثر المتيقظين إلى طلب المعرفة كثرة تعرفه إليهم وقربه منهم؛ للزوم
مشاهدته وعموم حضوره ووجوب وجوده، وأنه ملأ كل شيء وجودًا، وكما ليس يعزب
عن علمه وقدرته ومشيئته مثقال ذرة في الوجود ولا أصغر من ذلك ولا أكبر كذلك
لا تخلق منه مكان في الحضور والشهود بمقتضى هذا الاسم.
فلو أنهم طلبوه ها هنا لوجدوه حاضرًا مشهودًا لكنهم اعتقدوا البعد، وسبق إلى
أوهامهم مع الغفلة قطع المسافة إليه، ومن لم يعتقد ذلك عقدًا ربما حجب عن قرب
وجوب وجوده فعلاً، فهم يطلبون صانعهم، والقائم عليهم بجميع شأنهم الذي به قوامهم

٦٢٧
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
وجمع وجودهم فلا يجدونه وربما وجدوه فأهملوه ذلك حتى أذهلتهم الغفلة عن حقيقة
شهوده وكريم حضوره، فمن كان طالبًا له؛ فليطلبه في وجوده المتوالي وظهوره الواسع
العميم في خلقه نفسك أيها العبد، وجميع ما خلقه من شيء من سماء وهواء وأفلاك
ونجوم وبحار وأرض وجماد ونبات وحيوان وجريان الأزمان، واختلاف الليل والنهار.
وتفصيل ذلك على فصوله وآياته بما في ذلك من معهود نعم النفع والدفع وبلوى
وامتحان حتى يكون ما عدا ذلك آيات على ما شاء من قبض أو بسط، أو ما يعبر به
عن معنى اسم من سائر أسمائه ذلك أو يعرف به من ذلك الوجه الذي شاء التعريف به
من نعم أو نقم.
قال الله عز من قائل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نُّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: ٥٣] فذكر النعم
على تواليها وتتابعها.
ثم قال: ﴿إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَّرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
كذلك قال عز من قائل: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
[الرعد: ٢].
ونظائر هذا حيث وقع هكذا يخبر عن اسمه الله بالكليات وبمجاري القضايا
على مسالكها، ويختم الآية بالأسماء التي معانيها مطابقة لمعاني ما جاء في الآيات
المجتلبة هذا موضوع الكتاب المبين؛ فالعالم والأسماء الحسنى، فمن استرشد كل معلم
منها فأرشده فالله حملة كل الكل، وإليه يرجع الكل، والكل مرشد إليه ومعبر عنه،
والاختصار يوجب الاقتصار، وإلا فالوجود أوسع والمقصود أعظم. [شرح أسماء الله
الحسنى (٥٨/١)] بتحقیقنا.
٤٩٣١ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أوَى، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَ يَقُولُ: ((لَا
تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِم)). رَوَاهُ البَيْهَفِي فِي ((شُعَبِ الإِيْمَانِ))](١).
(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٧٢٩).

٦٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤٩٣٢ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوََّ: «مَا مِنْ ذَنْبِ أَجْدَرُ أَنْ
يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ
الرَّحِمِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وأبو داود](١).
٤٩٣٣ - [وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَدْخُلُ الْجُنَّةَ
مَنَّانَ وَلَا عَاقٌ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ)). رَوَاهُ النَّسَائِي وَالدَّارِمي](9).
٤٩٣٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا
تَصِلونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ نَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَةٌ فِي الْمَالِ مَنْسَأَةً فِي الأَثَرِ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثُ غَرِيْبٌ](٣).
٤٩٣٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً أَنَى النَّبِيَّ ◌َه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ
ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لي مِنْ تَوْبَةِ؟ قَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ أُمِّ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((وَهَلْ لَكَ مِنْ
خَالَةٍ؟)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((فَبِرَّهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي] (٤).
٤٩٣٦ - [وَعَنْ أَبِي أَسَيْدِ بْنِ السَّاعِدِي قَالَ: بَيْنَمَا تَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ إِذْ
جَاءَ رَجُلٌّ مِنْ بَنِي سَلَمَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبويَّ شَيءٍ أَبِرُّهُمَا بِهِ مِنْ
بَعْدِ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، الصَّلاة عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارِ لَهُمَا، وَإِنْفَاذِ عُهودِهِمَا مِنْ
بَعْدِهِمَا، وَصِلَةِ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوْصَل إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامِ صَدِيْقِهِمَا)). رَوَاهُ أبو داود وَابْن
مَاجَە](٥).
٤٩٣٧ - [وَعَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيّ ◌َهِ يُقَسِّمُ لَخْمًا بِالْجِعْرَانَةِ؛ إِذْ أَقْبَلَتِ
(١) أخرجه أحمد (٢٠٣٩٠)، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٢٩)، وأبو داود (٤٩٠٢)، والترمذي (٢٥١١)
وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٤٢١١)، وابن حبان (٤٥٥)، والحاكم (٣٣٥٩) وقال: صحيح
الإسناد. والبيهقي (٢٠٨٧١)، والطيالسي (٨٨٠).
(٢) أخرجه النسائي (٥٦٧٢)، والدارمي (٢١٤٧).
(٣) أخرجه أحمد (٨٨٥٥)، والترمذي (١٩٧٩)، والحاكم (٧٢٨٤) وقال: صحيح الإسناد.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٠٢٧).
(٥) أخرجه أحمد (١٦٤٨٤)، وأبو داود (٥١٤٤)، وابن ماجه (٣٧٩٥).

٦٢٩
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
امْرَأَةُ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَيَ؟ فَقَالوا:
هِيَ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ)). رَوَاهُ أبو داود](١).
الفصل الثالث
٤٩٣٨ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ
الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةً مِنَ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ
عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا للّه صَالِحَةً، فَادْعُوا اللهَ بِهَا
لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ
كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ
قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْثُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ
أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ
بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَعَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأَبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ
الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَّمُ أَنَِّ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا
السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ.
وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْت عَمِّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ،
فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ
فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا فَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَفْتَجِ الْخَاتَمَ،
فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَِّ قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا
فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً.
وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزِّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ:
أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَّلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ
مِنْهُ بَقَرًّا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَفِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى
(١) أخرجه أبو داود (٥١٤٦).

٦٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: أَتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّ لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ
وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا
بَقِي، فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
قال ابن بطال: كل من دعا إلى الله تعالى بنية صادقة وتوسل إليه بما صنعه
لوجهه خاصا ترجی له الإجابة.
ألا ترى أن أصحاب الغار توسلوا إلى الله تعالى بأعمال عملوها خاصة لوجهه،
ورجوا الفرج بها، فذكر أحدهم بر أبويه، وذكر الثاني أنه قعد من المرأة التي كان يحبها
مقعد الرجل من المرأة، وأنه ترك الزنا بها لوجه الله، وذكر الثالث أنه تجر في أجرة
الأجير حتى صار منها غنم وراعيها، وأنه دفعه إليه حين طلب منه أجره، فتفضل الله
عليهم بإجابة دعائهم ونجاهم من الغار، فكما أجيب دعوة هؤلاء النفر؛ فكذلك ترجى
إجابة دعاء كل من أخلص فعله لله وأراد به وجهه [٢٣٠/١٧].
٤٩٣٩ - [وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ: أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغزو وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ أَمِّ؟)) قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: ((فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْهَا)). رَوَاهُ أَحْمَدِ وَالنَّسَائِي وَالْبَيْهَقِي فِي ((شُعَبِ
الإِيْمَانِ))](٢).
٤٩٤٠ - [وَعَن ابن عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةً أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَر يَكْرَهُهَا فَقَالَ
لِي: طَلِّقُهَا. فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولِ اللهِلَهَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِّ:
((طَلِّقْهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَأَبو داود] (٣).
٤٩٤١ - [وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: ((يَا رَسُول الله، مَا حَقّ الوالِدَيْنِ عَلَى
وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: ((هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه](٤).
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧٤)، ومسلم (٧١٢٥).
(٢) أخرجه أحمد (١٥٩٣٧)، والنسائي (٣١١٧)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٧٥٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٥١٤٠)، والترمذي (١٢٢٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٢).

٦٣١
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
٤٩٤٢ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أُو أَحَدُهُمَا
وَإِنَّهُ لَهُمَا لَعَاقٌ، فَلا يَزَالَ يَدْعُو لَهُمَا وَيَسْتَغْفِر لهُمَا حَتَّى يَكْتُبه اللهُ بَارًّا))](١).
٤٩٤٣ - [وَعَنِ ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مَنْ أَصْبَحَ مُطِيْعًا فِي وَالِدَيْهِ
أَصْبَحَ لَهُ بَابَان مَفْتُوحَان مِن الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وَمَنْ أَمْسَى عَاصِيًّا لله في
وَالِدَيْهِ أُصْبَحَ لَّهُ بَابَان مَفْتُوحَان مِن النَّارِ، إِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا)) قَالَ الرَّجُل: وَإِنْ
ظَلَمَاه؟ قَالَ: ((وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ))(٩).
٤٩٤٤ - [وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِ لهَ قَالَ: «مَا مِنْ وَلَدٍ بَارِ يَنْظُرِ إِلَى وَالِدَيْهِ نَظْرَة
رَحْمَة ◌ِلَّا كَتَبَ اللّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حِجَّة مَبْرُوْرَة)) قَالوا: وَإِنْ نَظَرَ إليْهَا كُلَّ يَوْمٍ مِائَة
مَرَّة؟ قَالَ: ((نَعَمْ، اللهُ أَكْبَرُ وَأَظْيَبُ))(٣).
٤٩٤٥ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرَة ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾: «كُلّ الذُّنُوبِ يَغْفِرِ اللهُ
مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَّا عُقُوق الوالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعَجِّل لِصَاحِبِهِ فِي الحَيَاةِ قَبْلِ المَمَاتِ))](٤).
٤٩٤٦ - [وَعَنْ سَعِيْدِ بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((حَقُّ كَبِيْرِ الأُخْوَة عَلَى
صَغِيْرِهِم حَقُّ الوالِدِ عَلَى وَلَدِهِ)) رَوَى الْبَيْهَفِيُّ الأحَادِيثَ الخَمسَةِ فِي: ((شُعَبِ الإِيمَانِ))](٥).
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٦٣).
(٢) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٧٩).
(٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦١١).
(٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٧٤).
(٥) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٦٩٤).

باب الشفقة والرحمة على الخلق
الفصل الأول
٤٩٤٧ - [عَنْ جَرِيرِ بن عَبْدِ اللّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾: ((لا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لا
يَرْحَمِ النَّاسَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَمِ) هُوَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْخَبَرِ، وَقَالَ عِيَاض: هُوَ لِلْأَكْثَرِ،
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ (مَنْ) مَوْصُولَةٍ وَيَجُوز أَنْ تَكُون شَرْطِيَّةٍ فَيُقْرَأْ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا، قَالَ
السُّهَيْلِيُّ: جَعْله عَلَى الْخَبَرِ أَشْبَه بِسِيَاقِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: ((إِنَّ لِي عَشَرَة
مِن الْوَلَدِ إِلَخْ)) أي: الَّذِي يَفْعَل هَذَا الْفِعْلِ لَا يُرْحَم، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطِيَّةٍ لَكَانَ فِي الْكَلَامِ
بَعْض إِنْقِطَاع ◌ِأَنَّ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ كَلَامٍ مُسْتَأْنَف.
قُلْت: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أُخْرَى لِأَنْ يَصِير مِنْ نَوْعِ ضَرْبِ الْمِثْل، وَرَجَّحَ بَعْضِهِمْ
كَوْنِهَا مَوْصُولَة لِكَوْنِ الشَّرْطِ إِذَا أَعْقَبَهُ نَفْي يُنْفَى غَالِبًا بِلَمْ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحًا
إِذَا كَانَ الْمَقَامِ لَائِقًّا بِكَوْنِهَا شَرْطِيَّة.
وَأَجَازَ بَعْض شُرَّحِ ((الْمَشَارِقِ)) الرَّفْعِ فِي الْجُزْءَيْنِ وَالْجُزْمِ فِيهِمَا وَالرَّفْعِ فِي الْأُولَى
وَالْجُزْمِ فِي الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ فَيَحْصُلِ أَرْبَعَة أَوْجُهُ، وَاسْتُبْعِدَ الثَّالِثِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ يَكُون
فِي الثَّانِي بِمَعْنَى النَّهْي أي: لَا تَرْحَمُوا مَنْ لَا يَرْحَمَ النَّاس، وَأَمَّ الرَّابِعِ فَظَاهِرٍ وَتَقْدِيرهِ مَنْ
لَا يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرْحَم.
وَفِي جَوَابِ النَّبِيّ ◌َِّ لِلْأَفْرَعِ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ تَقْبِيلِ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ مِن الْأَهْلِ الْمَحَارِمِ
وَغَيْرِهِمْ مِن الْأَجَانِبِ إِنَّمَا يَكُون لِلشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَة لَا لِلََّّةِ وَالشَّهْوَةِ، وَكَذَا الضَّمّ وَالشَّمّ
وَالْمُعَانَقَة. [الفتح ١٢٩/١٧].
٤٩٤٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَائِيّ إِلَى النَّبِيِّ وَ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟
(١) أخرجه البخاري (٦٩٤١)، ومسلم (٢٣١٩)، وابن أبي شيبة (٢٥٣٥٦).
٠٦٣٢

٦٣٣
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ: (أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](١).
٤٩٤٩ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَةً، وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأُلُنِي فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي
غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتَهَا إِيَّاهَا فَقَسمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَم تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ
فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَحَدَّثْتَه فَقَالَ: ((مَن أُبْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ
إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِن النَّارِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٤٩٥٠ - [وعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ عَالَ جَارِبَتَيْنِ حَتَّى يَبْلُغَا جَاءَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَهَذَيْ، وَضَمَّ إِصْبَعَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)(٣).
٤٩٥١ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ
كَالْساعِي فِي سَبِيلِ الله)) وَأَحْسَبُهُ قَالَ: ((كَالْقَائِمِ لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٤).
(السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله) كَذَا قَالَ جَمِيع
أَصْحَابِ مَالِك عَنْهُ فِي ((الْمُوَظَّأ)) وَغَيْرِهِ، وَأَكْثَرِهِمْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظ رِوَايَة مَالِك عَنْ
صَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ بِهِ مُرْسَلًا ثُمَّ قَالَ: ((وَعَنْ ثَوْرِ بِسَنَدِهِ مِثْله)) وَاقْتَصَرَ أَبُو قُرَّة مُوسَى بْن
طَارِقٍ عَلَى رِوَايَة مَالِك عَنْ ثَوْرِ فَقَالَ: ((السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ لَهُ صَدَقَةٌ)) بَيَّنَ
ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي «الْمُوَّآت)).
(كَالْقَائِمْ لا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ) هَكَذَا لِلْجَمِيعِ عَنْ مَالِك بِالشَّكِّ لَكِنْ
لِأَكْثَرِهِمْ - مِثْلِ مَعْنِ بْن عِيسَى وَابْنِ وَهْب وَابْنِ بُكَيْرٍ فِي آخَرِينَ - بِلَفْظِ: ((أَوْ كَالَّذِي
(١) أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٣١٧)، وأحمد (٢٤٣٣٦)، وابن ماجه (٣٦٦٥).
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٩٥)، ومسلم (٦٨٦٢).
(٣) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٩٤)، ومسلم (٢٦٣١)، والترمذى (١٩١٤)، والطبراني في
((الأوسط)) (٥٥٧)، والحاكم (٧٣٥٠).
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٣٨) ومسلم (٢٩٨٢) والترمذي (١٩٦٩) وأحمد (٨٧١٧) والنسائي (٢٥٧٧)
وابن ماجه (٢١٤٠) وابن حبان (٤٢٤٥) والبيهقى (١٢٤٤٦) والطبراني في «الأوسط)) (٣٠٦).

٦٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
يَصُومِ النَّهَارِ وَيَقُومِ اللَّيْلِ)) وَقَدْ أَخْرَجَهُ إِبْنِ مَاجَه مِنْ رِوَايَة الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ ثَوْرِ بِمِثْلٍ
هَذَا اللَّفْظِ، لَكِنْ قَالَهُ بِالْوَاوِ لَا بِلَفْظِ: أَوْ، وَمِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِك بِلَفْظِ:
(وَأَحْسَبِهُ قَالَ: كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرِ، وَالصَّائِم لَا يُفْطِرِ)) شَكَّ الْقَعْنَبِيّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَكْثَر
بِالشَّكِّ عَنْ مَالِك لَكِنْ، فَيُحْمَلِ إِخْتِصَاص الْقَعْنَبِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، وَمَعْنَى
السَّاعِي الَّذِي يَذْهَب وَيَجِيءٍ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعِ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِين. وَالْأَرْمَلَة بِالرَّاءِ
الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا زَوْج لَهَا، وَقَوْله: ((الْقَائِمِ اللَّيْلِ)) يَجُوز فِي اللَّيْلِ الْحَرَّكَاتِ الثَّلَاث كَمَا فِي
قَوْلهُم الْحَسَنِ الْوَجْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْفَضْلِ لِمَنْ يُنْفِقِ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ بِقَرِيبٍ مِمَّن
إِنَّصَفَ بِالْوَصْفَيْنِ؛ فَالْمُنْفِقِ عَلَى الْمُنَّصِفِ أَوْلَى. [الفتح ٢٠٩/١٥].
٤٩٥٢ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي
الْجَنَّةِ هَكَذَا)) وَأَشَارَ بِالسََّّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِي](١).
(أَنَا وَكَافِلِ الْيَّتِيمِ) أي: الْقَيِّم بِأَمْرِهِ وَمَصَالِحِهِ، زَادَ مَالِك مِنْ مُرْسَل صَفْوَانِ بْنِ
سُلَيْمِ ((كَافِلِ الْيَقِيم لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) وَوَصَلَهُ الْبُخَارِيّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَد)) وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَة
أُمّ سَعِيدٍ بِنْت مُرَّة الْفِهْرِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا، وَمَعْنَى قَوْله لَهُ بِأَنْ يَكُون جَدَّا أَوْ عَمَّا أَوْ أَخَا أَوْ
نَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَقَارِبِ، أَوْ يَكُون أَبُو الْمَوْلُود قَدْ مَاتَ فَتَقُوم أُمّه مَقَامه أَوْ مَاتَتْ أُمَّه
فَقَامَ أَبُوهُ فِي التَّرْبِيَة مَقَامَهَا. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَوْصُولًا ((مَنْ كَفَلَ
يَتِيمَا ذَا قَرَابَةٍ أَوْلَا قَرَابَةٍ لَهُ «وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُفَسِّرِ الْمُرَاد بِالرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلهَا)).
(وَأَشَارَ بِإِصْبِعَيْهِ السَّبَّابَةِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيّ ((السَّبَّاحَة)) بِمُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَة
الثَّانِيَةِ، وَالسَّبَّاحَةِ هِيَ الْأَصْبُعِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يُسَبَّح بِهَا فِي الصَّلَاة
فَيُشَارِ بِهَا فِي التَّشَهُّد لِذَلِكَ، وَهِيَ السَّبَّابَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا يُسَبّ بِهَا الشَّيْطَانِ حِينَئِذٍ.
قَالَ إِبْنِ بَطَّال: حَقُّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَعْمَل بِهِ لِيَكُونَ رَفِيق النَّبِيّ
وَّهِ فِي الْجَنَّة، وَلَا مَنْزِلَة فِي الْآخِرَةِ أَفْضَل مِنْ ذَلِكَ.
(١) أخرجه البخاري (٥٦٥٩)، وأبو داود (٥١٥٠)، والترمذي (١٩١٨)، أحمد (٢٢٨٧١).

٦٣٥
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
(وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أي: بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ بَيْنَ دَرَجَة
النَّبِيّ ◌ََّ وَكَافِل الْيَتِيمِ قَدْر تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى، وَهُوَ نَظِيرِ الْحَدِيثِ الْآخَر
(بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ)) الْحَدِيث، وَزَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ بَّهلَمَّا قَالَ ذَلِكَ إِسْتَوَتْ
إِصْبَعَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ثُمَّ عَادَتَا إِلَى حَالهَمَا الطَّبِيعِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ تَأْكِيدًا لِأَمْرٍ كَفَالَة
الْيَتِیم.
قُلْت: وَمِثْلِ هَذَا لَا يَثْبُتِ بِالإِحْتِمَالِ، وَيَكْفِي فِي إِثْبَاتِ قُرْبِ الْمَنْزِلَةِ مِن الْمَنْزِلَة
أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ إِصْبَعِ أُخْرَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأُمِّ سَعِيدِ الْمَذْكُورَةِ
عِنْدَ الظَّبَرَانِيِّ ((مَعِي فِي الْجَنَّة كَهَاتَيْنِ)) يَعْنِي الْمُسَبِّحَة وَالْوُسْطَى ((إِذَا اِتَّقَى)) وَيَحْتَمِل أَنْ
يَكُونِ الْمُرَادِ قُرْبِ الْمَنْزِلَةِ حَالَة دُخُولِ الْجُنَّةِ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَبِي
هُرَيْرَة رَفَعَهُ: ((أَنَا أَوَّل مَنْ يَفْتَح بَابِ الْجَنَّة فَإِذَا اِمْرَأَةُ تُبَادِرِي فَأَقُول: مَنْ أَنْتِ فَتَقُول: أَنَا
إِمْرَأَةَ تَأَيَّمْت عَلَى أَيْتَامِ لِي)) وَرُوَاتِه لَا بَأَس بِهِمْ، وَقَوْله: (تُبَادِرِي)) أي: لِتَدْخُل مَعِي أَوْ
تَدْخُل فِي أَثَرِي، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَاد بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ: سُرْعَة الدُّخُولِ، وَعُلُوّ
الْمَنْزِلَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَوْفٍ بْنِ مَالِكِ رَفَعَهُ: ((أَنَا وَامْرَأَةَ سَفْعَاء
الْخُدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: إِمْرَأَةَ ذَات مَنْصِب وَجَمَال حَبَسَتْ نَفْسِهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى
مَاتُوا أَوْ بَانُوا)) فَهَذَا فِيهِ قَيْدِ زَائِدٍ وَتَقْبِيد فِي الرِّوَايَة الَّتِي أَشَرْت إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ((إِنَّفِي الله))
أي: فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْتیمِ المذكور.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَائِيُّ فِي ((الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ)) مِنْ حَدِيث جَابِر، ((قُلْت: يَا رَسُول الله
مِمَّ أَضْرِبِ مِنْهُ يَتِيمِي؟ قَالَ: مِمَّ كُنْت ضَارِبًا مِنْهُ وَلَكِ غَيْرِ وَاقٍ مَالَك بِمَالِهِ) وَقَدْ زَادَ فِي
رِوَايَة مَالِك الْمَذْكُور: ((حَتَّى يَسْتَغْنِي عَنْهُ)) فَيُسْتَفَادِ مِنْهُ أَنَّ لِلْكَفَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمَدًا.
قَالَ شَيْخِنَا فِي (شَرْحِ التِّرْمِذِيّ): لَعَلَّ الْحِكْمَةِ فِي كُوْنِ كَافِلِ الْيَقِيمِ يُشْبِهِ فِي
دُخُولِ الْجِنَّة أَوْ شُبِّهَتْ مَنْزِلَتِهِ فِي الْجَنَّةِ بِالْقُرْبِ مِن النَّبِيّ أَوْ مَنْزِلَة النَّبِيّ لِكَوْنِ النَّبِيّ
شَأْنِهِ أَنْ يُبْعَثِ إِلَى قَوْم لَا يَعْقِلُونَ أَمْرِ دِينِهِمْ فَيَكُون كَافِلًا لَهُمْ وَمُعَلِّمًا وَمُرْشِدًا،
وَكَذَلِكَ كَافِلِ الْيَتِيمِ يَقُومِ بِكَفَالَةٍ مَنْ لَا يَعْقِل أَمْرِ دِينه بَلْ وَلَا دُنْيَاهُ، وَيُرْشِدُهُ وَيُعَلِّمهُ

٦٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَيُحْسِنِ أَدَبِهِ، فَظَهَرَتْ مُنَاسَبَة ذَلِكَ، انتهى مُلَخَّصًا.
٤٩٥٣ . [وَعَن التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي
تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ
بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)» مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُهِمْ) قَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَة: الْمُرَادِ مَنْ يَكُون إِيمَانه كَامِلًا.
(وَتَوَادّهُمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالٌ، وَالْأَصْلِ التَّوَادُد فَأَدْغِمَ، وَالتَّوَادُد تَفَاعُل مِن الْمَوَدَّة،
وَالْوُدّ وَالْوِدَادِ بِمَعْنَى وَهُوَ تَقَرُّبِ شَخْص مِنْ آخَرِ بِمَا يُحِبّ.
(وَتَعَاطُفهِمْ) قَالَ اِبْنِ أَبِي جَمْرَة: الَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ التََّاحُم وَالتَّوَادُد وَالتَّعَاطُف وَإِنْ
كَانَتْ مُتَقَارِبَةٍ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْق ◌َطِيف، فَأَمَّا التَّرَاحُم فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَرْحَم
بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأَخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبٍ شَيْء آخَرِ، وَأَمَّا التَّوَادُد فَالْمُرَاد بِهِ التَّوَاصُل
الْجَالِب الْمَحَبَّ كَالتَّزَاؤُرِ وَالتَّهَادِي، وَأَمَّا التَّعَاطُف فَالْمُرَاد بِهِ إِعَانَة بَعْضهمْ بَعْضًا كَمَا
يَعْطِفِ الثَّوْبِ عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ انتهى مُلَخَّصًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيّ
وَخَيْثَمَةٍ فَرْقِهِمَا عَنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ مُسْلِمِ ((الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِذَا اِشْتَكَى رَأْسه
تَدَاعَى لَهُ سَائِرِ الْجَسَدِ بِالْخُنَّى وَالسَّهَرَ)) وَفِي رِوَايَة خَيْثَمَةَ اِشْتَكَى وَإِن اِشْتَكَى رَأْسِهِ كُلّه.
(كَمَثَلِ الْجَسَد) أي: بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ فِيهِ الثَّوَافُقِ فِي
التَّعَب وَالرَّاحَة. (تَدَاعَى) أي: دَعَا بَعْضه بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَة فِي الْأَلَم، وَمِنْهُ قَوْلهمْ:
تَدَاعَتِ الْحِيطَان أي: تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ (بِالسَّهَرِ وَالْحُنَى) أَمَّا السَّهَرِ فَلِأَنَّ الْأَلَم يَمْنَع
النَّوْمِ، وَأَمَّا الْحُمَّى فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّوْم يُثِيرهَا.
وَقَدْ عَرَّفَ أَهْلِ الْحِذْقِ الْحُمَّى بِأَنَّهَا حَرَارَةٍ غَرِيزِيَّةٍ تَشْتَعِلِ فِي الْقَلْبِ فَتَشِبّ مِنْهُ
فِي جَمِيع الْبَدَن فَتَشْتَعِل اِشْتِعَالًا يَضُرّ بِالْأَفْعَالِ الطَِّيعِيَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضِ: فَتَشْبِيهِه الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَسَدِ الْوَاحِد تَمْثِيل صَحِيحِ، وَفِيهِ
(١) أخرجه البخاري (٦٠١١)، ومسلم (٦٧٥١).

٦٣٧
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
تَقْرِيِب لِلْفَهْمِ وَإِظْهَارِ لِلْمَعَانِي فِي الصُّوَرِ الْمَرْئِيَّة، وَفِيهِ تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ وَالْخَضّ
عَلَى تَعَاوُنِهِمْ وَمُلَاطَفَة بَعْضهمْ بَعْضًا.
وَقَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَةِ: شَبَّهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْإِيمَانِ بِالْجَسَدِ وَأَهْلِه بِالْأَعْضَاءِ، لِأَنَّ
الْإِيمَان أَصْل وَفُرُوعِه التَّكَّلِيف، فَإِذَا أَخَلَّ الْمَرْءِ بِشَيْءٍ مِن التَّكَالِفِ شَأْنِ ذَلِكَ
الْإِخْلَالِ الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ الْجَسَد أَصْلِ كَالشَّجَرَةِ وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَعْصَانِ، فَإِذَا اِشْتَكَى عُضْو
مِن الْأَعْضَاءِ اِشْتَكَتِ الْأَعْضَاءِ كُلَهَا كَالشَّجَرَةِ إِذَا ضُرِبَ غُصْنِ مِنْ أَغْصَانَهَا إِهْتَزَّت
الْأَغْصَانِ كُلّهَا بِالتَّحَرُّكِ وَالإِضْطِرَاب.
٤٩٥٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى
عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
٤٩٥٥ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ
بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
قال النووي: صَرِيحٍ فِي تَعْظِيم حُقُوق الْمُسْلِمِينَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْضٍ، وَحَثْهِمْ عَلَى
التََّاحُمْ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّعَاضُدِ فِي غَيْرِ إِثْم وَلَا مَكْرُوه.
وَفِيهِ: جَوَازِ التَّشْبِيهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَامِ.
٤٩٥٦ - [وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِب الْحَاجَةِ، قَالَ:
(شْفَعُوا فَلِتُؤْجَرُوا وَيَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولَهُ مَا شَاءَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
٤٩٥٧ - [وَعَنْ أَفَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا))
فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣١٤) ومسلم (٢٥٨٥) والترمذي (١٩٢٨) والنسائي (٢٥٦٠) وابن حبان
(٢٣١) وابن المبارك (٣٥٠) والطيالسي (٥٠٣) والحميدي (٧٧٢) وابن أبي شيبة (٣٠٣٤٨) والبزار
(٣١٨٢) وأبو يعلى (٧٢٩٥) وعبد بن حميد (٥٥٦) والروياني (٤٤٥) والقضاعي (١٣٤).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٢٧)، ومسلم (٦٨٥٨).

٦٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
ذَكَرَ الْمُفَضَّلِ الضَّبِِّّ فِي كِتَابِهِ: ((الْفَاخِرِ)) أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ: «أَنْصُرْ أَخَاكِ ظَالِمًا أَوْ
مَظْلُومًا)) جُنْدُب بْنِ الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرو بْنِ تَمِيمٍ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ ظَاهَرَهُ وَهُوَ مَا اِعْتَادُوهُ مِنْ
حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا عَلَى مَا فَسَّرَهُ النَِّيُّ ◌َّ.
٤٩٥٨ - [وعن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ
وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً
فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(الْمُسْلِمِ أَخُو الْمُسْلِمِ) هَذِهِ أُخُوَّة الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ كُلّ ◌ِتِّفَاقٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُطْلِقُ
بَيْنَهُمَا اِسْمَ الْأَخُوَّةِ، وَيَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ الْخُرُّ وَالْعَبْدِ وَالْبَالِغِ وَالْمُميِّز.
(لَا يَظْلِمُهُ) هُوَ خَبَرُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ فَإِنَّ ظُلْم الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ حَرَام (وَلَا يُسْلِمُهُ)
أي: لَا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيه وَلَا فِيمَا يُؤْذِيه، بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ، وَهَذَا أَخَصّ مِنْ تَرْك
الظُّلْمِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبٍ إِخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَزَادَ
الطََّرَانِيّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَالِمِ ((وَلَا يُسْلِمُهُ فِي مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ (وَلِمُسْلِمٍ فِي
حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ((وَلَا يَحْفِرُهُ ((وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ، وَفِيهِ «بِحَسْب ◌ِمْرِئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ
يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)».
(وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ) فِي حَدِيث أَّبِي هُرَيْرَة عِنْدِ مُسْلِمِ ((وَالله ◌ِي عَوْنِ
الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدِ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً) أي: غُمَّة، وَالْكَرْبِ هُوَّ
الْغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ النَّفْسَ، وَكُرُبَاتِ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعِ كُرْبَةٍ وَيَجُوزُ فَتْحُ رَاءٍ كُرُبَات
وَسُكُونُهَا.
(١) أخرجه البخاري (٦٩٥٢)، ومسلم بنحوه (٦٧٤٧)، وأحمد (١٣٤٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٣١٠) ومسلم (٢٥٨٠) وأبو داود (٤٨٩٣) والترمذي (١٤٢٦) وأحمد (٥٦٤٦)
والنسائي في ((الكبرى)) (٧٢٩١)، وابن حبان (٥٣٣) والبيهقي (١١٩٠٨) والقضاعي (١٦٩).

٦٣٩
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
(وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أي: رَآهُ عَلَى قَبِيجِ فَلَمْ يُظْهِرْهُ أي: لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا
يَقْتَضِي تَرْك الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
عَلَى مَا إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَصَحَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ قَبِيحِ فِعْلِهُ ثُمَّ جَاهَرَ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ مَأْمُورُ
بِأَنْ يَسْتَِرَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٍ، فَلَوْ تَوَجَّهَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَفَرَّ لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ
السَّتْرَ مَحَلّه فِي مَعْصِيَةٍ قَد اِنْقَضَتْ، وَالْإِنْكَارَ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ حَصَلَ التَّلَبُّس بِهَا فَيَجِبُ
الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَإِلَّ رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَلَيْسَ مِن الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِن النَّصِيحَةِ
الْوَاجِبَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةُ إِلَى تَرْكِ الْغِيبَةِ لِأَنَّ مَنْ أَظْهَرَ مَسَاوِئَ أَخِيهِ لَمْ يَسْتُرُهُ. (سَتَرَهُ الله
يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ التِّرْمِذِيّ ((سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
وَفِي الْحَدِيثِ: حَضّ عَلَى التَّعَاوُنِ وَحُسْنِ الثَّعَاشُرِ وَالْأُلْفَةِ.
وَفِيهِ: أَنَّ الْمُجَازَاةَ تَقَعُ مِنْ جِئْسِ الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنَّ فُلَانًا أَخُوهُ وَأَرَادَ
أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَفِيهِ: حَدِيث عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةٍ فِي أَبِي دَاوُدِ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ وَائِل بْن حُجْرٍ.
[الفتح ٣٤٧/٧].
٤٩٥٩ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا
يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْفِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا)) يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ((بِحَسْبِ امْرِئٍ
مِنَ الشَّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامُ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)».
رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
٤٩٦٠ - [وعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ: ذُو
سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌّ مُوَقَّقْ، وَرَجُلُّ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمِ
وَعَفِيفٌ مُتَعِفِف ذُو عِيَالِ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةُ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ
فِيكُمْ تَبَعُّ لَا يَبْتَغُونَ أَهْلاً وَلَا مَالاً، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا تَخْفَى لَهُ طَمَعُّ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ،
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤)، وأحمد (٧٧١٣)، البيهقي في «السنن)» (١١٢٧٦).

٦٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَرَجُلُ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَمَالِكَ)) وَذَكَرَ ((الْبُخْلَ أوَ
الْكَذِبَ وَالشِّنْظِيرُ الْفَخَّاشُ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
(وَمُسْلِم) مَجْرُورِ مَعْظُوف عَلَى ذِي قُرْبَى، وَقَوْله: (مُقْسِط) أي: عَادِل.
(زَبْر) بِفَتْحِ الزَّاي وَإِسْكَان الْمُوَحَّدَة أي: لَا عَقْلِ لَهُ يَزْبُرُهُ وَيَمْنَعُهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي،
وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا مَال لَهُ، وَقِيلَ: الَّذِي لَيْسَ عِنْده مَا يَعْتَمِدُهُ (لَا يَتْبَعُونَ) بِالْعَيْنِ
الْمُهْمَلَة مُخَفَّف وَمُشَدَّد مِن الاِتِّبَاعِ، وَفِي بَعْض النُّسَخِ (يَبْتَغُونَ) بِالْمُوَخَّدَةِ وَالْغَيْنِ
الْمُعْجَمَةِ، أي: لَا يَظْلُبُونَ. (وَالْخَائِنِ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٍ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ) مَعْنَى (لَا
يَخْفَى) لَا يَظْهَرِ، قَالَ أَهْلِ اللُّغَةِ: يُقَال: خَفَيْتِ الشَّيْءِ إِذَا أَظْهَرْتِه، وَأَخْفَيْته إِذَا سَتَرْته
وَكَتَمْته، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا جَمِيعًا (وَذَكَرَ الْبُخْلِ وَالْكَذِب) هِيَ
فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ (أَو الْكَذِبِ) بِأَوْ، وَفِي بَعْضِهَا (وَالْكَذِب) بِالْوَاوِ، وَالْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورِ فِي
نُسَخْ بِلَادِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: رِوَايَتنَا عَنْ جَمِيع شُيُوخِنَا بِالْوَاوِ، إِلَّ إِبْن أَبِي جَعْفَر عَن
الطَّبَرِيّ فَبِأَوْ، وَقَالَ بَعْض الشُّيُوخِ: وَلَعَلَّهُ الصَّوَابِ، وَبِهِ تَكُون الْمَذْكُورَاتِ خَمْسَة،
وَأَمَّا (الشِّنْظِير) فَبِكَسْرِ الشِّينِ وَالظَّاء الْمُعْجَمَتَيْنِ وَإِسْكَان النُّون بَيْنِهِمَا، وَفَسَّرَهُ فِي
الْحَدِيث بِأَنَّهُ الْفَحَّاشِ وَهُوَ السَّيِّئُ الْخُلُق. [النووي ٢٤٧/٩].
٤٩٦١ - [وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِن
عَبْد حَتَّى يُحِبٌ لِأَخِيهِ مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
٤٩٦٢ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهُ: ((وَاللهُ لَا يُؤْمِنُ، وَالله لَا
يُؤْمِنُ، وَالله لَا يُؤْمِنُ)) قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ] (٣).
(١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، والطبراني في (الكبير)) (٩٨٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) والترمذي (٢٥١٥) وأحمد (١٣٩٠١) والنسائي (٥٠١٦) وابن
ماجه (٦٦) والدارمي (٢٧٤٠) وابن المبارك (٦٧٧) والطيالسي (٢٠٠٤) وعبد بن حميد (١١٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (٥٦٧٠)، وأحمد (٢٧٢٠٦) ولم أقف عليه عند مسلم.

٦٤١
كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق
(جَارُهُ بَوَائِقَهُ) الْبَوَائِقِ جَمْعِ بَائِقَة وَهِيَ الْغَائِلَةِ وَالدَّاهِيَةِ وَالْفَتْكِ، وَفِي مَعْنَى ((لَا
يَدْخُلِ الْجَنَّة)) جَوَابَانِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مَا أَشْبَهَ هَذَا.
أَحَدهمَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْإِيذَاء مَعَ عِلْمِه بِتَحْرِيمِهِ؛ فَهَذَا كَافِرُلًا
يَدْخُلُهَا أَضْلًا.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلُهَا وَقْتِ دُخُولِ الْفَائِزِينَ إِذَا فُتِحَتْ أَبْوَابِهَا لَهُمْ،
بَلْ يُؤَخَّرِ ثُمَّ قَدْ يُجَازَى، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَيَدْخُلِهَا أَوَّلًا. وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَا هَذَيْنِ التَأْوِيِلَيْنِ لِأَنَّا
قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَب أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ، فَهُوَ إِلَى الله
تَعَالَى إِنْ شَاءَ الله عَفَا عَنْهُ فَأَدْخَلَهُ الْجُنَّةَ أَوَّلًا، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجُنَّة. والله
أَعْلَم.
٤٩٦٣ - [وعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ
بَوَائِقَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (١).
٤٩٦٤ - [وعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُم - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «مَا زَالَ
جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرَّتُهُ» مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ] (٢).
(مَا زَالَ جِبْرِيل يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنْت أَنَّهُ سَيُوَرَّتُهُ) أي: يَأْمُر عَن الله
بِتَوْرِيثِ الْجَار مِنْ جَارِه.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِهَذَا التَّوْرِيثِ فَقِيلَ: يَجْعَل لَهُ مُشَارَكَةٍ فِي الْمَالِ بِفَرْضِ سَهْم
مُعْطَاهُ مَعَ الْأَقَارِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادِ أَنْ يُنَزَّل مَنْزِلَةٍ مَنْ يَرِث بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَالْأَوَّل أَظْهَر
فَإِنَّ الثَّانِي اِسْتَمَرَّ، وَالْخْبَرِ مُشْعِرٍ بِأَنَّ التَّوْرِيث لَمْ يَقَع.
وَيُؤَيِّدهُ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ: ((حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ يَجْعَل لَهُ
مِيرَاثًا)).
(١) أخرجه مسلم (٤٦)، وأبو يعلى (٦٤٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٦٨)، ومسلم (٢٦٢٤)، وأبو داود (٥١٥١)، والترمذي (١٩٤٢) وقال: حسن
صحيح، وأحمد (٢٥٥٨٠)، وابن ماجه (٣٦٧٣).

٦٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ إِبْنِ أَبِي جَمْرَة: الْمِيرَاث عَلَى قِسْمَيْنِ حِسِّيّ وَمَعْنَوِيّ، فَالْحِسِّيّ هُوَ الْمُرَادِ هُنَا،
وَالْمَعْنَوِيّ مِيرَاث الْعِلْمِ، وَيُمْكِن أَنْ يُلْحَظ هُنَا أَيْضًا فَإِنَّ حَقَ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ أَنْ
يُعَلِّمُهُ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ وَالله أَعْلَمُ.
وَاسْمِ الْجَارِ يَشْمَلِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْعَابِدِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّدِيقِ وَالْعَدُوّ وَالْغَرِيب
وَالْبَلَدِيّ وَالنَّافِعِ وَالضَّارّ وَالْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيّ وَالْأَقْرَبِ دَارًا وَالْأَبْعَد، وَلَهُ مَرَاتِب بَعْضهَا
أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَعْلَاهَا مَن اِجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتِ الْأُوَلِ كُلَهَا ثُمَّ أَكْثَرِهَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى
الْوَاحِدِ، وَعَكْسِهِ مَن اِجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، فَيُعْطِي كُلّ حَقّه بِحَسَبِ
حَاله، وَقَدْ تَتَعَارَض صِفَتَانٍ فَأَكْثَرِ فَيُرَجِّح أَوْ يُسَاوِي، وَقَدْ حَمَلَهُ عَبْد الله بْنِ عَمْرو
أَحَد مِنْ رَوَى الْحَدِيث عَلَى الْعُمُومِ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدِي مِنْهَا ◌ِجَارِهِ
الْتَهُودِيّ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَد)) وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْإِشَارَةِ
إِلَى مَا ذَكَرْتِهِ فِي حَدِيث مَرْفُوعَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث جَابِرٍ رَفَعَهُ ((الْجِيرَان ثَلَاثَةِ:
جَارِ لَهُ حَقٌ وَهُوَ الْمُشْرِكِ لَهُ حَقّ الْجِوَارِ، وَجَارِ لَهُ حَقَّانِ وَهُوَ الْمُسْلِمِ لَهُ حَقّ الْجِوَار وَحَقٌ
الْإِسْلَامِ، وَجَار لَهُ ثَلاثَة حُقُوق مُسْلِم لَهُ رَحِم لَهُ حَقّ الْجِوَار وَالْإِسْلَام وَالرَّحِم)) قَالَ
الْقُرْطُِيّ: الْجَارِ يُظْلَقِ وَيُرَاد بِهِ الدَّاخِلِ فِي الْجِوَارِ، وَيُظْلَق وَيُرَاد بِهِ الْمُجَاوِرِ فِي الدَّارِ وَهُوَ
الْأَغْلَبِ، وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّهُ الْمُرَاد بِهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّل كَانَ يَرِثِ وَيُورَث، فَإِنْ
كَانَ هَذَا الْخْبَرِ صَدَرَ قَبْل نَسْخِ التَّوْرِيث بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَقَدْ كَانَ ثَابِتًا فَكَيْف يَتَرَّی
وُقُوعه؟ وَإِنْ كَانَ بَعْد النَّسْخِ فَكَيْف يُظَنّ رُجُوعِه بَعْد رَفْعه؟ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ
الْمُجَاوِرِ فِي الدَّار.
وَقَالَ الشَّيْخِ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة: حِفْظِ الْجَار مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَكَانَ أَهْل
الْجَاهِلِيَّة ◌ُحَافِظُونَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُل اِمْتِقَال الْوَصِيَّة بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوبِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ
بِحَسَبِ الطَّاقَة كَالْهَدِيَّةِ، وَالسَّلَامِ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهُ عِنْدَ لِقَائِهِ، وَتَفَقُّد حَاله، وَمُعَاوَنَته
فِيمَا يَحْتَاجِ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَفّ أَسْبَابِ الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعِهِ حِسِّيَّة
كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّة. وَقَدْ نَفَى ◌َِّ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنِ جَارِهِ بَوَائِقْه كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي