Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
کتاب اللباس
لَهُ فِي الْآخِرَةِ». مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٣٢١ [وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ
والذَّهَبِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وعن لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيَاجِ، وَأَنْ تَجْلِسَ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقُّ
عَلَيْهِ](٢).
(نَهَانَا رَسُولُ اللهِ وَ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ) قال الحافظ: زَادَ مُسْلِم
مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْبَرَاءِ: ((فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبِ فِيهَا فِي الْآخِرَة).
وَمِثْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَفَعَهُ: ((مَنْ شَرِبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّة وَالذَّهَبِ فِي الدُّنْيَا
لَمْ يَشْرَبِ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ، وَآنِيَةِ أَهْلِ الْجَنَّة الذَّهَب وَالْفِضَّة)) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَب وَالْفِضَّة عَلَى كُلّ مُكَلّف
رَجُلاً كَانَ أَو إِمْرَأَةٍ، وَلَا يَلْتَحِقِ ذَلِكَ بِالْخُلِّ لِلنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِن التََّيُّنِ الَّذِي أُبِيحَ لَهَا
فِي شَيْءٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيِّ وَغَيْره: فِي الْحَدِيثِ تَحْرِيم اِسْتِعْمَال أوانِي الذَّهَب وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْل
وَالشُّرْب، وَيُلْحَقِ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْلِ التَّطَيُّب وَالشَّكَحُّلِ وَسَائِرِ وُجُوهِ
الإِسْتِعْمَالَات، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهورِ، وَأَغْرَبَتْ طَائِفَة شَذَّتْ فَأَبَاحَتْ ذَلِكَ مُظْلَقًا، وَمِنْهُمْ
مَنْ قَصَرَ التَّحْرِيمِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى الشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى
الزِّيَادَةِ فِي الْأَكْلِ، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ، فَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعِ إِلَى عَيْنِهمَا، وَيُؤَيِّدهُ
قَوْله: هِيَ لَهُمْ وَإِنَّهَا لَهُمْ.
وَقِيلَ: لِكَوْنِهِمَا الْأَثْمَانِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، فَلو أُبِيحَ اِسْتِعْمَالِهَا لَجَازَ اتََّاذ الْآَلَات
مِنْهُمَا، فَيُفْضِي إِلَى قِلَّتهمَا بِأَيْدِي النَّاسِ فَيُجْحَفِ بِهِمْ، وَمَثَّلَهُ الْغَزَالِيّ بِالْحُكَّامِ الَّذِينَ
وَظِيفَتهم التَّصَرُّفِ لِإِظْهَارِ الْعَدْلِ بَيْنِ النَّاسِ، فَلو مَنَعُوا الَّصَرُّفِ لَأَخَلَّ ذَلِكَ بِالْعَدْلِ،
(١) أخرجه البخاري (٥٤٩٧)، ومسلم (٢٠٦٨) ومالك (١٦٣٧) والطيالسي (١٩٣٧) وأحمد (٤٧٦٧)
وأبو داود (٤٠٤٠) والنسائي (٥٣٠٧) وابن ماجه (٣٥٩١).
(٢) أخرجه بلفظه البخاري (٥٨٣٧) وبنحوه مسلم (٥٥٢١).

٣٠٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
فَكَذَا فِي إِتَّخَاذ الْأوانِي مِنِ النَّقْدَيْنِ حَبْس لَهُمَا عَنِ النَّصَرُّفِ الَّذِي يَنْتَفِعِ بِهِ النَّاس.
وَيَرُدّ عَلَى هَذَا جَوَازِ الْحُلِيّ لِلنِّسَاءِ مِن التَّقْدَيْنِ، وَيُمْكِنِ الاِنْفِصَالِ عَنْهُ، وَهَذِهِ
الْعِلَّةِ هِيَ الرَّاجِحَة عِنْدِ الشَّافِعِيَّة، وَبِهِ صَرَّحَ أبو عَلِيّ السَّنْجِيّ وَأَبو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ.
وَقِيلَ: عِلَّةِ التَّحْرِيمِ السَّرَف وَالْخُيَلَاءِ، أو كَسْرِ قُلوب الْفُقَرَاءِ.
وَيَرُدّ عَلَيْهِ جَوَاز اِسْتِعْمَالِ الْأَوانِي مِن الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَعَالِيهَا أَنْفَسِ وَأَكْثَر
قِيمَة مِن الذَّهَب وَالْفِضَّةِ، وَلَمْ يَمْنَعِهَا إِلَّا مَنْ شَذَّ.
وَقَدْ نَقَلَ إِبْنِ الصَّبَّاغْ فِي ((الشَّامِلِ)) الْإِجْمَاعِ عَلَى الْجَوَازِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيّ وَمَنْ
بَعْده، لَكِنْ فِي ((زَوَائِدِ الْعُمْرَانِيَ)) عَنْ صَاحِب (الْفُرُوع)) نَقْل وَجْهَيْنِ.
وَقِيلَ: الْعِلَّةِ فِي الْمَنْعِ التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ، وَفِي ذَلِكَ نَظَر ◌ِثُبُوتِ الوعيد لِفَاعِلِهِ،
وَمُجَرَّدِ التَّشَبُّهُ لَا يَصِل إِلَى ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي إِنتَّخَاذ الْأَوانِي دُون اِسْتِعْمَالِهَا كَمَا
تَقَدَّمَ، وَالْأَشْهَرِ الْمَنْعِ وهو قَوْل الْجُمْهور، وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٍ، وهو مَبْنِيّ عَلَى الْعِلَّة
فِي مَنْعِ الإِسْتِعْمَالِ، وَيَتَفَرَّعِ عَلَى ذَلِكَ غَرَامَةِ أَرْش مَا أُفْسِدَ مِنْهَا وَجَوَازِ الإِسْتِثْجَارِ
عَلَيْهَا.
٤٣٢٢ - [وَعَنْ عَلِىّ ﴾ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِهِ حُلَّةُ سِيَرَاءَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَّ
فَلَبِسْتُهَا فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((إِّ لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا بَعَثْتُ
بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَفِّقَهَا ثُمُرًّا بَيْنَ النِّسَاءِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(لِتُشَقِّقَهَا خُرًا بَيْنَ النِّسَاء) أي: تقَطّعهَا فَتُفَرِّقْهَا عَلَيْهِنَّ خُمُرًّا، وَالْخُمُر بِضَمّ
الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيم جَمْع: خِمَارِ بِكَسْرِ أوله وَالتَّخْفِيف: مَا تُغَّ بِهِ الْمَرْأَةَ رَأْسِهَا.
وَالْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (بَيْنَ النِّسَاءِ) مَا فَسَّرَهُ فِي رِوَايَةٍ أَبِي صَالِحِ حَيْثُ قَالَ: ((بَيْن
الْفَوَاطِم)) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ حَيْثُ قَالَ: ((فَرَجَعْت إِلَى فَاطِمَة فَشَقَقْتَهَا، فَقَالَتْ: مَاذَا
جِئْت بِهِ؟ قُلْت: نَهَانِي رَسُول الله ◌ِّهِ عَنْ لُبْسِهَا فَالْبَسِيهَا وَاكْسِي نِسَاءَك)) وَفِي هَذِهِ
الرِّوَايَةِ أَنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا شَقَّقَهَا بِإِذْنِ النَّتِيّ ◌َّ.
(١) أخرجه البخاري (٢٦١٤)، ومسلم (٥٥٤١).

٣٠٣
كتاب اللباس
قَالَ أبو ◌ُحَمَّد بْنِ قُتَيْبَة: الْمُرَاد بِالْفَوَاطِمِ: فَاطِمَة بِنْتِ النَّبِيّ وََّ، وَفَاطِمَة بِنْت
أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ وَالِدَة عَلِيّ، وَلَا أَعْرِفِ الثَّالِئَة.
وَذَكَرَ أبو مَنْصُورِ الْأَزْهَرِيّ: إِنَّهَا فَاطِمَة بِنْت حَمْزَةِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِب.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي ((كِتَابِ الْهَدَايَا)) وَعَبْد الْغَنِيّ بْن
سَعِيدٍ فِي ((الْمُبْهَمَات)) وَابْنِ عَبْدِ الْبَرّ كُلّهِمْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيد بْن أَبِي زِبَاد عَنْ أَبِي فَاخِتَة
عَنْ هُبَيْرَة بْنِ يَرِيم - بِتَحْتَانِيَّةِ أوله ثُمَّ رَاءٍ وَزْن عَظِيم - عَنْ عَلِيّ فِي نحو هَذِهِ
الْقِصَّة قَالَ: ((فَشَقَقْتِ مِنْهَا أَرْبَعَة أَخِْرَة)) فَذَكَرَ القَّلَاث الْمَذْكُورَاتِ، قَالَ: وَنَسِيَ يَزِيد
الرَّابِعَة.
وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيِّ ((حِمَارًا لِفَاطِمَة بِنْت أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمّ عَليّ، وَحِمَارًا لِفَاطِمَة
بِنْتِ النَّبِيّ ◌َّةِ، وَحِمَارًا لِفَاطِمَة بِنْت حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَلِبِ، وَحِمَارًا لِفَاطِمَة أُخْرَى قَدْ
◌َسِيتِهَا)» فَقَالَ عِيَاض: لَعَلَّهَا فَاطِمَةِ إِمْرَأَةٌ عَقِيل بْنِ أَبِي طَالِب، وَهِيَ بِنْت شَيْبَة بْن
رَبِيعَة، وَقِيلَ: بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةْ، وَقِيلَ: بِنْتِ الولِيد بْنِ عُتْبَةً.
وَامْرَأَة عَقِيلِ هَذِهِ هِيَ الَّتِي لَمَّا تَخَاصَمَتْ مَعَ عَقِيل بَعَثَ عُثْمَانِ مُعَاوِيَة وَابْن
عَبَّاس حُكْمَيْنِ بَيْنِهِمَا ذَكَرَهُ مَالِكِ فِي ((الْمُدَوَّنَةِ)) وَغَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى
جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَّابِ؛ لِأَنَّ النَِّّ وَ﴿ أَرْسَلَ الْحُلَّةِ إِلَى عَلِيّ فَبَنَى عَلِيّ عَلَى
ظَاهِرِ الْإِرْسَال، فَانْتَفَعَ بِهَا فِي أَشْهَرِ مَا صُنِعَتْ لَهُ وهو اللُّبْسِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيّ وَ أَنَّهُ لَمْ
يُبِخْ لَهُ لُبْسِهَا، وَإِنَّمَا بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ لِيَكْسُوهَا غَيْرِهِ مِمَّنْ تُبَاحِ لَهُ، وَهَذَا كُلّه إِنْ كَانَت
الْقِصَّةِ وَقَعَتْ بَعْدِ النَّهْي عَنْ لُبْس الرِّجَال الْحَرِير. [الفتح (٤٠٢/١٦)].
٤٣٢٣ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴾ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهَى عَنْ لبسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ
رَسُولُ اللهِ﴿ أُصْبُعَيْهِ: الوسْطَى والسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤٣٢٤ - [وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ أنه خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهَِ عَنْ
(١) أخرجه البخاري (٥٤٩١)، ومسلم (٢٠٦٩)، وأحمد (٣٥٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٦٢٦)، وأبو
عوانة (٨٥١٦)، وأبو یعلی (٢١٤)، وابن حبان (٥٤٥٤).

٣٠٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
◌ُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أو ثَلاثٍ أَوْ أَرْبَع)](١).
٤٣٢٥ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ((إِنَّها أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالَسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٌ لَهَا
◌ِبْنَةُ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنٍ بِالدِّيَبَاجِ، وَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةَ رَسُول اللّه ◌َيِّ كَانَتْ عِنْدَ
عَائِشَةَ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفي
بِهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
(جُبَّة طَيَالِسَةٍ) فهو بِإِضَافَةِ جُبَّة إِلَى طَيَالِسَة، وَالطَّيَالِسَة جَمْعٍ: طَيْلَسَان بِفَتْح
اللَّام عَلَى الْمَشْهور.
قَالَ جَمَاهِيرٍ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يَجُوزِ فِيهِ غَيْرِ فَتْحِ اللَّامِ، وَعَدُّوا كَسْرِهَا فِي تَصْحِيف
الْعَوَامٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ((الْمَشَارِقِ)) فِي حَرْفِ السِّينِ وَالْيَاءِ فِي تَفْسِيرِ السَّاج أَنَّ
الطَّيْلَسَان يُقَال بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمّهَا وَكَسْرِهَا، وَهَذَا غَرِيب ضَعِيف.
(كِسْرَاوَنِيَّة) فهو بِكَسْرِ الْكَاف وَفَتْحِهَا، وَالسِّين سَاكِنَةٍ، وَالرَّاء مَفْتُوحَة.
وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ جُمْهور الرُّوَاةِ رَوَوْهُ بِكَسْرِ الْكَاف، وهو نِسْبَة إِلَى كِسْرَى
صَاحِب الْعِرَاقِ مَلِك الْفُرْسِ، وَفِيهِ كَسْرِ الْكَاف وَفَتْحِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَرَوَاهُ الْهَرَوِيُّ فِي مُسْلِم، فَقَالَ: خِسْرَوَانِيَّة.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَابِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَثِيَابِهِمْ.
وَفِيهِ: إِنَّ النَّهْي عَنِ الْحَرِيرِ الْمُرَادِ بِهِ الثَّوْبِ الْمُتَمَخِّضُ مِن الْخَرِير، أو مَا أَكْثَره
حَرِيرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم كُلّ جُزْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَالذَّهَب، فَإِنَّهُ يَحْرُم كُلّ جُزْءٍ
؛و
مِنْهُمَا.
(١) أخرجه مسلم (٢٠٦٩)، وأحمد (٣٦٥)، وأبو داود (٤٠٤٢)، والترمذي (١٧٢١) وقال: حسن
صحيح. وابن ماجه (٢٨٢٠)، وأبو عوانة (٨٥١٩)، وأبو يعلى (٢١٣)، وابن حبان (٥٤٣٣)، وأبو
نعيم في «الحلية)) (١٧٦/٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٥٣٠)، والبيهقي (٤٣٨١).

٣٠٥
كتاب اللباس
وَأَمَّا قَوْلهِ فِي الْجُبَّةِ: (إِنَّ لَهَا لِيْنَة) فهو بِكَسْرِ اللَّام وَإِسْكَان الْبَاء، هَكَذَا ضَبَطَهَا
الْقَاضِي وَسَائِرِ الشُّرَّاحِ، وَكَذَا هِيَ فِي كُتُب اللُّغَةِ وَالْغَرِيب.
قَالُوا: وَهِيَ رُقْعَة فِي جَيْبِ الْقَمِيص، هَذِهِ عِبَارَتهمْ كُلّهِمْ، والله أعلم.
(وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ) فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ بِفِعْلٍ مَخْذُوف؛
أي: وَرَأَيْتِ فَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنٍ، وَمَعْنَى الْمَكْفُوف: إنَّهُ جَعَلَ لَهَا كُفَّة بِضَمِّ الْگاف، وهو
مَا يُكَفّ بِهِ جَوَانِبِهَا وَيُعْطَف عَلَيْهَا، وَيَكُون ذَلِكَ فِي الدَّيْلِ وَفِي الْفَرْجَيْنِ وَفِي
الْكُمَّيْنِ، وَفِي هَذَا جَوَازِ لِيَاس الْجُبَّة وَلِبَاس مَا لَهُ فَرْجَانٍ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةٍ فِيهِ، وَالله
أَعْلَم. [النووي (١٤٥/٧)].
٤٣٢٦ [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: ((رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ وَهِ لِلِزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنْ عُوف
فِي لُبْسِ الْخَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: (إِنَّهُمَا شَكَوَا الْقَمْلَ،
فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْخَرِيرِ)](١).
قال النووي: هَذَا الْحَدِيث صَرِيحٍ فِي الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّهُ
يَجُوز لُبْس الْخَرِير لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَتْ بِهِ حِكَّة لِمَا فِيهِ مِن الْبُرُودَةِ، وَكَذَلِكَ لِلْقَمْلِ،
وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، وَقَالَ مَالِك: لَا يَجُوز، وَهَذَا الْحَدِيث حُجَّة عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا
الْحَدِيث دَلِيل ◌ِوَازٍ لُبْس الْخَرِيرِ عِنْدِ الضَّرُورَة كَمَنْ فَاجَأَتْهُ الْحَرْب وَلَمْ يَجِدِ غَيْره.
[١٥٤/٧].
٤٣٢٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو بن العاص قَالَ: رَأَى رسول اللّهِ وَّهُ عَلَىّ
تَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسهُمَا)) وِفِي رِوايَةٍ: قُلْتُ:
أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: (لَا، بَلِ إِحْرَقْهُمَا)). رَوَاهُ مُسْلِمُ (٢). وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَائِشَةٍ: ((خَرَجَ النَّبِيُّ
ذَاتَ غَدَاةَ» فِي بَابِ ((مَنَاقِبٍ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ وَّ].
(١) أخرجه البخاري (٥٨٣٩)، ومسلم (٥٥٥٢ - ٥٥٥٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٧٧)، وأحمد (٦٩٣١)، والنسائي (٥٣١٦)، والطيالسي (٢٢٧٨)، وأبو عوانة
(٨٥٣٢)، والحاكم (٧٣٩٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٥٧٦٥).

٣٠٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(الفصل الثاني)
٤٣٢٨ - [عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ((كَانَ أَحَبَّ الثّيَابِ إِلَى رَسُولِ الله ◌َيُّ
الْقَمِيصُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأبو داود].
٤٣٢٩ - [وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: «كَانَ كُمُّ قَمِيصٍ رَسُولِ اللهِ وَهُ إِلَى
الرُّصْغِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ](١).
٤٣٣٠ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ
بِمَيَامِنِهِ)) رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ](٢).
٤٣٣١ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ: هَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
((أَزُرَّةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافٍ سَاقَيْهِ، لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ
مِنَ ذلكِ فِي النَّارِ) قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ («لا يَنْظُرُ اللهُ يوم القيامة إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ
بَطَرًا)). رَوَاهُ أبو داودٍ وَابْنُ مَاجَه](٣).
٤٣٣٢ - [وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ
وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ أُبو داود
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه](٤).
قال النووي: فَالْمُسْتَحَبّ نِصْف السَّاقَيْنِ، وَالْجَائِزِ بِلَا كَرَاهَة مَا تَحْتَه إِلَى
الْكَعْبَيْنِ، فَمَا نَزَلَ عَنِ الْكَعْبَيْنِ فهو مَمْنُوعٍ، فَإِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فهو مَمْنُوع مَنْع تَخْرِيم،
وَإِلَّا فَمَنْع تَبْزِیه.
(١) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٥٩).
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٧٢).
(٣) أخرجه مالك (١٦٣١)، والطيالسي (٢٢٢٨)، وأحمد (١١٩٤٤)، وأبو داود (٤٠٩٣)، والنسائي في
(«الكبرى) (٩٧١٤)، وابن ماجه (٣٥٧٣)، والبيهقي (٣١٣٥)، وابن حبان (٥٤٤٦)، وأبو يعلى
(٩٨٠)، والحميدي (٧٣٧)، وأبو عوانة (٨٦٠٢)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥٢٠٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٠٩٤)، والنسائي (٥٣٣٤)، وابن ماجه (٣٥٧٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٦١٣١)، وابن أبي شيبة (٢٤٨٤٠)، والديلمي (٤٣١).

٣٠٧
كتاب اللباس
وَأَمَّا الْأَحَادِيثِ الْمُظْلَقَةِ بِأَنَّ مَا تَحْتِ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ، فَالْمُرَاد بِهَا مَا كَانَ
لِلْخُيَلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُظْلَق، فَوَجَبَ حَمْلَه عَلَى الْمُقَيَّد، والله أعلم.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَبِالْجُمْلَةِ يُكْرَه كُلّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ وَالْمُعْتَاد ◌ِي
اللِّبَاس مِن الطُّول وَالسَّعَة، والله أعلم.
٤٣٣٣ - [وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ قَالَ: «كَانَ كِمَامُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ وَلِ بُطْحًا)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ مُنْكَرٍّ](١).
٤٣٣٤ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَ حِينَ ذَكَرَ الإِزَارَ: فَالْمَرَأَةُ يَا
رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((تُرْخِي شِبْرًا)) فَقَالَتْ: إِذَّا تَنْكَشِفُ عَنْهَا. قَالَ: ((فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ)).
رَوَاهُ مَالِكٌّ وَأبو داود وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه](9).
٤٣٣٥ - [وِفِي رِوايَة التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِّ عَن ابْنِ عُمَرَ فَقَالَت: إِذَا تَنْكَشِفُ
أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: ((فَيُرخِينَ ذِرَاعًا، لَا يزِدْنَ عَلَيْهِ)] (٣).
٤٣٣٦ - [وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ
فَبَايَعْوَهُ وَإِنَّه لَمُطْلَقُ الأَزْرَارِ؛ فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبٍ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ. رَوَاهُ
أبو داود] (٤).
(مُعَاوِيَة بْنِ قُرَّة) بِضَمّ قَاف وَتَشْدِيد رَاءٍ (فِي رَهْط) أي: مَعَ طَائِفَة، وَ((فِي)»
تَأْتِي بِمَعْنَى ((مَعَ)) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُدْخُلوا فِي أَمَمِ﴾ وَالرَّهْطِ بِسُكُونِ الْهَاءِ
وَيُجَرَّك: قَوْمِ الرَّجُلِ وَقَبِيلَته، أو مِنْ ثَلاثَة إِلَى عَشَرَة. كَذَا فِي (الْقَامُوس)).
وَقِيلَ: إِلَى الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا فِي ((النِّهَايَة)).
(١) أخرجه الترمذي (١٨٩٤).
(٢) أخرجه مالك (١٦٦٧)، وأبو داود (٤١١٩)، والنسائي (٥٣٥٤)، وابن ماجه (٣٧١١)، وابن حبان
(٥٥٤٣).
(٣) أخرجه الترمذي (١٨٣٥)، والنسائي (٥٣٥٥).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٦٨٠)، وأبو داود (٤٠٨٤).

٣٠٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(مِنْ مُزَيْنَة) بِالتَّصْغِيرِ: قَبِيلَة مِنْ مُضَر، وَالْجَارّ صِفَة لِرَهْطِ (وَإِنَّ قَمِيصه
لَمُظْلَقِ الْأَزْرَارِ) جَمْع: زِرّ الْقَمِيصِ، وَفِي بَعْض النُّسَخِ: ((وَإِنَّ قَمِيصه لَمُطْلَق)» بِغَيْرِ
ذِكْر الْأَزْرَارِ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ فِي ((شَمَائِله): ((وَإِنَّ قَمِيصه لَمُطْلَق، أو قَالَ: زِرّ
قَمِيصه مُظْلَق)».
قَالَ الْقَارِي: مُفَسِّرًّا لِقَوْلِهِ: ((لَمُظْلَقِ الْأَزْرَار)) أي: مَحْلولها أو مَتْرُوكِهَا مُرَكَّبَة.
قَالَ مَيْرِك: أي: غَيْرِ مَشْدُود الْأَزْرَار.
وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيّ: أي: غَيْرِ مَزْرُور.
قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا الإِخْتِلَافِ مَبْنِيّ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ))، ثُمَّ نَقَلَ رِوَايَة ((الشَّمَائِل»
إِلَى قَوْله: ((وَإِنَّ قَمِيصه لَمُظْلَق أو قَالَ: زِرّ قَمِيصه مُطْلَق)) وَقَالَ: أي: غَيْرِ مُرَّكَّبَة بِزُرَار أو
غَيْرِ مَرْبُوط، وَالشَّكّ مِنْ شَيْخِ التِّرْمِذِيّ. اِنْتَهَى.
(فِي جَيْب قَمِيصه) بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون التَّحْتِيَّةِ بَعْدهَا مُوَخَّدَة: مَا يُقْطَع مِن
الثَّوْبِ؛ لِيُخْرِجِ الرَّأْس أو الْيَد أو غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظِ فِي ((الْفَتْح)): قَوْله: ((أَدْخَلْتِ يَدِي ... إِلَخْ)) يَقْتَضِي أَنَّ جَيْب قَمِيصه
كَانَ فِي صَدْرِه لِمَا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رُئِيَ مُطْلَق الْقَمِيص؛ أي: غَيْرِ مَزْرُور. إِنْتَهَى.
(فَمَسِسْت) بِكَسْرِ السِّين الأولى وَيُفْتَحِ وَالْأولى هِيَ اللُّغَةِ الْفَصِيحَة؛ أي:
لَمَسْت (الْخَاتَم) بِفَتْحِ التَّاء وَبِكَسْرٍ؛ أي: خَاتَم الثُّبُوَّة (إِلَّا مُظْلِقَيْ أَزْرَارِهِمَا) بِفَتْحِ
الْقَافِ وَسُكُون التَّحْتِيَّةِ عَلَى صِيغَة التَّثْنِيَة، سَقَطَت النُّون بِالْإِضَافَةِ (وَلَا يُزَرِّرَانِ
أَزْرَارِهِمَا أَبَدًا) وَفِي بَعْض النُّسَخِ: (وَلَا يُزِرَّانِ)) مِن الثُّلَائِيّ.
فِي (الصُّرَاحِ)): زَرَّ بِالْفَتْحِ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَإِنَّمَا تَرَكَا الزَّرّ؛ لِشِدَّةِ إِتِّبَاعِهِمَا لِمَا كَانَ
عَلَيْهِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَكَذَلِكَ كَانَ اِبْنِ عُمَر ﴾﴿ يَكُون مَحْلول الْأَزْرَارِ، وَقَالَ: رَأَيْت
رَسُولِ اللهِ وَله ◌َحْلول الْأَزْرَار. رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ حَسَن.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه.
وَوَالِدِ مُعَاوِيَة هو قُرَّة بْنِ إِيَاسِ الْمُزَنِيُّ لَهُ صُحْبَةٍ، وَكُنْيَته: أبو مُعَاوِيَة، وهو جَدّ

٣٠٩
کتاب اللباس
إِيَاس بْن مُعَاوِيَة بْن قُرَّةٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُظِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث تَفَرَّدَ بِهِ.
[عون (١١٣/٩)].
٤٣٣٧ - [وَعَنْ سَمُرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((الْبَسُوا القِيَابَ الْبِيضَ فَإِنَّهَا أَظْهَرُ
وَأَظْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْنَاكُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ](١).
٤٣٣٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ](٢).
٤٣٣٩ - [وَعَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: ((عَمَّمَنِي رَسُولُ اللهِ وَلَ فَسَدَلَهَا بَيْنَ
يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي)). رَوَاهُ أبو داود](٣).
(عَمَّمَنِي) بِمِيمَيْنِ؛ أي: لَفَّ عِمَامَتِي عَلَى رَأْسِي (فَسَدَلَهَا بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي)
أي: أَرْسَلَ لِعِمَامَتِي طَرَفَيْنِ أَحَدهمَا عَلَى صَدْرِي وَالْآخَرِ مِنْ خَلْفِي بَيْنِ الْكَتِفَيْنِ، كَمَا
يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَمْرو بْنِ حُرَيْثِ الْمَذْكُور، وهو حَدِيث صَحِيح.
وَفِي ((جَامِعِ التِّرْمِذِيّ) عَن إِبْنِ عُمَر قَالَ: ((كَانَ النَّبِيّ ◌َّهِ إِذَا اِعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَته
بَيْنِ كَتِفَيْهِ)) قَالَ نَافِعٍ: وَكَانَ اِبْنِ عُمَرِ يَسْدُل عِمَامَته بَيْن كَتِفَيْهِ. قَالَ عُبَيْد الله: وَرَأَيْت
الْقَاسِمِ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي ((السُّبُل)): مِنْ آدَاب الْعِمَامَة تَقْصِيرِ الْعَذَبَةِ، فَلَا تَطُول ◌ُولاً فَاحِشًا
وَإِرْسَالَهَا بَيْنِ الْكَتِفَيْنِ، وَيَجُوز تَرْكِهَا بِالْأَصَالَةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّب)): يَجُورِ لُبْس الْعِمَامَةِ بِإِرْسَالِ طَرَفْهَا وَبِغَيْرٍ
إِرْسَاله وَلَا كَرَاهَةٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَصِحّ فِي النَّهْي عَنْ تَرْكَ إِرْسَالِهَا شَيْءٍ، وَإِرْسَالهَا
(١) أخرجه أحمد (٢٠١٦٦)، والترمذي (٢٨١٠) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٥٣٢٢)، وابن ماجه
(٣٥٦٧)، والطيالسي (٨٩٤)، وابن سعد (٤٥٠/١)، والطبراني (٦٧٥٩) وفي «الأوسط)» (٣٩١٩)،
والبيهقي (٦٤٨٢)، وعبد الرزاق (٦١٩٩)، والحاكم (٧٣٧٩).
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٤٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٨١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٩٨٣).

٣١٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
إِرْسَالاً فَاحِشًا كَإِرْسَالِ الثَّوْبِ يَحْرُمْ لِلْخُيَلَاءِ وَيُكْرَه لِغَيْرِهِ. إِنْتَهَى.
وَقَدْ أَخْرَجَ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ أَنَّ عَبْد الله بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعْتَمّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاء قَدْ
أَرْخَاهَا مِنْ خَلْفه تَحْوًّا مِنْ ذِرَاعٍ.
وَرَوَى سَعْد بْنِ سَعِيد عَنْ رِشْدِينَ قَالَ: رَأَيْت عَبْد الله بْنِ الزُّبَيْرِ يَعْتَمّ بِعِمَامَةٍ
سَوْدَاءِ، وَيُرْخِيهَا شِبْرًا أو أَقَلّ مِنْ شِبْر.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَائِيُّ فِي ((الْأَوْسَط)) عَن إِبْنِ عُمَرِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهِ عَمَّمَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْف فَأَرْسَلَ مِنْ خَلْفه أَرْبَعِ أَصَابِعِ أَوْ نَخْوِهَا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا فَاعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَب
وَأَحْسَن.
قَالَ السُّيُوِيّ: وَإِسْنَاده حَسَن.
وَفِي «الْمِرْقَاة): قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي (تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ): قَدْ تَتَبَّعْتِ الْكُتُب وَتَطَلَّبْت
مِنِ السِّيَّرِ وَالتَّوَارِيخ ◌ِأَقِفْ عَلَى قَدْرِ عِمَامَةِ النَِّيّ ◌َّهِ، فَلَمْ أَقِفِ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أَخْبَرَنِي
مَنْ أَثِقِ بِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيّ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَلِ عِمَامَة قَصِيرَة
وَعِمَامَةِ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّ الْقَصِيرَة كَانَتْ سَبْعَةٍ أَذْرُعْ وَالطَّوِيلَة إِثْنَيْ عَشَرِ ذِرَاعًا. ذَكَرَهُ
الْقَارِي.
وَقَالَ: وَظَاهِرِ كَلَامِ الْمَدْخَلِ أَنَّ عِمَامَته كَانَتْ سَبْعَة أَذْرُع مُظْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْبِيد
بِالْقَصِيرِ وَالطَِّيلِ. إِنْتَهَى.
وَفِي («التَّيْلِ)): قَالَ اِبْنِ رَسْلَان في (شَرْحِ السُّنَن)) عِنْد ذِكْرِ حَدِيث عَبْد الرَّحْمن:
وَهِيَ الَّتِي صَارَتْ شِعَارِ الصَّالِحِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ؛ يَعْنِي: إِرْسَال الْعَلَامَة عَلَى الصَّدْر.
إِنْتَهَى، وَالله تَعَالَى أَعْلَم وَعِلْمِهِ أَتَمّ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: شَيْخِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَن مَجْهول. [عون (١٠٨/٩)].
٤٣٤٠ - [وَعَنْ رُكَانَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ
عَلَى الْقَلَانِسِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبُ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ

٣١١
كتاب اللباس
بِالقَائِمِ](١).
٤٣٤١ - [وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: «أُحِلّ الذَّهَب وَالْحَرِيرِ
لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحَرُمَ عَلَى ذُكُورِهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ حَسَنُ صَحِيحٌ](٩).
٤٣٤٢ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ
بِاسْمِهِ: عِمَامَةً أَو قَمِيصًا أو رداءً، ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ
خَيْرُهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأُبو
داود](٣).
٤٣٤٣ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّ وَلا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ أبو داود: ((وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي
كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّ وَلا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا
تَأَخَّرَ)](٤).
٤٣٤٤ - [وَعَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِذَا أَرَدْتِ
اللَّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٧٨)، والترمذي (١٧٨٤)، والطبراني (٤٦١٤)، وابن سعد (٣٧٤/١)،
والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٨٢/١) وقال: إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض.
والحاكم (٥٩٠٣)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٦٢٥٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٩٥٢١)، والترمذي (١٨٢٤)، والنسائي (٥١٤٨)، والبيهقي (٤٠٢٠)، والطيالسي
(٥٠٦).
(٣) أخرجه أحمد (١١٥٥٢)، وأبو داود (٤٠٢٢)، والترمذي (١٨٧٣).
(٤) أخرجه أحمد (١٥٦٧٠)، وأبو داود (٤٠٢٣)، والترمذي (٣٤٥٨) وقال: حسن غريب. وابن ماجه
(٣٢٨٥)، والطبراني (٣٨٩)، والحاكم (١٨٧٠) وقال: صحيح على شرط البخاري. وأبو يعلى
(١٤٨٨).

٣١٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ
صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ)(١).
٤٣٤٥ - [وَعَنْ أَّبِي أَمَامَةَ إِيَاسِ بن ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه ◌َلَةُ: ((أَلا
تَسْمَعُونَ؟ أَلا تَسْمَعُونَ؟ إِن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ، إن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ)). رَوَاهُ أبو
داود](٢).
(أَلَا تَسْمَعُونَ أَلَا تَسْمَعُونَ) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَ((أَلَا)) بِالتَّخْفِيفِ؛ أي: اِسْمَعُوا (إِنَّ
الْبَذَاذَة) بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَتَيْنِ رَثَائَة الْهَيْئَة، وَالْمُرَاد بِهَا هُنَا: تَرْك التَّرَقُّه وَالتَّنَطُّع في
اللَّبَاسِ وَالتَّوَاضُعِ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا بِسَبَبٍ جَحْدِ نِعْمَة الله تَعَالَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْبَذَاذَة سُوء الْهَيْئَة وَالتَّجَوُّز في القّيَاب وَنحوها، يُقَال: رَجُل بَاذَ
الْهَيْئَةِ: إِذَا كَانَ رَثّ الْهَيْئَةِ وَاللَّبَاس.
٤٣٤٦ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ من
الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللهُ تَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود وَابْنُ مَاجَه] (٣).
٤٣٤٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فهو مِنْهُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وأبو داود](٤).
(مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَلْقَمِيّ: أي: تَزَنَّ فِي ظَاهِرِهِ
بِزِيِّهِمْ، وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَذْيهِمْ فِي مَلْبَسِهِمْ وَبَعْض أَفْعَالهِمْ. إِنْتَهَى.
وَقَالَ الْقَارِي: أي: مَنْ شَبَّهَ نَفْسه بِالْكُفَّارِ مَثَلاً مِن اللَّبَاس وَغَيْره، أو بِالْفُسَّاقِ
أو الْفُجَّارِ أو بِأَهْلِ النَّصَوُّفِ وَالصُّلَحَاءِ الْأَبْرَار.
(١) أخرجه الترمذي (١٧٨٠)، والحاكم (٧٨٦٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٦١٨١)، وابن سعد
(٧٦/٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٤١١٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٤٧٠).
(٣) أخرجه أحمد (٥٦٦٤)، وأبو يعلى (٥٦٩٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٥٦٠)، وابن ماجه (٣٦٠٦).
(٤) أخرجه أحمد (٥٨٠٠)، وأبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة (١٩٤٠١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(١١٩٩).

٣١٣
کتاب اللباس
(فهو مِنْهُمْ) أي: فِي الْإِثْم وَالْخَيْرِ. قَالَهُ الْقَارِي.
قَالَ الْعَلْقَمِيّ: أي: مَنْ تَشَبَّهَ بِالصَّالِحِينَ يُكْرَم كَمَا يُكْرَمُونَ، وَمَنْ تَشَبَّةَ
بِالْفُسَّاقِ لَمْ يُكْرَمِ، وَمَنْ وُضِعَ عَلَيْهِ عَلَامَة الشُّرَفَاءِ أُكْرِمَ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ شَرَفِه. اِنْتَهَى.
وَقَد اِحْتَجَّ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْحَدِيثِ أَقَلْ أَحْوَالهِ أَنْ
يَقْتَضِيَ تَحْرِيمِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ كَمَا فِي قَوْله: ﴿مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]
وهو نَظِير قَوْل عَبْد الله بْن عَمْرو أَنَّهُ قَالَ: مَنْ بَنَى بِأَرْضِ الْمُشْرِكِينَ، وَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ
وَمِهْرَجَانَهِمْ، وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتِ حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَدْ يُجْمَل هَذَا عَلَى
التَّشَبُّهِ الْمُظْلَقِ فَإِنَّهُ يُوجِب الْكُفْرِ، وَيَقْتَضِي تَحْرِيمِ أَبْعَاض ذَلِكَ، وَقَدْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ
مِنْهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يُشَابِهِهُمْ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ كُفْرًا أو مَعْصِيَة أو شِعَارًا لَهَا
کَانَ حُكْمِه كَذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيّ عَنِ إِبْنِ عُمَر عَنِ النَِّيّ ◌َِّ نَهَى عَنِ التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ، وَقَالَ: ((مَنْ
تَشَبََّ بِقَوْمٍ فهو مِنْهُمْ)) وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أبو يَعْلَى.
وَبِهَذَا اِحْتَجَّ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِن الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةٍ أَشْيَاءِ مِنْ زِيّ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ،
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ رَسُول الله وَلِّ
قَالَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا)) إِنْتَهَى كُلَامِه مُخْتَصَرًا.
وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْعَلَّمَةِ الْمُنَاوِيُّ فِي ((فَتْحِ الْقَدِير))، ثُمَّ الْقَاضِي
بَشِير الدِّينِ الْقَنُّوچِيّ فِي مُؤَلَّفَاته.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِت بْنِ ثَوْبَانٍ، وهو ضَعِيف. اِنْتَهَى.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي ((الْفَتْحِ)): حَدِيث اِبْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ فِي اللِّبَاس.
قَالَ السَّخَاوِيّ: فِيهِ ضَعْف لَكِنْ لَهُ شَوَاهِد.
وَقَالَ إِبْنِ تَيْمِيَّةَ: سَنَدُهُ جَيِّد.
وَقَالَ إِبْنِ حَجَرٍ فِي ((الْفَتْح)): سَنَده حَسَن.
٤٣٤٨ - [وعَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ عَنْ

٣١٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ تَرَكَ لُبْسَ تَوْبٍ جَمَالٍ وهو يَقْدِرُ عَلَيْهِ - وِفِي رِوايَةٍ:
(تَوَاضُعًا)) - كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ تَزَوَّجَ الله تَوَّجَهُ اللهُ تَاجَ الْمُلْكِ)). رَوَاهُ أبو
داود](١).
٤٣٤٩ - [وَرَوَى التّرمِذِيُّ مِنْهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ حَدِيثَ اللِّبَاسِ)(؟).
٤٣٥٠ - [وَعَنْ عُمَرَو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهُ عَلَى عَبْدِهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٣).
٤٣٥١ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ وَ زَائِرًا فَرَأَى رَجُلاً شَعِثًا قد تفرق
شعره فَقَالَ: (مَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ؟» وَرَأَى رَجُلاً عَلَيْهِ ثِيَابُ وَسِخَةٌ
فَقَالَ: (مَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثوبَهُ؟)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ](٤).
٤٣٥٢ - [وَعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أتيتُ رسولَ الله وَ﴿ وَعَلَيَّ تَوبَّ دُونٌ،
فقَالَ لِي: أَلَكَ مَالَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ أَي: المَالِ؟ قُلْتُ: مِنْ كُلِّ المَالِ، قَدْ
أَعْطَانِي اللهُ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنّمِ وَالْخَيلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: فَإِذَا آتَاكَ اللهُ مَالاً فَلْيُرَ أْثَرُ
نِعْمَةِ الله عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي ((شَرْجِ السُّنَّةِ)) بِلَفْظِ
(المَصَابِيحَ))](٥).
٤٣٥٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمَرٍو قَالَ: ((مَرَّ رَجُلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ
عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأبو داود ](٦).
٤٣٥٤ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهَوَ قَالَ: ((لَا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ، وَلَا
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٧٧)، والقضاعي (٤٣٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٦٩).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٨١٩).
(٤) أخرجه أحمد (١٤٨٩٣)، وأبو داود (٤٠٦٢)، وأبو يعلى (٢٠٢٦)، وابن حبان (٥٤٨٣)، والحاكم
(٧٣٨٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٦/٣).
(٥) أخرجه أحمد (١٦٣٠٨)، والنسائي (٥٢٤١)، والبغوي (٧٣٣/١).
(٦) أخرجه أبو داود (٤٠٧١)، والترمذي (٣٠٣٧).

٣١٥
كتاب اللباس
أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ) وَقَالَ: (أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ
لَا لونَ لَهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ لونَّ لَا رِيحَ لَهُ». رَوَاهُ أَبو داود](١).
(لَا أَرْكَبِ الْأُرْجُوَانِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحِيمِ بَيْنِهِمَا رَاء سَاكِنَةٍ ثُمَّ واو خَفِيفَة، قَالَ
الْخَطَّابِيُّ فِي ((الْمَعَالِم)): الْأَرْجُوَان: الْأَحْمَرِ، وَأَرَاهُ أَرَادَ بِهِ الْمَيَائِرِ الْخُمْرِ، وَقَدْ يُتَّخَذْ مِنْ
دِيبَاج وَحَرِير، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ النَّهْي لِمَا فِي ذَلِكَ مِن السَّرَف، وَلَيْسَتْ مِنْ لِبَاسِ الرِّجَال.
(وَلَّا أَلْبَسِ الْمُعَصْفَرِ) أي: الْمَصْبُوعْ بِالْعُصْفُرِ.
قَالَ الْقَارِي: وهو بِإِظْلَاقِهِ يَشْمَل مَا صُبِغَ بَعْدِ النَّسْجِ وَقَبْله، فَقَوْل الْخُطَائِيّ: مَا
صُبِغَ غَزْله ثُمَّ نُسِجَ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ يَحْتَاجٍ إِلَى دَلِيل مِنْ خَارِج.
(وَلَا أَلْبَس الْقَمِيصِ الْمُكَفَّف بِالْحَرِيرِ) الْمُكَفَّفِ بِفَتْحِ الْفَاء الْأَولِى الْمُشَدَّدَةِ.
قَالَ فِي ((النَّهَايَة)): أي: الَّذِي عُمِلَ عَلَى ذَيْلِه وَأَكْمَامِهِ وَجَيْبِه كِفَافٍ مِنْ حَرِير،
وَكُفَّة كُلّ شَيْءٍ بِالضَّمِّ: طَرَفُهُ وَحَاشِيَتِه، وَكُلّ مُسْتَدِير كِفَّة بِالْكَسْرِ كَكِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَكُلّ
مُسْتَطِيل كُفَّةٍ كَكُفَّةِ الثَّوْب.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا لَا يُعَارِضِ حَدِيث أَسْمَاءِ: ((لَهَا لِبْنَةِ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ
بِالدِّيبَاجِ)) وَقَالَتْ: (هَذِهِ جُبَّة رَسُولِ اللهِوٍَّ)) رَوَاهُ مُسْلِم؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَلْبَس الْقَمِيص
الْمُكَفَّف بِالْحَرِيرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَجَمُّل وَتَرَقُّه، وَرُبَّمَا لَبِسَ الْجُبَّةِ الْمُكَفَّفَةِ.
قَالَ الْقَارِي: وَالْأَظْهَرِ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنِهِمَا أَنَّ قَدْرِ مَا كَفّ هُنَا أَكْثَر مِنِ الْقَدْرِ
الْمُرَخَّصِ ثَمَّةَ، وهو أَرْبَعِ أَصَابِعِ، أو يُحْمَل هَذَا عَلَى الورَعِ وَالتَّقْوَى، وَذَاكَ عَلَى الرُّخْصَة
وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَالْفَتْوَى، وَقَبْلِ هَذَا مُتَقَدِّمٍ عَلَى لُبْس الْجَبَّة، وَالله أَعْلَم.
(وَأَوْمَأَ) أي: أَشَارَ (الْحَسَن) هو الْبَصْرِيّ (إِلَى جَيْب قَمِيصه) الْجَيْب بِفَتْحِ الْحِيم
وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَخَّدَة: هو مِمَّا يُقْطَع مِن الثَّوْبِ؛ لِيَخْرُج مِنْهُ الرَّأْس أو الْيَد
أو غَيْرِ ذَلِكَ (قَالَ) أي: عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ (وَقَالَ) أي: رَسُولِ اللهِ وَ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ
(١) أخرجه أحمد (١٩٩٨٩)، وأبو داود (٤٠٤٨)، والحاكم (٧٤٠٠) وقال: صحيح الإسناد. والطبراني
(٣١٢)، والبيهقي (٥٧٦٨).

٣١٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(وَطِيب الرِّجَال) أي: الْمَأْذُون فِيهِ (رِيح) أي: مَا فِيهِ رِيح (لَا لون لَهُ) كَمِسٍْ وَكَافُور
وَعُودِ (وَطِيب النِّسَاءِ لون لَا رِيحِ لَهُ) كَالزَّغْفَرَانِ وَالْخُلوق؛ أي: بِمَا لَهُ رَائِحَة طَيِّبَة أَوْ
لا.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ أَنَّ النَّبِيّ ◌َ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرِ طِيب الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ
رِيحِه وَخَفِيَ لونه، وَخَيْرِ طِيب النِّسَاء مَا ظَهَرَ لونه وَخَفِيَ رِيحِه، وَنَهَى عَنْ مِيثَرَة
الْأَرْجُوَانِ، وَقَالَ: حَدِيث حَسَن غَرِيب مِنْ هَذَا الوجْه. هَذَا آخِر كَلَامه، وَالْحَسَن لَمْ
يَسْمَعِ مِنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ. [عون (٧١/٩)].
٤٣٥٥ - [وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ◌َّ عَنْ عَشْرٍ: عَن الوشْرِ،
وَالوشْمِ، وَالنَّتْفِ، وَعَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَعَنْ مُكَامَعَةِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ
شِعَارٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ أَسْفَلَ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ، أُو يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا
أَمْثَالَ الْأَعَاجِمِ، وَعَنِ النُّهْبَى، وَعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، وَلُبُوسِ الْخَوَاتِيمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ)).
رَوَاهُ أُبو داود وَالنَّسَائِيُّ](١).
(عَنِ الوشْر) هو تَحْدِيد الْأَسْنَان وَتَرْقِيقِ أَظْرَافِهَا، تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَة تَتَشَبَّه
بِالشَّوَابِّ، مِنْ وَشَرْتِ الْخُشَبَةِ بِالْمِنْشَارِ لُغَةٍ فِي أَشَرْت.
(وَعَنْ مُكَامَعَة الرَّجُلِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ شِعَار) هو أَنْ يُضَاجِعِ الرَّجُلِ صَاحِبه فِي ثَوْب
وَاحِد لَا حَاجِز بَيْنهما.
(وَعَن التُّهْبَى) بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ هِيَ النَّهْبِ، وَقَدْ يَكُون إِسْم مَا يُنْهَب كَالْعُمْرَى
وَالرُّقْبَى.
(وَعَنْ رُكُوب التُّمُور) أي: جُلودِهَا، وَهِيَ السِّبَاعِ الْمَعْرُوفَة وَاحِدهَا نَمِرِ، وَإِنَّمَا
نَهَى عَنِ اِسْتِعْمَالِهَا لِمَا فِيهَا مِنِ الزّينَةِ وَالْخُيَلَاءِ، وَلِأَنَّهُ زِيّ الْعَجَم، وَلِأَنَّ شَعْرهِ لَا يَقْبَل
الدِّبَاغِ عِنْد أَحَدِ الْأَئِمَّةِ إِذَا كَانَ غَيْرِ ذَكِيّ، وَلَعَلَّ أَكْثَرِ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ جُلود النُّمُورِ إِذَا
مَاتَتْ؛ لِأَنَّ إِصْطِيَادهَا عَسِير.
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٥١)، والنسائي (٥١٠٨).

٣١٩
كتاب اللباس
٤٣٥٩ - [وَعَنْ أَبِي رِمْئَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ وَعَلَيْهِ ثَوَبَانِ أَخْضَرَانِ لَهُ
شَعَرُ قَدْ عَلَاهُ الْمَشِيبُ وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وِفِي رِوايَةٍ لأَبِي دَاوُد: (وهو ذُووَفْرَةٍ
بِهَا رَدْعَّ مِنْ حِنَّاءٍ)](١).
٤٣٦٠ - [وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ كَانَ شَاكِيًّا، فَخَرَجَ يَتَوَّكَّأُ عَلَى أُسَامَةَ وَعَلَيْهِ
ثَوْبُ قِطْرِيُّ قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ فَصَلَّى بِهِمْ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))](٢).
(وَعَلَيْهِ ثَوْبُ قِطْرِيُّ) نسبة إلى ((قطر)).
٤٣٦١ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ عَلَى النبيِ﴿ ثَوْبَانِ قِطْرِبَّانِ غَلِيطَانٍ، وَكَانَ إِذَا
فَعَدَ فَعَرِقَ ثَقُلَا عَلَيْهِ فَقَدِمَ بَزُّ مِنَ الشَّامِ لِفُلَانٍ الْتَهُوِدِيِّ، فَقُلْتُ: لو بَعَثْتَ إِلَيْهِ
فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ تَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا تُرِيدُ تَذْهَبُ بِمَالي،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿: ((كَذَبَ قَدْ عَلِمَ أَنّي مِنْ أَتْقَاهُمْ للّه وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ)). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ](٣).
٤٣٦٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ وَ وَعَلِيَّ
ثَوْبُّ مَصْبُوغُ بِعُصْفُرٍ مُوَرَّدٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟)) فَعَرِفْتُ مَا كَرَهَ، فَانْطَلَقْتُ فَأَحْرَقْتُهُ،
فَقَالَ الَّبِيُّ ◌َ: ((مَا صَنَعْتَ بِثَوْبِكَ)) فَقُلْتُ: أَحْرَقْتُهُ، قَالَ: «أَفَلَا كَسَوْتَهُ بَعْضَ أَهْلِكَ؟
فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْنِّسَاءِ)). رَوَاهُ أَبو داود](٤).
( مُوَرَّدٍ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَقْتُوحَةِ.
قَالَ الثُّورْبَشْتِيُّ: أي: صِبْغًا مُوَرَّدًا أَقَامَ الوصْف مَقَامِ الْمَصْدَرِ الْمَوْصُوفِ، وَالْمُؤَرَّد
مَا صُبِغَ عَلَى لون الورْدِ. إِنْتَهَى، ذَكَرَهُ الْقَارِي.
وَيُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونِ حَالاً مِن الضَّمِيرِ فِي (مَصْبُوعْ)).
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٦٧)، والترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (٤٣).
(٢) أخرجه أحمد (١٤١١٣)، والبغوي (٢٩/٦).
(٣) أخرجه الترمذي (١٢٥٧)، والنسائي (٤٦٤٥).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٠٧٠).

٣٢٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(أَفَلَا كَسَوْته بَعْضِ أَهْلِك) يَعْنِي: زَوْجَته أو بَعْض نِسَاء مَحَارِمِه وَأَقَارِبِه.
٤٣٦٣ - [وَعَنْ هِلَالٍ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َيُ بِمِنَى تَخْطُبُ عَلَى
بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرُدُّ أَحْمَرُ وَعَلَىُّ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ)). رَوَاهُ أبو داود](١).
٤٣٦٤ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((صَنَعْتُ لِلنَّبِّ ◌َِّ بُرْدَةً سَوْدَاءَ فَلَبِسَهَا فَأَعْجَبَتْهُ،
فَلَمَّا عَرِقَ فِيهَا فَوَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ فَقَذَفَهَا)). رَوَاهُ أبو داود](٤).
٤٣٦٥ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َيِّ وهو مُخْتَبٍ بِشَمْلَةٍ وَقَدْ وَقَعَ هُدْبُهَا
عَلَى قَدَمَيْهِ)). رَوَاهُ أبو داود](٣).
(وهو مُخْتَبٍ بِشَمْلَةٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيمِ: مَا يَشْتَمِل بِهِ مِن الْأَكْسِيَة؛
أي: يَلْتَحِف، وَمُخْتَبٍ إِسْم فَاعِلِ مِن الإِحْتِبَاءِ.
وَالْمَعْنَى: إنَّهُ كَانَ جَالِسًا عَلَى هَيْئَةِ الإِحْتِبَاءِ، وَأَلْقَى شَمْلَتْه خَلْفِ رُكْبَتَيْهِ، وَأَخَذَ
بِكُلِّ يَد طَرَفًا مِنْ تِلْكَ الشَّمْلَةِ؛ لِيَكُونَ كَالْمُتَّكِئِ عَلَى شَيْءِ، وَهَذَا عَادَة الْعَرَبِ إِذَا لَمْ
يَتَّكِئُوا عَلَى شَيْء. كَذَا فِي (الْمِرْقَاة)).
وَقَالَ فِي «الْمَجْمَعِ)): الإِحْتِبَاء هو أَنْ يَضُمّ رِجْلَيْهِ إِلَى بَطْنه بِثَوْبٍ يَجْمَعِهَا بِهِ مَعَ
ظَهْره وَيَشُدّهُ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَكُون بِالْيَدَيْنِ. إِنْتَهَى.
وَالنَّهْي عَنِ الإِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ إِنَّمَا هو إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى فَرْجِه مِنْهُ شَيْء.
(وَقَدْ وَقَعَ هُدْبِهَا عَلَى قَدَمَيْهِ) أي: عَلَى قَدَقَي الشَِّيّ ◌َّهِ، وَالْحَدِيثِ يَدُلّ عَلَى
مُشْرُوعِيَّة اِسْتِعْمَالِ الثَّوْبِ الْمُهَدَّب.
وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ بَابِ الْإِزَارِ الْمُهَدَّب، وَأُورَدَ فِيهِ حَدِيث عَائِشَةٍ فِي قِصَّة ◌ِمْرَأَةً
رِفَاعَة الْقُرَظِيّ، وَفِيهِ: ((وَاللّه مَا مَعَهُ يَا رَسُول الله إِلَّا مِثْلِ الْهُدْبَة وَأَخَذَتْ هُدْبَةٍ مِنْ
چِلْبابها».
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٧٥)، والبيهقي (٦١٩٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٨٥٩)، وأبو داود (٤٠٧٦).
(٣) أخرجه أحمد (٢١١٧٧)، وأبو داود (٤٠٧٧).

٣٢١
كتاب اللباس
وَقَالَ الْعَلَّامَةِ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي (شَرْحِ الْمَصَابِيحِ)): حَدِيث جَابِرِ فِيهِ مَسَائِل: الأولى:
فِي بَيَانِ الْحَدِيث هَذَا حَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأبو دَاوُدَ مُسْنَدًا إِلَى جَابِرِ.
الثَّانِيَةِ: فِي اللَّفْظِ الشَّمْلَةِ الْكِسَاءِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَشْمَلِ الْبَدَن وَالْهُدْبِ الْحَاشِيَةِ.
الثَّالِئَةِ: فِيهِ جَوَازِ الإِحْتِبَاءِ وَالإِشْتِمَالِ بِالْكِسَاءِ وَنحوه بِلَا كَرَاهَة. إِنْتَهَى. [عون
(١٠٣/٩)].
٤٣٦٦ - [وَعَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: أَنِيَ النَّبِيُّ ◌َ بِقَبَاطِيَّ فَأَعْطَانِي مِنْهَا
قُبْطِيَّةً، فَقَالَ: ((اصْدَعْهَا صَدْعَيْنِ فَاقْطَعْ أَحَدَهُمَا قَمِيصًا وَأَعْطِ الآخَرَ امْرَأَتَكَ تَخْتَمِرُ
بِهِ)) فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ: ((وَأَمُرِ امْرَأَتَكَ أَنْ تَجْعَلَ تَخْتَهُ ثَوْبًا لَا يَصِفُهَا)). رَوَاهُ أَبو داود](١).
٤٣٦٧ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَخْتَمِرُ، فَقَالَ: «لَيَّةً لا
لَّيَّتَيْنِ)). رَوَاهُ أَبو داود](9).
(الفصل الثالث)
٤٣٦٨ - [عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْتُ بَرَسُولِ الله ◌ِ ل﴿ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءً فَقَالَ:
(يَا عَبْدَ الله، ارْفَعْ إِزَارَكَ)) فَرَفَعْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((زِدْ)) فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَحَرَّاهَا بَعْدُ، فَقَالَ
بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(٣).
(إلى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ) الظَّاهِرِ أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ بِدُونِ إِلَى لِتَكُونَ مَحْمُولاً عَلَى
الْمَوْضِعِ، فَلَعَلَّ التَّقْدِيرِ مَوْضِعِ الْإِزَار مَوْضِعٍ أَنْ يَكُونِ الْإِزَارِ إِلَى أَنْصَاف السَّاقَبْنِ، ثُمَّ
حُذِفَ مَا حُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ. [السندي على النسائي (٦٨/٧)].
٤٣٦٩ - [وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ
(١) أخرجه أبو داود (٤١١٦)، والطبراني (٤١٩٩)، والحاكم (٧٣٨٤) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي
(٣٠٧٨).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٦٥)، وأبو داود (٤١١٥)، والطيالسي (١٦١٢)، والحاكم (٧٤١٧) وقال: صحيح
الإسناد. والطبراني (٧٠٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦١٤٤).
(٣) أخرجه مسلم (٥٥٨٣).

٣٢٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الْقِيَامَةِ، فَقَالَ أبو بكر: يَا رَسُولَ الله، إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلا أَنْ أَتَعَاهَدَه)) فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفعله خُيَلاءَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٤٣٧٠ - [وعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ((رَأَيت ابْنَ عَبَّاسِ يَأْتَزِرُ فَيَضَعُ حَاشِيَةَ إِزَارِهِ مِنْ
مُقَدَّمِهِ عَلَى ظَهْرٍ قَدَمَهِ وَيَرْفَعُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، قُلْتُ: لِمَ تَأْتَزِرُ هَذِهِ الإِزْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَأَتَزِرُهَا)). رَوَاهُ أبو داود](٩).
٤٣٧١ - [وَعَنْ عُبَادَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ فَإِنَّهَا
سِيمَاءُ الْمَلائِكَةِ، وَأَرْخُوهَا خَلْفَ ظُهورِكُمْ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ)(٣).
(عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ) الْعِمَامَةِ: ذكر في ((الْقَامُوس)) وغيره أنها بكسر العين.
قال في ((شرح المواهب)): وحكى بعض ضمها. انتهى.
وفي ((شرح الشمائل)» للشيخ جسوس ما نصه: الْعِمَامَة بكسر العين خلافًا
للعصام في قوله: بالفتح کغمامة. انتهى.
وأصله لصاحب ((جمع الوسائل)) في شرحها أيضًا قائلاً: ووهم العصام حيث قال:
بالفتح کالغمامة. انتهى.
وقال في (تاج العروس): قال شيخنا: وضبطه - يعني: لفظ الْعِمَامَة - بعض
شراح الشمائل بالفتح أيضًا، وهو غلط. انتهى.
وأما تعريفها: فهي في الأصل اسم لما يعقد على الرأس، ويلوي عليه من صوف،
أو قطن أو كتان، أو نحو ذلك سواء أكانت تحته قلنسوة(٤) أو غيرها أم لا، وتطلق على
(١) أخرجه البخاري (٣٦٦٥)، وأحمد (٥٤٧٥)، وأبو داود (٤٠٨٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٩٨).
(٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٩٩٤).
(٤) الْقَلَنْسُوَة: بِفَتْحِ الْقَاف وَاللَّام وَسُكُون النُّون وَضَمّ الْمُهْمَلَة وَفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَدْ تُبْدَل يَاء مُثَنَّاةٍ مِنْ
تَحْت وَقَدْ تُبْدَلْ أَلِفًا وَتُفْتَحِ السِّين فَيُقَال قَلَنْسَاةِ، وَقَدْ تُحْذَف الثُّون مِنْ هَذِهِ بَعْدهَا هَاء تَأْنِيث:
غِشَاء مُبَطَّن يُسْتَرِ بِهِ الرَّأْسِ قَالَهُ الْقَزَّاز فِي شَرْح الْفَصِيحِ، وَقَالَ إِبْنِ هِشَام: هِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا
الْعِمَامَةِ الشَّاشِيَّة، وَفِي الْمُحْكَم: هِيَ مِنْ مَلَابِس الرَّأْس مَعْرُوفَة، وَقَالَ أبو هِلَال الْعَسْكَرِيّ: هِيَ