Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الصيد والذبائح / باب العقيقة
كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَدَد لَيْسَ شَرْطَا بَلْ مُسْتَحَبّ. إِنْتَهَى. [عون المعبود (٣٠٣/٦)].
٤١٥٦ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّة.
عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (لَا يُحِبُّ اللهُ الْعُقُوقَ)) كَأَنَّهُ كَرِهَ الإِسْمَ، وَقَالَ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدُ
فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ، فَلْيَنْسُكْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَينٍ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً)). رَوَاهُ أبو داود
وَالنَّسَائِيُّ](١).
٤١٥٧ - [وَعَنْ أَبِ رَافِعِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَالْ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِّ
- حِينَ وَلَّدَتْهُ فَاطِمَةُ - بِالصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنُّ صَحِيحٌ](٩).
(رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَذَّنَ فِي أَذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ -
بِالصَّلاةِ) أي: أذن بأذان الصلاة، وفيه دليل على سنية الأذان في أذن المولود.
(الفصل الثالث)
٤١٥٨ - [عَنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَحَدِنَا غُلَامُ ذَبَعَ شَاةً وَلَطَخَ
رَأْسَهُ بِدَمِهِ، فَلَمَّا جَاءَ اللهُ بِالإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً يَوْمَ السَّابِعِ وَتَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنَلْطَخُهُ
بِزَعْفَرَانٍ- رَوَاهُ أَبو داود، وَزَادَ رَزِينُ: وَنُسَمِّيهِ] (٣).
(وَلَطَخَ رَأْسَهُ) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ تَلْطِيخِ رَأْس الْمَوْلود بِالدَّمِ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّة،
وَأَنَّهُ مَنْسُوخِ (وَنُلَطِّخْهُ بِزَعْفَرَانٍ) فِيهِ: دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَابِ تَلْطِيخِ رَأْس الصَّبِيّ بَعْد
الْحُلْقِ بِالزَّعْفَرَانِ أو غَيْرِهِ مِن الخلوق.
وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى طَهَارَةِ الزَّعْفَرَانِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ سُكْرلَا يُجْعَل
فِي الطَّيب، وَلَا يُسْتَعْمَل مِثْل الشَّيْء الْخَلَال الطَّيِّب.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن وَاقِد، وَفِيهِ مَقَال.
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٤٢)، والنسائي (٤٢١٢)، والبيهقي (١٩٠٥٧)، وأحمد (٦٧١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٩٤٨)، وأبو داود (٥١٠٧)، والترمذي (١٥٧٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٤٥)، والبيهقي (١٩٧٦٦).

(كتاب الأطعمة )
(الفصل الأول)
٤١٥٩ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ الله
وسام
وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهُ: (سَمِّ اللهِ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ
مِمَّا يَلِيكَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة) أي: إِبْن عَبْد الْأَسَد بْنِ هِلَال بْن عَبْد الله بْن عُمَر بْن
تَخْزُومِ، وَاسْمٍ أَبِي سَلَمَة عَبْدِ اللهِ، وَأُمّ عُمَر الْمَذْكُورِ هِيَ أَمّ سَلَمَة زَوْجِ النَّبِيّ ◌َّ
وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصْفِه بِأَنَّهُ((رَبِيبِ النَّبِيّ ◌َّ).
قَوْله: (كُنْت غُلَامًا) أي: دُون الْبُلوغ، يُقَال لِلصَّبِيِّ مِنْ حِين يُولَد إِلَى أَنْ يَبْلُغ
الْحُلُمِ: غُلَامِ، وَقَدْ ذَكَرَ إِبْن عَبْد الْبَرّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِن الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ
بِأَرْضِ الْحَبَشَة، وَتَبِعَهُ غَيْرٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ نَظَرِ بَلِ الصَّوَابِ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلِ ذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ فِي
حَدِيث عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: ((كُنْت أَنَا وَعُمَر بْنِ أَبِي سَلَمَة مَعَ النِّسْوَةِ يَوْمٍ
الْخُنْدَق، وَكَانَ أَكْبَرِ مِنِّي بِسَنَتَيْنِ)). إِنْتَهَى، وَمَوْلِدٍ إِبْنِ الزُّبَيْرِ فِي السَّنَة الْأُولِى عَلَى الصَّحِيحِ،
فَيَكُون مَوْلِد عُمَرِ قَبْلِ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ.
قَوْله: (فِي حِجْرِ رَسُول اللّه وَّهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْحِيم؛ أي: فِي
تَرْبِيَتِه وَتَحْتِ نَظَرَه، وَأَنَّهُ يُرَبِّه فِي حِضْنِهِ تَرْبِيَة الولَد.
قَالَ عِيَاض: الْحَجْرِ يُظْلَقِ عَلَى الْحَضْنِ وَعَلَى الثَّوْبِ، فَيَجُوزِ فِيهِ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ،
وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْحَضَانَةِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْعِ مِن التَّصَرُّفِ فَبِالْفَتْحِ فِي
الْمَصْدَر وَبِالْكَسْرِ فِي الإِسْمَ لَا غَیْر.
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦١)، ومسلم (٢٠٢٢)، وأحمد (١٦٣٧٥)، وابن ماجه (٣٢٦٧)، والنسائي في
((الكبرى)) (٦٧٥٩).
- ٢٢٢ -

٢٢٣
كتاب الأطعمة
(وَكَانَتْ يَدِي تَطِيش فِي الصَّحْفَةِ) أي: عِنْد الْأَكْلِ، وَمَعْنَى ((تَطِيش)) وهو بِالظَّاءِ
الْمُهْمَلَةِ وَالِّينِ الْمُعْجَمَةِ، بِوَزْنِ تَطِير: تَتَحَرَّكْ فَتَمِيل إِلَى نَوَاحِي الْقَصْعَة، وَلَا تَقْتَصِر
عَلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
قَالَ: وَالْأَصْلِ أَطِيش بِيَدِي، فَأَسْنَدَ الطَّيْشَ إِلَى يَدِه مُبَالَغَة.
وَقَالَ غَيْرِهِ: مَعْنَى («تَطِيش)»: شَّخِفّ وَتُسْرِعٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيق
عُرْوَة عَنْ عُمَر بْنِ أَبِي سَلَمَةِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُول الله وَهِ وَعِنْده طَعَامٍ، فَقَالَ: ((أُدْنُ يَا
بُنَيّ)) وَفِي رِوَايَة أخرَى: ((أَنَى النَّبِيّ ◌ََّ بِطَعَامٍ وَعِنْده رَبِيبه)) وَالْجُمْعِ بَيْنِهِمَا أَنَّ مَجِيء
الطَّعَامِ وَافَقَ دُخُولُه.
قَوْله: (يَا غُلَامِ سَمِّ الله) قَالَ النَّوَوِيّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى اِسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَة عَلَى
الطَّعَام في أوله، وَفِي نَقْل الْإِجْمَاعِ عَلَى الإِسْتِحْبَابِ نَظَرِ، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالإِسْتِحْبَابِ أَنَّهُ
رَاجِحِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَب جَمَاعَة إِلَى وُجُوب ذَلِكَ، وهو قَضِيَّة الْقَوْلِ بِإِيَجَابِ الْأَكْل
بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ صِيغَة الْأَمْرِ بِالْجَمِيعِ وَاحِدَة.
قَوْله: (وَكُلْ بِيَمِينِك وَمِمَّا يَلِيك) قَالَ شَيْخِنَا فِي ((شَرْحِ التِّرْمِذِيّ)): حَمَلَهُ أَكْثَر
الشَّافِعِيَّةِ عَلَى النَّدْبِ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيّ ثُمَّ النَّوَوِيّ، لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي (الرِّسَالَة)) وَفِي
مَوْضِع آخَر مِنْ ((الْأُمّ)) عَلَى الوجُوب.
قُلْت: وَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الصَّيْرَفِيّ فِي (شَرْحِ الرَّسَالَة)) وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيّ فِي ((مُخْتَصَرِه)
أَنَّ الْأَكْلِ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ وَالتَّعْرِيس عَلَى الطَّرِيقِ وَالْقِرَانِ فِي الَّمْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ
الْأَمْرِ بِضِدِّهِ حَرَامٍ، وَمَثَّلَ الْبَيْضَاوِيّ فِي ((مِنْهَاجِه)) لِلنَّدَبِ بِقَوْلِهِ وَِّ: (كُلْ مِمَّا يَلِيك))
وَتَعَقَّبَهُ تَاج الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي شَرْحِه بِأَنَّ الشَّافِعِّ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِع عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ
مِمَّا لَا يَلِيِه عَالِمًا بِالنَّهْيِ كَانَ عَاصِيًا آئِمًا.
قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ وَالِدِي نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ لَهُ سَمَّاهُ: «كَشْفِ اللَّبْسِ عَن
الْمَسَائِلِ الْخَمْس)) وَنَصَرَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرِ فِيهَا لِلوجُوبِ.
قُلْت: وَيَدُلّ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وُرُودِ الوعيد فِي الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، فَفِي

٢٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِنْ حَدِيث سَلَمَةِ بْنِ الْأَكْوَعِ: ((إِنَّ النَّبِيّ ◌ََّ رَأَى رَجُلاً يَأْكُل بِشِمَالِهِ
فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِك، قَالَ: لَا أَسْتَطِيع، قَالَ: لَا اِسْتَطَعْتِ، فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْد)).
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّةِ مِنْ حَدِيث عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ: ((إنَّ
النَّبِيّ ◌ََّ رَأَى سُبَيْعَة الْأَسْلَمِيَّةِ تَأْكُل بِشِمَالِهَا فَقَالَ: أَخَذَهَا دَاءِ غَزَّة، فَقَالَ: إِنَّ بِهَا
قُرْحَةٍ، قَالَ: وَإِنْ، فَمَرَّتْ بِغَزَّةٍ فَأَصَابَهَا طَاعُون فَمَاتَتْ)).
وَأَخْرَجَ مُحَمَّد بْنِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيّ في ((مُسْنَد الصَّحَابَة الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْر)) وَسَنَده
حَسَن، وَثَبَتَ النَّهْي عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ وَأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُمَرِ،
وَمِنْ حَدِيث جَابِرِ عِنْد مُسْلِمٍ، وَعِنْد أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَن عَنْ عَائِشَة رَفَعَتْهُ: ((مَنْ أَكَلَ
بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَان .... )).
وَنَقَلَ الطَّيبِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْله: (إِنَّ الشَّيْطَانِ يَأْكُل بِشِمَالِهِ) أي: يَحْمِل أولياءهُ مِنِ
الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِيُضَادّ بِهِ عِبَاد الله الصَّالِحِينَ.
قَالَ الطَّيبِيُّ: وَتَحْرِيرِهِ لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ مِنْ أولياءِ الشَّيْطَانِ،
فَإِنَّ الشَّيْطَانِ يَحْمِل أولياءهُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَفِيهِ عُدُول عَنِ الظَّاهِرِ، وَالْأَولِى حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانِ يَأْكُل
حَقِيقَة؛ لِأَنَّ الْعَقْلِ لَا يُحِيلِ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْخُبَرِ بِهِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى تأويله، وَحَكَّى
الْقُرْطُبِيّ فِي ذَلِكَ إِحْتِمَالَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْقُدْرَةِ صَالِحَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ عِنْد مُسْلِمٍ أَنَّ
الشَّيْطَانِ يَسْتَحِلّ الطَّعَامِ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ إِسْم الله عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَذَا عِبَارَةٍ عَنْ تَنَاؤُله.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِسْتِحْسَانِه رَفْع الْبَرَكَة مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ إِسْم الله.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَقَوْله ◌َِّ: ((فَإِنَّ الشَّيْطَانِ يَأْكُل بِشِمَالِهِ) ظَاهِره: إنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ
تَشَبَّهَ بِالشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدَ وَتَعَسَّفَ مَنْ أَعَادَ الضَّمِيرِ فِي شِمَاله عَلَى الْآكِل.
قَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث اِسْتِحْبَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْيَمِينِ، وَكَرَاهَة ذَلِكَ
بِالشِّمَالِ، وَكَذَلِكَ كُلّ أَخْذِ وَعَطَاء كَمَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث اِبْنِ عُمَرِ، وَهَذَا إِذَا
لَمْ يَكُنْ عُذْر مِنْ مَرَض أو جِرَاحَة، فَإِنْ كَانَ فَلَا كَرَاهَةٍ كَذَا قَالَ، وَأَجَابَ عَن

٢٢٥
كتاب الأطعمة
الْإِشْكَالِ فِي الدُّعَاء عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَاعْتَذَرَ، فَلَمْ يَقْبَلِ عُذْرهِ بِأَنَّ عِيَاضًا
إِذَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ جَمَاعَةِ ذَكَرُوهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَسَمَّوْهُ: «بُسْرًا)»
بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُون الْمُهْمَلَة، وَاحْتَجَّ عِيَاض بِمَا وَرَدَ فِي خَبَرِهِ أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ
الْكِبْرِ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيّ بِأَنَّ الْكِبْرِ وَالْمُخَالَفَة لَا يَقْتَضِي النَّفَاقِ لَكِنَّهُ مَعْصِيَةٍ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ
أَمْرَ إِیجاب.
قُلْت: وَلَمْ يَنْفَصِل عَنِ اِخْتِيَارِهِ أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرُ نَدْبِ، وَقَدْ صَرَّحَ إِبْنِ الْعَرَبِيِّ بِإِثْمِ
مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ كُلّ فِعْلِ يُنْسَبِ إِلَى الشَّيْطَانِ حَرَامِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا الْأَمْرِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَاب تَشْرِيف الْيَمِين عَلَى
الشّمَال؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى فِي الْغَالِب وَأَسْبَق لِلْأَعْمَالِ وَأَمْكَن فِي الْأَشْغَالِ، وَهِيَ مُشْتَقَّة مِن
الْيُمْنِ، وَقَدْ شَرَّفَ الله أَصْحَابِ الْجَنَّةِ إِذْ نَسَبَهُمْ إِلَى الْيَمِين، وَعَكْسِه فِي أَصْحَاب
الشِّمَال.
قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْيَمِينِ وَمَا نُسِبَ إِلَيْهَا، وَمَا أُشْتُقَّ مِنْهَا مَحْمُود لُغَة وَشَرْعًا
وَدِينًا، وَالشِّمَال عَلَى نَقِيض ذَلِكَ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمِنِ الْآَدَابِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق
وَالسِّيرَة الْحَسَنَةِ عِنْد الْفُضَلَاءِ اِخْتِصَاص الْيَمِينِ بِالْأَعْمَالِ الشَّرِيفَةِ وَالْأَحْوَالِ النَّظِيفَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا: كُلّ هَذِهِ الْأُوامِرِ مِن الْمَحَاسِنِ الْمُكَمِّلَةِ وَالْمَكَارِمِ الْمُسْتَحْسَنَةِ،
وَالْأَصْلِ فِيمَا كَانَ مِنْ هَذَا التَّرْغِيبِ وَالنَّدْب.
قَالَ: وَقَوْله: ((كُلْ مِمَّا يَلِيك)) ◌َحِلّه مَا إِذَا كَانَ الطَّعَامِ نَوْعًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ كُلّ أَحَد
كَالْحَائِزِ لِمَا يَلِيه مِن الطَّعَامِ، فَأَخْذِ الْغَيْرِ لَهُ تَعَدِّ عَلَيْهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَقَذُّر النَّفْسِ مِمَّا
خَاضَتْ فِيهِ الْأَيْدِي، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْحِرْص وَالنَّهَم، وهو مَعَ ذَلِكَ سُوء أَدَب بِغَيْرِ
فَائِدَةٍ، أَمَّا إِذَا اِخْتَلَفَتِ الْأَنْوَاعِ فَقَدْ أَبَاعَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ. كَذَا قَالَ.
وَالْمُرَادِ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ مِن الإِبْتِدَاء بِالتَّسْمِيَةِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ مِمَّا يَلِيهِ.
وَفِي الْحَدِيث: إنَّهُ يَنْبَغِي إِجْتِنَابِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُشْبِهِ أَعْمَالِ الشَّيَاطِينِ وَالْكُفَّارِ،
وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَأْكُل وَيَشْرَب وَيَأْخُذ وَيُعْطِي.

٢٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَفِيهِ: جَوَازِ الدُّعَاء عَلَى مَنْ خَالَفَ الْحُكْم الشَّرْعِيّ.
وَفِيهِ: الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى فِي حَالِ الْأَكْلِ.
وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ تَعْلِيمٍ أَدَب الْأَكْلِ وَالشُّرْب.
وَفِيهِ: مَنْقَبَةٍ لِعُمَرِ بْنِ أَبِي سَلَمَة لِمْتِثَالِهِ الْأَمْرِ وَمُوَاظَبَتْه عَلَى مُقْتَضَاهُ. [الفتح
(٢٤٧/١٥)].
٤١٦٠ - [وَعَنْ حذيفة قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلَّ
يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمْ](١).
٤١٦١ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهُ: ((إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللهَ
عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ
يَذْكُرِ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ
قَالَ أَدْرَكْتُمُ: الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢).
(قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ) مَعْنَاهُ: قَالَ الشَّيْطَانِ لِإِخْوَانِهِ وَأَعْوَانِه وَرُفْقَته،
وَفِي هَذَا اِسْتِحْبَابِ ذِكْرِ الله تَعَالَى عِنْدِ دُخُولِ الْبَيْتِ وَعِنْدِ الطَّعَامِ.
٤١٦٢ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ
بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣).
٤١٦٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ:((لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ
بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٤).
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧٨)، وأحمد (٢٣٩٥٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠١٨)، وأحمد (١٥١٤٨)، وأبو داود (٣٧٦٥)، وابن ماجه (٣٨٨٧)، وابن حبان
(٨١٩)، والبيهقي (١٤٣٨٤).
(٣) أخرجه مسلم (٢٠٢٠)، وأحمد (٤٥٣٧)، وأبو داود (٣٧٧٦)، وابن حبان (٥٢٢٦)، والحميدي
(٦٣٥)، والنسائي في (الكبرى)) (٦٧٤٨)، وأبو يعلى (٥٥٨٤)، وأبو عوانة (٨١٧٤)، والبيهقي
(١٤٣٨٦).
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٢٠)، والترمذي (١٧٩٩) وقال: حسن صحيح.

٢٢٧
كتاب الأطعمة
٤١٦٤ - [وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَأْكُلُ بِثَلاثَةِ أَصَابِعَ،
وَيَلْعَقِ يَدَهُ قَبْلِ أَنْ يَمْسَحَها. رَوَاهُ مُسْلِمْ)](١).
(كَانَ يَأْكُلِ بِثَلَاثَةٍ أَصَابِعِ) فِيهِ: إِنَّ السُّنَّة الْأَكْلِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعٍ وَلَا يَضُمّ إِلَيْهَا
الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ إِلَّا لِعُذْرٍ، بِأَنْ يَكُون مَرَفًا وَغَيْره مِمَّا لَا يُمْكِن بِثَلَاثَةٍ، قَالَّهُ النَّوَوِيّ.
وَقَالَ الْحَافِظ: يُؤْخَذْ مِنْ حَدِيث كَعْبِ بْنِ مَالِك أَنَّ السُّنَّةِ الْأَكْلِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِع،
وَإِنْ كَانَ الْأَكْلِ بِأَكْثَرِ مِنْهَا جَائِزًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيد بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ مُرْسَل اِبْنِ شِهَابٍ: ((إِنَّ النَّبِيّ ◌ِ كَانَ إِذَا أَكَلَ
أُكْلَ بِخَمْسَةٍ، فَيُجْمَعِ بَيْنه وَبَيْن حَدِيث كَعْب بِاخْتِلَافِ الْحَال)). إِنْتَهَى. [عون المعبود
(٣٦٤/٨)].
٤١٦٥ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله: أَنَّ النَّبِيَّ ﴿ أُمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ والصَّحْفَةِ،
وقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ البَرَكة. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٢).
٤١٦٦ [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ، فَلا يَمْسَحُ يَدَهُ
حَتَّى يَلْعَقَهَا أُو يُلْعِقَهَا). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
٤١٦٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي ◌َّهُ يَقُولُ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُر أُحَدَكُم
عِنْدَ كُلِّ شَيءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُم اللُقْمَةُ
فَلْيُمِظْ مَا كَانَ بِهَا مِنَ أَذَّى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فإِذا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ،
فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَي: طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٤).
قال النووي: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْوَاعٍ مِنْ سُنَّنَ الْأَكْلِ؛ مِنْهَا: اِسْتِحْبَاب ◌َعْقِ الْيَد
(١) أخرجه مسلم (٥٤١٧)، والبيهقي (١٥٠١٠).
(٢) أخرجه مسلم (٥٤٢٠)، وأحمد (١٥٦١٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٦٠٨).
(٣) أخرجه البخاري (٥١٤٠)، ومسلم (٢٠٣١)، وأحمد (٣٢٣٤)، وأبو داود (٣٨٤٧)، وابن ماجه
(٣٢٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٧٦).
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٣٣)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٨٥٣).

٢٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مُحَافَظَة عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا لَهَا، وَاسْتِحْبَابِ الْأَكْلِ بِثَلَاثِ أَصَابِعٍ، وَلَا يَضُمّ إِلَيْهَا
الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَة إِلَّا لِعُذْرٍ بِأَنْ يَكُون مَرَقًّا وَغَيْرهِ مِمَّ لَا يُمْكِن بِثَلَاثٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ
مِن الْأَعْذَارِ، وَاسْتِحْبَابِ لَعْقِ الْقَصْعَة وَغَيْرِهَا، وَاسْتِحْبَابِ أَكْلِ اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ بَعْد
مَسْحٍ أَذَّى يُصِيبِهَا، هَذَا إِذَا لَمْ تَقَعِ عَلَى مَوْضِع ◌َجِس، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَوْضِع ◌َجِس
تَنَجَّسَتْ، وَلَا بُدّ مِنْ غَسْلَهَا إِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَطْعَمَهَا حَيَوَانًا وَلَا يَتْرُكِهَا
لِلشَّيْطَانِ.
وَمِنْهَا: إِثْبَاتِ الشَّيَاطِين، وَأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ.
وَمِنْهَا: جَوَازِ مَسْحِ الْيَدِ بِالْمِنْدِيلِ، لَكِنَّ السُّنَّةِ أَنْ يَكُون بَعْد لَعْقِهَا. [٧٦/٧].
٤١٦٨ - [وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لا آكُلُ مُتَّكِئًا)). رَوَاهُ
الُْخَارِيُّ](١).
٤١٦٩ - [وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: «مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ◌َ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي
سُكْرُجَةٍ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقْ. قِيْلِ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأْكُلونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ)). رَوَاهُ
الْبُخَارِيُّ](٤).
٤١٧٠ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: «مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ◌َِّ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِالله،
وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطٌ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
(رَغِيفًا مُرَقِّقًا) أي: ملينًا محسنًا كخبز الحواري وشبهه، والترقيق: التليين، ولم
يكن عندهم مناخل، يقال: جارية رقراقة البشرة؛ أي: براقة البياض، وقد يكون
المرفق: الرقيق الموسع، والرقاق: ما لان من الأرض واتسع. [مشارق الأنوار على صحاح
الآثار (٥٨٥/١)].
إن قال قائل: كيف يتفق قول أنس بن مالك: «ما أعلم أن الرسول رأى سميطًا
(١) أخرجه البخاري (٥٣٩٨)، وأحمد (١٩٢٦٧)، وأبو داود (٣٧٧١)، وابن ماجه (٣٣٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٤١٥)، وأحمد (١٢٦٥٩)، والترمذي (١٩٠٠).
(٣) أخرجه البخاري (٥٤٢١).

٢٢٩
كتاب الأطعمة
بعينه قط)) مع قول عمرو بن أمية: ((أنه رأى النبي ◌َلّ يحتز من كتف شاة)) مع ما روى
الترمذي أن عطاء بن يسار أخبره أن أم سلمة أخبرته: «أنها قربت إلى رسول الله وله
جنبًا مشويًا، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ)) قال الترمذي: وهذا حديث
صحيح غريب، وفى الباب عن عبد الله بن الحارث والمغيرة وأبي رافع.
فالجواب: إن قول أنس يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن يكون النبي قل لم يتفق له قط أن تسمط له شاة بكمالها؛ لأنه
قد احتز من الكتف مرة ومن الجنب أخرى، وذلك لحم مسموط لا محالة.
والثاني: أن أنسًا قال: لا أعلم ولم يقطع على أن النبي ◌َّه لم يأكل لحمًا مشويًّا،
فأخبر بما علم وأخبر عمرو بن أمية أم سلمة وغيرها أنه رأى النبي ◌َّ يحتز من
الكتف والجنب المشوي، وكل واحد أخبر بما علم، وليس قول أنس برافع قول من
علم؛ لأن من علم حجة على من لم يعلم؛ لأنه زاد عليه فوجب قبول الزيادة.
والمسموطة: المشوية بجلّها، قال صاحب ((العين)): سمطت الجمل أسمطه: تنقيته
من الصوف بعد إدخاله في الماء الحار.
وقال صاحب (الأفعال)): سمطت الجدي وغيره: علقه من السموط، وهي معاليق
من سيور تعلق من السرج. [ابن بطال (١٠٣/١٨)].
٤١٧١ - [وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد قَالَ: ((مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ وَِّ النَّقِي مِنْ حِينَ
ابْتَعَثَهُ اللهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللّهُ، وَقَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ الله ◌َيهِ مِنْخَلاً مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللهُ
حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، قِيلٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلونَ الشَّعِيرِ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ
وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٤١٧٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((مَا عَابَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ طَعَامًا قَظُ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ
وَإِن كَرِهَهُ تَرَكَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
(١) أخرجه البخاري (٥٤١٣)، وابن ماجه (٣٤٦٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٠٩)، ومسلم (٥٥٠٤)، وأحمد (١٠٤١١)، وأبو داود (٣٧٦٥)، والترمذي
=

٢٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
٤١٧٣ - [وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَأْكُلُ أَكْلاً كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلاً، فَذُكِرَ
ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ).
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ﴾(١).
(إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعَى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءٍ) وَفِي الرِّوَايَة
الْأُخْرَى: أَنَّهُ وَ قَالَ هَذَا الْكَلَامِ بَعْد أَنْ أَضَافَ كَافِرًا، فَشَرِبَ حِلَابِ سَبْعَ شِيَاهِ، ثُمَّ
أَسْلَمَ مِن الْغَد، فَشَرِبَ حِلَابِ شَاةٌ، وَلَمْ يَسْتَتِمّ حِلَابِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: إِنَّ هَذَا فِي رَجُل بِعَيْنِهِ، فَقِيلَ لَّهُ عَلَى جِهَة الشّمْثِيل.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادِ أَنَّ الْمُؤْمِنِ يَقْتَصِدِ فِي أَكْله.
وَقِيلَ: الْمُرَادِ الْمُؤْمِن يُسَمِّي الله تَعَالَى عِنْد طَعَامه، فَلَا يُشْرِكِهُ فِيهِ الشَّيْطَانِ،
وَالْكَافِرِلَا يُسَمِّي فَيُشَارِكِهُ الشَّيْطَانِ فِيهِ.
وَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ): ((إِنَّ الشَّيْطَانِ يَسْتَحِلّ الطَّعَامِ أَلَّا يُذْكَرِ إِسْمِ الله تَعَالَى
عَلَيْهِ)).
قَالَ أَهْلِ الطَّبّ: لِكُلِّ إِنْسَانِ سَبْعَة أَمْعَاءِ: الْمَعِدَة، ثُمَّ ثَلَاثَةٍ مُتَّصِلَة بِهَا رِفَاق، ثُمّ
ثَلَاثَةِ غِلَاظ، فَالْكَافِرِ لِشَرَهِهِ وَعَدَم تَسْمِيَتِه لَا يَكْفِيه إِلَّ مِلْؤُهَا، وَالْمُؤْمِن لِقْتِصَادِهِ
وَتَسْمِيَتِه يُشْبِعِهُ مِلْ أَحَدِهَا، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ هَذَا فِي بَعْض الْمُؤْمِنِينَ وَبَعْض
الْكُفَّار.
وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالسَّبْعَةِ سَبْع صِفَات: الْحِرْصِ، وَالشَّرَه، وَطُول الْأَمَل، وَالطَّمَع،
وَسُوءِ الطَبْعِ، وَالْحَسَد، وَالسِّمَن.
وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْمُؤْمِنِ هُنَا تَامّ الْإِيمَانِ الْمُعْرِضِ عَنِ الشَّهواتِ الْمُقْتَصِر عَلَى سَدّ
◌ُلَّته.
=
(٢١٦٣).
(١) أخرجه البخاري (٥٣٩٧).

٢٣١
كتاب الأطعمة
وَالْمُخْتَارِ أَنَّ مَعْنَاهُ: بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُل فِي مِعَّى وَاحِدٍ، وَأَنَّ أَكْثَرِ الْكُفَّارِ
يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَة أَمْعَاءِ، وَلَا يَلْزَمْ أَنَّ كُلّ وَاحِدٍ مِنِ السَّبْعَة مِثْل مِعَى الْمُؤْمِن، والله
أعلم.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَمَقْصُود الْحَدِيث: التَّقَلُّل مِن الدُّنْيَا، وَالْحَتّ عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا،
وَالْقَنَاعَةِ، مَعَ أَنَّ قِلَّةِ الْأَكْلِ مِنْ مَحَاسِنِ أَخْلَاقِ الرَّجُل، وَكَثْرَة الْأَكْلِ بِضِدٌّهِ.
وَأَمَّا قَوْل اِبْنِ عُمَرِ فِي الْمِسْكِينِ الَّذِي أَكَلَ عِنْدِه كَثِيرًا: (لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَّ)
فَإِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْكُفَّارِ، وَمَنْ أَشْبَهَ الْكُفَّارِ كُرِهَتْ مُخَالَطَتِه لِغَيْرِ حَاجَة أو
ضَرُورَة، وَلِأَنَّ الْقَدْرِ الَّذِي يَأْكُلهُ هَذَا يُمْكِنِ أَنْ يَسُدّ بِهِ خُلَّةٍ جَمَاعَةِ.
وَأَمَّا الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي شَرِبَ حِلَابِ سَبْعَ شِيَاهُ فَقِيلَ: هو
ثُمَامَة بْنِ أَثَالِ، وَقِيلَ: جَهْجَاهِ الْغِفَارِيُّ، وَقِيلَ: نَضْرَةِ بْن أبي نَضْرَة الْغِفَارِيُّ، والله أعلم.
[النووي (١٣٠/٧)].
٤١٧٤، ٤١٧٥ - [وَرَوَى مُسْلِمُ عَنْ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عُمَرَ المُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ](١).
٤١٧٦ - [وَ فِي أُخْرَى لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ضَافَهُ ضَيْفٌ وهو كَافِرُّ،
فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حلابَها، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ،
حَتَّى شَرِبَ حِلابَ سَبْعِ شِيَاهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَ بِشَاةٍ فَحُلِبَت
فَشَرِبَ حِلابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي
مِعِى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)](٩).
٤١٧٧ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (طَعَامُ الإِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ
الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٣).
(١) أخرجه مسلم (٥٤٩٣، ٥٤٩٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٦٣)، ومالك (١٦٤٨)، وأحمد (٨٨٦٦)، والترمذي (١٨١٩) وقال: حسن
صحیح غریب. وابن حبان (١٦٢).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٧٧)، ومسلم (٢٠٥٨)، ومالك (١٦٥٨)، والترمذي (١٨٢٠) وقال: حسن
1

٢٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
(طَعَامُ الإِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ) قال ابن بطال: في هذا
إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام.
وفي ((سنن ابن ماجه)) بإسناد ضعيف، عن عمر مرفوعًا: ((كلوا جميعًا ولا تفرقوا،
فإن البركة مع الجماعة)).
وخرَّج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي، أن أصحاب النبي وَّ قالوا: يا
رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: ((فلعلكم تتفرقون؟)) قالوا: نعم. قال: ((فاجتمعوا
على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه».
ومعنى: (كَافِي) أنه يكتفي به، وإن لم يشبعه، وكان عمر في عام الرمادة يدخل
على أهل البيت من المسلمين مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته. [٣٠/
٣٤٤].
٤١٧٨ - [وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُول: «طَعَامُ الواحد يَكْفِي
الإِثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الإِثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ)). رَوَاهُ
مُسْلِمْ](١).
٤١٧٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولُ:
(التَّلْبِينَةُ مَجَمَّة لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ)) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٢).
(التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةُ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، وَتُذْهِبِ بَعْض الْحَزَن) أَمَّا (مَجَمَّةُ) فَبِفَتْحِ الْمِيم
وَالْجِيمِ، وَيُقَال بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْحِيم؛ أي: تُرِيح فُؤَاده، وَتُزِيل عَنْهُ الْهَمّ وَتُنَشِّطهُ.
=
صحيح. والحميدي (١٠٦٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٧٣).
(١) أخرجه مسلم (٢٠٥٩)، وأحمد (١٤٢٦٠)، والدارمي (٢٠٤٤)، والترمذي (١٨٢٠) وقال: حسن
صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (٦٧٧٤)، وابن حبان (٥٢٣٧)، وابن ماجه (٣٢٥٤)، وأبو عوانة
(٨٤٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٠١)، ومسلم (٢٢١٦)، وأحمد (٢٥٢٦٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٦٩٣)،
والبيهقي (٦٨٩٠).

٢٣٣
كتاب الأطعمة
وَالْجَمَامِ: الْمُسْتَرِيحِ كَأَهْلِ النَّشَاطِ.
وَأَمَّا (التَّلْبِينَةُ) فَبِفَتْحِ التَّاءِ، وَهِيَ حَسَاء مِنْ دَقِيق أو تُخَالَةِ. قَالُوا: وَرُبَّمَا جُعِلَ
فِيهَا عَسَل.
قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرِهِ: سُمِّيَتْ تَلْبِينَةٌ تَشْبِيهًا بِاللَّبَنِ لِبَيَاضِهَا وَرِقَّتِهَا.
وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ التَّلْبِينَة لِلْمَحْزُونِ. [النووي (٣٦٢/٧)].
٤١٨٠ - [وَعَنْ أَنَسِ ((أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّنَ لِطَعَامِ صَنَعَهُ، فَذَهَبْت مَعَ الَّبِيِّ
فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًّا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدُ، فَرَأَيْتِ النَّبِيَّ ◌َهِ يَتَتَبَّعِ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَي
الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أَحُبّ الدَُّّاءَ بَعْدَ يَوْمَئِذٍ)) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٤١٨١ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َهِ يَخْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ،
فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّينَ الَّتِي يَخْتَرُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ)). مُتَّفَقَّ
عَلَيْهِ](٩).
٤١٨٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُحِبُّ
الْحَلواءَ وَالْعَسَلَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
٤١٨٣ - [وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ، فَقَالوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلُّ.
فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: (نِعْمَ الإِدَامُ الْخُلُّ، نِعْمَ الإِدَامُ الْخُلُّ). رَوَاهُ مُسْلِمْ](٤).
(نِعْمَ الْإِدَامِ الْخَلّ) فِي بَعْض النُّسَخِ: (نِعْمَ الْأُدُم)».
قَالَ النَّوَوِيّ: الْإِدَامِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ: مَا يُؤْتَدَم بِهِ، يُقَال: أَدَمَ الْخُبْزِ يَأْدِمُهُ بِكَسْرِ
الدَّالِ، وَجَمْعُ الْإِدَامِ أَدُم بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالدَّالِ كَإِهَابٍ وَأَهُب وَكِتَابِ وَكُتُب، وَالْأُدْم بِسُكُونٍ
(١) أخرجه البخاري (٤٠٨١)، ومسلم (٥٤٤٦)، وأبو داود (٣٧٨٤).
(٢) البخاري (٥٤٠٨)، ومسلم (٨٢٠)، وأحمد (١٧٧١٣)، والدارمي (٧٥٢).
(٣) أخرجه البخاري (٥٤٣١)، وأبو داود (٣٧١٧)، وابن ماجه (٣٤٤٨).
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٥٢)، وأحمد (١٥٠٣٠)، والنسائي (٦٦٨٩)، وأبو داود (٣٨٢٠)، والترمذي
(١٨٣٩) وقال: هذا أصح من حديث مبارك بن سعيد. وابن ماجه (٣٣١٧)، والطيالسي (١٧٧٤)،
والدارمي (٢٠٤٨).

٢٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
الدَّالِ مُفْرَد كَالْإِدَامِ.
قَالَ الْخَطَّائِيُّ فِي ((الْمَعَالِمِ): مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَدْحِ الإِقْتِصَاد فِي الْمَأْكَلِ وَمَنْع
النَّفْس عَنْ مَلَاذْ الْأَطْعِمَةِ كَأَنَّهُ يَقُول: إِثْتَدِمُوا بِالْخُلِّ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَخِّ مُؤْنَته
وَلَا يَعِزّ وُجُودِه وَلَا تَتَأَنَّقُوا فِي الشَّهوات، فَإِنَّهَا مُفْسِدَة لِلدِّينِ مُسْقِمَة لِلْبَدَنِ. إِنْتَهَى.
وَنَقَلَ النَّوَوِيّ كَلَام الْخَطَّابِيِّ هَذَا ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَم بِهِ أَنَّهُ
مَدْح لِلْخَلِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الإِقْتِصَادِ فِي الْمَطْعَم وَتَرْكُ الشَّهوات، فَمَعْلومٍ مِنْ قَوَاعِدَ أُخَرَ،
وَالله أَعْلَمُ. إِنْتَهَى. [٣٣٤/٨].
٤١٨٤ [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ،
وَمَاؤُهَا شِفَاءُ لِلْعَيْنِ). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وِفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ الله عَلَى
مُوسَی القیآ))(١).
(الْكَمْأَةَ) بِفَتْحِ الْكَاف وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا هَمْزَة مَفْتُوحَة.
قَالَ الْخَطَائِيُّ: وَفِي الْعَامَّة مَنْ لَا يَهْمِزَهُ، وَاحِدَة الْكَمْء بِفَتْجِ ثُمَّ سُكُون ثُمَّ هَمْزَة
مِثْلِ تَمْرَة وَتَمْر، وَعَكَسَ إِبْنِ الْأَعْرَابِيّ فَقَالَ: الْكَمْأَةُ الْجُمْعِ وَالْكَمْء عَلَى غَيْرِ قِيَاس،
قَالَ: وَلَمْ يَقَعِ فِي كَلَّامِهِمْ نَظِيرِ هَذَا سِوَى خَبْأَةَ وَخَبْءٍ.
وَقِيلَ: الْكَمْأَةَ قَدْ تُطْلَقِ عَلَى الواحِد وَعَلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ جَمَعُوهَا عَلَى أَكْمُؤْ، وَالْكَمْأَة
نَبَات ◌َلَا وَرَقِ لَهَا وَلَا سَاقَ، تُوجَدٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَع.
قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِسْتِنَارِهَا، يُقَال: كَمَّأَ الشَّهَادَةِ إِذَا كَتَمَهَا، وَمَادَّةِ الْكَمْأَة مِنْ
جَوْهَر أَرْضِيّ تُخَارِيّ يَحْتَقِن نحو سَطْحِ الْأَرْضِ بِبَرْدِ الشِّتَاءِ، وَيُنَمِّيه مَطَرِ الرَّبِيعِ، فَيَتَوَلَّ
وَيَنْدَفِعِ مُتَجَسِّدًا، وَلِذَلِكَ كَانَ بَعْض الْعَرَبِ يُسَمِّيهَا: ((جُدَرِيّ الْأَرْض)) تَشْبِيهًا لَهَا
بِالْجُدَرِيِّ مَادَّةٍ وَصُورَة؛ لِأَنَّ مَادَّتِه رُطُوبَة دَمَوِيَّة تَنْدَفِع غَالِيًا عِنْدِ التَّرَعْرُعِ، وَفِي إِبْتِدَاء
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٨)، ومسلم (٢٠٤٩)، وأحمد (١٦٢٥)، والترمذي (٢٠٦٧) وقال: حسن
صحيح. والنسائي في ((الكبرى)) (٦٦٦٧)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢٢٧)، والبزار
(١٢٥٠)، وأبو يعلى (٩٦١)، وأبو عوانة (٨٣٥٠)، والشاشي (١٨٩).

٢٣٥
كتاب الأطعمة
إِسْتِيلَاء الْحَرَارَة وَنَمَاءِ الْقُوَّة وَمُشَابَهَتَهَا لَهُ فِي الصُّورَةِ ظَاهِرِ.
وَأَخْرَجَ التَّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة ((أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللهَ
قَالُوا: الْكَمْأَة جُدَرِيّ الْأَرْضِ، فَقَالَ النَّبِيّ ◌َِّهِ الْكَمْأَةُ مِن الْمَنّ .. ».
وَلِلطَّبَرِيّ مِنْ طَرِيقِ إِبْنِ الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِرِ قَالَ: ((كَثُّرَتِ الْكَمْأَة عَلَى عَهْد
رَسُول الله ◌َّةِ، فَامْتَنَعَ قَوْمٍ مِنْ أَكْلِهَا وَقَالُوا: هِيَ جُدَرِيّ الْأَرْضِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ
الْكَمْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ جُدَرِيّ الْأَرْضِ، أَا إِنَّ الْكَمْأَة مِن الْمَنّ)).
وَالْعَرَبِ تُسَمِّ الْكَمْأَةَ أَيْضًا: (بَنَاتِ الرَّعْدِ)) لِأَنَّهَا تَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ ثُمَّ تَنْفَطِرِ عَنْهَا
الْأَرْضِ، وَهِيَ كَثِيرَة بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَتُوجَد بِالشَّامِ وَمِصْرِ، فَأَجْوَدِهَا مَا كَانَتْ أَرْضِه رَمْلَة
قَلِيلَة الْمَاءِ، وَمِنْهَا صِنْف قَتَّال يَضْرِب لونه إِلَى الْخُمْرَةِ، وَهِيَ بَارِدَة رَطْبَة فِي الثَّانِيَة رَدِيئَة
لِلْمَعِدَةِ بَطِيئَة الْهَضْمِ، وَإِذْمَان أَكْلِهَا يُورِثِ الْقُولَنْجِ وَالسَّكْتَة وَالْفَالِحِ وَعُسْرِ الْبَوْل،
وَالرَّطْب مِنْهَا أَقَلْ ضَرَرًا مِن الْيَابِسِ، وَإِذَا دُفِنَتْ فِي الطَّيْنِ الرَّظْبِ ثُمَّ سُلِقَتْ بِالْمَاءِ
وَالْمِلْحِ وَالسَّعْتَرِ وَأُكِلَتْ بِالزَّيْتِ وَالتَّوَابِلِ الْحَارَّةِ قَلَّ ضَرَرِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهَا جَوْهَر مَائِيّ
لَطِيف بِدَلِيلٍ خِفْتِهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ مَاؤُهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ.
(مِن الْمَنّ) قِيلَ فِي الْمُرَادِ بِالْمَنِّ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحَدِهَا: إِنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا مِن الْمَنّ
الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل، وهو الظَّ الَّذِي يَسْقُط عَلَى الشَّجَرِ فَيُجْمَعِ وَيُؤْكَّل حُلواء
وَمِنْهُ الَّرَتْجَبِينِ فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ بِهِ الْكَمْأَةَ بِجَامِعِ مَا بَيْنِهمَا مِنْ وُجُودِ كُلّ مِنْهُمَا عَقْوًا بِغَيْرٍ
عِلاج.
وَالثَّانِيِ: إِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا مِن الْمَنّ الَّذِي اِمْتَنَّ اللّه بِهِ عَلَى عِبَاده عَفْوًّا بِغَيْرِ عِلَاج،
قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادِ أَنَّهَا نَوْعِ مِن الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي
إِسْرَائِيلٍ، فَإِنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ كَالتََّتْجَبِينِ الَّذِي يَسْقُط عَلَى الشَّجَرِ،
وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الْكَمْأَة شَيْءٍ يَنْبُت مِنْ غَيْرِ تَكَلُّف بِبَذْرٍ وَلَا سَقْي، فهو مِنْ قَبِيل الْمَنّ
الَّذِي كَانَ يَنْزِل عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فَيَقَع عَلَى الشَّجَرِ فَيَتَنَاوَلونَهُ.
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل كَانَ أَنْوَاعًا، مِنْهَا

٢٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
مَا يَسْقُط عَلَى الشَّجَرِ، وَمِنْهَا مَا يَخْرُج مِن الْأَرْضِ فَتَكُونِ الْكَمْأَةَ مِنْهُ، وَهَذَا هو الْقَوْلِ
الثَّالِثِ وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّقِ عَبْدِ اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَقَالوا: إِنَّ الْمَنّ الَّذِي أُنْزِلَ
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل لَيْسَ هو مَا يَسْقُط عَلَى الشَّجَرِ فَقَظْ بَلْ كَانَ أَنْوَاعًا مِن الله عَلَيْهِمْ بِهَا
مِنِ النَّبَاتِ الَّذِي يُوجَد عَفْوًا، وَمِن الطَّيْرِ الَّتِي تَسْقُط عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ إِصْطِيَاد، وَمِن الظَّلّ
الَّذِي يَسْقُط عَلَى الشَّجَر.
وَالْمَنّ مَصْدَر بِمَعْنَى الْمَفْعُول؛ أي: مَمْنُون بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَائِبَة
كَسْب كَانَ مَنَّا مَحْضًّا، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيع نِعَم الله تَعَالَى عَلَى عَبِيده مَنَّا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ
خُصَّ هَذَا بِاسْمِ الْمَنّ لِكَوْنِهِ لَا صُنْعِ فِيهِ لِأَحَدٍ، فَجَعَلَ ◌َ﴿ قُوتِهِمْ فِي التّيهِ الْكَمْأَة وَهِيَ
تَقُومِ مَقَام الْخُبْزِ، وَأَدُمهم السَّلوى وَهِيَ تَقُومِ مَقَام اللَّحْمِ، وَحَلواهُم الظَّ الَّذِي يَنْزِل
عَلَى الشَّجَرِ، فَكَمَّلَ بِذَلِكَ عَيْشِهِمْ.
وَيُشِيرِ إِلَى ذَلِكَ قَوْلِهِ وَلِ: (مِن الْمَنّ)) فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهَا فَرْد مِنْ أَفْرَاده، فَالتَّرَتْجَبِين
كَذَلِكَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَنّ، وَإِنْ غَلَبَ اِسْتِعْمَالِ الْمَنْ عَلَيْهِ عُرْفًا. انتهى.
وَلَا يُعَكِّر عَلَى هَذَا قَوْلهُمْ: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ الْمُرَاد بِالوحْدَةِ دَوَامِ
الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَة مِنْ غَيْرِ تَبَدُّل، وَذَلِكَ يَصْدُق عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَطْعُومِ أَصْنَافًا لَكِنَّهَا
لَا تَتَبَدَّل أَعْيَانھَا.
(وَمَا ؤُهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَكَذَا عِنْدِ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ((مِن
الْعَيْنِ)) أي: شِفَاء مِنْ دَاء الْعَيْن.
قَالَ الْخُطَائِيُّ: إِنَّمَا اِخْتَصَّتِ الْكَمْأَةَ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ؛ لِأَنَّهَا مِن الْحُلَالِ الْمَحْض
الَّذِي لَيْسَ فِي إِكْتِسَابِهِ شُبْهَة، وَيُسْتَنْبَطِ مِنْهُ أَنَّ اِسْتِعْمَالِ الْخَلَالِ الْمَحْضِ يَجْلُو الْبَصْرِ،
وَالْعَكْس پِالْعَكْسِ.
قَالَ إِبْنِ الْجُوْزِيّ: فِي الْمُرَاد بِكَوْنِهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ قَوْلَانِ: أَحَدهمَا: إنَّهُ مَاؤُهَا
حَقِيقَةٍ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل ◌ِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلِ صِرْفًا فِي الْعَيْنِ، لَكِن
اِخْتَلَفُوا كَيْف یُصْنَع بِهِ عَلَى رَأَيْنِ:

٢٣٧
كتاب الأطعمة
أَحَدهمَا: إِنَّهُ يُخْلَط فِي الْأَدْوِيَةِ الَّتِي يُكْتَحَل بِهَا حَكَاهُ أَبو عُبَيْد، قَالَ: وَيُصَدِّق
هَذَا الَّذِي حَكَهُ أبو عُبَيْد أَنَّ بَعْض الْأَطِبَّاء قَالوا: أَكْلِ الْكَمْأَة يَجْلُو الْبَصَرِ، ثَانِيهِمَا: أَنْ
تُؤْخَذْ فَتُشَقّ وَتُوضَع عَلَى الْجُمْرِ حَتَّى يَغْلِي مَاؤُهَا، ثُمَّ يُؤْخَذ الْمِيلِ فَيُجْعَل فِي ذَلِكَ الشِّقّ
وهو فَاتِرٍ فَيُكْتَحَلِ بِمَائِهَا؛ لِأَنَّ النَّار تُلَطّفهُ وَتُذْهِب فَضَلَاته الرَّدِيئَة وَيَبْقَى النَّافِعِ مِنْهُ،
وَلَا يُجْعَلِ الْمِيلِ فِي مَائِهَا وَهِيَ بَارِدَة يَابِسَة فَلَا يَنْجَع.
وَقَدْ حَكَّى إِبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيّ عَنْ صَالِحِ وَعَبْد الله إِبْنَيَّ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلِ أَنَّهُمَا
إِشْتَكَتْ أَعْيُنهمَا، فَأَخَذَا كَمْأَة وَعَصَرَاهَا وَاكْتَحَلَا بِمَائِهَا فَهَاجَتْ أَعْيُنهمَا وَرَمِدًا.
قَالَ إِبْنِ الْجُوْزِيّ: وَحَكَى شَيْخِنَا أبو بكر بْنِ عَبْد الْبَاقِي أَنَّ بَعْض النَّاس عَصَرَ
مَاء كَمْأَة فَاكْتَحَلَ بِهِ فَذَهَبَتْ عَيْنه.
وَالْقَوْلِ الثَّانِيِ: إِنَّ الْمُرَادِ مَاؤُهَا الَّذِي تَنْبُت بِهِ، فَإِنَّهُ أول مَطَرِ يَقَع فِي الْأَرْض
فَتُرَبَّى بِهِ الْأَكْحَالِ، حَكَاهُ إِبْنِ الْجَوْزِيّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي أَيْضًا، فَتَكُون
الْإِضَافَةِ إِضَافَة الْكُلّ لَا إِضَافَة جُزْءٍ.
قَالَ اِبْنِ الْقَيِّم: وَهَذَا أَضْعَف الوجُوه.
قُلْت: وَفِيمَا إِذَّعَاهُ إِبْنِ الْجُوْزِيّ مِنِ الإِنَّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلِ صِرْفًا نَظَرَ، فَقَدْ
حَكَى عِيَاض عَنْ بَعْض أَهْلِ الطَّبّ فِي التَّدَاوِي بِمَاءِ الْكَمْأَةَ تَفْصِيلاً، وهو إِنْ كَانَ
لِتَبْرِيدِ مَا يَكُون بِالْعَيْنِ مِن الْحَرَارَةِ فَتُسْتَعْمَلِ مُفْرَدَة، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَتُسْتَعْمَل
مُرَّكَّبَة، وَبِهَذَا جَزَمَ اِبْنِ الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَنْفَعِ بِصُورَتِهِ فِي حَالِ، وَبِإِضَافَتِهِ فِي
أُخْرَى، وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ صَحِیحًا.
نَعَمْ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِمَا قَالَ اِبْنِ الْجَوْزِيّ، فَقَالَ: تُرَبَّى بِهَا الثُّوتِيَاءِ وَغَيْرِهَا مِن
الْأَكْحَالِ، قَالَ: وَلَا تُسْتَعْمَل صَرْفًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْعَيْنِ.
وَقَالَ الْغَافِقِيّ فِي ((الْمُفْرَدَات)): مَاء الْكَمْأَة أَصْلَحِ الْأَدْوِيَة لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِهِ
الْإِثْمِد وَاكْتُحِلَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُقَوِّي الْجُفْنِ، وَيَزِيد الرُّوحِ الْبَاصِرِ حِدَّةٍ وَقُوَّة، وَبَدْفَع عَنْهَا
التّوَازِل.

٢٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
وَقَالَ النَّوَوِيّ: الصَّوَابِ أَنَّ مَاءَهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ مُظْلَقًا فَيُعْصَرِ مَاؤُهَا، وَيُجْعَل فِي
الْعَيْنِ مِنْهُ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَاننَا مَنْ كَانَ عَمِيَ وَذَهَبَ بَصَرِهِ حَقِيقَة
فَكَخَّلَ عَيْنِه بِمَاءِ الْكَمْأَة ◌ُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَره، وهو الشَّيْخِ الْعَدْلِ الْأَمِين
الْكَمَالِ بْن عَبْد الدّمَشْقِيّ صَاحِب صَلَاحِ وَرِوَايَةٍ فِي الْحَدِيث، وَكَانَ اِسْتِعْمَاله لِمَاءِ
الْكَمْأَةَ إِعْتِقَادًا فِي الْحَدِيث وَتَبَرُّكَا بِهِ فَنَفَعَهُ الله بِهِ.
قُلْت: الْكَمَالِ الْمَذْكُور هو كَمَالِ الدِّينِ بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْن عَبْد الْمُنْعِمِ بْن
الْخَضِرِ، يُعْرَف بِ(ابْنِ عَبْد)) بِغَيْرِ إِضَافَة الْحَارِثِيّ الدِّمَشْقِيّ، مِنْ أَصْحَابِ أَبِي طَاهِر
الْخُشُوعِيّ، سَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَة مِنْ شُيُوخ شُيُوخِنَا، عَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَة وَمَاتَ سَنَة
إِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَسِتّمِائَةٍ قَبْلِ الثَّوَوِيّ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَيَنْبَغِي تَقْبِيد ذَلِكَ بِمَنْ عَرَفَ مِنْ
نَفْسه قُوَّة إِعْتِقَادٍ فِي صِحَّة الْحَدِيث وَالْعَمَلِ بِهِ كَمَا يُشِير إِلَيْهِ آخِر كَلَامه، وهو يُنَافِي
قَوْله أولاً مُظْلَقًا، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ في ((جَامِعه)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى قَتَادَة قَالَ: حُدِّثْت
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: أَخَذْتِ ثَلَاثَةٍ أَكْمُؤْ أو خَمْسًا أو سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، فَجَعَلْت مَاءَهُنَّ فِي
قَارُورَة فَكَخَّلَتْ بِهِ جَارِیة لِي فَبَرِئَتْ.
وَقَالَ اِبْنِ الْقَيِّم: اِعْتَرَفَ فُضَلَاءِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ مَاءِ الْكَمْأَة يَجْلُو الْعَيْنِ، مِنْهُم
الْمُسَبِّجِيّ وَابْنِ سِينَا وَغَيْرِهِمَا.
وَالَّذِي يُزِيلِ الْإِشْكَالِ عَنْ هَذَا الإِخْتِلَافِ أَنَّ الْكَمْأَةَ وَغَيْرِهَا مِن الْمَخْلوقَات
خُلِقَتْ فِي الْأَصْلِ سَلِيمَةٍ مِن الْمَضَارّ، ثمَّ عَرَضَتْ لَهَا الْآَفَاتِ بِأُمُورٍ أُخْرَى مِنْ مُجَاوَرَة
أو إِمْتِرَاج أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ الَّتِي أَرَادَهَا الله تَعَالَى، فَالْكَمْأَة فِي الْأَصْلِ نَافِعَة لِمَا
إِخْتَصَّتْ بِهِ مِنْ وَصْفَهَا بِأَنَّهَا مِن الله، وَإِنَّمَا عَرَضَتْ لَهَا الْمَضَارّ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَاسْتِعْمَال
كُلّ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّة بِصِدْقٍ يَنْتَفِعِ بِهِ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ، وَيَدْفَع الله عَنْهُ الضَّرَرِ بِنِيَّتِهِ،
وَالْعَكْسِ بِالْعَكْسِ، وَالله أَعْلَم. [الفتح (٢٢٧/١٦)].
٤١٨٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَأْكُلُ الرُّطَبَ

٢٣٩
كتاب الأطعمة
بِالْقِثَّاءِ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٤١٨٦ [وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّ مَعَ رَسُولِ اللهِوَهَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ تَجْنِي الْكَبَاثَ
فَقَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطَيِبُ)) فَقَالَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَهَلْ
مِنْ نَبِّ إِلَّا رَعَاهَا؟)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ](٥).
٤١٨٧ - [وَعَنْ أَنَّسِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َهِ مُفْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا. وِفِي رِوايَةٍ: يَأْكُلُ
مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ](٣).
٤١٨٨ [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ
حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
(نَقَى رَسُولُ الله ◌ِ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ) هَذَا
التَّهْي مُتَّفَق عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَأْذِنْهُمْ، فَإِذَا أَذِنُوا فَلَا بَأْس.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا النَّهْي عَلَى التَّحْرِيمِ أو عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْأَدَبِ؟ فَنَقَلَ الْقَاضِي
عِيَاض عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ وَالْأَدَب.
وَالصَّوَابِ التَّفْصِيلِ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامِ مُشْتَرَكًا بَيْنِهِمْ فَالْقِرَان حَرَامٍ إِلَّا بِرِضَاهُمْ،
وَيَحْصُلِ الرِّضَا بِتَصْرِيحِهِمْ بِهِ، أو بِمَا يَقُومِ مَقَام النَّصْرِيحِ مِنْ قَرِينَة حَال أو إِدْلَال
عَلَيْهِمْ كُلّهِمْ بِحَيْثُ يَعْلَمْ يَقِينًا أو ظَنَّا قَوِيًّا أَنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِهِ، وَمَتَى شَكَّ فِي رِضَاهُمْ فهو
حَرَامِ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامِ لِغَيْرِهِمْ أو لأَحَدِهِم ◌ِشْتَرَطَ رِضَاهُ وَحْدَهُ، فَإِنْ قَرَنَ بِغَيْرِ رِضَاهُ
فَحَرَامِ.
وَيُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَأْذِنِ الْآكِلِينَ مَعَهُ وَلَا يَجِب، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ
(١) أخرجه البخاري (٥٤٤٠)، ومسلم (٥٤٥١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢٠٥٠)، وأحمد (١٤٥٣٧)، وأبو يعلى (٢٠٦٢)، وأبو عوانة
(٨٣٩٣).
(٣) أخرجه مسلم (٥٤٥٢)، وأحمد (١٣٤٤٣)، والبيهقي (١٨٠٤٨).
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٨٩)، ومسلم (٥٤٥٦)، وأحمد (٥٣٦٩)، وابن ماجه (٣٤٥٦).

٢٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء التاسع
ضَيَّفَهُمْ بِهِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَانِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي الطَّعَامِ قِلَّةٍ فَحَسَن أَلَّا يَقْرِن
لِتَسَاوِيهِمْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَفْضُل عَنْهُمْ فَلَا بَأْس بِقِرَانِهِ، لَكِنِ الْأَدَبِ مُظْلَقًا:
التَّأَدُّبِ فِي الْأَكْلِ وَتَرْك الشَّرَه، إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْتَعْجِلاً، وَيُرِيدِ الْإِسْرَاعِ لِشُغْلٍ آخَر.
وَقَالَ الْخَطَّائِيُّ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي زَمَنهمْ، وَحِين كَانَ الطَّعَامِ ضَيِّقًا، فَأَمَّا الْيَوْمِ مَعَ
إِنِّسَاع الْحَال فَلَا حَاجَةٍ إِلَى الْإِذْن، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلِ الصَّوَابِ مَا ذَكَرْنَا مِن التَّفْصِيل،
فَإِنَّ الإِعْتِبَارِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بُخُصُوصِ السَّبَب، لو ثَبَتَ السَّبَب كَيْف وهو غَيْرِ ثَابِت،
والله أعلم. [النووي ( ١٠٢/٧)].
٤١٨٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَّ اللّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((لَا يَجُوعُ أَهْلُ
بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ)). وِفِي رِوايَةٍ: قَالَ: يَا عَائِشَةُ، بَيْتُ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ)) قَالَهَا
مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمْ)(١).
٤١٩٠ - [وَعَنْ سَعْد، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ
عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمُّ وَلَا سِحْرٌ)). مُتَّفَقُ عَلَيْهِ](٢).
(مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً) قال الحافظ: جُوزِ فِي تَمَرَات عَجْوَة الْإِضَافَة
فَتُخْفَض كَمَا تَقُول ثِيَابِ خَرّ، وَيَجُوزِ التَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ عَطْف بَيّان أو صِفَة لِسَبْع أو
تَمَرَات وَيَجُوزِ النَّصْبِ مُنَوَّنًا عَلَى تَقْدِير فِعْل أو عَلَى التّمپیز.
قَالَ الْخُطَّابِيُّ: كَوْن الْعَجْوَة تَنْفَع مِن السُّمّ وَالسِّحْرِ إِنَّمَا هو بِبَرَكَةِ دَعْوَة النَّبِيّ ◌َ
لِتَمْرِ الْمَدِينَة لَا لِخَاصِّيَّةٍ فِي التَّمْر.
وَقَالَ إِبْنِ التّين: يُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ نَخْلاَ خَاصًّا بِالْمَدِينَةِ لَا يُعْرَفِ الْآن.
وَقَالَ بَعْض شُرَّاحِ ((الْمَصَابِيحِ)) نحوه وَإِنَّهُ ذَلِكَ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلِ أَنْ
(١) أخرجه مسلم (٢٠٤٦)، والدارمي (٢٠٦١)، وأبو داود (٣٨٣١)، والترمذي (١٨١٥) وقال: حسن
غريب. وابن ماجه (٣٣٢٧)، والطبراني (٧٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٣٠)، ومسلم (٢٠٤٧)، وأحمد (١٥٧٢)، وأبو داود (٣٨٧٦)، وأبو عوانة
(٨٣٤٢)، والبيهقي (١٩٣٥٣).