Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٥٩
كتاب الحدود
بنت محمد ◌َ لقطعتها».
قال ابن حجر كالقرطبي: يندب الستر على المسلم ما لم يبلغ الإمام. [فيض
القدير (٩٥/٢)].
٣٥٨٨ [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: «إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله خَيْرٌ
مِنْ مَطَرٍ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ الله)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه] (١).
٣٥٨٩ - [وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ](٢).
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣٧).
(٢) أخرجه النسائي (٤٩٢٢).
(باب قطع السرقة)
(الفصل الأول)
٣٥٩٠ - [عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا بِرُبْعَ دِینَارٍ
فَصَاعِدًا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٥٩١ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ
دَرَاهِمَ](٢).
(قَطَعَ النَِّيُّ ◌َهُ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنَّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمٌ) مَعْنَاهُ أَمَرَ؛ لِأَنَّهُ وَِّ لَمْ
يَكُنْ يُبَاشِرِ الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هو الَّذِي كَانَ مُوكَلاً بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِل
غَیْره.
وَقَوْله: ((قِيمَته)) قِيمَة الشَّيْءٍ: مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الرَّعْبَةِ فِيهِ، وَأَصْله: ((قِوْمَةُ)) فَأُبْدِلَت
الواو يَاءً لوقُوعِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ، وَالثَّمَن مَا يُقَابَل بِهِ الْمَبِيعِ عِنْدِ الْبَيْعِ، وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ
الْمُرَادِ هُنَا، الْقِيمَة وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الثَّمَن إِمَّا تَجَوُّزًا، وَإِمَّا أَنَّ الْقِيمَةِ وَالثَّمَن كَانَا
حِینَئِذٍ مُسْتَوِییْنِ.
قَالَ إِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: الْقِيمَة وَالثَّمَن قَدْ يَخْتَلِفَانِ، وَالْمُعْتَبَرِ إِنَّمَا هو الْقِيمَة، وَلَعَلَّ
التَّعْبِيرِ بِالثَّمَنِ لِكَوْنِهِ صَادَفَ الْقِيمَةَ فِي ذَلِكَ الوقْت فِي ظَنِّ الرَّاوِي أو بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَة،
وَقَدْ تَمَسَّكَ مَالِك بِحَدِيثِ إِبْنِ عُمَر فِي اِعْتِبَارِ النَّصَابِ بِالْفِضَّةِ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّة
وَسَائِرِ مَنْ خَالَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طُرُقِهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَأُوْرَدَ الطَّحَاوِيّ
حَدِيث سَعْد الَّذِي أَخْرَجَهُ إِبْنِ مَالِك أَيْضًا وَسَنَده ضَعِيف وَلَفْظه: «لَا يُقْطَعِ السَّارِقِ إِلَّ
فِي الْمِجَنّ)) قَالَ: فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْطَعِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنّ.
(١) أخرجه البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤)، والنسائي (٤٩٣٦)، وابن ماجه (٢٥٨٥)، وابن حبان
(٤٤٦٤)، وأحمد (٢٤٧٦٩)، وأبو عوانة (٦٢٠٩)، والدار قطني (٣١٥)، والبيهقي (١٦٩٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٩٨).
- ٦٦٠ -
٦٦١
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
وَلَكِن أُخْتُلِفَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنّ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس قَالَ: ((كَانَ قِيمَة
الْمِجَنّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ الله ﴿ عَشَرَة دَرَاهِمْ)) قَالَ: فَالإِحْتِيَاطِ أَلَا يُقْطَع إِلَّ فِيمَا
إِجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآثَارِ وهو عَشَرَةِ، وَلَا يُقْطَع فِيمَا دُونِهَا لوجُودِ الإِخْتِلَاف فِيهِ،
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لو سُلِّمَ فِي الدَّرَاهِم لَمْ يُسَلَّم فِي النَّصّ الصَّرِيحِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَدُفِعَ مَا أَعَلَّهُ
بِهِ.
وَالْجُمْعُ بَيْنِ مَا اِخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتِ فِي ثَمَنِ الْمِجَنّ مُمْكِن بِالْحَمْلِ عَلَى إِخْتِلَاف
الثَّمَن وَالْقِيمَةِ، أو عَلَى تَعَدُّد الْمَجَانّ الَّتِي قَطَعَ فِيهَا وهو أولَی.
وَقَالَ اِبْنِ دَقِيقِ الْعِيد: الإِسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: قَطَعَ (فِي مِجَنُّ) عَلَى إِعْتِبَارِ النَّصَاب
ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ حِكَايَة فِعْل وَلَا يَلْزَم مِن الْقَطْعِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ عَدَم الْقَطْعِ فِيمَا دُونِه
بِخِلَافِ قَوْله: ((يُقْطَعِ فِي رُبْعِ دِينَار فَصَاعِدًا)) فَإِنَّهُ بِمَنْظُوقِهِ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعِ فِيمَا إِذَا
بَلَغَهُ، وَكَذَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَبِمَفهومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعِ فِيمَا دُون ذَلِكَ.
قَالَ: وَاعْتِمَاد الشَّافِعِيّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةِ، وهو قَوْل أَقْوَى فِي الإِسْتِدْلَال مِن
الْفِعْلِ الْمُجَرَّد، وهو قَوِيّ فِي الدَّلَالَة عَلَى الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٍ فِي الْقَطْعِ فِي دُونِ الْقَدْر
الَّذِي يَقُولُونَ بِجَوَازِ الْقَطْعِ فِيهِ، وَيَدُلّ عَلَى الْقَطْعِ فِيمَا يَقُولونَ بِهِ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى، وَأَمَّا
دَلَالَتْهُ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ فِي دُونِ رُبْعِ دِينَار، فَلَيْسَ هو مِنْ حَيْثُ مَنْطُوقِه بَلْ مِنْ حَيْثُ
مَفهومه، فَلَا يَكُون حُجَّة عَلَى مَنْ لَا يَقُول بِالْمَفهومِ.
قُلْت: وَقَرَّرَ الْبَاجِيّ طَرِيقِ الْأَخْذِ بِالْمَفهومِ هُنَا، فَقَالَ: دَلَّ التَّقْوِيم عَلَى أَنَّ الْقَطْع
يَتَعَلَّق بِقَدْرٍ مَعْلومٍ، وَإِلَّ فَلَا يَكُون لِذِكْرِهِ فَائِدَة، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَدِ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصّ
صَرِيْحًا مَرْفُوعًا فِي إِعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارِ، وَقَدْ خَالَفَ مِن الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ مِن الْقُدَمَاءِ إِبْنِ
عَبْد الْحُكَم وَمِمَّنْ بَعْدهم إِبْنِ الْعَرَبِيّ، فَقَالَ: ذَهَبَ سُفْيَانِ الثَّوْرِيّ مَعَ جَلَالَتْه فِي
الْحَدِيث إِلَى أَنَّ الْقَطْع لَا يَكُون إِلَّ فِي عَشَرَة دَرَاهِم، وَحُجَّته أَنَّ الْيَد مُخْتَرَمَة
بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا تُسْتَبَاحِ إِلَّ بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَالْعَشَرَةِ مُتَّفَق عَلَى الْقَطْعِ فِيهَا عِنْدِ الْجَمِيعِ،
فَيْتَمَسَّك بِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الاِتِّفَاقِ عَلَى مَا دُون ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَةِ دَلَّتْ عَلَى الْقَطْع في
٦٦٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
كُلّ قَلِیل وگَثِير.
وَإِذَا اِخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتِ فِي النَّصَابِ أُخِذَ بِأَصَحِّ مَا وَرَدَ فِي الْأَقَلْ، وَلَمْ يَصِحّ أَقَلُّ
مِنْ رُبْعِ دِينَار أو ثَلَاثَة دَرَاهِم، فَكَانَ اِعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ أَقْوَى مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: إنَّهُ صَرِيحٍ فِي الْحَصْرِ حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ: (لَا تُقْطَع الْيَدِ إِلَا فِي رُبْع ◌ِینَار
فَصَاعِدًا)) وَسَائِرِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَة الوارِدَة حِكَايَة فِعْل لَا عُمُوم فِيهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ الذَّهَب؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلِ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلّهَا،
وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ اِسْتِدْلَالاً عَلَى أَنَّ أَصْلِ النَّقْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الدَّنَانِيرِ، بِأَنَّ
الصِّكَاكَ الْقَدِيمَة كَانَ يُكْتَب فِيهَا عَشَرَة دَرَاهِم وَزْنِ سَبْعَة مَثَاقِيل، فَعُرِفَتِ الدَّرَاهِم
بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا، وَالله أَعْلَمُ.
وَحَاصِل الْمَذَاهِبِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُقْطَعِ السَّارِقِ فِيهِ يَقْرُب مِنْ عِشْرِينَ مَذْهَبًا:
الأول: يُقْطَع فِي كُلّ قَلِيل وَكَثِيرِ تَافِهًا كَانَ أَو غَيْرِ تَافِه، نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِر
وَالْخُوَارِجِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَبِهِ قَالَ أبو عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيّ.
وَمُقَابِل هَذَا الْقَوْلِ فِي الشُّذُوذِ مَا نَقَلَهُ عِيَاضٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ
أَنَّ الْقَطْعِ لَا يَجِب ◌ِلَّ فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أو أَرْبَعَة دَنَانِير، وَهَذَا هو الْقَوْلِ الثَّانِي.
الثَّالِث: مِثْلِ الْأَولِ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقِ شَيْئًا تَافِهًا لِحَدِيثِ عُرْوَة الْمَاضِي: ((لَمْ
يَكُنِ الْقَطْعِ فِي شَيْءٍ مِنِ الثَّافِه)) وَلِأَنَّ عُثْمَان قَطَعَ فِي فُخَّارَةٍ خَسِيسَة، وَقَالَ لِمَنْ
يَسْرِق السِّيَاطِ: لَئِنْ عُدْتُمْ لَأَقْطَعَنَّ فِيهِ، وَقَطَعَ إِبْنِ الزُّبَيْرِ فِي نَعْلَيْنِ أَخْرَجَهُمَا إِبْنِ أَبِي
شَيْبَةٍ وَعَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مُدٍّ أو مُدَّيْنِ.
الرَّابع: تُقْطَع فِي دِرْهَم فَصَاعِدًا، وهو قَوْل عُثْمَان الْبَتِّيَّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَة وَتَشْدِيد
الْمُثَنَّةِ مِنْ فُقَهَاء الْبَصْرَة وَرَبِيعَة مِنْ فُقَهَاء الْمَدِينَةِ، وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى عُثْمَانِ فَأَظْلَقَ
ظَنَّا مِنْهُ أَنَّهُ الْخَلِيفَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
الْخَامِس: فِي دِرْهَمَيْنِ، وهو قَوْل الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ جَزَمَ بِهِ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنْهُ.
السَّادِس: فِيمَا زَادَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ، وَلَو لَمْ يَبْلُغ الثَّلَاثَة أُخْرَجَهُ اِبْنِ أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ
٦٦٣
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
قَوِيّ عَنْ أَنَس: ((إنَّ أَبَا بَكْر قَطَعَ فِي شَيْءٍ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ)) وَفِي لَفْظ: ((لَا يُسَاوِي
ثَلَاثَة دَرَاهِم».
السَّابِعِ: فِي ثَلَاثَة دَرَاهِمْ وَيُقَوَّمِ مَا عَدَاهَا بِهَا وَلو كَانَ ذَهَبًا، وَهِيَ رِوَايَة عَنْ أَحْمَدَ،
وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِك.
الثَّامِنِ مِثْله: لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقِ ذَهَبًا فَنِصَابِه رُبْعِ دِينَار وَإِنْ كَانَ غَيْرِهِمَا،
فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم قُطِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ لَمْ يُقْطَعِ وَلو كَانَ نِصْفِ دِينَار،
وَهَذَا قَوْل مَالِك الْمَعْرُوفِ عِنْد أَتْبَاعِه، وَهِيَ رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَاحْتُجَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ
أَحْمَدُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ رَاشِد عَنْ يَحَْى بْنِ يَحْنَى الْغَسَّانِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن مُحَمَّد بْن
عَمْرو بْنِ حَزْم عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: ((إِقْطَعُوا فِي رُبَّع دِينَارِ، وَلَا تَقْطَعُوا فِي
أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ)» قَالَتْ: وَكَانَ رُبْعِ الدِّينَارِ قِيمَته يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَة دَرَاهِم، وَالْمَرْفُوعِ مِنْ هَذِهِ
الرِّوَايَة نَصُّ فِي أَنَّ الْمُعْتَمَدِ وَالْمُعْتَبَرِ فِي ذَلِكَ الذَّهَب، وَالْمَوْقُوفِ مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ الذَّهَب
يُقَوَّم بِالْفِضَّةِ، وَهَذَا يُمْكِنُ تأويله، فَلَا يَرْتَفِع بِهِ النَّصّ الصَّرِيح.
التَّاسِعِ مِثْله: إِلَّ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقِ غَيْرهمَا قُطِعَ بِهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا،
وهو الْمَشْهور عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَة عَنْ إِسْحَاق.
الْعَاشِرِ مِثْله: لَكِنْ لَا يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا إِلَّ إِذَا كَانَا غَالِيَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا غَالِبًا فهو الْمُعَوَّل عَلَيْهِ، وهو قَوْل جَمَاعَةٍ مِن الْمَالِكِيَّة، وهو
الْحَادِيَ عَشَرَ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: رُبْعِ دِينَار أو مَا يَبْلُغ قِيمَته مِنْ فِضَّة أو عَرَض، وهو مَذْهَب
الشَّافِعِيّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِیره، وهو قَوْل عَائِشَة وَعَمْرَةٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَعُمَر بْن
عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالأوزاعي وَاللَّيْثِ وَرِوَايَة عَنْ إِسْحَاق وَعَنْ دَاوُدَ، وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرِهِ
عَنْ عُمَرِ وَعُثْمَانِ وَعَلِيّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنْ عُمَر بِسَنَدٍ مُنْقَطِعِ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا
أَخَذَ السَّارِقِ رُبْعِ دِينَارِ قُطِعَ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرَةٍ: «أَتِيَ عُثْمَانِ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةِ قُوَّمَتْ
بِثَلَاثَةِ دَرَاهِم مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقُطِعَ)) وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَر بْن ◌ُحَمَّد عَنْ
٦٦٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ فِي رُبْعِ دِينَار كَانَتْ قِيمَته دِرْهَمَیْنِ وَنِصْفًا.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَرْبَعَة دَرَاهِم نَقَلَهُ عِيَاض عَنْ بَعْض الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَهُ إِبْنِ الْمُنْذِر
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد.
الَّابعَ عَشَرَ: ثُلُث دِينَارِ حَكَّاهُ اِبْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْبَاقِرِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: خَمْسَة دَرَاهِم، وهو قَوْل إِبْنِ شُبْرُمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ فُقَهَاء
الْكُوفَةِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَعَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَار أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ جَاءَ عَنْ
عُمَر بْنِ الْخَطَّاب: ((لَا تُقْطَع الْخَمْس إِلَّا فِي خَمْس)) أَخْرَجَهُ إِبْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيق مَنْصُور
عَنْ تُجَاهِد عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب عَنْهُ، وَأَخْرَجَ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ وَأَبِي
سَعِيدٍ مِثْله وَنَقَلَهُ أبو زَيْد الدَّبُوسِيّ عَنْ مَالِك وَشَذَّ بِذَلِكَ.
السَّادِسِ عَشَر: عَشَرَة دَرَاهِم أو مَا بَلَغَ قِيمَتهَا مِنْ ذَهَبٍ أو عَرَض، وهو قَوْل أَبِي
حَنِيفَة وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا.
السَّابِعِ عَشَر: دِينَار أو مَا بَلَغَ قِيمَته مِنْ فِضَّة أو عَرَض، حَكَاهُ إِبْنِ حَزْمٌ عَنْ
طَائِفَةٍ، وَجَزَمَ اِبْنِ الْمُنْذِر بِأَنَّهُ قَوْلِ النَّخَعِيِّ.
الثَّامِنِ عَشَر: دِينَار أو عَشَرَة دَرَاهِم أو مَا يُسَاوِي أَحَدهمَا حَكَاهُ اِبْنِ حَزْمِ أَيْضًا،
وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ الْمُنْذِر عَنْ عَلِيّ بِسَنَدٍ ضَعِيف، وَعَن ◌ِبْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعِ، قَالَ: وَبِهِ
قَالَ عَطَاء.
التَّاسِعِ عَشَر: رُبْعِ دِينَار فَصَاعِدًا مِن الذَّهَبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة،
وَيُقْطَع فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِن الْفِضَّة وَالْعُرُوض، وهو قَوْل اِبْنِ حَزْمِ، وَنَقَلَ إِبْنُ
عَبْدِ الْبَرِّ تَحْوَهُ عَنْ دَاوُدَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّحْدِيدِ فِي الذَّهَبِ ثَبَتَ صَرِيحًا فِي حَدِيث عَائِشَة،
وَلَمْ يَثْبُتِ التَّحْدِيدِ صَرِيحًا فِي غَيْرهِ، فَبَقِيَ عُمُوم الْآيَةِ عَلَى حَاله فَيُقْطَعِ فِيمَا قَلَّ أو كَثُرَ
إِلَّ إِذَا كَانَ الشَّيْء تَافِهًا، وهو مُوَافِقُ لِلشَّافِعِيِّ إِلَّا فِي قِيَاس أَحَد النَّقْدَيْنِ عَلَى الْآخَر،
وَقَدْ أَيَّدَهُ الشَّافِعِيّ بِأَنَّ الصَّرْفِ يَوْمَئِذٍ كَانَ مُوَافِقًا لِذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الدِّيَة عَلَى أَهْل
الذَّهَب أَلْف دِينَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْفِضَّة ◌ِثْنَا عَشَرِ أَلْف دِرْهَم.
٦٦٥
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
وَيُخَرَّج مِنْ تَفْصِيلِ جَمَاعَةٍ مِن الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّقْوِيمِ يَكُون بِغَالِبٍ نَقْد الْبَلَدِ إِنْ
ذَهَبًا فَبِالذَّهَبِ، وَإِنْ فِضَّة فَبِالْفِضَّةِ تَمَامِ الْعِشْرِينَ مَذْهَبًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث اِبْن
عُمَرِ أَنَّهُ وََّ قَطَعَ فِي مُجَنّ قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم، وَثَبَتَ لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَزّ،
وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنّ ثَلَاثَة دَرَاهِم، وَهِيَ مُوَافِقَة لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ فِي الْقَطْعِ فِي رُبْع
دِينَار، وَإِنَّمَا تُرِكَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمِ نِصَاب يُقْطَع فِيهِ مُظْلَقًّا؛ لِأَنَّ قِيمَة الْفِضَّة
بِالذَّهَبِ تَخْتَلِفِ، فَبَقِيَ الإِعْتِبَارِ بِالذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالله أَعْلَمُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوب قَطْعِ السَّارِقِ وَلو لَمْ يَسْرِق مِنْ حِرْز، وهو قَوْلِ الظَّاهِرِيَّة،
وَأَبِي عُبَيْد الله الْبَصْرِيّ مِن الْمُعْتَزِلَةِ، وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهور فَقَالوا: الْعَامُّ إِذَا خُصَّ مِنْهُ
شَيْءٍ بِدَلِيلٍ بَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُومِه، وَحُجَّته سَوَاء كَانَ لَفْظُه يُنْبِئِ عَمَّا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ
الْحُكْم بَعْد التَّخْصِيصِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ آيَة السَّرِقَة عَامَّةٌ فِي كُلّ مَنْ سَرَقَ، فَخَصَّ الْجُمْهور
مِنْهَا مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزِ، فَقَالوا: لَا يُقْطَع، وَلَيْسَ فِي الْآيَة مَا يُنْبِئِ عَنِ اِشْتِرَاط
الحرز.
وَطَرَدَ الْبَصْرِيّ أَصْلِه فِي الإِشْتِرَاط الْمَذْكُورِ، فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحِرْزِ؛ لِيَسْتَمِّرّ
الإِحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ، نَعَمْ وَزَعَمَ اِبْنِ بَطَّال أَنَّ شَرْط الْحِرْزِ مَأْخُوذ مِنْ مَعْنَى السَّرِقَةِ، فَإِنْ
صَحَّ مَا قَالَ سَقَطَتْ حُجَّة الْبَصْرِيّ أَصْلاً، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةِ بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا
◌ُخُصُوصِ السََّب؛ لِأَنَّ آيَة السَّرِقَة نَزَلَتْ فِي سَارِقٍ رِدَاء صَفْوَان أو سَارِقِ الْمِجَنّ، وَعَمِلَ
بِهَا الصَّحَابَةِ فِي غَيْرِهِمَا مِن السَّارِقِينَ.
وَاسْتُدِلَّ بِإِظْلَاقِ رُبْعِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ الْقَطْعِ يَجِبٍ بِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن الذَّهَب
سَوَاء كَانَ مَضْرُوبًا أو غَيْرِ مَضْرُوب جَيِّدًا كَانَ أو رَدِيثًا، وَقَد اِخْتَلَفَ فِيهِ التَّرْجِيحِ عِنْد
الشَّافِعِيَّة، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَظْلَقَ فِي السَّرِقَة فَجَزَمَ الشَّيْخِ أبو حَامِد
وَأَتْبَاعِه بِالتَّعْمِيمِ هُنَا، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيّ: لَا يَقَع إِلَّ فِي الْمَضْرُوب وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيّ.
وَقَيَّدَ الشَّيْخِ أبو حَامِد النَّقْلَ عَنِ الْإِصْطَخْرِيّ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَنْقُص بِالطَبْعِ،
وَاسْتَدَلَّ بِالْقَطْعِ فِي الْمِجَنّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَطْعِ فِي كُلّ مَا يُتَمَوَّل قِيَاسًا، وَاسْتَثْنَى
٦٦٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْحَنَفِيَّةِ مَا يُسْرِعِ إِلَيْهِ الْفَسَاد، وَمَا أَصْلِه الْإِبَاحَةِ كَالْحِجَارَةِ وَاللَّبَنِ وَالْخَشَب وَالْمِلْح
وَالتُّرَابِ وَالْكَلَأَ وَالظَّيْرِ، وَفِيهِ رِوَايَة عَنِ الْحَنَابِلَةِ، وَالرَّاجِحِ عِنْدِهِمْ فِي مِثْلِ السِّرْجِين
الْقَطْعِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ بَيْعِه، وَفِي هَذَا تَفَارِيعُ أَخْرَى مَحَلُّ بَسْطَهَا كُتُبُ الْفِقْهُ، وَبِالله
التَّوْفِيق. [الفتح (٢١٠/١٩)].
٣٥٩٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ
فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
(الفصل الثاني)
٣٥٩٣. [عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرِ». رَوَاهُ
مَالِكٌّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِيُّ وَابْنُ مَاجَه] (٢).
(لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ) بفتح الكاف والثاء المثلثة وهو الجمار، قال في
((القاموس)): والكثر ويحرك جمار النخل أو طلعها، وقال: الجمار كرمان شحم النخل.
وقال في ((المجمع)): الكثر بفتحتين: جمار النخل، وهو شحمه الذي في وسط
النخلة، وهو شيء أبيض وسط النخل يؤكل الكثر الطلع أول ما يؤكل. انتهى.
قلت: المراد بالكثر هو الجمار كما وقع في رواية النسائي.
قال في ((شرح السنة): ذهب أبو حنيفة إلى ظاهر هذا الحديث، فلم يوجب
القطع في سرقة شيء من الفواكه الرطبة سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه
اللحوم والألبان والأشربة والخبوز، وأوجب الآخرون القطع في جميعها إذا كان محرزًا،
وهو قول مالك والشافعي، وتأول الشافعي الحديث على الثمار المعلقة غير المحرزة.
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠١)، ومسلم (١٦٨٧)، وأحمد (٧٤٣٠)، والنسائي (٤٨٧٣)، وابن ماجه
(٢٥٨٣).
(٢) أخرجه مالك (١٥٢٨)، والشافعي (٣٣٥/١)، وعبد الرزاق (١٨٩١٧)، والدارمي (٢٣٠٤)،
والطيالسي (٩٥٨)، وأحمد (١٥٨٤٢)، وأبو داود (٤٣٨٨)، والترمذي (١٤٤٩)، والنسائي (٤٩٦٠)،
وابن ماجه (٢٥٩٣)، وابن حبان (٤٤٦٦)، والطبراني (٤٢٧٧)، والبيهقي (١٧٠٠٠)، والحميدي
(٤٠٧)، وابن أبي شيبة (٢٨٥٨٣)، وابن الجارود (٨٢٦).
٦٦٧
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، والدليل عليه حديث عمرو بن
شعيب، وفيه دليل على أن ما كان منها محرزًا يجب القطع بسرقته. انتهى. [الأحوذي
(٨/٥)].
٣٥٩٤ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ عَنِ رَسُولِ اللهِوَهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ: «مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ
أَنْ يُؤْوِيَّهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ». رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](١).
٣٥٩٥ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَه
قَالَ: (لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةٍ جَبَلٍ)) فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أُو الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ
فِيمَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ)). رَوَاهُ مَالِكٌ](٢).
٣٥٩٦ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: (لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعُ، وَمَنِ
انْتَهَبَ نُهْبَةً مشهورةً فَلَيْسَ مِنَّا)». رَوَاهُ أبو داود](٣).
٣٥٩٧ - [وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِيسٍ
قَطْعُّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ](٤).
٣٥٩٨ - [وَرَوَى فِي ((شَرْجِ السُّنَّةِ)): أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي
الْمَسْجِدِ وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ وَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَه صَفْوَانُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ الله
وَ﴿ فَأَمَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، هو عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: (فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ)](٥).
٣٥٩٩ - [وَرَوَى تَحْوَهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ عَبْدِ الله بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ](٦).
(١) أخرجه أبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩) وقال: حسن. والنسائي (٤٩٥٨).
(٢) أخرجه مالك (١٥٢٥)، والنسائي (٤٩٧٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٨٤٤)، وأبو داود (٤٣٩١)، وابن حبان (٤٤٥٦).
(٤) أخرجه الترمذي (١٥١٩)، والنسائي (٤٩٨٧)، وابن ماجه (٢٥٩١)، والدارمي (٢٣٦٥).
(٥) أخرجه مالك (١٥٣٢)، ولم أقف عليه في ((شرح السنة).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٢٦٩٣).
٦٦٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٦٠٠ - { وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ](١).
٣٦٠١ - [وَعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((لَا تُقْطَعُ
الأَيْدِي فِي الْغَزْوِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبو داود وَالنَّسَائِيُّ إلا أنهما قَالَا: ((فِي
السَّفَرِ)) بَدَل ((الغَزْو))](٢٩).
(لَا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الْغَزْوِ) قال ابن الملك: أي: لا تقطع أيدي السارق في الغزو
إذا كان الجيش في دار الحرب، ولم يكن الإمام فيهم، وإنما يتولاهم أمير الجيش، وإنما
لم يقطع لاحتمال افتتان المقطوع باللحوق إلى دار الحرب، فيترك إلى أن ينفصل
الجيش، وقيل: أي: في مال الغزو؛ أي: الغنيمة قبل القسمة إذ له حق فيها.
قال المظهر: يشبه أن يكون إنما أسقط عنه الحد؛ لأنه لم يكن إمامًا، وإنما
كان أميرًا أو صاحب جيش، وأمير الجيش لا يقيم الحدود في أرض الحرب في مذهب
بعض الفقهاء إلا أن يكون إمامًا أو أميرًا واسع المملكة كصاحب العراق أو الشام أو
مصر، فإنه يقيم الحدود في عسكره، وهو قول أبي حنيفة.
وقال الأوزاعي: لا يقطع أمير العسكر حتى يقفل من الدرب، فإذا قفل قطع،
وأما أكثر الفقهاء فإنهم لا يفرقون بين أرض الحرب ولا غيرها، ويرون إقامة الحدود
على من ارتكبها كما يرون وجوب الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام والحرب
سواء.
قال التوربشتي: ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع، بأن يلحق
بدار الحرب، أو رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع،
ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش.
قال القاضي: ولعله أراد المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم. انتهى.
(١) أخرجه الدارمي (٢٣٥٤).
(٢) أخرجه الترمذي (١٥٢١)، والدارمي (٢٥٤٧)، وأحمد (١٧٦٦٣)، وأبو داود (٤٤٠٨)، والنسائي
(٤٩٧٩)، وابن قانع (٨٤/١)، والبيهقي (١٨٠٠٢)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٨٦٠).
٦٦٩
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
قال ابن الهمام: ولا يقطع السارق من بيت المال، وبه قال الشافعي وأحمد
والنخعي والشعبي، وقال مالك: يقطع، وهو قول حماد وابن المنذر لظاهر الكتاب؛ ولأنه
مال محرز ولا حق له فيه قبل الحاجة، ولنا أنه مال العامة وهو منهم، وعن عمر وعلي
مثله وعن ابن مسعود فيمن سرق من بيت المال قال: أرسله فما من أحد إلا وله في هذا
المال حق. [القاري (٢٢٩/١١)].
٣٦٠٢ - [وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ فِي السَّارِقِ: ((إنْ
سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ
فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ)). رَوَاهُ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ))](١).
٣٦٠٣ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((والنسائي)) فَقُطِعَ، ثُمَّ
جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: ((اقْطَعُوهُ) فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِئَةَ فَقَالَ: ((اقْطَعُوهُ)) فَقُطِعَ، ثُمَّ
جِيءَ بِهِ الرَّبِعَةَ فَقَالَ: ((اقْطَعُوهُ) فَقُطِعَ، فَأُنِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ ((اقْتُلُوهُ)) فَانْطَلَقْنَا بِهِ
فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِثْرٍ وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](٤).
(فَقَّالوا) أي: الصَّحَابَة (اِقْطَعُوهُ) أي: يَده (ثُمَّ جِيءَ بِهِ) أي: بِذَلِكَ السَّارِق
(فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ إِجْتَرَرْنَاهُ .. إِلَخْ) قَالَ الطَّيبِيّ: فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ قَتْله هَذَا
لِلْإِهَانَةِ وَالصَّغَارِ لَا يَلِيقِ بِحَالِ الْمُسْلِمِ، وَإِن إِرْتَكَبَ الْكَبَائِرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعَزَّرِ وَيُصَلَّى
عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا بَعْد إِقَامَة الْحَدّ وَتَظْهِيرهِ، فَلَعَلَّهُ إِرْتَدَّ وَوَقَفَ نَّه عَلَى إِرْتِدَاده كَمَا فَعَلَ
بِالْعُرَنِيِّينَ مِن الْمُثْلَةِ وَالْعُقُوبَة الشَّدِيدَة، وَلَعَلَّ الرَّجُلِ بَعْد الْقَطْع تَكَلَّمَ بِمَا يُوجِب
قَتْله. اِنْتَهَى، ذَکَرَهُ الْقَارِي.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمْ أَحَدًا مِن الْفُقَهَاءِ يُبِيحِ دَمِ السَّارِقِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ
السَّرِقَة، وَقَدْ يَخْرُجَ عَلَى مَذْهَب مَالِك، وهو أَنْ يَكُونِ هَذَا مِن الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْض،
فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِد فِي عُقُوبَته وَإِنْ زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَدّ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُقْتَل قُتِلَ.
(١) أخرجه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٥٤١٩)، ولم أقف عليه في ((شرح السنة).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٤١٢)، والنسائي (٤٩٩٥).
٦٧٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
إِنْتَهَى.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَهَذَا حَدِيث مُنْكَر وَمُصْعَب بْنِ ثَابِت لَيْسَ
بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيث هَذَا آخِر كَلَامِه، وَمُصْعَب بْنِ ثَابِتِ هَذَا هو أبو عَبْد الله
مُصْعَب بْنِ ثَابِت بْن عَبْد الله بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيّ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيّ، وَقَدْ
ضَعَّفَهُ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِن الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ مُحَمَّد بْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَمَّا حَدَّثَ بِحَدِيثِ الْقَتْلِ فِي الرَّابِعَةِ، وَقَدْ تُرِكَ ذَلِكَ قَدْ
أَتِيَ النَّبِّ وَّهِ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ فَجَلَّدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتِيَ بِهِ الرَّابِعَةِ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَزِدْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ: وَالْقَتْلِ مَنْسُوخِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مَا لَا إِخْتِلَاف فِيهِ
عِنْد أَحَد مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْته يُرِيد حَدِيث قَبِيصَة بْنِ ذُؤَيْب، وَفِيهِ وَوُضِعَ الْقَتْل
فَكَانَتْ رُخْصَة.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ أَيْضًا فِي مَوْضِع آخَر: ثُمَّ حُفِظَ عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ جَلْدِ الشَّارِبِ الْعَدَد
الَّذِي قَالَ يُقْتَلِ بَعْده، ثُمَّ جِيءَ بِهِ فَجَلَّدَهُ وَرُفِعَ الْقَتْل وَصَارَتْ رُخْصَةٍ.
وَقَالَ بَعْضهمْ: يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون مَا فَعَلَهُ إِنْ صَحَّ الْحَدِيث، فَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِوَحْيٍ مِن
الله سُبْحَانِهِ، فَيَكُون مَعْنَى الْحَدِيثِ خَاصًّا فِيهِ، وَالله أَعْلَم.
وَقَالَ: وَقَدْ تَخَرَّجَ عَلَى مَذَاهِب بَعْض الْفُقَهَاء أَنَّهُ يُبَاحِ دَمه وهو أَنْ يَكُون مِن
الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِد فِي تَعْزِيرِهِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى مِقْدَار الْحَدّ، وَإِنْ
رَأَى أَنْ يُقْتَلِ قُتِلَ، وَقَدْ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مِن الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَلِ أَمَرَ بِقَتْلِهِ لَمَّا چِيءَ بِهِ أول
مَرَّة، فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون هَذَا مَشْهورًا بِالْفَسَادِ مَعْلوما مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَى سُوء
فِعْله، فَلَا يَنْتَهِي حَتَّى تَنْتَهِي حَيَاتِه هَذَا آخِرِ كَلَامه، وَالْحَدِيث لَا يَثْبُت وَالسُّنَّة مُصَرِّحَة
بِالنَّاسِخِ وَالْإِجْمَاعِ مِن الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَل، وَالله وَتَ أَعْلَم. اِنْتَهَى كَلَام الْمُنْذِرِيّ.
وذَكَرَ الشَّيْخِ شَمْس الدِّينِ بْنِ الْقَيِّم رَحِمَهُ الله: حَدِيث ((فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَة
فَاقْتُلوُ) وَكَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ إِلَى قَوْله: ((وَالْإِجْمَاعِ مِن الْأُمَّة عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلِ)) ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا
الْمَعْنَى قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث مَصْعَب بْنِ ثَابِت عَنْ مُحَمَّد بْنِ الْمُنْكَدِر عَنْ
٦٧١
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
جَابِرِ، وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيث النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ حَدَّثَنَا حَمَّد حَدَّثَنَا يُوسُف عَنِ الْحَارِثِ بْن
حَاطِب ((أَنَّ رَسُول الله وَّهِ أُنِيَ بِلِصِّ، فَقَالَ: اقْتُلوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا سَرَقَ،
قَالَ: اِقْطَعُوا يَده. قَالَ: ثُمَّ سَرَقَ، فَقُطِعَتْ رِجْله، ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْد أَبِي بَكْرِ حَتَّى
قُطِعَتْ قَوَائِمِه كُلّهَا، ثُمَّ سَرَقَ أَيْضًا الْخَامِسَةِ، فَقَالَ أبو بكر: كَانَ رَسُول الله وَّ أَعْلَم
بِهَذَا حِين قَالَ: اقْتُلوهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَة مِنْ قُرَيْش لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ عَبْد الله بْن الزُّبَيْر
وَكَانَ يُحِبّ الْإِمَارَةِ، فَقَالَ: أَمِّرُونِي عَلَيْكُمْ، فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِذَا ضَرَبَ ضَرَبُوهُ، حَتَّى
قَتَلُوهُ) قَالَ النَّسَائِيُّ: وَلَا أَعْلَمْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا صَحِيحًا.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ بَعْدِ الرَّابِعَةِ: فَقَدْ قَالَ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ: إِنَّ
الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ مَتْرُوكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا هو الَّذِي ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْرِه.
وَقِيلَ: هو مَنْسُوخ بِحَدِيثٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ حِمَار ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َّهُ لَمْ يَقْتُلُهُ فِي الرَّابِعَة)).
وَقَالَ الْإِمَامِ أَحْمَد وَقَدْ قِيلَ لَهُ: لِمَ تَرَكْتِهِ؟ فَقَالَ: لِحَدِيثِ عُثْمَانِ: ((لَا يَحِلّ دَم
إِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث)) وَفِي ذَلِكَ كُلّه نَظَر.
أَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ: فَلَا إِجْمَاعِ. قَالَ عَبْد الله بْنِ عُمَر،
وَعَبْد الله بْن عَمْرو: ((إِثْتُونِي بِهِ فِي الرَّابِعَةِ، فَعَلَّ أَنْ أُقْتُلُهُ)) وَهَذَا مَذْهَب بَعْض
السَّلَف.
وَأَمَّا إِدِّعَاء نَسْخِه بِحَدِيثِ عَبْد الله بْنِ حِمَارِ، فَإِنَّمَا يَتِمّ بِثُبُوتٍ تَأْخُّرِه، وَالْإِثْيَانِ
بِهِ بَعْدِ الرَّابِعَةِ، وَمُنَافَاتِه لِلْأَمْرِ بِقَتْلِهِ.
وَأَمَّا دَعْوَى نَسْخِه بِحَدِيثٍ: (لَا يَحِلّ دَم ◌ِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث)) فَلَا
يَصِحّ؛ لِأَنَّهُ عَامٌ، وَحَدِيث الْقَتْل خَاصّ.
وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلِ أَنَّ الْأَمْرِ بِقَتْلِهِ لَيْسَ حَتْمًا، وَلَكِنَّهُ تَعْزِيز بِحَسَبٍ
الْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا أَكْثَرِ النَّاسِ مِن الْخُمْرِ وَلَمْ يَنْزَجِرُوا بِالْحَدِّ، فَرَأَى الْإِمَامِ أَنْ يُقْتَلِ فِيهِ
قُتِلَ، وَلِهَذَا كَانَ عُمَرِ يَنْفِي فِيهِ مَرَّةٌ، وَيَحْلِقِ فِيهِ الرَّأْسِ مَرَّة، وَجَلَدَ فِيهِ ثَمَانِينَ وَقَدْ جَلَّدَ
فِيهِ رَسُول الله ﴿ وَأبو بكر أَرْبَعِينَ، فَقَتْله فِي الرَّابِعَة: لَيْسَ حَدًّا، وَإِنَّمَا هو تَعْزِيز
٦٧٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
بِحَسَبِ الْمَصْلَحَة، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجِ حَدِيث الْأَمْرِ بِقَتْلِ السَّارِقِ، إِنْ صَحَّ، وَالله أَعْلَم.
[عون (٤٣٨/٩)].
٣٦٠٤ - [وَرْوِي فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)) فِي قَطْعِ السَّارِقِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: «اقْطَعُوهُ ثُمَّ
احْسِمُوهُ)](١).
٣٦٠٥ - [وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: أُنِيَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ
أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو داودٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ](٤).
٣٦٠٦ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ:((إِذَا سَرَقَ الْمَمْلوكُ فَبِعْهُ وَلو
بِنَّ)). رَوَاهُ أُبو داودِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه] (٣).
(الفصل الثالث)
٣٦٠٧ - [عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَقِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ، فَقَالوا: مَا كُنَّا نُراكَ
تَبْلُغُ بِهِ هَذَا. قَالَ: (لوكَانَتْ فَاطِمَةَ لَقَطَعْتُهَا)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] (٤).
٣٦٠٨ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلُّ إِلَى عُمَرَ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدَهُ
فَإِنَّهُ سَرَقَ مِرْآَةً لِإِمْرَأَتِي. فَقَالَ عُمَرُ ﴾: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وهو خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ.
رَوَاهُ مَالِكٌ] (٥).
٣٦٠٩ - [وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ◌ِ: ((يَا أَبَا ذَرِّ)) قُلْتُ: لَتَّيْكَ يَا
رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتُ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ
بِالوصِيفِ؟)» يَعْنِي: الْقَبْرَ. قُلْتُ: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ)) قَالَ حَمَّادُ بْنُ
(١) أخرجه الدارقطني (٣٢١٠)، ولم أقف عليه في ((شرح السنة).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٦٧١)، وأبو داود (٤٤١٣)، والترمذي (١٥١٨)، والنسائي (٥٠٠٠)، وابن ماجه
(٢٦٨٥).
(٣) أخرجه أحمد (٨٤٣٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٦٥)، وأبو داود (٤٤١٢)، والنسائي
(٤٩٨٠)، وابن ماجه (٢٥٨٩)، والطيالسي (٢٣٤٣)، والديلمي (١١٤٩).
(٤) أخرجه النسائي (٤٩١٣)، وأحمد (٢٤٨٦٧).
(٥) أخرجه مالك (١٥٣٧)، والدارقطني (٣٤٥٨)، والبيهقي (١٧٧٦٥).
٦٧٣
كتاب الحدود/ باب قطع السرقة
أَبِي سُلَيْمَانَ: تُقْطَعُ التَّبَّاسُ؛ لأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْتَهُ رَوَاهُ أَبو داود] (١).
(قُلْت: لَتَيْكَ يَا رَسُولِ الله وَسَعْدَيْك) أي: أَجَبْت لَك مَرَّة بَعْد أُخْرَى، وَطَلَبْت
السَّعَادَة لِإِجَابَتِك فِي الْأولِى وَالْأُخْرَى (قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ) أي: كَيْف حَالك (إِذَا أَصَابَ
النَّاسَ مَوْتُ) أي: وَبَاء عَظِيمِ (يَكُونُ الْبَيْتُ) أي: بَيْتِ الْمَوْتِ أو الْمَيِّت وهو الْقَبْرِ
(فِيهِ) أي: فِي وَقْت إِصَابَتهمْ (بِالوصِيفِ) أي: مُقَابَل بِهِ. قَالَ فِي (النَّهَايَة): الوصِيف:
الْعَبْدِ يُرِيد ◌َنَّهُ يَكْثُر الْمَوْتِ حَتَّى يَصِير مَوْضِع قَبْرِ يُشْتَرَى بِعَبْدٍ مِنْ كَثْرَة الْمَوْنَى
(يَعْنِي: الْقَبْر) أي: يُرِيدِ النَّبِيّ ◌َّهُ بِالْبَيْتِ الْقَبْر، وهو جُمْلَة مُعْتَرِضَةٍ مِنْ أَبِي ذَرّ أو غَيْرِهِ
مِن الرُّوَاة.
(عَلَيْك بِالصَّبْرِ) أي: ◌ِلْزَمُ الصَّبْرِ (أو قَالَ تَصْبِر) شَكّ مِن الرَّاوِي (حَمَّاد بْن أَبِي
سُلَيْمَان) هو شَيْخِ أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ الله (يُقْطَع) بِصِيغَةِ المجهول (النَّبَّاش) أي: يَده
(لِأَنَّهُ) أي: التَّبَّاش (دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْته) بِالنَّصْبِ.
قَالَ الطَّيْبِيّ: يَجُوز أَنْ يَكُون ◌َجْرُورًا عَلَى الْبَدَل مِن الْمَيِّت، وَمَنْصُوبًا عَلَى
التَّفْسِير وَالتَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَب عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمٍ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسه﴾
[البقرة: ١٣٠] أو عَلَى تَقْدِير: ((أَعْنِي) وَاسْتَدَلَّ حَمَّاد بِتَسْمِيَةِ الْقَبْرِ الْبَيْتِ عَلَى أَنَّ الْقَبْرِ
حِرْزِ لِلْمَيِّتِ فَتُقْطَع يَدِ النَّبَاش.
قَالَ الْقَارِي: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ جَوَازِ إِظْلَاقِ الْبَيْت عَلَيْهِ حَقِيقَة، أو حُكْمًا
كَوْنِه حِرْزًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو أَخَذَّ أَحَدِ شَيْئًا مِنْ بَيْت لَمْ يَكُنْ لَهُ بَاب مُغْلَق أو حَارِسِ
لَمْ يُقْطَعْ بِلَا خِلاف، اللُّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَال: حِرْزِ كُلّ شَيْءٍ بِحَسَبٍ مَا يَعُدّهُ الْعُرْفِ حِرْزًا؛
وَلِذَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَطْعه.
قَالَ اِبْنِ الْهُمَامِ: وَلَا قَطْعِ عَلَى نَبَّاش، وهو الَّذِي يَسْرِق أَكْفَان الْمَوْنَى بَعْد الدَّفْنِ
هَذَا عِنْد أَبِي حَنِيفَةٍ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أبو يُوسُف وَبَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلاثَة: عَلَيْهِ الْقَطْع، وهو
(١) أخرجه أبو داود (٤٤١١).
٦٧٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
مَذْهَب عُمَر وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةٍ، وَمِن الْعُلَمَاءِ أبو ثَوْرِ وَالْحَسَن وَالشَّافِعِيّ وَالشَّعْبِيّ
وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة وَحَمَّد وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ، وَقَوْل أَبِي حَنِيفَة قَوْل اِبْنِ عَبَّاس
وَالثَّوْرِيِّ وَالأوزاعي وَالزُّهْرِيّ. إِنْتَهَى.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: اِسْتَدَلَّ أبو دَاوُدَ مِن الْحَدِيث أَنَّهُ يُسَمَّى الْقَبْرِ: بَيْتًا، وَالْبَيْتِ حِرْزِ،
وَالسَّارِقِ مِن الْحِرْزِ مَقْطُوعٍ إِذَا بَلَغَتْ سَرِقَته مَبْلَغْ مَا يُقْطَعِ فِيهِ الْيَد. اِنْتَهَى [٤٣٧/٩].
(باب الشفاعة في الحدود)
(الفصل الأول)
٣٦١٠ - [عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ قُرَيْشَا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ
الْمَخْزُ ومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله ◌َ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَخْتَرِئُ
عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِوَ﴿ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ:
(َتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟)) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ
أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ،
وَأَيْمُ الله لو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وِفِي رِوايَةٍ
لُمُسْلِمٍ: قَالَت: كَانَتِ امْرَأَةُ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِقَطْعِ يَدِهَا
فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِوَ فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْو مَا
تَقَدَّمَ](١).
(كَانَتْ إِمْرَأَةَ تَخْزُ ومِيَّةٍ تَسْتَعِيرِ الْمَتَاعِ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيّ ◌َّهُ بِقَطْعِ يَدهَا فَأَنَى
أَهْلِهَا أُسَامَةٍ فَكَلَّمُوهُ.) قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادِ أَنَّهَا قُطِعَتْ بِالسَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الْعَارِيَة
تَعْرِيفًا لَهَا وَوَصْفًا لَهَا، لَا أَنَّهَا سَبَب الْقَطْعِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم هَذَا الْحَدِيث فِي سَائِر
الطُّرُقِ الْمُصَرِّحَة بِأَنَّهَا سَرَقَتْ وَقُطِعَتْ بِسَبَبِ السَّرِقَة، فَيَتَعَيَّن حَمْلِ هَذِهِ الرِّوَايَة عَلَى
ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنِ الرِّوَايَات، فَإِنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة، مَعَ أَنَّ جَمَاعَة مِن الْأَئِمَّةِ قَالوا: هَذِهِ الرِّوَايَة
شَاذَّة، فَإِنَّهَا مُخَالِفَة لِجَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ، وَالشَّاذَّة لَا يُعْمَل بِهَا.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ السَّرِقَة فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودِ مِنْهَا عِنْد
الرَّاوِي ذِكْر مَنْعِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُود، لَا الْإِخْبَارِ عَنِ السَّرِقَة.
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٤٥٠٧)، وأحمد (٢٥٣٣٦)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذي
(١٤٣٠)، والنسائي (٤٨٩٩)، وابن ماجه (٢٥٤٧).
- ٦٧٥ -
٦٧٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قَالَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَفُقَهَاء الْأَمْصَارِ: لَا قَطْعِ عَلَى مَنْ جَحَدَ الْعَارِيَةِ، وَتَأْولوا
هَذَا الْحَدِيث بِنحو مَا ذَكَرْتِه، وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاقِ: يَجِب الْقَطْعِ فِي ذَلِكَ. [النووي
(١٠٨/٦)].
(الفصل الثاني)
٣٦١١ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ
شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ ضَادَّ اللهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وهو يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ
فِي سَخَطِ اللّه حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخْبَالِ حَتَّى
يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأبو داود، وِفِي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَفِيَّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ): ((مَنْ أَعَانَ
عَلَى خُصُومَةٍ لا يَدْرِي أَحَقُّ أَمْ بَاطِلُّ فهو فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِع))](١).
(مَنْ حَالَتْ) مِن الْحَيْلولَةِ؛ أي: حَجَبَتْ (شَفَاعَته دُون حَدٌ) أي: عِنْده؛ وَالْمَعْنَى:
مَنْ مَنَعَ بِشَفَاعَتِهِ حَدًّا.
قَالَ الطَّيبِيُّ: أي: قُدَّامٍ حَدٌّ فَيَحْجِزِ عَنِ الْحَدّ بَعْد وُجُوبِه عَلَيْهِ بِأَنْ بَلَغَ الْإِمَامِ
(فَقَدْ ضَادَّ الله) أي: خَالَفَ أَمْره؛ لِأَنَّ أَمْرِهِ إِقَامَة الْحُدُودِ. قَالَهُ الْقَارِي.
وَقَالَ فِي (فَتْح الودود): أي: حَارَبَهُ وَسَعَى فِي ضِدّ مَا أَمَرَ الله بِهِ.
(وَمَنْ خَاصَمَ) أي: جَادَلَ أَحَدًا (فِي بَاطِل وهو يَعْلَمِهُ) أي: يَعْلَمْ أَنَّهُ بَاطِل، أو
يَعْلَمِ نَفْسِه أَنَّهُ عَلَى الْبَاطِلِ، أو يَعْلَمْ أَنَّ خَصْمِه عَلَى الْحَقِّ، أو يَعْلَم الْبَاطِل؛ أي: ضِدّه
الَّذِي هو الْحَقِّ وَيُصِرّ عَلَيْهِ (حَتَّى يَنْزِعِ عَنْهُ) أي: يَتْرُكَ وَيَنْتَهِي عَنْ مُخَاصَمَته، يُقَال: نَزَعَ
عَنِ الْأَمْرِ نُزُوعًا إِذَا إِنْتَهَى عَنْهُ (مَا لَيْسَ فِيهِ) أي: مِن الْمَسَاوِئِ (رَدْغَة الْخَبَالِ) قَالَ فِي
(التّهَايَة): بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الدَّالِ الْمُهْمَلَة وَفَتْحِهَا هِيَ طِينِ وَوَحْلِ كَثِير، وَجَاءَ تَفْسِيرها
فِي الْحَدِيث: ((إِنَّهَا عُصَارَة أَهْلِ النَّار). قُلْت: فَالْإِضَافَةِ فِي الْحَدِيث لِلْبَيَانِ.
وَقَالَ فِي ((فَتْحِ الودود)): قُلْت: وَالْأَقْرَبِ أَنْ يُرَاد بِالْخُبَالِ: الْعُصَارَةِ، وَالرَّدْغَة: الطِّين
الْحَاصِل بِاخْتِلَاطِ الْعُصَارَة بِالقَُّابِ. إِنْتَهَى.
(١) أخرجه أحمد (٥٥١٢)، وأبو داود (٣٥٩٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٤١٣).
٦٧٧
كتاب الحدود/ باب الشفاعة في الحدود
(حَتَّى يَخْرُج مِمَّا قَالَ) قَالَ الْقَاضِي: وَخُرُوجِه مِمَّا قَالَ أَنْ يَتُوبِ عَنْهُ وَيَسْتَحِلّ مِن
الْمَقُول فِیهِ.
وَقَالَ الْأَشْرَف: وَيَجُوزِ أَنْ يَكُونِ الْمَعْنَى: أَسْكَنَهُ اللهِ رَدْغَةِ الْخَبَالِ مَا لَمْ يَخْرُج مِنْ
إِثْمَ مَا قَالَ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ إِثْمه؛ أي: إِذَا اِسْتَوْقَى عُقُوبَةٍ إِثْمِه لَمْ يُسْكِنْهُ اللهِ رَدْغَةِ الْخْبَال،
بَلْ يُنَجِّه الله تَعَالَى مِنْهُ وَیَتْرُكُهُ.
قَالَ الطَّيْبِيُّ: حَتَّى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي غَايَةُ فِعْلِ الْمُغْتَابِ فَيَكُون فِي الدُّنْيَا،
فَيَجِب التَّأْوِيل فِي قَوْله: أَسْكَنَهُ رَدْغَةِ الْخُبَالِ بِسَخَطِهِ وَغَضَبِهِ الَّذِي هو سَبَب فِي إِسْكَانه
رَدْغَةَ الْخْبَالِ. كَذَا فِي (الْمِرْقَا). وَالْحَدِيث سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ.
(مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ) فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الظَّبَرَائِيُّ فِي ((الْكَبِير)) مِنْ
حَدِيث أوس بْن شُرَحْبِيل أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول الله وَّهِ يَقُول: ((مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ وهو
يَعْلَمْ أَنَّهُ ظَالِمٍ فَقَدْ خَرَجَ مِن الْإِسْلَامِ)).
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إِسْنَاده مَطَر بْنِ طَهْمَانِ الوَرَّاقِ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرٍ وَاحِد، وَفِيهِ أَيْضًا
الْمُؤَنَّى بْن يَزِيد الثّقَفِيّ وهو مجهول.
٣٦١٢ - [وَعَنْ أَبِي أَمَيَّةَ الْمَخْزُومِيّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيُّ أَنِيَ بِلِصِّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا وَلَمْ
يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ)) قَالَ: بَلَ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ
أو ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَعْتَرِفُ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِ: ((اسْتَغْفِرِ اللّهَ
وَتُبْ إِلَيْهِ)) فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ: ((اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ)) ثَلَاثًا.
رَوَاهُ أبو داودٍ وَالنَّسَانِيُّ وَابْنُ مَاجَهَ وَالدَّارِيُّ، هَكَذَا وُجِدَتْ فِي الأُصُولِ الأَرْبَعَةِ، وَجَامِعِ
الأُصُولِ)) وَ(شُعَبِ الإِيمانِ) وَ(مَعَالِمِ السُّنَنِ)) عَنْ أَبِي أَمَيَّةٍ](١).
٣٦١٣ - [وَفِي نُسَخِ ((المَصَابِيحَ)) عَنْ أَبِي رَمْتَةَ بِالرَّاءِ وَالَّاءِ المُثَلََّةِ بَدَلِ الهَمْزَةِ
وَالْيَاءِ].
(١) أخرجه أحمد (٢٣١٧١)، وأبو داود (٤٣٨٢)، والنسائي (٤٨٩٤)، وابن ماجه (٢٦٩٥)، والدارمي
(٢٣٥٨).
(باب حد الخمر)
(الفصل الأول)
٣٦١٤ - [عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ: ((ضَرَبَ فِي الُْمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنَّعَالِ، وَجَلَّدَ أُبو
بكر ﴿ أَرْبَعِينَ))](١).
(ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالتِّعَالِ) أي: فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَا
يُشْتَرَط الجلْدُ.
وَقَدٍ أُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ، وَهِيَ أُوْجُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَصَحُّهَا: يَجُوزُ
الْجُلْدُ بِالسَّوْطِ، وَيَجُوزِ الإِقْتِصَارِ عَلَى الضَّرْبِ بِالْأَيْدِي وَالنَّعَالِ وَالثّيَابِ. ثَانِيهَا: يَتَعَيَّن
الْجُلْدُ ثَالِثُهَا: يَتَعَيَّن الضَّرْبُ.
وَحُجَّةُ الرَّاجِحِ أَنَّهُ فُعِلَ فِي عَهْدِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَالْجَلُّدُ فِي عَهْد
الصَّحَابَةِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَحُجَّةُ الْآخَرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي ((الْأُمِّ): لو أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ
بِالسَّوْطِ فَمَاتَ وَجَبَتِ الدِّيَّةُ فَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا زَادَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الضَّرْبُ
بِغَيْرِ السَّوْطِ.
وَصَرَّحَ أبو الطَّيِّب وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزِ بِالسَّوْطِ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْن
بِتَعْبِينِ السَّوْطِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَنَقَلَ عَنِ النَّصِّ فِي الْقَضَاءِ مَا يُوَافِقُهُ،
وَلَكِنْ فِي الإِسْتِدْلَالِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَة نَظَرُ، فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ): أَجْمَعُوا
عَلَى الإِكْتِفَاءِ بِالْجَرِيدِ وَالنَّعَالِ وَأَظْرَافِ القَّيَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ بِالسَّوْطِ، وَشَأَّ
مَنْ قَالَ هو شَرْطُ، وهو غَلَطْ مُنَابِذُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة.
قُلْت: وَتَوَسَّطَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ؛ فَعَيَّنَ السَّوْطَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وَأَظْرَافَ القِّيَّابِ
(١) أخرجه البخاري (٦٣٩٤)، ومسلم (١٧٠٦)، وأبو داود (٤٤٧٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٢٧٧)،
وابن حبان (٤٤٤٩)، والبيهقي (١٧٣١١)، وأبو عوانة (٦٣٣٣).
- ٦٧٨ -