Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٧٩
كتاب الأيمان والنذور/ باب في النذور
مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللّه وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُو
خَيْرٌ لَكَ)). قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِّي أَمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَهَذَا طَرَفْ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ.
مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ].
(أَنْخَلِعِ مِنْهُ) أي: أَخْرُج مِنْهُ وَأَتَصَدَّق بِهِ.
وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ الصَّدَقَة شُكْرًا لِلنَّعَمِ الْمُتَجَدِّدَةِ لَا سِيَّمَا مَا عَظُمَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا
أَمَرَهُ وَّةِ بِالإِقْتِصَارِ عَلَى الصَّدَقَة بِبَعْضِهِ خَوْفًا مِنْ تَضَرُّره بِالْفَقْرِ، وَخَوْفًا أَلَّا يَصْبِر عَلَى
الْإِضَاقَة، وَلَا يُخَالِفِ هَذَا صَدَقَة أَبِي بَكْرِ ﴿ه بِجَمِيعِ مَاله، فَإِنَّهُ كَانَ صَابِرًا رَاضِيًا، فَإِنْ
قِيلَ: كَيْفِ قَالَ أَنْخَلِعِ مِنْ مَالِي فَأَثْبَتَ لَهُ مَالاَ، مَعَ قَوْله أَوَّلاَ: نَزَعْت ثَوْبِيَّ وَالله مَا أَمْلِك
غَيْرِهمَا؟
فَالْجَوَابِ: إِنَّ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ أَنْ أَنْخَلِعِ مِنْ مَالِي الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: (فَإِنِّي
أَمْسِك سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَر) وَأَمَّا قَوْله: مَا أَمْلِك غَيْرِهمَا، فَالْمُرَاد بِهِ مِن الثَّابِ وَنَحْوِهَا
مِمَّا يُخْلَعِ وَيَلِيقِ بِالْبَشِيرِ.
وَفِيهِ: دَلِيل عَلَى تَخْصِيص الْيَمِين بِالنَّيَّةِ، وهو مَذْهَبِنَا، فَإِذَا حَلَفَ لَا مَال لَهُ وَنَوَى
نَوْعًا لَمْ يَحْنَث بِنَوْعِ آخَر مِن الْمَالِ، أَولَا يَأْكُل وَنَوَى تَمْرًا لَمْ يَحْنَث بِالْخُبْزِ. [النووي (٩)
١٤٩)].
(الفصل الثاني)
٣٤٣٥ - [عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ
كَفَّارَةُ يَمِينٍ)). رَوَاهُ أبو داود وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ](١).
٣٤٣٦ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ
فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا
(١) أخرجه أحمد (٢٦١٤٠)، وأبو داود (٣٢٩٢)، والترمذي (١٦٠٨)، والنسائي (٣٨٣٤)، وابن ماجه
(٢١٢٥)، والبيهقي (١٩٨٤٦).

٥٨٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ. رَوَاهُ أبو داود وَابْنُ مَاجَه وَوَقَّفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ](١).
٣٤٣٧ - [وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: نَذَرَ رَجُلُّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ بَّهِ أَنْ
يَنْحَرَ إِلاَّ بِبُوَانَةَ، فَأَى رَسُولَ اللهِ وَلَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: (هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنُّ
مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)) قَالُوا: لَا. قَالَ: ((فَهَلْ كَانَ فِيهِ عِيدُ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)) قَالُوا: لَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «أَوْفٍ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لَّا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا
يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أبو داود](٢).
(وَلَا فِيَمَا لَا يَمْلِكَ إِبْنِ آدَم) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِ إِذَا حَارَ
الْكَافِرِ مَاله ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُ يُرَدّ إِلَى صَاحِبِه الْمُسْلِمِ وَلَا يَغْنَمَهُ أَحَد؛ وَذَلِكَ
أَنَّهُ ◌َِّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: ((لَا نَذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكِ إِبْنِ آدَم). اِنْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْكُفَّارِ إِذَا
غَنِمُوا مَالاً لِلْمُسْلِمِ لَا يَمْلِكُونَهُ.
وَقَالَ أبو حنيفة وَآخَرُونَ: يَمْلِكُونَ إِذَا أَجَازُوهُ إِلَى دَارِ الْحَرْب وَحُجَّة الشَّافِعِيّ
وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيث، وَمَوْضِعِ الدَّلَالَة مِنْهُ ظَاهِرِ. إِنْتَهَى. [عون المعبود ٣٠٠/٧].
٣٤٣٨ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﴾: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنِّ نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُفّ. قَالَ: (أَوْفِي بِنَذْرِكِ)). رَوَاهُ أُبو داود،
وَزَادَ رَزِينُ: قَالَت: وَنَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَا - مَكَانُ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ
- فَقَالَ: ((هَلْ كَانَ بِذَلِكَ المَكَانِ وَثَنُ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)) قَالَتْ: لَا. قَالَ: ((هَلْ
كَانَ فِيهِ عِيدُ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)) قَالَتْ: لَا. قَالَ: ((أَوْفِي بِنَذْرِكِ))](٣).
٣٤٣٩ [وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَِّّ ◌َّهُ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْبِي الَّتِي
(١) أخرجه أبو داود (٣٣٢٢)، وابن ماجه (٢١٢٨)، والطبراني (١٢١٦٩)، والبيهقي (١٩٦٩٨)،
والدارقطني (١٦٠/٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣١٥)، والبيهقي (٢٠٦٣٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣١٤).

٥٨١
كتاب الأيمان والنذور/ باب في النذور
أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةٌ. قَالَ: ((يُجْزِئُ عَنْكَ الُّلُثُ)). رَوَاهُ
رَزِینُ](١).
٣٤٤٠ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَجُلاً قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله،
إِيّ نَذَرْتُ لله إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةً أَنْ أُصَلِّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: ((صَلِّ
هَا هُنَا)) ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: ((صَلِّ هَا هُنَا)) ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((شَأْنَكَ إِذَا)). رَوَاهُ أبو داود
وَالدَّارِمِيُّ](٤).
٣٤٤١ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴾ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً،
وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْي أَخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ
بَدَنَةً)). رَوَاهُ أبو داود وَالدَّارِمِيُّ وِفِي رِوايَةٍ لأَّبِ دَاوُدٍ: فَأَمَرَهَا النَِّيُّ ◌َ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ
هَدْيًا. وِفِي رِوايَةٍ لَهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءٍ أَخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَرْكَبْ
وَلْتَحُجَّ وَتُكَفِّرْ يَمِينِهَا))](٣).
٣٤٤٢ - {وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَالِك: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َِّ عَنْ أُخْتٍ
لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقَالَ: ((مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةً
أَيَّامٍ)). رَوَاهُ أَبو داود وَالتِّزْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِمِيُّ](٤).
٣٤٤٣ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ: أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ،
فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ
الْكَعْبَةِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَكَلِّمْ أَخَاكَ، فَإِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَّا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَفِي قَطِيعَةِ
(١) أخرجه أحمد (١٦١٦٣)، وأبو داود (٣٣٢١)، والدارمي (١٧١١).
(٢) أخرجه أحمد (١٥٣٠٣)، وأبو داود (٣٣٠٧)، والدارمي (٢٣٩٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٠٥، ٣٢٩٨، ٣٢٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٢٩٥)، والترمذي (١٦٣٠)، وابن ماجه (٢٢١٦)، والنسائي (٣٨٣١)، والدارمي
(٢٣٨٩).

٥٨٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ. رَوَاهُ أبو داود](١).
(أَحَدهمَا صَاحِبه) أي: أَخَاهُ الْمُصَاحِبِ الْمُشَارِكِ فِي الْمِيرَاث (الْقِسْمَة) أي: فِي
النَّخِيلِ وَالْعَقَارِ أو الدِّرْهَم وَالدِّينَارِ (فَقَالَ) أي: الْآخَرِ (إِنْ عُدْتِ) بِضَمِّ أوله؛ أي:
رَجَعْت (فَكُلّ مَالِي) بِإِضَافَةِ الْمَالِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكُلِّم؛ أي: فَكُلّ شَيْءٍ لِي مِن الْمُلْك (في
رِتَاجِ الْكَعْبَة) بِكَسْرِ أوله؛ أي: مَصَالِحِهَا أو زِينَتِهَا.
قَالَ فِي ((الَّهَايَة)): الرَِّاجِ: الْبَابِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَالَهُ
هَدْي إِلَى الْكَعْبَةِ لَا إِلَى بَابِهَا، فَكَنَّى بِالْبَابِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ يُدْخَل (وَكُلِّمْ أَخَاك) أي: فِي عَوْده
إِلَى سُؤَالِ الْقِسْمَةِ (لَا يَمِين عَلَيْك) أي: عَلَى مِثْلك؛ وَالْمَعْنَى لَا يَجِب إِلْزَامِ هَذِهِ الْيَمِين
عَلَيْكِ وَإِنَّمَا عَلَيْكِ الْكَفَّارَةِ.
قَالَ الطَّيِيُّ: أي: سَمِعْت مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِي لَك: لَا يَمِين عَلَيْك؛ يَعْنِي: لَا
يَجِب الْوَفَاء بِمَا نَذَرْت، وَسَمَّى النَّذْرِ: يَمِينًا؛ لِمَا يَلْزَم مِن الْيَمِين.
وَفِي (شَرْحِ السُّنَّة): اِخْتَلَفُوا فِي النَّذْرِ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجِ الْيَمِينِ مِثْلِ أَنْ قَالَ: إِنْ
كَلَّمْتِ فُلَانًا فَللَّه عَلَّ عِثْقِ رَقَّبَة، وَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارِ فَللَّه عَلَيَّ صَوْم أو صَلَاة، فَهَذَا نَذْر
خَرَجَ تَخْرَجَ الْيَمِين؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَنْعِ نَفْسِه عَنِ الْفِعْلِ، كَالْخَالِفِ يَقْصِد بِيَمِينِهِ مَنْع
نَفْسِه عَنِ الْفِعْلِ، فَذَهَبَ أَكْثَرِ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدِهمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ يَجِب
عَلَيْهِ كَفَّارَة الْيَمِينِ كَمَا لَوحَنَثَ فِي يَمِينه، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيّ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ هَذَا
الْحَدِيث وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ عَلَيْهِ الْوَفَاءِ بِمَا اِلْتَزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النُّذُور. اِنْتَهَى.
(وَلَا نَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبّ) أي: لَا وَفَاء فِي هَذَا النَّذْرِ (وَفِي قَطِيعَة الرَّحِم) وهو
تَخْصِيص بَعْد تَعْمِيم [٢٦٠/٧].
(الفصل الثالث)
٣٤٤٤ - [عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيَهِ يَقُولُ: ((النَّذْرُ
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٧٢)، وابن حبان (٤٣٥٥)، والحاكم (٧٨٢٣) وقال: صحيح الإسناد.

٥٨٣
کتاب الأيمان والنذور/ باب في النذور
نَذْرَانِ: فَمَن كَانَ نَذَرَ فِي طَاعَةِ اللهِ فَذَلِكَ الله وَفِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ
فِي مَعْصِيَةِ اللّه فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ)). رَوَاهُ
النَّسَائِيُّ] (١).
٣٤٤٥ . [وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: إِنَّ رجلا نَذَرَ أن يَنْحَرَ نفسه، إن تَجَاه من
عَدُوّه. فسأل ابن عباس؟ فقال له: سَلْ مَسْرُوقًا. فسأله؟ فقال: لا تنحر نفسك. فإنك
إن كنت مؤمنًا قتلت نَفْسًا مؤمنة، وإن كنت كافرًا تَعَجَّلْتَ إِلى النار. واشتَرِ کَبْشًا
فاذتَجْهُ للمساكين. فإنّ إِسْحَاق خَيْرِ مِنكَ فُدِيَ بكبش. فأخبر ابن عباس، فقال:
هكذا كنت أردتُ أن أُقْتِیَكَ رَوَاهُ رَزِین].
(١) أخرجه النسائي (٣٨٤٥)، وابن عدي (٢٠٣/٦)، والبيهقي (١٩٨٥٨).

(كتاب القصاص )
(الفصل الأول)
٣٤٤٦ - [عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ
مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِي رَسُولُ الله ◌ِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ،
وَالتَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
٣٤٤٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ
دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمَّا حَرَامًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (٢).
(مَا لَمْ يُصِبْ دَمًّا حَرَامًا) فيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدًا بما يتوعد
به الكافر، وثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عاملاً بغير حق: «تزود من الماء البارد،
فإنك لا تدخل الجنة)) والجمهور على أن القاتل أمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء
عفا عنه.
٣٤٤٨ - [وعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ: أُولُ مَا يُقْضَى بَيْنَ
النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (٣).
٣٤٤٩ - [وَعَنِ الْمِقْدَادِ بنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً
مِنَ الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمّ لَاذَ مِنِّ بِشَجَرَةٍ فَقَالَ:
أَسْلَمْتُ لله - وِفِي رِوايَةٍ: فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ - أَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ
قَالَهَا؟ قَالَ: ((لَا تَقْتُلْهُ)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّ:
(١) أخرجه البخاري (٦٤٨٤)، ومسلم (١٦٧٦)، وعبد الرزاق (١٨٧٠٤)، وأحمد (٣٦٢١)، وابن أبي
شيبة (٣٦٤٩٢)، وأبو داود (٤٣٥٢)، والترمذي (١٤٠٢) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤٠١٦)،
وابن ماجه (٢٥٣٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٦٩)، وأحمد (٥٦٨١)، وعبد بن حميد (٨٥٦)، والطبراني في ((الأوسط))
(١٤٠١)، والحاكم (٨٠٢٩) وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٧١)، ومسلم (٤٤٧٥)، وابن أبي شيبة (٢٧٩٤٨)، وأحمد (٣٦٧٤)، والنسائي
في ((الکبری)) (٣٤٥٥)، وابن ماجه (٢٦١٥).
٥٨٤

٥٨٥
كتاب القصاص
(لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ
الَّتِي قَالَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](١).
(فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْل أَنْ تَقْتُلُهُ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْقَتْلِ لَيْسَ سَبَبًا
لِكَوْنِ كُلّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآخَرِ لَكِنْ عِنْدِ النُّحَاة مُؤَوَّل بِالْإِخْبَارِ؛ أي: هُو سَبَب
لِإِخْبَارِي لَك بِذَلِكَ، وَعِنْدِ الْبَيَانِّينَ الْمُرَادِ لَازِمه كَقَوْلِهِ: يُبَاحِ دَمك إِنْ عَصَيْت.
(وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلِ أَنْ يَقُول) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِرِ مُبَاحِ الدَّم
يُحُكْمِ الدِّين قَبْل أَنْ يُسْلِمِ، فَإِذَا أَسْلَمَ صَارَ مُصَانَ الدَّم كَالْمُسْلِمِ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمِ
بَعْد ذَلِكَ صَارَ دَمه مُبَاحًا بِحَقِّ الْقِصَاصِ كَالْكَافِرِ بِحَقِّ الدِّينِ، وَلَيْسَ الْمُرَاد إلحاقه فِي
الْكُفْرِ كَمَا تَقَوَّلَهُ الْخَوَارِجِ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ بِالْكَبِيرَةِ، وَحَاصِله ◌ِتَّحَادِ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَعَ
إِخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ، فَالْأُولِ أَنَّهُ مِثْلُكِ فِي صَوْنِ الدَّم، وَالثَانِي أَنَّك مِثْله ◌ِي الْهَدَر.
وَنَقَلَ إِبْنِ التِّين عَنِ الدَّاوُدِيّ قَالَ: مَعْنَاهُ إِنَّكَ صِرْت قَاتِلاً كَمَا كَانَ هُو قَاتِلاً،
قَالَ: وَهَذَا مِن الْمَعَارِيض؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْإِغْلَاظِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ دُون بَاطِنه، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ
كُلاَّ مِنْهُمَا قَاتِل، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ صَارَ كَافِرًا بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ.
وَنَقَلَ إِبْنِ بَطَّل عَنِ الْمُهَلَّب مَعْنَاهُ فَقَالَ: أي: إنَّك بِقَصْدِكَ لِقَتْلِهِ عَمْدًا آثِم كَمَا
كَانَ هُو بِقَصْدِهِ لِقَتْلِك آئِمًا، فَأَنْتُمَا فِي حَالَة وَاحِدَة مِن الْعِصْيَانِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنْتَ عِنْده حَلَالِ الدَّم قَبْل أَنْ تُسْلِم وَكُنْتِ مِثْلِهِ فِي الْكُفْرِ كَمَا
كَانَ عِنْدك حَلَال الدَّم قَبْل ذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: إِنَّهُ مَغْفُورِ لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ كَمَا أَنَّك مَغْفُور لَك ◌ِشُهُودِ بَدْر.
وَنَقَلَ إِبْنِ بَطَّل عَنِ اِبْنِ الْقَصَّارِ أَنَّ مَعْنَى قَوْله: ((وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ)) أي: فِي إِيَاحَة
الدَّم، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ رَدْعِه وَزَجْرِهِ عَنْ قَتْله لَا أَنَّ الْكَافِرِ إِذَا قَالَ: أَسْلَمْتِ حَرُمَ قَتْله،
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَافِرِ مُبَاحِ الدَّم وَالْمُسْلِمِ الَّذِي قَتَلَهُ إِنْ لَمْ يَتَعَمَّد قَتْله، وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ
أَنَّهُ مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ مُتَأْوِلاً فَلَا يَكُون بِمَنْزِلَتِهِ فِي إِبَاحَته.
(١) أخرجه البخاري (٣٧٩٤)، ومسلم (٩٥)، وأحمد (٢٣٨٦٨)، وأبو داود (٢٦٤٤)، وابن أبي شيبة
(٢٨٩٤٣)، وابن حبان (١٦٤)، والطبراني (٥٨٥)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧٩).

٥٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: مَعْنَاهُ: إنَّهُ مِثْلِه فِي مُخَالَفَةِ الْحَقِّ وَارْتِكَاب الْإِثْمِ، وَإِن
إِخْتَلَفَ النَّوْعِ فِي كَوْن أَحَدهمَا كُفْرًا وَالْآخَرِ مَعْصِيَة.
وَقِيلَ: الْمُرَادِ إِنْ قَتَلْتِهِ مُسْتَحِلاً لِقَتْلِهِ فَأَنْتَ مِثْله فِي الْكُفْر.
وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّهُ مَغْفُورِ لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيد، وَأَنْتَ مَغْفُور ◌َك بِشُهُودٍ بَدْر.
وَنَقَلَ إِبْنِ التِّينِ أَيْضًا عَنِ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ أُولِه عَلَى وَجْه آخَرِ، فَقَالَ: يُفَسِّرُهُ حَدِيث اِبْنِ عَبَّاس
الَّذِي فِي آخِرِ الْبَاب؛ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزِ أَنْ يَكُونِ اللَّائِذْ بِالشَّجَرَةِ الْقَاطِعِ لِلْيَدِ مُؤْمِنًا يَكْتُم
إِيمَانه مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ غَلَبُوهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ قَتَلْتِهِ فَأَنْتَ شَاكٌ فِي قَتْلِك إِيَّاهُ أَنَّى يُنْزِلهُ الله مِن
الْعَمْدِ وَالْخْطَأْ كَمَا كَانَ هُو مَشْكُوًَّا فِي إِيمَانِه ◌ِجَوَازٍ أَنْ يَكُون يَكْتُم إِيمانه.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْف قَطَعَ يَدِ الْمُؤْمِن وهو مِمَّنْ يَكْتُمْ إِيمَانه؟ فَالْجَوَاب: إنَّهُ
دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يُرِيد قَتْله، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْفَعِ عَنْ نَفْسه مَنْ
يُرِيدِ قَتْله وَلَو أَفْضَى إِلَى قَتْل مَنْ يُرِيدِ قَتْله فَإِنَّ دَمه يَكُونِ هَدَرًا، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقِد النَّبِيّ
وَه مِنْ يَدِ الْمِقْدَاد؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَأولاً.
قُلْت: وَعَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٍ: مِنْهَا: الْجُمْعِ بَيْنِ الْقِصَّتَيْنِ بِهَذَا التَّكَلَّفَ مَعَ ظُهُور
إِخْتِلَافهمَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْطَبِقِ عَلَى حَدِيث اِبْنِ عَبَّاسِ قِصَّة أُسَامَةِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيه
حَيْثُ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ أَرَادَ قَتْلِهِ، فَقَالَ: إِي مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ ظَنَّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُتَعَوِّذَا مِن الْقَتْل،
وَكَانَ الرَّجُلِ فِي الْأَصْلِ مُسْلِمًا، فَالَّذِي وَقَعَ لِلْمِقْدَادِ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنْهُ، وَأَمَّا قِصَّة قَطْع الْيَد
فَإِنَّمَا قَالَهَا مُسْتَفْتِيًّا عَلَى تَقْدِير أَنْ لَو وَقَعَتْ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْجْوَابُ النَّهْيَ عَنْ قَتْله؛ لِكَوْنِهِ
أَظْهَرَ الْإِسْلَامِ فَحُقِنَ دَمُّهُ وَصَارَ مَا وَقَعَ مِنْهُ قَبْل الْإِسْلَامِ عَفْوًا.
وَمِنْهَا: إِنَّ فِي جَوَابِه عَنِ الإِسْتِشْكَالِ نَظَرًّا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنْهُ أَنْ يَدْفَعِ بِالْقَوْلِ بِأَنْ
يَقُول لَهُ عِنْدِ إِرَادَةِ الْمُسْلِمِ قَتْله: ((إِّي مُسْلِم)) فَيَكُفّ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَادِر لِقَطْعِ
يَدِهِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَنَحْوِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّة إِسْلَامٍ مَنْ قَالَ:
((أَسْلَمْت الله)) وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي الْكَفّ، عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي
بَعْض ◌ُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله)) وهو رِوَايَة مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيّ عِنْد مُسْلِمٍ فِي هَذَا
الْحَدِيث، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السُّؤَالِ عَنِ النَّوَازِل قَبْل وُقُوعهَا بِنَاء عَلَى مَا تَقَدَّمَ
تَرْجِيحُهُ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْض السَّلَفِ مِنْ كَرَاهَةٍ ذَلِكَ فَهُو ◌َحْمُول عَلَى مَا يَنْدُر
وُقُوعه، وَأَمَّا مَا يُمْكِن وُقُوعه عَادَة فَيُشْرَعِ السُّؤَالِ عَنْهُ لِيُعْلَم. [الفتح (٣٠١/١٩)].

٥٨٧
كتاب القصاص
٣٤٥٠ - [وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِوَ إِلَى أُنَاسِ مِنْ جُهَيْنَةَ
فَأَتَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَذَهَبْتُ أَطْعَنُهُ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ. فَطَعَنْتُهُ فَقَتَلْتُهُ فَجِئْتُ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ فَأَخْبَرَتُهُ فَقَالَ: (أَقَتَلْتَهُ وَقَدْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا
فَعَلَ ذَلِكَ تَعَوّدًّا. قَالَ: (فَهَلَا شَقَّقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ] (١).
٣٤٥١ - [وِفِي رِوايَةٍ جُنْدُبٍ بن عَبْدِ اللّه الْتَجَلِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((كَيْفَ
تَصْنَعُ بِلَا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) قَالَّهُ مِرَارًا رَوَاهُ مُسْلِمْ] (٢).
٣٤٥٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَةَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا
لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](٣).
(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا) قَالَ فِي ((النَّهَايَةِ)): يَجُوزِ أَنْ يَكُون بِكَسْرِ الْهَاء وَفَتْحِهَا عَلَى
الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُول، وهو فِي الْحَدِيث بِالْفَتْحِ أَشْهَر وَأَكْثَرِ، وَالْمُعَاهَد مَنْ كَانَ بَيْنكِ وَبَيْنِه
عَهْد، وَأَكْثَر مَا يُظْلَقِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّة، وَقَدْ يُظْلَق عَلَى غَيْرِهِمْ مِن الْكُفَّارِ إِذَا
صُولِجُوا عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ مُدَّة مَا. اِنْتَهَى.
(لَمْ يَرَحْ) مِنْ رَاحَ يَرَاحُ أو يُرِيحُ أو أَرَاحَ يُرِيحُ؛ أي: لَمْ يَشُمَّ رِيحَهَا، وهو كِنَايَة عَنْ
عَدَمِ الدُّخُولِ فِيهَا اِبْتِدَاء؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، أَو الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ رِيحَهَا وَإِنْ دَخَلَهَا.
٣٤٥٣ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ
نَفْسَهُ، فَهْوِ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدَا فِيهَا أَبَدًّا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمَّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ
فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدَا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ
فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأْ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدَا فِيهَا أَبَدًّا)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٤).
(١) أخرجه البخاري (٤٠٢١)، ومسلم (٩٦)، وأحمد (٢١٨٥٠)، وأبو داود (٢٦٤٣)، والنسائي (٨٥٩٤)،
وابن حبان (٤٧٥١).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٥)، وأحمد (٦٧٤٥)، والنسائي (٤٧٥٠)، وابن ماجه (٢٦٨٦).
(٤) أخرجه البخاري (٥٤٤٢)، ومسلم (١٠٩)، وأحمد (٧٤٤١)، والترمذي (٢٠٤٤) صحيح، والنسائي
(١٩٦٥)، وابن ماجه (٣٤٦٠)، والدارمي (٢٣٦٢)، وأبو عوانة (١٢٣)، وابن حبان (٥٩٨٦)،
والبيهقي (١٥٦٥٥).

٥٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
٣٤٥٤ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ،
وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ](١).
٣٤٥٥ - { وَعَنْ جُنْدُبٍ بن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: « كَانَ فِيمَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ رَجُلُ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ،
قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٢).
٣٤٥٦ - [وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ الُفَيْلَ بْنَ عَمْرٍوِ الدَّوْسِيَّ لمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ◌َُّ هَاجَرَ
إِلَيْهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلُّ مِنْ قَوْمِهِ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ،
فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الظُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ
مُغَظًِّا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَّهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِّهِ وَ﴿ فَقَالَ: مَا
لِي أَرَاكَ مُغًَّا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الْطُفَيْلُ عَلَى
رَسُولِ اللهِوَلَ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: ((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٣).
٣٤٥٧ - [وَعَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْكَعْبِيِّ عَنِ رَسُولِ اللهِوَالْ قَالَ: ((ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ
قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللّه عَاقِلُهُ، مِنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلاً فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ:
إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)
بِإِسْنادِهِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي (الصَّحِيحَينِ)) عَنْ أَبِي شُرَيْحِ].
٣٤٥٨ - [وَقَالَ: وَأَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ يَعْنِي: بِمَعْنَاهُ] (٤).
٣٤٥٩ - [وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِبَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ
فَعَلَ بِكِ هَذَا، أَفْلَانُ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْتُهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَجِيءَ بِالْتُهُودِيِّ فَاعْتَرَفَ،
فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﴿ فَرُضَ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ](٥).
(١) أخرجه البخاري (١٢٩٩)، وأحمد (٩٦١٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١١٣)، وأحمد (١٨٨٢٢)، وابن حبان (٥٩٨٩).
(٣) أخرجه مسلم (٣٢٦)، وابن حبان (٣٠٨١).
(٤) أخرجه الترمذي (١٤٦٧)، والشافعي (٨٩٧).
(٥) أخرجه البخاري (٦٨٨٤)، ومسلم (٤٤٥٨)، وأحمد (١٣٣٤٧)، وأبو داود (٤٥٣٧)، والدارمي
(٢٤١٠).

٥٨٩
كتاب القصاص
٣٤٦٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ - وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ
مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ◌َِّ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالْقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَّسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لَا وَاللهِ، لَا تُكْسَرْ ثَنِيَُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َ: ((يَا أَنَسُ،
كِتَابُ الله الْقِصَاصُ)) فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيُّ: ((إِنَّ مِنْ
عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّه)). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ] (١).
٣٤٦١ - [وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةً قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا ﴾: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي
الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا
يُعْطَى رَجُلُّ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ
الأَسِيرِ، وَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمُ بِكَافِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢)، وَذَكَرَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ((لَا تُقْتَلُ
نَفْسٌّ ظُلْمًا)» في «کِتابِ العِلمِ».
قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى ظاهر الحديث، وقالوا: لا يقتل مسلم
بكافر على وجه القصاص، روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزید بن ثابت، وبه قال
جماعة من التابعين، وهو مذهب مالك والأوزاعي والليث والثوري والشافعي وأحمد
وإسحاق وأبي ثور، إلا أن مالكًا والليث قالا: إن قتله غيلة قتل به، وقتل الغيلة عندهم
أن يقتله على ماله كما يصنع قاطع الطريق لا يقتله لثائرة ولا عداوة.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى إلى أنه يقتل المسلم بالذي، ولا يقتل
بالمستأمن والمعاهد، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي، وحكم المستأمن
والمعاهد عندهم حكم أهل الحرب.
(١) أخرجه البخاري (٢٥٥٦)، وأحمد (١٢٣٢٤)، وأبو داود (٤٥٩٥)، والنسائي (٤٧٥٧)، وابن ماجه
(٢٦٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥١٧)، وأحمد (٥٩٩)، والطيالسي (٩١)، وعبد الرزاق (١٨٥٠٨)، والحميدي
(٤٠)، والدارمي (٢٣٥٦)، والترمذي (١٤١٢)، وابن ماجه (٢٦٥٨)، وابن الجارود (٧٩٤)،
والطحاوي (١٩٢/٣)، والبيهقي (١٥٦٨٥).

٥٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
واحتج الكوفيون بما رواه ربيعة عن ابن البيلماني: ((أن رسول الله صل* قتل
رجلاً من المسلمين برجل من أهل الذمة، وقال: أنا أحق من وفى بذمته)).
قال ابن المنذر: وهذا حديث منقطع، وقد أجمع أهل الحديث على ترك المتصل
من حديث ابن البيلماني فكيف بالمنقطع؟!
وقوله وهي: ((لا يقتل المؤمن بكافر)) حجة قاطعة في هذا الباب لثباته عنه (ل﴾
فلا معنی لمن خالفه.
واحتج الكوفيون بالإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال ذمي،
فنفسه أحرى أن تؤخذ بنفسه، وهذا قياس حسن لولا أنه باطل بقوله: ((لا يقتل مسلم
بكافر».
فإن قالوا: قد قال ◌َله: ((لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده))
يعني: بكافر؛ لأنه معلوم أن الإسلام يحقن الدم، والعهد يحقن الدم. [ابن بطال
١٠٩/١٦].
(الفصل الثاني)
٣٤٦٢ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ رَّهِ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ
عَلَى الله مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ وهو
الأَصَحُ](١).
٣٤٦٣ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ](٢).
٣٤٦٤ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ قَالَ: (لَوَ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ
وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللّهُ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: هَذَا
(١) أخرجه الترمذي (١٣٩٥) وقال: روى سفيان الثوري عن يعلى بن عطاء موقوفًا، وهذا أصح من
الحديث المرفوع. والنسائي (٣٩٨٧)، والبيهقي (١٥٦٤٨) وقال: ورواه غندر وغيره عن شعبة
موقوفًا، والموقوف أصح.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٧).

٥٩١
كتاب القصاص
حَدِيثٌ غَرِيبٌ](١).
٣٤٦٥ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: (يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمٌ
الْقِيَامَةِ نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَودَاجُهُ تَشْخُبُ دَمَّا يَقُولُ: يَا رَبِّ، فَتَلَنِي حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ
الْعَرْشِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه](٤).
(الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ) الباء للتعدية؛ أي: يحضره ويأتي به (نَاصِيَتُهُ) أي: شعر مقدم
رأس القاتل (وَرَأْسُهُ) أي: بقيته (بِيَدِهِ) أي: بيد المقتول، والجملة حال من الفاعل،
ويحتمل من المفعول على بعد، وقد اكتفى فيها بالضمير.
قال الطيبي: ويجوز أن يكون استئنافًا على تقدير السؤال عن كيفية المجيء به
(وَأَوْدَاجُهُ) في ((النهاية)): هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها:
ودج بالتحريك، وقيل: الودجان: عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر، وقيل: عبر
عن المثنى بصيغة الجمع؛ للأمن من الالتباس كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[التحريم: ٤].
(تَشْخُبُ) بضم الخاء المعجمة وبفتحها؛ أي: تسيل (دَمًا) تمييز محول عن
الفاعل أي: دمهما (يَقُولُ: يَا رَبِّ، قَتَلَنِي) أي: ويكرره (حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ) من
الإدناء؛ أي: يقرب المقتول القاتل من العرش، وكأنه كناية عن استقصاء المقتول في
طلب ثأره، وعن المبالغة في إرضاء الله تعالى إياه بعدله.
٣٤٦٦ - [وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ عَ أَشْرَفَ
يَوْمَ الدَّارِ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ بِاللهِ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ
مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنَّا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أو ارْتِدَادٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَو قَتْلِ نَفْسِ بِغَيْرِ
حَقٍّ، فَقُتِلَ بِهِ). فَوَالله مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ، وَلَّا ارْتَدَدْتُ مُنْذُ بَايَعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّه وَلَا قَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، فَبِمَ تَقْتُلُونَنِي؟ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
(١) أخرجه الترمذي (١٣٩٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٢٩)، والنسائي (٤٠٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢١)، والضياء (٤٢).

٥٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
وَابْنُ مَاجَه وَلِلْدَارَمِيِّ لَفْظُ الْحَدِيثِ](١).
٣٤٦٧ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ مُعْنِقًا
صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمَّا حَرَامًا، فَإِذَا أَصَابَ دَمَّا حَرَامًا بَلَّحَ)). رَوَاهُ أبو داود](٩).
٣٤٦٨ [وَعَنْهُ عَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّ مَنْ
مَاتَ مُشْرِكًا، أو مَنْ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا)). رَوَاهُ أَبو داود](٣).
٣٤٦٩ - [وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُعَاوِيَة](٤).
٣٤٧٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ:((لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ
وَلَا يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ](٥).
(لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ) صيانة لها وحفظ لحرمتها، فیکره ذلك تنزیھًا،
نعم لو التجأ إليه من عليه قود جاز استيفاؤه فيه حتى المسجد الحرام، فيبسط النطع
ويستوفى فيه تعجيلاً لاستيفاء الحق عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم بل يلجأ إلى الخروج.
(وَلَا يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ) أي: لا يقاد والد بقتل ولده؛ لأنه السبب في إيجاده، فلا
يكون هو السبب في إعدامه، أو معناه لا يقتل الابن بقودٍ وجب عليه لأبيه.
قال الطيبي: والأول أقرب وسائر الأصول كالأب. [القاري ٤١٤/٦].
٣٤٧١ [وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْثُ رَسُولَ اللهِوَ مَعَ أَبِي فَقَالَ: «مَنْ هَذَا الَّذِي
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٧٠٢)، والطيالسي (٧٢)، والدارمي (٢٢٩٧)، وأحمد (٤٥٢)، والترمذي
(٢١٥٨) وقال: حسن. والنسائي (٤٠٥٧)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، والحاكم (٨٠٢٨) وقال: صحيح
على شرط الشيخين. والبيهقي (١٥٦٢١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٧٢) والبيهقي (١٦٢٥٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٢٧٠) والبيهقي (١٥٦٣٩) والبزار (٢٧٣٠).
(٤) أخرجه النسائي (٣٩٨٤).
(٥) أخرجه الترمذي (١٤٠١)، والحاكم (٨١٠٤) والبيهقي (٥٧٤٥) والدارمي (٢٣٥٧) والطبراني
(١٠٨٤٦) والدار قطني (١٤١/٣).

٥٩٣
كتاب القصاص
مَعَكَ؟)) قَالَ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ)). رَوَاهُ أُبو داود
وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ فِي (شَرْجِ السُّنَّةِ)) في أوله قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ فَرَأَى
أَّبِيِ الَّذِي بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ وَ فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجِ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِّ طَبِيبٌ. فَقَالَ: ((إِنَّكَ
رَفِيقُ وَاللهُ الطَّبِيبُ))](١).
٣٤٧٢ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُقِيدُ الأَبَ مِنِ ابْنِهِ وَلَا يُقِيدُ الإِبْنَ مِنْ أَبِيهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ](٢).
٣٤٧٣ - [وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ
قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو داود وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ
النِّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ)](٣).
(مَنْ قَتَلَ عَبْده قَتَلْنَاهُ) قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَدْ ذَهَبَ بَعْض أَهْلِ الْعِلْم مِن التَّابِعِينَ
مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيّ إِلَى هَذَا.
وَقَالَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ: لَيْسَ بَيْن
الْحُرّ وَالْعَبْدِ قِصَاص فِي النَّفْس وَلَا فِي دُون النَّفْس، وهو قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق.
وَقَالَ بَعْضهمْ: إِذَا قَتَلَ عَبْده لَا يُقْتَل بِهِ، وَإِذَا قَتَلَ عَبْد غَيْرِهِ قُتِلَ بِهِ، وهو قَوْل
سُفْيَانِ الثَّوْرِيّ. اِنْتَهَى.
وَقَالَ الْقَارِي: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا زَجْر لِيَرْتَدِعُوا، فَلَا يُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ
وَ فِي شَارِب الْخَمْرِ: ((إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَة أو
(١) أخرجه أحمد (٧١٠٦)، وأبو داود (٤٤٩٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٠٣٦)، وابن قانع (١٨٩/١)،
والطبراني (٧١٤)، والحاكم (٣٥٩٠) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٥٦٧٦)، والشافعي
(٨٩٣)، والحميدي (٩٠٥).
(٢) أخرجه الترمذي (١٣٩٩) وقال: ليس إسناده بصحيح.
(٣) أخرجه الطيالسي (٩٠٥)، وابن أبي شيبة (٣٦١٨٠)، وأحمد (٢٠١١٦)، والدارمي (٢٣٥٨)، وأبو داود
(٤٥١٦)، والترمذي (١٤١٤) وقال: حسن غريب. والنسائي (٤٧٣٨)، وابن ماجه (٢٦٦٣)،
والطبراني (٦٨١٥)، والحاكم (٨٠٩٨) وقال: صحيح على شرط البخاري. والبيهقي (١٥٧٢٣).

٥٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
الْخَامِسَة: فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ)) ثُمَّ لَمْ يَقْتُلهُ حِين جِيءَ بِهِ وَقَدْ شَرِبَ رَابِعًا أو خَامِسًا، وَقَدْ
تَأوله بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ فِي عَبْدِ كَانَ يَمْلِكَهُ، فَزَالَ عَنْهُ مُلْكه فَصَارَ كُفُؤَّا لَهُ
بِالْحُرِّيَّةِ.
وَذَهَبَ بَعْضِهِمْ إِلَى أَنَّ الْحَدِيث مَنْسُوخِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِالْعَبْدِ﴾ إِلَى
﴿وَالْجُرُوحِ قِصَاص﴾ اِنْتَهَى.
وَمَذْهَب أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَة أَنَّ الْحُرّ يُقْتَلِ بِعَبْدِ غَيْرِهِ دُون عَبْد نَفْسه.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَمَالِكِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلِ الْحُرّ بِالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ عَبْد غَيْره.
وَذَهَبَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانِ الثَّوْرِيّ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلِ بِالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ
عَبْد نَفْسه.
(وَمَنْ جَدَعَ) بِفَتْجِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عَبْده) أي: قَطَعَ أَظْرَافِه (جَدَعْنَاهُ) قَالَ فِي
((النَّهَايَة): الْجُدْعِ: قَطْع الْأَنْف وَالْأُذُن وَالشَّفَة، وهو بِالْأَنْفِ أَخَصّ، فَإِذَا أُطْلِقَ غَلَبَ
عَلَيْهِ، يُقَال: رَجُل أَجْدَعِ وَمَجْدُوعٍ إِذَا كَانَ مَقْطُوعِ الْأَنْف. إِنْتَهَى.
وَفِي (شَرْحِ السُّنَّة): ذَهَبَ عَامَّةٍ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ طَرَفِ الْحُرّ لَا يُقْطَع بِطَرَفٍ
الْعَبْد، فَثَبَتَ بِهَذَا الإِتِّفَاقِ أَنَّ الْحَدِيث ◌َحْمُول عَلَى الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ أو هُو مَنْسُوخ. إِنْتَهَى.
(خَصَيْنَاهُ) في (الْمِصْبَاحِ)): خَصَيْتِ الْعَبْد أَخْصِيه خِصَاء بِالْكَسْرِ وَالْمَدّ: سَلَلْت
خُصْيَيْهِ، وَقَدْ مَرَّ تأويله فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْله.
قَالَ السِّنْدِيُّ: الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: قَتَلْنَاهُ وَأَمْثَالِه: عَاقَبْنَاهُ وَجَازَيْنَاهُ عَلَى سُوءٍ صَنِيعه إِلَّ
أَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ لِلْمُشَاكَلَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلِهَا﴾
[الشورى: ٤٠] وَفَائِدَة هَذَا التَّعْبِير الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، وَلَيْسَ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَة
لِمُجَرَّدِ الزَّجْر مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيد بِهِ مَعْنَّى، أو أَنَّهُ أَرَادَ حَقِيقَته لِقَصْدِ الزَّجْرِ، فَإِنَّ الْأول
يَقْتَضِي أَنْ تَكُونِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مُهْمَلَةٍ، وَالثَّانِي يُؤَدِّي إِلَى الْكَذِبِ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ، وَكُلّ
ذَلِكَ لَا يَجُوزِ، وَكَذَا كُلّ مَا جَاءَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ نَحْوِ قَوْلهِمْ هَذَا وَارِدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظ
وَالتَّشْدِيدِ، فَمُرَادهمْ أَنَّ اللَّفْظِ يُحْمَل عَلَى مَعْنَى مَجَازِيّ مُنَاسِب لِلْمَقَامِ. إِنْتَهَى. [٣٥/١٠].

٥٩٥
كتاب القصاص
٣٤٧٤ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: «مَنْ
قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أولياء الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَّةَ، وَهِيَ
ثَلاثُونَ حِقَّةً، وَثَلاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَخُوا عَلَيْهِ فَهُو لَهُمْ)). رَوَاهُ
التِّرْمِنِيُّ](١).
٣٤٧٥ - [وَعَنْ عَلِّمَهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى
بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنْ
بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)). رَوَاهُ أَبو داود وَالنَّسَائِيُّ](٢).
٣٤٧٦ - [وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] (٣).
٣٤٧٧ - [وَعَنْ أَبِي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهُ يَقُولَ: «مَنْ
أُصِيبَ بِدَمٍ أو خَبْلٍ - وَالْخَبْلُ: الْجُرْجُ - فهو بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ
فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أو يَعْفُو أو يَأْخُذَ الْعَقْلَ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ
عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلََّا أَبَدًا)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ](٤).
(أو يَأْخُذَ الْعَقْلَ) أي: للدية (فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ) أي: من المذكور (شَيْئًا) أي:
واحدًا (ثُمَّ عَدَا) أي: تجاوز الثلاث، وطلب شيئًا آخر بأن قتل القاتل (بَعْدَ ذَلِكَ) أي:
بعد للعفو أو أخذ الدية. وقال ابن الملك: بأن عفا ثم طلب الدية (فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا
فِيهَا) أي: حال كونه دائما فيها (مُخَلَّدًا) أي: مؤبدًا (أَبَدًا) تأكيد بعد تأكيد للزجر
والوعيد الشديد.
٣٤٧٨ - [وَعَنْ طَاؤُسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَن رَسُولِ اللهِ وَ قَالَ: «مَنْ قُتِلَ فِي
(١) أخرجه أحمد (٦٧١٧)، والترمذي (١٣٨٧) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (٢٦٢٦)، والبيهقي
(١٥٩٠٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٥٣)، والنسائي (٤٧٦٣)، والبيهقي (١٥٦٩١).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٨٥).
(٤) أخرجه أحمد (١٦٤٢٢)، وابن ماجه (٢٦٢٣)، والدارمي (٢٤٠٦)، والطبراني (٤٩٥)، والبيهقي
(١٥٨١٧).

٥٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
عِمِّيَّةٍ فِي رِمِّيَّا يَكُونُ بَيْنَهُم بِالْحِجَارَةِ أُو جَلْدٍ بِالسِّياطِ أو ضَرْبٍ بِعَصَا، فهو خَطَأُ عَقْلُهُ
الْخَطَأْ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فهو قَوَدُ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَغَضَبُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ
صَرْفَّ وَلَا عَدْلَّ. رَوَاهُ أبو داود وَالنَّسَائِيُّ](١).
٣٤٧٩ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَا أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ
الدِّيَة)). رَوَاهُ أبو داود](٤).
(لَا أَعْفِيَ) قَالَ فِي (النَّهَايَةِ)): هَذَا دُعَاء عَلَيْهِ؛ أي: لَا كَثُرَ مَاله وَلَا اِسْتَغْنَى. إِنْتَهَى.
قَالَ السِّنْدِيُّ: وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ أُعْفِيَ مَاضٍ مَبْنِيّ لِلْمَفْعُولِ، وهو كَذَلِكَ فِي نُسَخ
صَحِيحَة، وَفِي بَعْض النُّسَخِ وَالْأُصُولِ الصَّحِيحَة بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْفَاء؛ أي: بِصِيغَةِ
الْمُتَكُلَّم مِن الْإِعْفَاءِ لُغَة فِي الْعَقْو؛ أي: لَا أَدَعَ وَلَا أَثْرُكَهُ بَلْ أَقْتَصّ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا
أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ: ((لَا أُعَافِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْد أَخْذ الدِّيَةِ)) إِنْتَفَى.
وَكَانَ الْوَلِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّة يُؤَمِّن الْقَاتِل بِقَبُولِ الدِّيَة، ثُمَّ يَظْفَر بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيَرُدّ الدِّيّة
فَزَجَرَ عَنْهُ الَِّيّ ◌َلِّ.
٣٤٨٠ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ
يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ إِلَّ رَفَعَهُ اللهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَظَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه](٣).
(الفصل الثالث)
٣٤٨١ - [عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًّا خَمْسَةً أُو سَبْعَةً
بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَو تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا.
رَوَاهُ مَالِكٌ] (٤).
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٣٩)، والنسائي في الكبرى (٦٩٩٢)، والبيهقي (١٥٧٨٠) وقال: هذا مرسل.
(٢) أخرجه أحمد (١٤٩٥٤)، وأبو داود (٤٥٠٧)، والبيهقي (١٥٨٢٥).
(٣) أخرجه الترمذي (١٤٥٣)، وابن ماجه (٢٧٩٦).
(٤) أخرجه مالك (١٥٩٣)، والشافعي (٨٩٨)، والبيهقي (١٦٣٩٥).

٥٩٧
کتاب القصاص
٣٤٨٢ - [وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ] (١).
٣٤٨٣ - [وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانُ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: يَجِيءُ الْمَقْتُولُ
◌ِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلانٍ)) قَالَ
جُنْدَبُ: فَاتَّقِهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ](٢).
٣٤٨٤ - [وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ
مُؤْمِنٍ بِشَطْرٍ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللهَ مَكْتُوبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسُّ مِنْ رَحْمَةِ الله)). رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَه](٣).
(أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ) ولو (بِشَطْرِ كَلِمَةٍ) نحو أق: من القتل (لَقِيَ اللّهَ مَكْتُوبُ
بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسُ مِنْ رَحْمَةِ الله) كناية عن كونه كافرًا؛ إذ ﴿لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْجِ الله إِلَّا
القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وقد يقال بعمومه، ويكون المراد يستمر هذا حاله
حتى يطهر من ذنبه بنار الجحيم، فإذا طهر منه زال بأسه، فزال يأسه وأدركته الرحمة؛
فأخرج من دار النقمة وأسكن دار النعمة؛ وذلك لأن القتل أخطر الأشياء شرعًا
وأقبحها عقلاً؛ لأن الإنسان مجبول على محبة بقاء الصورة الإنسانية المخلوقة في أحسن
تقویم.
قال الطيبي: وذا وعيد شديد لم يرأبلغ منه.
٣٤٨٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا أَمْسَكَ
الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ](٤).
(وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ) أي: بطريق التعزير، ومقدار الحبس مفوض إلى رأي الإمام،
وفيه المماثلة اللغوية، وهي الإمساك بالإمساك، وظاهر المماثلة أن يكون إلى الموت.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٠)، وابن أبي شيبة (٢٧٦٩٣)، والبيهقي (٢١٠٤٧) بلفظ: ((إن غلامًا قتل
غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به)).
(٢) أخرجه النسائي (٤٠٠٩)، وأحمد (١٧٠٥٢).
(٣) أخرجه البيهقى (١٥٦٤٣)، وابن ماجه (٢٦٢٠).
(٤) أخرجه الدارقطني (٣٣١٨)، والبيهقي (١٦٤٥٢).

٥٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن
قال الطيبي: لو أمسك أحد رجلاً حتى قتله آخر، فلا قود على الممسك كما لو
أمسك امرأة حتى زنا بها آخر لا حد على الممسك.
وقال مالك: إن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعًا، وإن أمسكه وهو
يرى أنه يريد الضرب، فإنه يقتل الضارب ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة.
انتهى، وهو تفصیل حَسنُ كما لا يخفى على ذوي النهى.
قال الشمني: وفي (المنتقى)) لو طرح رجل رجلاً قدام أسد أو سبع فقتله، ليس
على الطارح قود ولا دية، ولكن يعزر ويضرب ضربًا وجیعًا ویحبس حتى يتوب.
وقال أبو يوسف: حتى يموت، وقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان الغالب القتل
يجب القود وإن كان الغالب عدمه، فعند الشافعي قولان: أحدهما: يجب القود، والآخر:
لا يجب، ولكن تجب الدية، وبه قال أحمد، وقياس قول مالك يجب القود. [المرقاة ١١/
٤٣].