Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥١٩ كتاب النكاح / باب المطلقة ثلاثًا - ٣٣٠٠ - [وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ تَحَوَهُ، قَالَ: كُنْتُ امْرَأَ أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، وَفِي رِوَايَتِهِمَا - أَعْنِي: أَبَا دَاوُد وَالدَّارِيّ: فَأَطْعِمْ وَسْقًّا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا](١). ٣٣٠١ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِي الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ]. الفصل الثالث ٣٣٠٢ - [عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَغَشِيَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَأَنَى النَّبِيَّ ◌َ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ بَيَاضَ حِجْلَيْهَا فِي الْقَمَرِ، فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ وَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ الله قِّ وَأَمَرَهُ أَلَّا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ (٣) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَرَوَى التَّرْمِذِيُّ نَحوّه وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسنُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ]. [وَرَوَى أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَانِيُّ نَحْوَهُ مُسْنَدًا وَمُرْسَلاً، وَقَالَ: الْمُرْسَلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِن الْمُسْتَدِ] (٤). (١) أخرجه أبو داود (٢٢١٥)، وأحمد (٢٤٤٢٠)، وابن ماجه (٢١٤٠)، والدارمي (٢٣٢٨). (٢) أخرجه الترمذي (١٢٣٨)، وابن ماجه (٢١٤٢). (٣) أخرجه الترمذي (١٢٣٩)، وابن ماجه (٢١٤٣). (٤) أخرجه أبو داود (٢٢٢٣)، والنسائي (٣٤٥٩). باب في كون الرقبة في الكفارة مؤمنة الفصل الأول ٣٣٠٣ - [عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله ◌َ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًّا لِي، فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ شَاءً مِنَ الْغَنَمِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ: أَكَلَهَا الذِّتْبُ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا، وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا وَعَلَّ رَقَبَةُ أَفَأَعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَيْنَ اللهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: مَنْ أَنَا؟ فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: أَعْتِقْهَا (١). رَوَاهُ مَالِكُ]. (فَجِئْت بِهَا) أَيْ: بِالْجَارِيَةِ (قَالَ) رَسُولِ اللهِ وَِّ: (أَيْنَ اللهِ؟ فَقَالَتْ) أي: الْجَارِيَة (فِي السَّمَاء) فِيهِ إِثْبَات أَنَّ الله ◌َ فِي السَّمَاءِ. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي كِتَابِ ((الْعُلُّ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُطِيعِ الْحُكَمِ بْن عَبْد الله الْبَلْخِيّ صَاحِبِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، قَالَ: ((سَأَلْت أَبَا حَنِيفَة عَمَّنْ يَقُول: لَا أَعْرِفِ رَبِي فِي السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: قَدْ كَفَّرَ؛ لِأَنَّ اللّه تَعَالَى يَقُول: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَعَرْشِه فَوْقِ سَمَاوَاتِهِ، فَقُلْت: إِنَّهُ يَقُولِ: أَقُول عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوَى، وَلَكِنْ قَالَ: لَا يَدْرِي الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، قَالَ: إِذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ. إِنْتَهَى. وَيَقُولِ الْأَوْزَاعِيُّ: ((كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ نَقُولُ: إِنَّ اللّه وَكَ فَوْق عَرْشِه، وَنُؤْمِن بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةِ مِنْ صِفَاتِه)) أَخْرَجَهُ الْبَيْهَِيُّ فِي كِتَابِ ((الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَات)). وَقَالَ عَبْد الله أَحْمَد بْنِ حَنْبَل فِي ((الرَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ)): حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَان عَنْ عَبْد الله بْن نَافِع: قَالَ مَالِكِ بْنِ أَنَس: «الله فِي السَّمَاء وَعِلْمه فِي كُلّ مَكَان، لَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْء)». (١) أخرجه مالك (١٤٧٣). - ٥٢٠ - ٥٢١ كتاب النكاح/ باب في كون الرقبة في الكفارة مؤمنة وَرَوَى يَحْيَى بْنِ يَحَْى التَّمِيمِيّ وَجَعْفَر بْنِ عَبْد الله وَطَائِفَة قَالُوا: ((جَاءَ رَجُل إِلَى مَالِكِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد الله ﴿الرَّحْمَنِ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوَى﴾ كَيْف اِسْتَوَى؟ قَالَ: فَمَا رَأَيْتِ مَالِكًا وُجِدَ مِنْ شَيْءٍ كَمَوْجِدَتِهِ مِنْ مَقَالَتْه وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءِ؛ يَعْنِي: الْعَرَقِ، وَأَظْرَقَ الْقَوْمِ، فَسُرِّيَ عَنْ مَالِك وَقَالَ: الْكَيْفِ غَيْرِ مَعْقُول، وَالإِسْتِوَاء مِنْهُ غَيْرِ مَجْهُول، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَاجِب، وَالسُّؤَالِ عَنْهُ بِدْعَةٍ، وَإِّ أَخَافِ أَنْ تَكُون ضَالاً، وَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ. إِنْتَفَى. (فَقَالَ) رَسُول اللّهِ مَّهِ (مَنْ أَنَا؟ فَقَالَتْ) الْجَارِيَةِ: (أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﴾ِ: أَعْتِقْهَا) أَيْ: الْجَارِيَةِ. [وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمَّا لِ قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا، وَأَنَا رَجُلُ مِنْ بَنِي آدَمَ آَسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَّةً فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللهِ وَ فَعَّمَ ذَلِكَ عَلَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: اثْتِي بِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ](١). (فَإِنَّهَا) أَيْ: الْجَارِيَة (مُؤْمِنَة) قَالَ الْخَطَابِيُّ: قَوْله: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة) خَرَجَ تَخْرَجُ التَّعْلِيلِ فِي كَوْن الرَّقَبَة ◌ُجْزِيَةٍ فِي الْكَفَّارَاتِ بِشَرْطِ الْأَيْمَان؛ لِأَنَّ مَعْقُولاً أَنَّ النَّبِيّ وَّهِ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقِهَا عَلَى سَبِيلِ الْكَفَّارَة عَنْ ضَرْبِهَا، ثُمَّ اِشْتَرَطَ أَنْ تَكُون مُؤْمِنَة، فَكَذَلِكَ هِيَ فِي كُلّ كَفَّارَة. وَقَد اِخْتَلَفَ النَّاسِ فِي هَذَا؛ فَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيّ وَابْنِ عُبَيْد: لَا يُجْزِيهِ إِلَّ رَقَبَة مُؤْمِنَةٍ فِي شَيْءٍ مِن الْكَفَّارَاتِ، وَقَالَ أَصْحَابِ الرَّأَي: يَجْزِيه غَيْرِ الْمُؤْمِنَة إِلَّ فِي كَفَّارَة الْقَتْلِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاء. اِنْتَهَى. (١) أخرجه مسلم (١٢٢٧)، وأبو داود (٩٣١)، وأحمد (٢٤٤٨٥). باب اللعان (بَابُ اللَّعَانِ) هُوَ لُغَةً مَصْدَرْ أَوْ جَمْعُ لَعْنٍ: الْإِبْعَادُ، وَشَرْعًا: كَلِمَاتٌ تَأْتِي جُعِلَتْ حُجَّةً لِمَن أُضْطُرَّ لِقَذْفِ مَنْ لَطَّخَ فِرَاشَهُ وَأَلْقَ الْعَارَ بِهِ، أَوْ لِنَفْي وَلَدٍ عَنْهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشْتِمَالِهَا عَلَى إِبْعَادِ الْكَاذِبِ مِنْهُمَا عَنِ الرَّحْمَةِ، وَإِبْعَادِ كُلُّ عَنِ الْآخَرِ، وَجُعِلَتْ فِي جَانِبِ الْمَدَّعِي مَعَ إِنَّهَا أَيْمَانُ عَلَى الْأَصَحِّ رُخْصَةً لِعُسْرِ الْبَيِّنَةِ بِزِنَاهَا وَصِيَانَةً لِلْأَنْسَابِ عَنِ الإِخْتِلَاطِ، وَلَمْ يَخْتَرْ لَفْظَ الْغَضَبِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِيهَا كَالْوَاقِعِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ لِعَانُهُ عَنْ لِعَانِهَا وَلَا عَكْسَ، وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ: أَوَائِلُ سُورَةِ النُّورِ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، وَلِكَوْنِهِ حُجَّةً ضَرُورِيَّةً لِدَفْعِ الْحَدِّ أَوْ لِنَفْي الْوَلَدِ. [((تحفة المحتاج» (٣١٥/٣٤)]. الفصل الأول ٣٣٠٤ - [عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ ﴾ قَالَ: إِنَّ عُوَيْمِراًّ العَجلَانِيَّ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَل؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِلَّهُ: قَدْ أَنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا، قَالَ سَهْلٍ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدٍ وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِر: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله ◌ِإِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللهِ وَه مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمٍِ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ(١). مُتَفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٣٠٥ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ لَا عَنَ بَيْنَ رَجُلٍ (١) أخرجه البخاري (٤٧٤٥)، ومسلم (٣٨١٨). - ٥٢٢ - ٥٢٣ كتاب النكاح / باب اللعان وَامْرَأَتِهِ، فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِهِ لَهُمَا أَنَّ رَسُولَ الله :﴿ وَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابٍ الآخِرَة]. ٣٣٠٦ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا، قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَالِي، قَالَ: لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهْوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. ٣٣٠٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدًّا فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّه إِذَا وسـ رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلاً يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ وَإِلَّ حَدُّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ هِلَالُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ.﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦ - ٩] فَجَاءَ هِلَالُّ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ◌َِّ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبُ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبُّ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَتَلَكََّتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْبِي سَائِّرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهْوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللّه لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنُ (٣). (١) أخرجه مالك (١١٧٨)، والشافعي (٢٥٩/١)، والبخاري (٥٠٠٩)، ومسلم (١٤٩٤)، وابن حبان (٤٢٨٨)، وأبو عوانة (٤٦٩٨). (٢) أخرجه البخاري (٥٠٠٦)، ومسلم (١٤٩٣)، وأبو داود (٢٢٥٧)، وأحمد (٤٥٨٧)، والنسائي (٣٤٧٦). (٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٧)، والترمذي (٣٤٧٩). ٥٢٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (أَبْصِرُوهَا) أَيْ: أَنْظُرُوا وَتَأَمَّلُوا فِيمَا تَأْتِي بِهِ مِنْ وَلَدهَا (أَكْحَلِ الْعَيْنَيْنِ) أَيْ: الَّذِي يَعْلُو جُفُون عَيْنَيْهِ سَوَادٍ مِثْل الْكُحْلِ مِنْ غَيْرِ إِكْتِحَال (سَابِعِ الْأَلْيَتَيْنِ) أَيْ: عَظِيمهمَا (خَدَلَّج السَّاقَيْنِ) أَيْ: سَمِينهمَا (فَهُوَ) أَيْ: الْوَلَد (لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ الله) مِنْ بَيَان لِمَا؛ أَيْ: لَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ حُكْمِه بِدَرْءِ الْحَدّ عَنِ الْمَرْأَةَ بِلِعَانِهَا (لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْن) أَيْ: فِي إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهَا، أَو الْمَعْنَى لَوْلَا أَنَّ الْقُرْآن حَكَمَ بِعَدَمِ الْحَدّ عَلَى الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَعَدَمِ التَّعْزِير لَفَعَلْت بِهَا مَا يَكُون عِبْرَة لِلنَّاظِرِينَ وَتَذْكِرَة لِلسَّامِعِينَ. فَإِنْ قُلْت: قَالَ النَّوَوِيّ: اِخْتَلَفُوا فِي نُزُول آيَةِ اللَّعَان، هَلْ هُوَ بِسَبَبٍ عُوَيْمِرِ أَمْ بِسَبَبٍ هِلَال، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي هِلَالٍ، وَأَمَّا قَوْله ◌َّهِ لِعُوَيِْرِ: ((إِنَّ اللّهُ قَدْ أَنْزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتك)) فَقَالُوا: مَعْنَاهُ الْإِشَارَة إِلَى مَا نَزَلَ فِي قِصَّة هِلَال؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْم عَامّ لِجَمِيع النَّاس. وَيَحْتَمِلِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَلَعَلَّهُمَا سَأَلَا فِي وَقْتَيْنِ مُتَقَارِبَيْنٍ، فَنَزَلَت الْآيَة فِيهِمَا، وَسَبَقَ هِلَالِ بِاللِّعَانِ. إِنْتَهَى. كَذَا فِي الْقَسْطَلَّانِيّ. [عون (١٣١/٥)]. ٣٣٠٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلاً لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: نَعَمْ، قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِ: اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّ (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْغَيْرَة بِفَتْحِ الْغَيْنِ، وَأَصْلهَا الْمَنْعِ، وَالرَّجُلِ غَيُّور عَلَى أَهْله؛ أَيْ: يَمْنَعُهُمْ مِن الثَّعَلُّقِ بِأَجْنَبِيِّ بِنَظَرٍ أَوْ حَدِيث أَوْ غَيْرِهِ، وَالْغَيْرَةِ صِفَة كَمَالٍ، فَأَخْبَرَ ◌َ بِأَنَّ سَعْدًا غَيُّور، وَأَنَّهُ أَغْيَرِ مِنْهُ، وَأَنَّ اللّه أَغْيَرِ مِنْهُ بَّهِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ (١) أخرجه مسلم (٣٨٣٦)، والبيهقي في (سننه)) (٢١٠٢٧). ٥٢٥ كتاب النكاح / باب اللعان الْفَوَاحِشِ، فَهَذَا تَفْسِير لِمَعْنَى غَيْرَة الله تَعَالَى؛ أَيْ: أَنَّهَا مَنْعِه ◌َ النَّاس مِن الْفَوَاحِشن لَكِنِ الْغَيْرَة فِي حَقّ النَّاسِ يُقَارِنِهَا تَغَيُّر حَالِ الْإِنْسَانِ وَانْزِعَاجِه، وَهَذَا مُسْتَحِيلٍ فِي غَيْرَة الله تَعَالَى. ٣٣٠٩ - [وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةٍ سَعْدٍ؟! وَالله لَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ الله حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَد أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُنْذِرِينَ وَالمُبَشِّرِينَ، وَلَا أَحدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللّهُ الْجَنَّةَ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (لَضَرَبْته بِالسَّيْفِ غَيْرِ مُصَفَّح) هُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ؛ أَيْ: غَيْرِ ضَارِبِ بِصَفْحِ السَّيْف، وَهُوَ جَانِبِه بَلْ أَضْرِبهُ بِحَدِّهِ. (أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! وَالله لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي) يدل على وجود القود فيمن قتل رجلاً وجده مع امرأته؛ لأن الله تعالى وإن كان أغير من عباده، فإنه قد أوجب الشهود في الحدود، فلا يجوز لأحدٍ أن يتعدى حدود الله، ولا يسفك دمًا بدعوى. وقد روى مالك هذا المعنى في حدیث سعد بینًا، روی مالك، عن سهیل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله (وَكثير: نعم)" ففي هذا من الفقه قطع الذرائع والتسيب إلى قتل الناس والادعاء عليهم بمثل هذا وشبهه. وفى حديث سعد: النهي عن إقامة الحدود بغير سلطان وبغير شهود؛ لأن الله تعالى عظم دم المسلم وعظم الإثم فيه، فلا يحل سفكه إلا بما أباحه الله به، وبذلك (١) أخرجه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (٣٨٣٧)، وأحمد (١٨٦٥٩). ٥٢٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن أفتى علي بن أبي طالب فيمن قتل رجلاً وجده مع امرأته، فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته؛ أي يسلّم برمته للقتل، وعلى هذا جمهور العلماء. [ابن بطال (١٥/١٦)]. ٣٣١٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَلا يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. ٣٣١١ - [وَعَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَنَى رَسُولَ اللهِ وَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِّ أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌َّهِ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٍ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: عِرْقُ نَزَعَهَا، قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقُ نَزَعَهُ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الإِنْتِفَاءِ مِنْهُ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٣١٢ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصِ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةً مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ، فَقَالَ: إِنَّهُ ابْنُ أَخِي، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ سَعْدُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةٍ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَهُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةً: احْتَجِبِي مِنْهُ، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ(٣) . مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه البخاري (٤٩٢٥)، ومسلم (٢٧٦١)، والترمذي (١١٦٨) وقال: حسن غريب، وأحمد (١٠٩٦٣)، وابن حبان (٢٩٣)، وأبو يعلى (٥٩٩٨). (٢) أخرجه البخاري (٧٣١٤)، ومسلم (٣٨٤١)، وأبو داود (٢٢٦٢)، والنسائي (٣٤٩٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠). (٣) أخرجه مالك (١٤٢٤)، والبخاري (٦٧٤٩)، ومسلم (٣٦٨٦)، وأبو داود (٢٢٧٥). ٥٢٧ كتاب النكاح / باب اللعان ٣٣١٣ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: أَيْ: عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرِي أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ، فَلَمَا رَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةً، قَدْ غَظَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٣١٤ - [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكْرَةَ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللّهِصَ﴾ْ مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (مَن إِدَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ إِلَغْ) قَالَ الْعَلْقَمِيّ: قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا صَرِيحٍ فِي غِلَظ تَخْرِيم ◌ِنْتِسَاب الْإِنْسَانِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَو إِنْتِمَاءِ الْعَتِيقِ إِلَى وَلَاءِ غَيْرِ مَوَالِه لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرِ النّعْمَة وَتَضْبِيعِ حُقُوق الْإِرْثِ وَالْوَلَاءِ وَالْعَقْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَة الرَّحِم وَالْعُقُوقِ. إِنْتَفَى. ٣٣١٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِيهِ: لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيِهِ فَهُوَ كُفْرُ(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذُكِرَ حَدِيثُ عَائِشَةِ «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ الله)) فِي بَابٍ صَلاةِ الخُسُوفِ]. الفصل الثاني ٣٣١٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َلِ يَقُولُ لَمَا نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَّدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللهُ مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الخَلاَقِ فِي الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ]. (١) أخرجه البخاري (٦٧٧١)، ومسلم (٣٦٩١)، وأبو داود (٢٢٦٩)، والترمذي (٢٢٧٦)، وأحمد (٢٤٨٢٧)، وابن ماجه (٢٤٣٩). (٢) أخرجه البخاري (٤٣٢٦)، ومسلم (٢٢٩)، وأحمد (١٥٧١)، وأبو داود (٥١١٥). (٣) أخرجه البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٢٢٧)، وأحمد (١١١٠٠). (٤) أخرجه الشافعي في ((الأم)) (١٢٦/٥)، وأبو داود (٢٢٦٣)، والنسائي (٣٤٨١)، وابن ماجه (٢٧٤٣)، وابن حبان (٤١٠٨)، والحاكم (٢٨١٤)، والبيهقي (١٥١١٠)، والدارمي (٢٢٩٣). ٥٢٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن ٣٣١٧ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً لا تَرُّدُّ يُدَ لامٍِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: طَلِّقْهَا، قَالَ: إِنَّ أُحِبُّهَا، قَالَ: فَأَمْسِكْهَا إِذَّا(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: رَفَعَهُ أَحْدُ الرَوَاةِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ وَأَحَدُهُمْ لَمْ يَرفَعْهُ. قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِثَابتٍ]. ٣٣١٨ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقِ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَا يَرِثُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ اذَّعَاءُ فَهُوَ وَلَّهُ زِئْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (كُلّ مُسْتَلْحَقٍ) بِفَتْحِ الْحَاء؛ أَيْ: طَلَبَ الْوَرَثَةُ إِلْحَاقَهُ بِهِمْ (بَعْد أَبِيهِ) أَيُّ: بَعْد مَوْت أَبِيهِ، وَإِضَافَة الْأَبِ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الإِدِّعَاءِ وَالإِسْتِلْحَاقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: الَّذِي يُدْعَى لَهُ. وَقَوْله: (إِدَّعَاهُ وَرَثَتْه مِنْ بَعْدِهِ) قِيلَ: هُوَ خَبَرِ الْمُبْتَدَأ، وَلَعَلَّهُ بِتَقْدِيرِ هُوَ الَّذِي إِدَّعَاهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْخْبَرِ لِدَلَالَةٍ عِنْوَان الْمُبْتَدَأَ عَلَيْهِ، فَالْوَجْهِ أَنَّهُ وَصَفَ الْمُسْتَلْحَقِ لِزِيَادَةِ الْكَشْفِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأُ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْله: ((إنَّ مَنْ كَانَ ... إِلَخْ)). (فَقَضَى) تَكْرَار لِمَعْنَى قَالَ؛ لِيُعْدِ الْعَهْدِ (فَقَدْ لَحِقَ بِمَن إِسْتَلْحَقَهُ) مَعْنَى: اِسْتَلْحَقَهُ إِذَّعَاهُ، وَضَمِيره الْمَرْفُوع لِـ((مَنْ)) الْمَوْصُول، وَالْمُرَاد بِهِ الْوَارِثِ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كُلّ الْوَرَثَةِ أَوْ بَعْضِهِمْ، فَلَا يَلْحَقُ إِلَّ بِالْوَارِثِ الَّذِي لَا يَدَّعِيهِ، فَهُوَ فِي حَقّه أَجْنَبِيّ، وَلَا يَلْحَقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ مِن اللُّحُوقِ، أَوْ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُول مِن الْإِلْحَاق عَلَى مَعْنَى لَا يَجُوزُ إِلْحَاقُهُ، وَالْأَوَّل أَظْهَرُ. (١) أخرجه أبو داود (٢٠٥١)، والنسائي (٣٤٧٨). (٢) أخرجه أحمد (٧٠٤٢)، وأبو داود (٢٢٦٥)، وابن ماجه (٢٧٤٦)، والدارمي (٣١١٢)، والبيهقي (١٢٢٨٤). ٥٢٩ كتاب النكاح / باب اللعان (وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ. إِلَخْ) كَلِمَةِ ((أَنْ)) فِيهِ وَصْلِيَّة، وَهُوَ تَأْكِيد لِمَا قَبْله مِنْ عَدَم حُصُول اللَّحُوقِ، وَقَوْله: (فَهُوَ وَلَدِ زِنَا) تَعْلِيل لِذَلِكَ، وَحَاصِل مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسْتَلْحَقِ إِنْ كَانَ مِنْ أَمَة لِلْمَيِّتِ مِلْكِهَا يَوْمِ جَامَعَهَا، فَقَدْ لَحِقَ بِالْوَارِثِ الَّذِي إِذَّعَاهُ، فَصَارَ وَارِثَا فِي حَقّه مُشَارِكًا مَعَهُ فِي الْإِرْثِ، لَكِنْ فِيمَا يُقْسَمُ مِن الْمِيرَاثِ بَعْد الإِسْتِلْحَاق، وَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيمَا قَبْلُ. وَأَمَّا الْوَارِثِ الَّذِي لَمْ يَدَّعْ فَلَا يُشَارِكُهُ وَلَا يَرِثُ مِنْهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الرَّجُل الَّذِي يُدْعَى لَهُ قَدْ أَنْكَرَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ لَا يَصِحُ الإِسْتِلْحَاقِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَمَة لَمْ يَمْلِكْهَا يَوْمٍ جَامَعَهَا بِأَنْ زَنَى مِنْ أَمَةِ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ حُرَّةٍ زَلَى بِهَا، فَلَا يَصِحُ لُوقه أَصْلاً، وَإِن إِذَّعَاهُ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ فِي حَيَاته؛ لِأَنَّهُ وَلَد زِنَا، وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبِ بِالزِّنَا. قَالَ الْخَطَائِيُّ: هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ حُدُوتُهَا مَا بَيْن الْجَاهِلِيَّة وَبَيْن قِيَامِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ حُكْم الْمِيرَاثِ السَّابِقِ عَلَى الإِسْتِلْحَاقِ حُكْم مَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَعَفَا عَنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ حُكْم الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ فِي سَبَبِه أَنَّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَطَأْ أَحَدهمْ أَمَتِه وَيَطَؤُّهَا غَيْرِهِ بِالزَّنَا، فَرُبَّمَا أَوْلَدَهَا السَّيِّدِ أَوْ وَرَثَتْه بَعْد مَوْتِهِ، وَرُبَّمَا يَدَّعِيهِ الزَّانِي فَشَرَعَ لَهُمْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ. وَفِي ((الزَّوَائِد)) إِسْنَاده حَسَن، وَهَذَا فِي بَعْض النُّسَخِ دُون بَعْضٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمِزِّيّ، وَالله تَعَالَى أَعْلَم. [حاشية السندي (٣٨٢/٥)]. ٣٣١٩ - [وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيٍ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَ قَالَ: مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّبَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللّهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللّهُ، فَأَمَّا الْخَيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللهُ فَاخْتِيَالُهُ فَي الْفَخْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فِي الْبَغْيِ(١). رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ]. (١) أخرجه أحمد (٢٣٨٠٣)، وأبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٢٥٥٨)، وابن حبان (٢٩٥)، والبغوي (٤٩٦)، والطبراني (١٧٧٢)، والبيهقي (١٨٢٥٩)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢١٤٢). ٥٣٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الفصل الثالث ٣٣٢٠ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَامَ رَجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا ابْنِي، عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: لَا دَعْوَةَ فِي الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. ٣٣٢١ - [وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: أَرْبَعُّ مِنَ النِّسَاءِ لَا مُلَاعَنَةَ بَيْنَهُنَّ: النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْتَهُودِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرّ(٤). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. ٣٣٢٢ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَمَرَ رَجُلاً حِينَ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلَاعَنَا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ(٣). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. ٣٣٢٣ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﴿ه خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلاً، قَالَتْ: فَفِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِيٍ عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَيِ: لَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَعِيَ شَيْطَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ أَعَانَنِي اللهُ عَلَيْهِ حَتَى أَسْلَمَ(٤). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (١) أخرجه أبو داود (٢٢٧٦). (٢) أخرجه ابن ماجه (٢١٤٩). (٣) أخرجه النسائي (٣٤٧٢). (٤) أخرجه مسلم (٧٢٨٨)، وأحمد (٢٥٥٨٧). باب العِدة (العدة) هي في اللغة: الإحصاء، يقال: عددت الشيء عدة أحصيته إحصاء، ويطلق أيضا على المعدود، وفي الشرع: تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح المتأكد بالدخول أو ما يقوم مقامه من الخلوة والموت. قال ابن الهمام: وينبغي أن يزاد، وشبهته بالجر عطفًا على النكاح. قلت: فكأنهم أرادوا بالنكاح حقيقته وحكمه، ومن المعلوم أن الطلاق قبل الدخول لا تجب فيه العدة. الفصل الأول ٣٣٢٤ - [عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَّةَ وَهُوَ غَائِبُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ الشَّعِيرَ فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَالله مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ الله ◌َّهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكِ نَفَقَةُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَاِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْثُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلُّ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَاذِنِينِ، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَّةَ بْنَ أَبِ سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمِ خَطَبَانِي، فَقَالَ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكُ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ(١). وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: فَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلُ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ(٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ زَوجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلََّ أَنْ تَكُونِي حَامِلاً] (٣). ٣٣٢٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ (١) أخرجه مالك (١٢٢٨)، ومسلم (٣٧٧٠)، وأبو داود (٢٢٨٦). (٢) أخرجه مسلم (٣٧٨٥)، وأحمد (٢٨٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٤٢). (٣) أخرجه مسلم (٣٧٧٧)، وأبو داود (٢٢٩٢). - ٥٣١ - ٥٣٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَحِشِ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَإِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ؛ تَعْنِي: فِي النُّقْلَةِ(١). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ أَلَا تَتَّقِي اللّهَ؟! تَعْنِي فِي قَوْلِهَا: لَا سُكْنَى وَلَّا نَفَقَّةَ(٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (فِي مَكَان وَحْشِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُون الْحَاء الْمُهْمَلَةِ بَعْدهَا شِين مُعْجَمَة؛ أَيْ: خَالَ لَيْسَ بِهِ أَنِيس (فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا) أَيْ: فِي الإِنْتِقَال. ٣٣٢٦ - [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: قَالَ: إِنَّمَا نُقلَتْ فَاطِمَةُ لِطُولٍ لِسَانِهَا عَلَى أَحْمَائِهَا(٣). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))]. ٣٣٢٧ - [وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلْ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: بَلَى فَجُدِّي تَخْلَكِ، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا (٤). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. قال النووي: هَذَا الْحَدِيث دَلِيل ◌ِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ لِلْحَاجَةِ، وَمَذْهَب مَالِك وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَدٍ وَآخَرِينَ جَوَاز خُرُوجِهَا فِي النَّهَارِ لِلْحَاجَةِ، وَكَذَلِكَ عِنْدِ هَؤُلَاءِ يَجُوزِ لَهَا الْخُرُوجِ فِي عِدَّة الْوَفَاةِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَةٍ فِي عِدَّة الْوَفَاةِ وَقَالَ فِي الْبَائِنِ: لَا تَخْرُجِ لَيْلاً وَلَا نَهَارًا. وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ الصَّدَقَة مِن التَّمْرِ عِنْد جُدَاده، وَالْهَدِيَّة، وَاسْتِحْبَاب التَّعْرِيض لِصَاحِبِ التَّمْرِ بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَتَذْكِيرِ الْمَعْرُوفِ وَالْبِرّ، وَالله تَعَالَى أَعْلَم. ٣٣٢٨ - [وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ(٥). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. ٣٣٢٩ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ إِلَى النَّبِّ ◌َ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، (١) أخرجه البخاري (٥٣٢٦)، وأبو داود (٢٢٩٤). (٢) أخرجه البخاري (٥٣٢٣)، ومسلم (٣٧٩٢). (٣) لم أقف عليه في (شرح السنة))، وذكره البغوي في ((معالم التنزيل)) (١٥٣/١). (٤) أخرجه مسلم (١٤٨٣)، وأبو داود (٢٢٩٧)، والنسائي (٣٥٥٠)، وابن ماجه (٢٠٣٤)، والحاكم (٢٨٣١). (٥) أخرجه مالك (١٢٤٨)، والبخاري (٥٣٢٠)، والنسائي (٣٥١٩). ٥٣٣ كتاب النكاح / باب العدة إِنَّ ابْنَتِي تُوُلَّ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: (لَا)) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ وَعَشْرُّ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْبِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْخَوْلِ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (وَقَّد اِشْتَكَتْ عَيْنِهَا) هُوَ بِرَفْعِ النُّون، وَوَقَعَ فِي بَعْض الْأَصُول: ((عَيْنَاهَا)) بِالْأَلِفِ. قَوْلهَا: (أَفَتُكَخِّلَهَا؟ فَقَالَ: لَا) هُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى تَخْرِيم الإِكْتِحَالِ عَلَى الْحَادَّة، سَوَاءِ إِحْتَاجَتْ إِلَيْهِ أَمْ لَا. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي ((الْمُوَظَأ)) وَغَيْرِهِ فِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة: ((إِجْعَلِيهِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِیهِ بِالنَّهَارِ)). وَوَجْهُ الْجَمِيعِ بَيْن الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ لَا يَحِلّ لَهَا، وَإِن إِحْتَاجَتْ لَمْ يَجُزْ بِالنَّهَارِ وَيَجُوز بِاللَّيْلِ، مَعَ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكِه، فَإِنَّ فَعَلَنْهُ مَسَحَتْهُ بِالنَّهَارِ، فَحَدِيث الْإِذْنِ فِيهِ لِبَيَانِ أَنَّهُ بِاللَّيْلِ لِلْحَاجَةِ غَيْرِ حَرَامِ، حَدِيث النَّفْي ◌َحْمُول عَلَى عَدَمِ الْحَاجَة، وَحَدِيث الَّتِي إِشْتَكَتْ عَيْنِهَا فَنَهَاهَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ نَهْي تَنْزِيهِ، وَتَأَوَّلَّهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْخَوْفِ عَلَى عَيْنهَا. وَقَد اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي إِكْتِحَالِ الْمُحَدَّةِ، فَقَالَ سَالِمِ بْن عَبْدِ الله وَسُلَيْمَانِ بْن يَسَارِ وَمَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ: يَجُوز إِذَا خَافَتْ عَلَى عَيْنِهَا بِكُحْلٍ لَا طِيب فِيهِ، وَجَوَّزَهُ بَعْضهمْ عِنْد الْحَاجَة وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيب، وَمَذْهَبنَا جَوَازه لَيْلاً عِنْد الْحَاجَة بِمَا لَا طِيب فیهِ. (إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرِ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) مَعْنَاهُ: لَا تَسْتَكْثِرْنَ الْعِدَّة، وَمَنَعَ الإِكْتِحَالِ فِيهَا فَإِنَّهَا مُدَّة قَلِيلَة، وَقَدْ خُفِّفَتْ عَنْكُنَّ وَصَارَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا بَعْد أَنْ كَانَتْ سُنَّة، وَفِي هَذَا تَصْرِيح بِنَسْجِ (١) أخرجه البخاري (٥٣٣٦)، ومسلم (٣٨٠٠)، والترمذي (١٢٣٧)، وأبو داود (٢٣٠١)، وابن ماجه (٢١٦٢). ٥٣٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الإِعْتِدَاد سُنَّة الْمَذْكُورِ فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي الْآَيَةِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا رَمْيِهَا بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْس الْحُوْلِ، فَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيث، قَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ: إِنَّهَا رَمَتْ بِالْعِدَّةِ وَخَرَجَتْ مِنْهَا كَانْفِصَالِهَا مِنْ هَذِهِ الْبَعْرَةِ وَرَمِيَهَا بِهَا. وَقَالَ بَعْضِهِمْ: هُوَ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ وَصَبَرَتْ عَلَيْهِ مِن الإِعْتِدَادِ سُنَّة، وَلُبْسِهَا شَرّ ثِيَابِهَا، وَلُزُومِهَا بَيْتًا صَغِيرًا هَيِّن بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقّ الزَّوْجِ، وَمَا يَسْتَحِقْهُ مِن الْمُرَاعَاةِ كَمَا يُهَوِّنِ الرَّئْي بِالْبَعْرَةِ. [النووي (٢٥٥/٥)]. ٣٣٣٠ - [وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ قَالَ: لَا يَحِلُّ الإِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (لَا يَحِلّ ◌ِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدّ عَلَى مَيِّت فَوْق ثَلَاث إِلَّا عَلَى زَوْج أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا) فِيهِ دَلِيل عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاة زَوْجِهَا، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَة، وَإِن ◌ِخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيله، فَيَجِب عَلَى كُلّ مُعْتَدَّة عَنْ وَفَاة سَوَاء الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا وَالصَّغِيرَة وَالْكَبِيرَةِ، وَالْبِكْر وَالثَّيِّب، وَالْخَرَّة وَالْأَمَة، وَالْمُسْلِمَة وَالْكَافِرَة، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِّ وَالْجُمْهُور. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَغَيْرِهِ مِن الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو ثَوْرِ وَبَعْض الْمَالِكِيَّةِ: لَا يَجِب عَلَى الزَّوْجَة الْكِتَابِيَّة بَلْ تَخْتَصّ بِالْمُسْلِمَةِ لِقَوْلِهِ وَِّ: (لَا يَحِلّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِن بِالله) فَخَصَّهُ بِالْمُؤْمِنَةِ. وَدَلِيلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُؤْمِنِ هُوَ الَّذِي يَشْمَلِ خِطَاب الشَّارِعِ وَيَنْتَفِعِ بِهِ وَيَنْقَادِ لَهُ، فَلِهَذَا قَيَّدَ بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ أَيْضًا: لَا إِحْدَاد عَلَى الصَّغِيرَة وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إِحْدَاد عَلَى أُمّ الْوَلَدِ، وَلَا عَلَى الْأَمَةِ إِذَا تُوُقِّيَّ عَنْهُمَا سَيِّدهمَا، وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ الرَّجْعِيَّة. (١) أخرجه مالك (١٢٤٦) والبخاري (٥٠٢٤) ومسلم (٢٢٩٩) والترمذي (١١٩٥) والنسائي (٣٥٣٣) والشافعى(٣٠٠/١). ٥٣٥ كتاب النكاح / باب العدة وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا؛ فَقَالَ عَطَاء وَرَبِيعَة وَمَالِك وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذِر: لَا إِحْدَاد عَلَيْهَا، وَقَالَ الْحُكَم وَأَبُو حَنِيفَة وَالْكُوفِيُّونَ وَأَبُو ثَوْرِ وَأَبُو عُبَيْد: عَلَيْهَا الْإِحْدَادِ، وَهُوَ قَوْلِ ضَعِيف لِلشَّافِعِيِّ، وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلاً عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أَنَّهُ لَا يَجِب الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ، وَلَا عَلَى الْمُتَوَى عَنْهَا، وَهَذَا شَاذٌ غَرِيب. وَدَلِيل مَنْ قَالَ: لَا إِحْدَاد عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا قَوْلِهِ: (إِلَّا عَلَى الْمَيِّتِ) فَخَصَّ الْإِحْدَادِ بِالْمَيِّتِ بَعْد تَحْرِيمه فِي غَيْره. قَالَ الْقَاضِي: وَاسْتُفِيدَ وُجُوبِ الْإِحْدَادِ فِي الْمُتَوَّى عَنْهَا مِن إِنَّفَاقِ الْعُلَمَاء عَلَى حَمْل الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظه مَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَكِن إِنَّفَقُوا عَلَى حَمْلَه عَلَى الْوُجُوبِ مَعَ قَوْلِهِوَّهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ حَدِيث أُمَّ سَلَمَةٍ، وَحَدِيث أُمّ عَطِيَّةٍ فِي الْكُحْلِ وَالطَّيب وَاللََّاس وَمَنْعِهَا مِنْهُ، وَالله أَعْلَم. (أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا) الْمُرَاد بِهِ وَعَشْرَة أَيَّامٍ بِلَيَالِهَا، هَذَا مَذْهَبَنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاءِ كَفَّةٍ، إِلَّ مَا حُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَالْأَوْزَاعِيَّ أَنَّهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرِ لَيَالٍ، وَأَنَّهَا تَحِلّ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرَةِ، وَعِنْدِنَا وَعِنْدِ الْجُمْهُور لَا تَحِلّ حَتَّى تَدْخُل لَيْلَة الحادي عشر. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْيِيد عِنْدَنَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُر وَعَشْرِ خَرَجَ عَلَى غَالِبِ الْمُعْتَدَّاتِ أَنَّهَا تَعْتَدّ بِالْأَشْهُرِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلاً فَعِدَّتَهَا بِالْحَمْلِ، وَيَلْزَمَهَا الْإِحْدَادِ فِي جَمِيعِ الْعِدَّة حَتَّى تَضَع سَوَاء قَصُرَتِ الْمُدَّةَ أَمْ طَالَتْ، فَإِذَا وَضَعَتْ فَلَا إِحْدَاد بَعْده. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: لَا يَلْزَمِهَا الْإِحْدَادِ بَعْد أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرِ، وَإِنْ لَمْ تَضَعِ الحمل. قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَالْحِكْمَةِ فِي وُجُوب الْإِحْدَادِ فِي عِدَّة الْوَفَاة دُون الطَّلَاق؛ لِأَنَّ الزِّينَة وَالطَّيب يَدْعُوَانٍ إِلَى النَّكَاحِ وَيُوقِعَانِ فِيهِ، فَنَهَيْت عَنْهُ؛ لِيَكُونَ الإِمْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ زَاجِرًا عَنِ النِّكَاحِ؛ لِكَوْنِ الزَّوْجَ مَيِّتَا لَا يَمْنَع مُعْتَدَّته مِن النَّكَاحِ وَلَا يُرَاعِيهِ نَاكِحِهَا، وَلَا يُخَافِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيّ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي بِوُجُودِهِ عَنْ زَاجِرٍ آخَر؛ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ ٥٣٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَجَبَتِ الْعِدَّة عَلَى كُلّ مُتَوَلَى عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولاً بِهَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، فَاسْتُظْهِرَ لِلْمَيِّتِ بِوُجُوبِ الْعِدَّة وَجُعِلَتْ أَرْبَعَةِ أَشْهُر وَعَشْرًا؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَة فِيهَا يَنْفُخِ الرُّوح فِي الْوَلَدِ إِنْ كَانَ وَالْعَشْرِ إِحْتِيَاطًا، وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَتَحَرَّكِ الْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ، قَالُوا: وَلَمْ يُؤَّل ذَلِكَ إِلَى أَمَانَة النِّسَاءِ وَيُجْعَل بِالْأَفْرَاءِ كَالظَّلَاقِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ الإِحْتِيَاطِ لِلْمَيِّتِ، وَلَمَّا كَانَتِ الصَّغِيرَة مِنِ الزَّوْجَاتِ نَادِرَة أَلْحِقَتْ بِالْغَالِبِ فِي حُكْم وُجُوب الْعِدَّة وَالْإِحْدَاد. [النووي (٢٨٤/٥)]. ٣٣٣١ - [وَعَنْ أُمّ عَطِيَّةً أَنَّ رَسُولَ الله ◌َ قَالَ: لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ. مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد: وَلَا تَخْتَضِبُ](١). الفصل الثاني ٣٣٣٢ - [وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ - وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِّ - أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِلَّهِ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبٍ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَيَ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَنْزِلٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: نَعَمْ، فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ - أَوْ فِي المَسْجِدِ - دَعَانِي فَقَالَ: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢). رَوَاهُ مَالِكٌّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالذَّارِمِيُّ]. (١) أخرجه البخاري (٥٠٢٨)، ومسلم (٩٣٨)، وأبو داود (٢٣٠٢)، وأحمد (٢٠٨١٣)، والنسائي (٣٥٣٤)، وابن ماجه (٢٠٨٧)، وابن أبي شيبة (١٩٢٨٧)، والطحاوي (٧٦/٣). (٢) أخرجه مالك (١٢٢٩)، والشافعي (٢٤١/١)، والترمذي (١٢٠٤) وقال: حسن صحيح، وأبو داود (٢٣٠٠) والنسائي (٣٥٢٨) وابن ماجه (٢٠٣١) وابن حبان (٤٢٩٢) والحاكم (٢٨٣٢) والدارمي (٢٢٨٧). ٥٣٧ كتاب النكاح / باب العدة ٣٣٣٣ - [وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ حِينَ تُوُنَّ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَيَّ صَبِرًّا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرَّ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابُ، قُلْتُ: بِأَِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَانِيُّ]. ٣٣٣٤ - [وَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: الْمُتَوَّقَى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِّ، وَلَا تَخْتَضِبُ وَلَا تَكْتَحِلُ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ]. (الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجَهَا) مُبْتَدَأْ وَخَبَرهِ: ((لَا تَلْبَس)) (لَا تَلْبَس الْمُعَصْفَرِ) أَيْ: الْمَصْبُوعْ بِالْمُعَصْفَرِ بِالضَّمِّ (وَلَا الْمُمَشَّقَة) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَة؛ أَيْ: الْمَصْبُوغَة بِالْمِشْقِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ الطِّين الْأَحْمَرِ الَّذِي يُسَمَّى: مَغْرَة، وَالثَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ أَو الثَّابِ (وَلَا الْخُلِيِّ) بِضَمّ أَوَّلْهِ، وَيَجُوز كَسْرِهَا وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءَ جَمْعٍ: حِلْيَة، وَهِيَ مَا يُتَزَّيَّن بِهِ مِن الْمَصَاغْ وَغَيْرِهِ. [عون (١٧٣/٥)]. الفصل الثالث ٣٣٣٥ - [عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ الأَحْوَصَ هَلَكَ بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنَ الْخَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى زَبْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ إِنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْخَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا (٣). رَوَاهُ مَالِكُ]. اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْخَيْضِ أَيْضًا؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَأَصْحَابِهِ: حَتَّى تَغْتَسِل مِن الْخَيْضَةِ الثَّالِئَةِ أَوْ يَذْهَب وَقْتِ صَلَاة، وَقَالَ عُمَر وَعَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالثَّوْرِيّ وَزُفَر (١) أخرجه أبو داود (٢٣٠٧)، والنسائي (٣٥٣٩). (٢) أخرجه أبو داود (٢٣٠٤)، وأحمد (٢٦٦٢٣)، والنسائي (٣٥٣٥)، والبيهقي (١٥٣١٠)، وأبو يعلى (٧٠١٢)، وابن حبان (٤٣٠٦). (٣) أخرجه مالك (١٢١٧). ٥٣٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد: حَتَّى تَغْتَسِل مِنِ الثَّالِئَةِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ: تَنْقَضِي بِنَفْسِ إِنْقِطَاعِ الدَّم، وَعَنْ إِسْحَاقِ رِوَايَةٍ، أَنَّهُ إِذَا اِنْقَطَعَتِ الدَّم ◌ِنْقَطَعَتِ الرَّجْعَةِ، وَلَكِنْ لَا تَحِلّ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَغْتَسِل اِحْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِن الْخِلَاف، وَالله أَعْلَم. ٣٣٣٦ [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴾: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلَّ فَذَلِكَ، وَإِلَّ اعْتَدَّتْ بَعْدَ التَّسْعَةِ الأَشْهُرِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرِ ثُمَّ حَلَّتْ (١). رَوَاهُ مَالِكٌ]. أجمع العلماء أن عدة اليائسة من المحيض لكبرٍ ثلاثة أشهر، وأن عدة التي لم تحض لصغر ثلاثة أشهر. واختلفوا إذا ارتفعت حيضة المرأة الشابة التي يمكن مثلها أن تحيض، فروي عن عمر أنه قال ... )) وروى مثله عن ابن عباس، قال: عدة المرتابة سنة، وروي عن الحسن البصري، وهو قول مالك، والأوزاعي. وروى ابن القاسم عن مالك أنها تعتد من يوم رفعتها حيضتها لا من يوم طلقت تنتظر تسعة أشهر، فإن لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر استقبلت الحيض. وقال الأوزاعي: إذا طلق امرأته وهي شابة فارتفعت حيضتها، فلم ترشيئًا ثلاثة أشهر، فإنها تعتد سنة. - (١) أخرجه مالك (١٢٣٠)، والبيهقي في («سننه» (١٥٨١٠).