Indexed OCR Text
Pages 501-520
باب الخُلع والطلاق (بَابِ الْخُلْع) قال الحافظ: بِضَمِّ الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّامِ، وَهُوَ فِي اللُّغَة: فِرَاقُ الزَّوْجَةِ عَلَى مَالٍ، مَأْخُوذُّ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةُ لِيَاسُ الرَّجُلِ مَعْنَّى، وَضَمّ مَصْدَره تَفْرِقَة بَيْن الْحِسِّيّ وَالْمَعْنَوِيّ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ فِي (أَمَالِهِ)) أَنَّهُ أَوَّل خُلْع كَانَ فِي الدُّنْيَا أَنَّ عَامِرِ بْن الظَرِب - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَة - زَوَّجَ اِبْنَته مِن إِبْنِ أَخِيهِ عَامِر بْن الْخَارِث بْنِ الظَِّب، فَلَمَّ دَخَلْت عَلَيْهِ نَفَرَتْ مِنْهُ، فَشَكَا إِلى أَبِيهَا فَقَالَ: لَا أَجْمَعَ عَلَيْك فِرَاق أَهْلِك وَمَالك، وَقَدْ خَلَعْتَهَا مِنْكِ بِمَا أَعْطَيْتِهَا، قَالَ: فَزَعَمَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ أَوَّل خُلْع فِي الْعَرَب. انتهى. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ إِلَّ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَّبِيِّ التَّابِعِّ الْمَشْهُور، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذْ مِن ◌ِمْرَأَتِهِ فِي مُقَابِل فِرَاقَهَا شَيْئًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَادَّعَى نَسْخِهَا بِآيَةِ النِّسَاءِ. أَخْرَجَهُ إِبْنِ أَبِي شَيْبَة وَغَيْرِهِ عَنْهُ، وَتُعُقِّبَ مَعَ شُذُوذه بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النِّسَاءِ أَيْضًا: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾. [النساء: ٤] وَبِقَوْلِهِ فِيهَا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا ... ﴾ [النساء: ١٢٨] وَبِالْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عِنْده أَوْ لَمْ يَبْلُغُهُ. وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعِ بَعْدِه عَلَى اِعْتِبَارِ، وَأَنَّ آيَةِ النِّسَاءِ مَخْصُوصَة بِآيَةِ الْبَقَرَة وَبِآيَتَي النِّسَاءِ الْآخِرَتَيْنِ، وَضَابِطُهُ شَرْعًا فِرَاقُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ بِبَذْلٍ قَابِلٍ لِلْعِوَضِ يَحْصُلُ لِجِهَةِ الزَّوْجِ، وَهُوَ مَكْرُوهُ إِلَّ فِي حَالِ مَخَافَةٍ أَلَا يُقِيمَا - أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا - مَا أُمِرَ بِهِ، وَقَدْ يَنْشَأُ ذَلِكَ عَنْ كَرَاهَةِ الْعِشْرَةِ إِمَّا لِسُوءِ خُلُقٍ أَوْ خَلْقِ، وَكَذَا تُرْفَعِ الْكَرَاهَةِ إِذَا إِحْتَاجًا إِلَيْهِ خَشْيَة حِنْثٍ يَئُول إِلَى الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى. (الظَّلَاقِ) قال المصنف: هُوَ لُغَةً: حَلُّ الْقَيْدِ، وَشَرْعًا: حَلُّ قَيْدِ النَّكَاحِ بِاللَّفْظِ - ٤٩٩ - ٥٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الْآتِي، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ. وَهُوَ إِمَّا وَاجِبْ كَطَلَاقٍ مُولٍ لَمْ يُرِدِ الْوَظْءَ وَحَكَمَيْنِ رَأَيَاهُ، أَوْ مَنْدُوبٌ كَأَنْ يَعْجِزَ عَنِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا وَلَوْ لِعَدَمِ الْمَيْلِ إِلَيْهَا أَوْ تَكُونَ غَيْرَ عَفِيفَةٍ مَا لَمْ يَخْشَ الْفُجُورَ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَ ﴿ مَنْ قَالَ لَهُ: ((إنَّ زَوْجَتِي لَا تَرُّدُّ يَدَ لَامِيسٍ)) أَيْ: لَا تَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْفُجُورَ بِهَا عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ فِي مَعْنَاهُ بِإِمْسَاكِهَا خَشْيَةً مِنْ ذَلِكَ، وَيَلْحَقُ بِخَشْيَةِ الْفُجُورِ بِهَا حُصُولُ مَشَفَّةٍ لَهُ بِفِرَاقِهَا تُؤَدِّي إِلَى مُبِيحٍ تَيَمُّمِ، وَكَوْنُ مَقَامِهَا عِنْدَهُ أَمْنَعَ لِفُجُورِهَا فِيمَا يَظْهَرُ فِيهِمَا أَوْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ؛ أَيْ: بِحَيْثُ لَا يُصْبَرُ عَلَى عِشْرَتِهَا عَادَةً فِيمَا يَظْهَرُ، وَإِلَّا فَمَتَى تُوجَدُ امْرَأَةٌ غَيْرُ سَيِّئَةِ الْخُلُقِ. وَفِي الْحَدِيثِ: ((الْمَرَّةُ الصَّالِحَّةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ)) كِنَايَةُ عَنْ نُدْرَةِ وُجُودِهَا؛ إِذ الْأَعْصَمُ وَهُوَ أَبْيَضُ الْجَنَاحَيْنِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا كَذَلِكَ أَوْ يَأْمُرَهُ بِهِ أَحَدُ وَالِدَيْهِ؛ أَيْ: مِنْ غَيْرٍ نَحْوِ تَعَنُّتٍ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْحَمْقَى مِن الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَمَعَ عَدَمِ خَوْفٍ فِتْنَةٍ أَوْ مَشَقَّةٍ بِطَلَاقِهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ حَرَامُ كَالْبِدْعِيٌّ، أَوْ مَكْرُوهُ بِأَنْ سَلِمَ الْحَالُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: ((لَيْسَ شَيْءٌ مِن الْحَلَالِ أَبْغَضَ إلَى الله مِن الظَّلَاقِ)) وَإِثْبَاتُ بُغْضِهِ تَعَالَى لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ زِيَادَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ لَا حَقِيقَتُهُ لِمُنَافَاتِهَا لِحِلّهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَيْسَ فِيهِ مُبَاحٌ لَكِنْ صَوَّرَهُ الْإِمَامُ بِمَا إِذَا لَمْ يَشْتَهِهَا؛ أَيْ: شَهْوَةً كَامِلَةً؛ لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا مَرَّ فِي عَدَمِ الْمَيْلِ إلَيْهَا، وَلَا تَسَمُّحِ نَفْسِهِ بِمُؤْنَتِهَا مِنْ غَيْرٍ تَمَتُّعِ بِهَا، وَأَرْكَانُهُ زَوْجٌّ وَصِيغَةً وَقَصْدُ عَلَى مَا يَأْتِي فِيهِ وَمَحَلُّ وَوِلَايَةٌ عَلَيْهِ. [((تحفة المحتاج)) (٣٢) ٣٢٣)]. الفصل الأول ٣٢٧٤ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ امْرَأَةً ثَابِتِ بْنٍ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: أَتَرُّدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ الله ◌َ ٥٠١ كتاب النكاح/ باب الخُلع والطلاق اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَظْلِيقَةً(١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (أَنَّ إِمْرَأَةٍ ثَابِتِ بْنِ قَيْس) أَيْ: إِبْنِ شَمَّاسِ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ: خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، تَقَدَّمَ ذِكْرِهِ فِي الْمَنَاقِبِ، وَأَبْهَمَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ إِسْم الْمَرْأَةِ، وَفِي الظُّرُقِ الَّتِي بَعْدِهَا، وَسُمِّيَتْ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي طَرِيق حَمَّاد بْنِ زَيْد عَنْ أَيُّوب عَنْ عِكْرِمَةٍ مُرْسَلاً: جَمِيلَة، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ أُخْتِ عَبْدِ الله بْن ◌ُبَيّ؛ يَعْنِي: كَبِيرِ الْخُزْرَجِ، وَرَأْسَ النَّفَاقِ الَّذِي تَقَدَّمَ خَبَره فِي تَفْسِير سُورَة «بَرَاءَة) وَفِي تَفْسِير سُورَة ((الْمُنَافِقِينَ)) فَظَاهِرِهِ أَنَّهَا جَمِيلَة بِنْت أُبَيّ، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة قَتَادَةً عَنْ عِكْرِمَة عَن ◌ِبْن عَبَّاس:((أَنَّ جَمِيلَة بِنْت سَلُولِ جَاءَتْ.)) أَخْرَجَهُ إِبْنِ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ. وَسَلُول اِمْرَأَةً أُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ أُمّ أُبَيّ أَو إِمْرَأَتِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوَّد ((أَنَّ ثَابِت بْنِ قَيْس بْنِ شَمَّاس ضَرَبَ إِمْرَأَتِهِ، فَكَسَرَ يَدهَا، وَهِيَ جَمِيلَة بِنْت عَبْد الله بْن أُبَيّ، فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِي إِلَى رَسُول الله (وَلّ.)) وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْنِ سَعْد فِي ((الطَّبَقَات)) فَقَالَ: جَمِيلَة بِنْت عَبْد الله بْن أُبَيّ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ، وَكَانَتْ تَحْتِ حَنْظَلَةِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، فَقُتِلَ عَنْهَا بِأُحُدٍ وَهِيَ حَامِلْ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْد الله بْنِ حَنْظَلَة، فَخَلَفَ عَلَيْهَا ثَابِت بْن قَيْس فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْنه ◌ُحَمَّدًا، ثُمَّ اِخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَتَزَوَّجَهَا مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ ثُمَّ خُبَيْبُ بْنِ أَسَاف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حَجَّاجِ بْن مُحَمَّد عَن ◌ِبْن جُرَيْجٍ: «أَخْبَرَبِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ ثَابِت بْن قَيْس بْن شَمَّاس كَانَتْ عِنْده زَيْنَب بِنْت عَبْد الله بْن أُبَيّ بْنِ سَلُول، وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَة فَكَرِهَتْهُ .. )) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُظْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَسَنَده قَوِيّ مَعَ إِرْسَالِهِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنِه وَبَيْنِ الَّذِي قَبْله؛ لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَكُون لَهَا إِسْمَانِ أَوْ أَحَدِهِمَا لَقَبُّ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِهَذَا الْجُمْعِ فَالْمَوْصُول أَصَحّ. وَقَد أُعْتُضِدَ بِقَوْلِ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّ اِسْمِهَا: جَمِيلَة، وَبِهِ جَزَمَ الدّمْيَاطِيّ وَذَكَرَ أَنَّهَا (١) أخرجه البخاري (٤٩٧١)، والنسائي (٣٤٦٣)، والدارقطني (٢٥٤/٣)، والطبراني (١١٩٦٩)، والبيهقي (١٤٦١٥). ٥٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن كَانَتْ أُخْتِ عَبْد الله بْن عَبْدِ اللهِ بْن أُبَيّ شَقِيقَة أُمّهمَا خَوْلَةٍ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ. قَالَ الدِّمْيَاطِيّ: وَالَّذِي وَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ مِنْ أَنَّهَا بِنْت أَبِيّ وَهْمُّ. قُلْت: وَلَا يَلِيقِ إِظْلَاقِ كَوْنِهِ وَهْمًا، فَإِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أُخْتِ عَبْد الله بْن ◌ُبَيّ، وَهِيَ أُخْتِ عَبْد الله بِلَا شَكّ، لَكِنْ نُسِبَ أَخُوهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِلَى جَدّه أُبَيّ، كَمَا نُسِبَتْ هِيَ فِي رِوَايَةٍ قَتَادَةَ إِلَى جَدَّتَهَا سَلُول، فَبِهَذَا يُجْمَعِ بَيْن الْمُخْتَلَف مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا إِبْنِ الْأَثِيرِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيّ فَجَزَمَا بِأَنَّ قَوْل مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بِنْت عَبْد الله بْن أُبَيّ وَهْمُ، وَأَنَّ الصَّوَابِ أَنَّهَا أُخْتِ عَبْد الله بْن أُبَيّ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا بَلِ الْجُمْعِ أَوْلَى، وَجَمَعَ بَعْضِهِمْ بِالََّادِ اِسْمَ الْمَرْأَة وَعَمَّتْهَا، وَأَنَّ ثَابِتًا خَالَعَ الثُّنْتَيْنِ وَاحِدَة بَعْد أُخْرَى، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ إِنَّحَادِ الْمَخْرَجِ، وَقَدْ كَثُرَتْ نِسْبَة الشَّخْص إِلَى جَدّه إِذَا كَانَ مَشْهُورًا، وَالْأَصْلِ عَدَمِ الثَّعَدُّد حَتَّى يَثْبُت صَرِيحًا. وَجَاءَ فِي اِسْمِ اِمْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْس قَوْلَانِ آخَرَانِ: أَحَدهمَا: إنَّهَا مَرْبَمِ الْمَغَالِيَّة. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَه مِنْ طَرِيق ◌ُحَمَّد بْن إِسْحَاقٍ: ((حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنِ الْوَلِيد بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْت مُعَوِّدْ قَالَتْ: اخْتَلَعْت مِنْ زَوْجِي ... )) فَذَكَرَتْ قِصَّة فِيهَا: (وَإِنَّمَا تَبِعَ عُثْمَانِ فِي ذَلِكَ قَضَاء رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي مَرْيَمِ الْمَغَالِيَّةِ، وَكَانَتْ تَحْت ثَابِتِ بْن قَيْس فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ.)) وَإِسْنَاده جَيِّد، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِضْطَرَبَ الْحَدِيث في تَسْمِيَة إِمْرَأَةٌ ثَابِت، وَيُمْكِن أَنْ يَكُون الْخُلْع تَعَدَّدَ مِنْ ثَابِت. إِنْتَهَى. وَتَسْمِيَتِهَا مَرْيَم يُمْكِن رَدّه لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَغَالِيَّةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيم وَأَخْفِيف الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَة إِلَى مَغَالَة، وَهِيَ إِمْرَأَةً مِن الْخَزْرَجِ وَلَّدَتْ لِعَمْرِو بْنِ مَالِك بْن النَّجَّارِ وَلَّده عَدِيًّ، فَبَنُو عَدِيّ بْنِ النَّجَّارِ يُعْرَفُونَ كُلّهِمْ بِبَنِي مَغَالَة، وَمِنْهُمْ عَبْد الله بْن أَبَيّ وَحَسَّانِ بْنِ ثَابِت وَجَمَاعَةٍ مِن الْخَزْرَجِ، فَإِذَا كَانَ آل عَبْد الله بْن أُبَيّ مِنْ بَنِي مَغَالَة، فَيَكُون الْوَهْم وَقَعَ فِي إِسْمِهَا، أَوْ يَكُون مَرْيَم إِسْمًا ثَالِثًا، أَوْ بَعْضِهَا لَقَب لَهَا. وَالْقَوْلِ الثَّانِي فِي إِسْمِهَا: إنَّهَا حَبِيبَةٍ بِنْت سَهْلِ أَخْرَجَهُ مَالِكِ فِي ((الْمُوَظَأ): ((عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد الْأَنْصَارِيّ عَنْ عَمْرَة بِنْت عَبْد الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل أَنَّهَا ٥٠٣ كتاب النكاح/ باب الخُلع والطلاق كَانَتْ تَّحْت ثَابِت بْنِ قَيْس بْنِ شَمَّاس، وَأَنَّ رَسُول الله وَلَّهِ خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ، فَوَجَدَ حَبِيبَةٍ عِنْد بَابِه فِي الْغَلَسِ قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل، قَالَ: مَا شَأْنك؟ قَالَتْ: لَا أَنَا وَلَا ثَابِتُ بْنِ قَيْس ◌ِزَوْجِهَا ... )) وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابِ السُّنَنِ الثَّلَاثَة، وَصَحَّحَهُ إِبْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّن مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الله بْن أَبِي بَكْرِ بْن عَمْرِ بْنِ حَزْم «عَنْ عَمْرَة عَنْ عَائِشَة أَنَّ حَبِيبَة بِنْت سَهْل کَانَتْ عِنْد ثَابِت». قَالَ اِبْنِ عَبْدِ الْبَرّ: أُخْتُلِفَ فِي اِمْرَأَةٌ ثَابِتِ بْنِ قَيْس؛ فَذَكَرَ الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا جَمِيلَة بِنْت أُبَيّ، وَذَكَرَ الْمَدَنِيُّونَ أَنَّهَا حَبِيبَة بِنْت سَهْل. قُلْت: وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِمْرَأَتَيْنِ؛ لِشُهْرَةِ الْخَبَرَيْنِ وَصِحَّة الظَّرِيقِينَ وَاخْتِلَافِ السِّيَاقَيْنِ، بِخِلَافٍ مَا وَقَعَ مِن الإِخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَة جَمِيلَة وَنَسَبِهَا، فَإِنَّ سِيَاقِ قِصَّتَهَا مُتَقَارِبٍ، فَأَمْكَنَ رَدّ الإِخْتِلَاف فِيهِ إِلَى الْوِفَاقِ، وَسَأُبَيِّنُ إِخْتِلَاف الْقِصَّتَيْنِ عِنْدِ سِيَاق أَلْفَاظ قِصَّة جَمِيلَة. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عُمَر قَالَ: «أَوَّل مُخْتَلِعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَة بِنْت سَهْل كَانَتْ تَحْتِ ثَابِت بْنِ قَيْس ... )) وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَدُّد يَقْتَضِي أَنَّ ثَابِتًا تَزَوَّجَ حَبِيبَةٍ قَبْل جَمِيلَة، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوت مَا ذَكَرَهُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا كَوْن مُحَمَّد بْنِ ثَابِتِ بْن قَيْس مِنْ جَمِيلَة لَكَانَ دَلِيلاً عَلَى صِحَّة تَزَوُّجِ ثَابِتٍ تَجَمِيلَة. تَنْبِيَةُ: وَقَعَ لِاِبْنِ الْجُوْزِيّ فِي (تَنْقِيحِه)) أَنَّهَا سَهْلَة بِنْت حَبِيب، فَمَا أَظُنّهُ إِلَّ مَقْلُوبًا، وَالصَّوَابِ حَبِيبَة بِنْتِ سَهْل، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا إِبْنِ سَعْدٍ فِي ((الظَّبَقَات)) فَقَالَ: بِنْت سَهْلِ بْن ثَعْلَبَة بْنِ الْحَارِثِ، وَسَاقَ نَسَبهَا إِلَى مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثهَا عَنْ حَمَّد بْنِ زَيْد عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيد قَالَ: «كَانَتْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل تَحْتِ ثَابِت بْن قَيْس، وَكَانَ فِي خُلُقْه شِدَّة) فَذَكَرَ نَحْوِ حَدِيث مَالِك وَزَادَ فِي آخِرِهِ: (وَقَدْ كَانَ رَسُول الله ◌َلِ هَمَّ أَنْ يَتَزَوَّجِهَا ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ لِغَيْرَةِ الْأَنْصَارِ، وَكَرِةَ أَنْ يَسُوءَهُمْ فِي نِسَائِهِمْ». (أَتَّتِ النَّبِيَّ ◌َِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ) فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيمِ بْنِ طَهْمَانِ عَنْ أَيُّوب، وَهِيَ الَّتِي عُلِّقَتْ هُنَا وَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ: (جَاءَت ◌ِمْرَأَةٌ ثَابِت بْن ٥٠٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن قَيْس بْن شَمَّاس الْأَنْصَارِيّ)) وَفِي رِوَايَة سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّة ((فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُتِي)) أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ. (مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْق، وَيَجُوزِ كَسْرِهَا مِن الْعِتَابِ، يُقَال: عَتَبْت عَلَى فُلَان أَعْتُب عَتْبًا، وَالإِسْمِ الْمَعْتَبَةِ، وَالْعِتَابِ هُوَ الْخِطَابِ بِالْإِدْلَالِ، وَفِي رِوَايَة بِكَسْرِ الْعَيْنِ بَعْدِهَا تَخْتَانِيَّةِ سَاكِنَةٍ مِن الْعَيْب، وَهِيَ أَلْيَقُ بِالْمُرَادِ. (فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّام وَيَجُوزِ إِسْكَانُهَا؛ أَيْ: لَا أُرِيدَ مُفَارَقَته لِسُوءِ خُلُقْه وَلَا لِنُقْصَانِ دِينه، زَادَ فِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُورَةِ: ((وَلَكِنِّي لَا أُطِيقَهُ)) كَذَا فِيهِ لَمْ يَذْكُر مُمَيِّزْ عَدَمِ الطَّاقَة، وَبَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيِيّ فِي رِوَايَتْهُ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: ((لَا أُطِيقهُ بُغْضًا)) وَهَذَا ظَاهِرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعِ بِهَا شَيْئًا يَقْتَضِي الشَّكْوَى مِنْهُ بِسَبَبِهِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة النَّسَائِيِّ أَنَّهُ كَسَرَ يَدِهَا، فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ سَيِّئُ الْخُلُق، لَكِنَّهَا مَا تَعِيبِهُ بِذَلِكَ بَلْ بِشَيْءٍ آخَر. وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّةٌ حَبِيبَة بِنْت سَهْل عِنْد أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ضَرَبَهَا، فَكَسَرَ بَعْضِهَا لَكِنْ لَمْ تَشْكُهُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، بَلْ وَقَعَ النَّصْرِيحِ بِسَبَبٍ آخَر وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ دَمِيم الْخِلْقَة، فَفِي حَدِيث عَمْرو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عِنْدِ إِبْنِ مَاجَه: ((كَانَتْ حَبِيبَة بِنْت سَهْل عِنْد ثَابِت بْن قَيْس، وَكَانَ رَجُلاً دَمِيمًا، فَقَالَتْ: وَالله لَوْلًا مَخَافَة الله إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْت فِي وَجْهه)). وَأَخْرَجَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرِ قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول الله بِي مِن الْجُمَالِ مَا تَرَى، وَثَابِت رَجُل دَمِیم)". وَفِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْنِ سُلَيْمَانِ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي جَرِير عَنْ عِكْرِمَةٍ عَن إِبْنِ عَبَّاس: ((أَوَّل خُلْجٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ إِمْرَأَةً ثَابِت بْن قَيْس، أَتَت النَّبِيّ ◌َ فَقَالَتْ: يَا رَسُول الله لَا يَجْتَمِعِ رَأْسِي وَرَأْس ثَابِت أَبَدًا، إِنِّي رَفَعْت جَانِب الْحِبَاءِ فَرَأَيْتِهِ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ، فَإِذَا هُوَ أَشَدّهمْ سَوَادًا وَأَقْصَرُهُمْ قَامَةٍ وَأَقْبَحِهِمْ وَجْهَا، فَقَالَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَته؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَإِنْ شَاءَ زِدْته. فَفَرَّقَ بَيْنِهِمَا)). ٥٠٥ كتاب النكاح / باب الخُلع والطلاق (وَلَكِنِّي أَكْرَهِ الْكُفْرِ فِي الْإِسْلَامِ) أَيْ: أَكْرَه إِنْ أَقَمْتِ عِنْدِهِ أَنْ أَقَعِ فِيمَا يَقْتَضِي الْكُفْرِ، وَانْتَقَى أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَحْمِلهَا عَلَى الْكُفْرِ وَيَأْمُرِهَا بِهِ نِفَاقًا بِقَوْلِهَا: (لَا أَعْتُب عَلَيْهِ فِي دَيْنِ)) فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَرِوَايَة جَرِير بْنِ حَازِمٍ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ تُؤَيِّد ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: (إِلَّا أَنِّي أَخَافِ الْكُفْرِ)) وَكَأَنَّهَا أَشَارَتْ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَحْمِلهَا شِدَّة كَرَاهَتِهَا لَهُ عَلَى إِظْهَارِ الْكُفْرِ؛ لِيَنْفَسِخْ نِكَاحِهَا مِنْهُ، وَهِيَ كَانَتْ تَعْرِفِ أَنَّ ذَلِكَ حَرَام لَكِنْ خَشِيَتْ أَنْ تَحْمِلهَا شِدَّةِ الْبُغْضِ عَلَى الْوُقُوع ◌ِیهِ. وَيُحْتَمَلِ أَنْ تُرِيد بِالْكُفْرِ كُفْرَان الْعَشِير؛ إِذْ هُوَ تَقْصِيرِ الْمَرْأَةُ فِي حَقّ الزَّوْجِ. قَالَ الطَّبِيُّ: الْمَعْنَى أَخَافِ عَلَى نَفْسِي فِي الْإِسْلَامِ مَا يُنَافِي حُكْمِه مِنْ نُشُوز وَفَرْك وَغَيْرهِ مِمَّا يُتَوَقَّع مِن الشَّابَة الْجَمِيلَةِ الْمُبْغِضَة ◌ِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ بِالصِّدِّ مِنْهَا، فَأَظْلَقَتْ عَلَى مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِسْلَام الْكُفْر. وَيُجْتَمَلِ أَنْ يَكُون فِي كَلَامِهَا إِضْمَار؛ أَيْ: إِكْرَاهِ لَوَازِمِ الْكُفْرِ مِن الْمُعَادَاة وَالشِّقَاقِ وَالْخُصُومَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن ◌َهْمَانِ: ((وَلَكِنِّي لَا أَطِيقُهُ)) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: ((وَلَكِنْ)) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِیهِ. (أَتَرُدِّينَ) فِي رِوَايَةٍ إِبْرَاهِيم بْنِ طَهْمَانَ: ((فَتَرُّدِّينَ)) وَالْفَاء عَاطِفَةٍ عَلَى مُقَدَّر تَحْذُوفٍ، وَفِي رِوَايَةٍ جَرِير بْن حَازِمٍ: ((تَرُدِّينَ)) وَهِيَ إِسْتِفْهَامٍ مَحْذُوف الْأَدَاةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (حَدِيقَته) أَيْ: بُسْتَانِه، وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُمَر أَنَّهُ كَانَ أَصْدَقِهَا الْحَدِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَفْظُه: ((وَكَانَ تَزَوَّجَهَا عَلَى حَدِيقَة تَخْلِ)) (قَالَتْ: نَعَمْ) زَادَ فِي حَدِيث عُمَر: (فَقَالَ ثَابِت: أَيَطِيبُ ذَلِكَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ نَعَمْ)) (إِقْبَل الْحَدِيقَة وَطَلِّفْهَا تَظْلِيقَة) هُوَ أَمْرِ إِرْشَاد وَإِصْلَاحِ لَا إِیجَاب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة جَرِير بْنِ حَازِمٍ: ((فَرُدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا)) وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا السِّيَاقِ عَلَى أَنَّ الْخُلْعِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَفِيهِ نَظَرِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِثُ ذَلِكَ وَلَا مَا يَنْفِيهِ، فَإِنَّ قَوْله: ((طَلِّقْهَا ... إِلَخْ)) يَحْتَمِل أَنْ يُرَادِ طَلِّقْهَا عَلَى ذَلِكَ، فَيَكُون طَلَاقًا صَرِيحًا عَلَى عِوَضٍ، وَلَيْسَ الْبَحْثِ فِيهِ إِنَّمَا الإِخْتِلَافِ فِيمَا إِذَا وَقَعَ لَفْظ الْخُلْعِ، أَوْ مَا كَانَ فِي ٥٠٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن حُكْمِه مِنْ غَيْرِ تَعَرُّض لِطَلَاقٍ بِصَرَاحَةٍ، وَلَّا كِنَايَةٍ هَلْ يَكُونِ الْخُلْعِ طَلَاقًا وَفَسْخًا؟ وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ النَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْخُلْعِ وَقَعَ قَبْلِ الظَّلَاق أَوْ بِالْعَكْسِ، نَعَمْ فِي رِوَايَة خَالِدِ الْمُرْسَلَةِ ثَانِيَةٍ أَحَادِيثِ الْبَابِ: ((فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ فَطَلَّقَهَا)) وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي تَقْدِيمِ الْعَطِيَّة عَلَى الْأَمْرِ بِالظَّلَاقِ، بَلْ يَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ إِنْ أَعْطَتْكِ طَلِّقْهَا. وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا النَّصْرِيحِ بِوُقُوعٍ صِيغَة الْخُلْعِ، وَوَقَعَ فِي مُرْسَل أَبِيِ الزُّبَيْرِ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ: ((فَأَخَذَهَا لَهُ وَخَلَّى سَبِيلِهَا)» وَفِي حَدِيث حَبِيبَة بِنْت سَهْل: ((فَأَخَذَهَا مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا)) لَكِنْ مُعْظَم الرِّوَايَاتِ فِي الْبَابِ تُسَمِّيه خُلْعًا، فَفِي رِوَايَة عَمْرو بْن مُسْلِمٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنِ إِبْن عَبَّاس ((أَنَّهَا اِخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجَهَا)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِدِيّ. ٣٢٧٥ - [وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهْيَ حَائِضَّ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ وَهِ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَظْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَظْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ (١). وِفِي رِوايَةٍ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً) فِيهِ دَلَالَة ◌ِجَوَازٍ طَلَاقِ الْحَامِلِ الَّتِي تَبَيَّنَ حَمْلَهَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، قَالَ إِبْنِ الْمُنْذِر: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ طَاوُس وَالْحَسَن وَابْنِ سِيرِينَ وَرَبِيعَة وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَانِ وَمَالِك وَأَحْمَدٍ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد. قَالَ اِبْنِ الْمُنْذِر: وَبِهِ أَقُول، وَبِهِ قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ حَرَامِ، وَحَكَى إِبْنِ الْمُنْذِر رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ: طَلَاقِ الْحَامِلِ مَكْرُوه، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقِ الْحَامِلِ ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِد، وَبِأَلْفَاظِ مُتَّصِلَة، وَفِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة، وَكُلّ ذَلِكَ جَائِزِلَا بِدْعَة فِیهِ. (١) أخرجه مالك (١٢١٤)، والبخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (٣٧٢٦)، وأحمد (٥٤٢٣). (٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٢)، ومسلم (٣٧٣٢)، والترمذي (١٢٠٩)، وأحمد (٤٨٩٣). ٥٠٧ كتاب النكاح/ باب الخُلع والطلاق وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَأَبُو يُوسُف: يَجْعَل بَيْنِ الظَّلْقَتَيْنِ شَهْرًا. وَقَالَ مَالِك وَزُفَر وَمُحَمَّد بْنِ الْحَسَنِ: لَا يُوقِع عَلَيْهَا أَكْثَر مِنْ وَاحِدَة حَتَّى تَضَع. [شرح النووي على مسلم (٢١٦/٥)]. ٣٢٧٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ وَ فَاخْتَرْنَا اللّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٢٧٧ [وَعَن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١](٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٢٧٨ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ، وَشَربَ عِنْدَهَا عَسَلاً، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َِّ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًّا، يَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ .. ﴾ [التحريم:١](٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. الفصل الثاني ٣٢٧٩ - [عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرٍ مَا بَأْسِ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ]. (١) أخرجه البخاري (٥٢٦٢)، ومسلم (٣٧٦١). (٢) أخرجه البخاري (٤٩١١)، ومسلم (٣٧٤٩). (٣) أخرجه البخاري (٥٢٦٧)، ومسلم (٣٧٥١)، وأبو داود (٣٧١٦)، وأحمد (٢٦٦٠٣)، والنسائي (٣٤٣٤). (٤) أخرجه أحمد (٢٣٠٤١)، والترمذي (١٢٢٥)، وأبو داود (٢٢٢٨)، وابن ماجه (٢١٣٣)، والدارمي (٢٣٢٥)، والبيهقي في ((سننه)) (١٥٢٥٨). ٥٠٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن (فِي غَيْرِ مَا بَأْس) وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْس لِغَيْرِ شِدَّة تُلْجِئْهَا إِلَى سُؤَال الْمُفَارَقَةِ، وَمَا زَائِدَة لِلْتَّأْكِيدِ (فَحَرَامٍ عَلَيْهَا رَائِحَة الْجَنَّة) أَيْ: مَمْنُوعٍ عَنْهَا، وَذَلِكَ عَلَى نَهْجِ الْوَعِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّهْدِيدِ أَوْ وُقُوعِ ذَلِكَ مُتَعَلِّق بِوَقْتٍ دُون وَقْت؛ أَيْ: لَا تَجِد رَائِحَة الْجَنَّةِ أَوَّل مَا وَجَدَهَا الْمُحْسِنُونَ، أَوْ لَا تَجِدِ أَصْلاً، وَهَذَا مِن الْمُبَالَغَةِ فِي التَّهْدِيد، وَنَظِيرِ ذَلِكَ كَثِير. قَالَهُ الْقَاضِي. وَلَا بِدْعِ أَنَّهَا تُحْرَم لَذَّة الرَّائِحَة وَلَوْ دَخَلَتِ الْجَنَّةِ. قَالَهُ الْقَارِي. وَلَ قَالَ: أَبْغَضُ الْخَلَالِ إِلَى الله تَعَالَى ٣٢٨٠ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ الظَّلَاقُ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (أَبْغَضِ الْخَلَال إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ الطَّلَاقِ) قِيلَ: كَوْنِ الظَّلَاقِ مَبْغُوضًا مُنَافٍ لِكَوْنِهِ حَلَالاً، فَإِنَّ كَوْنه مَبْغُوضًا يَقْتَضِي رُجْحَان تَرْكَه عَلَى فِعْله، وَكَوْنِه حَلَالاً يَقْتَضِي مُسَاوَاةٌ تَرْكِه لِفِعْلِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْخَلَالِ مَا لَيْسَ تَرْكه بِلَازِمِ الشَّامِل لِلْمُبَاحِ وَالْوَاجِب وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَقَدْ يُقَال: الظَّلَاقِ حَلَال ◌ِذَاتِهِ، وَالْأَبْغَضِيَّة لِمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِن إِنْجِرَاره إِلَى الْمَعْصِيَة. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ مَاجَه، وَالْمَشْهُورِ فِيهِ الْمُرْسَل، وَهُوَ غَرِيب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةِ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةٍ؛ يَعْنِي: مُحَمَّد بْن عُثْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَر وَلَا أُرَّاهُ يَحْفَظُهُ. [عون (١٦١/٦)]. ٣٢٨١ - [وَعَنْ عَلِيِّ ◌ُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: لا طلاقَ قَبْلَ نِكَاجٍ، وَلا عِتَاقَ إِلا بَعْدَ مِلْكٍ، وَلا وِصَالَ فِي صِيَامٍ، وَلا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ، وَلا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَاءٍ، وَلا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ (٢). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))]. ٣٢٨٢ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َ: لَا (١) أخرجه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والحاكم (٢٧٩٤)، والبيهقي (١٤٦٧١). (٢) أخرجه البغوي (٩٣/٥). ٥٠٩ كتاب النكاح / باب الخُلع والطلاق نَذْرَ لإِبْنِ آدَمَ فِیمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِیمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِیمَا لَا يَمْلِكُ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدٍ: وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ]. ٣٢٨٣ - [وَعَنْ رُكَانَة بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيّ ◌َّهِ وَقَالَ: وَالله مَا أَرَدْتُ إِلَّ وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: وَالله مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ فَقَالَ رُكَانَةُ: وَاللّه مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِهِ، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ، وَالثَّالِئَةَ فِي زَمَانٍ عُثْمَانَ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه والدَّارِمِيُّ إِلا أَنَّهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِئَةَ]. ٣٢٨٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ثَلَاثُ جِدُّهُنَّ جِدُّ وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبُ]. (ثَلَاث جِدّهنَّ جِدّ وَهَزْلهنَّ جِدٌ) الْهَزْلِ أَنْ يُرَاد بِالشَّيْءِ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ بِغَيْرِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنِهِمَا، وَالْجَدّ مَا يُرَاد بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ مَا صَلُحَ لَهُ اللَّفْظ ◌َجَازًا (النّكَاحِ وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة) بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْحِهَا، فَفِي (الْقَامُوس)) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ: عَوْدِ الْمُطَلِّقِ إِلَى طَلِیقته. وَفِي (الْمَشَارِقِ)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ: وَرَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ فِيهَا الْوَجْهَانِ وَالْكَسْرِ أَكْثَر، وَأَنْكَرَ إِبْنِ مَكِّيَّ الْكَسْرِ وَلَمْ يُصِبْ. قَالَ الْخُطَّابِيّ: إِنَّفَقَ عَامَّة أَهْلِ الْعِلْم عَلَى أَنَّ صَرِيح ◌َفْظ الطَّلَاقِ إِذَا جَرَى عَلَى لِسَان الْإِنْسَانِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ، فَإِنَّهُ مُؤَاخَذ ◌ِهِ وَلَا يَنْفَعَهُ أَنْ يَقُول: كُنْت لَاعِبًا أَوْ هَازِلاً، أَوْ لَمْ أَنْوِهِ طَلَاقًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ، وَاحْتَجَّ بَعْض الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللّه ◌َالَ: (١) أخرجه الترمذي (١١٨١) وقال: حسن صحيح، وأبو داود (٢١٩١)، وأحمد (٦٧٨٠)، والحاكم (٧٨٢٢). (٢) أخرجه أبو داود (٢٢٠٨)، والترمذي (١٢١٠)، وابن ماجه (٢١٢٩)، والدارمي (٢٣٢٧). (٣) أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والحاكم (٢٨٠٠). ٥١٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللّه هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وَقَالَ: لَوْ أُطْلِقَ لِلنَّاسِ ذَلِكَ لَتَعَظَّلَت الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يُؤْمَن مُطَلِّق أَوْ نَاكِح أَوْ مُعْتَق أَنْ يَقُول: گُنْت فِي قَوْلِي هَازِلاً، فَيَكُون فِي ذَلِكَ إِبْطَالِ حُكْم الله تَعَالَى، وَذَلِكَ غَيْرِ جَائِزِ، فَكُلّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيث ◌َزِمَهُ حُكْمِهِ، وَلَمْ يُقْبَل مِنْهُ أَنَّ الْمُدَّعَى خِلَافِهِ، وَذَلِكَ تَأْكِيد لِأَمْرِ الْفُرُوجِ وَاحْتِيَاطِ لَهُ، وَالله أَعْلَم. اِنْتَهَى. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَسَن غَرِیب. هَذَا آخِر كلامه. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الْمَعَافِرِيّ: رُوِيَ فِيهِ وَالْعِثْقِ وَلَمْ يَصِحَ شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ لَيْسَ مِنْهُ شَيْء عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ فَلَا كَلَام، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ ضَعِيف، فَفِيهِ نَظَرِ، فَإِنَّهُ يُحَسَّنِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ اِبْنِ الْقَيِّم: وَقَد اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى طَلَاقِ الْمُكْرَهِ لَازِمًا قَالَ: لِأَنَّهُ أَكْثَرِ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدهُ، وَالْقَصْدِ لَا يُعْتَبَرِ فِي الصَّرِيحِ، بِدَلِيلٍ وُقُوعه مِن الْهَازِلِ وَاللَّعِب، وَهَذَا قِيَاس فَاسِدُ فَإِنَّ الْمُكْرَهِ غَيْرِ قَاصِد لِلْقَوْلِ وَلَا لِمُوجِبِهِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَأَكْرِهِ عَلَى النَّكُلُّم بِهِ، وَلَمْ يُكْرَه عَلَى الْقَصْد. وَأَمَّا الْهَازِلِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ اِخْتِيَارًا وَقَصَدَ بِهِ غَيْرِ مُوجِبِهِ، وَهَذَا لَيْسَ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى الشَّارِعِ، فَهُوَ أَرَادَ اللَّفْظِ الَّذِي إِلَيْهِ، وَأَرَادَ أَلَا يَكُون مُوجِبه وَلَيْسَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ بَاشَرَ سَبَب الْحُكْم بِاخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ مُسَبَّبه وَمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ، وَأَمَّا الْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، فَقِيَاسه عَلَى الْهَازِلِ غَيْرُ صَحِيحٍ. [عون (١٨٨/٦)]. وقال المصنف: وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ مُعَلَّقُّ أَوْ مُنَجِّزْ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ وَمِثْلُهُ أَمْرُهُ لِمَنْ يُطَلِّقُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرًّ، وَإِنَّمَا أَثَّرَتْ قَرَائِنُ الْهَزْلِ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْيَقِينُ، وَلِأَنَّهُ إِخْبَارٌ يَتَأَثِّرُ بِهَا بِخِلَافِ الظَّلَاقِ، وَالْأَمْرِ بِهِ فِيهِمَا هَازِلاً أَوْ لَاعِبًا بِأَنْ قَصَدَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى وَقَعَ ظَاهِرًا وَبَاطِنَا إِجْمَاعًا، وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: ((ثَلَاثُّ جِدُّهُنَّ جِدٍّ وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ: الطَّلَاقُ وَالتّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ)) وَخُصَّتْ لِتَأَكُّدِ أَمْرِ الْإِبْضَاعِ، وَإِلَّ فَكُلُّ ٥١١ كتاب النكاح/ باب الخُلع والطلاق التَّصَرُّفَاتِ كَذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَالْعِنْقُ)) وَخُصَّ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَلِكَوْنِ اللَّعِبِ أَعَمَّ مُظْلَقًا مِن الْهَزْلِ عُرْفًا؛ إِذ الْهَزْلُ يَخْتَصُّ بِالْكَلَامِ عَطَفَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَادَفَهُ لُغَةً كَذَا قَالَهُ شَارِعُ، وَجَعَلَ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا تَغَايُرًا فَفَسَّرَ الْهَزْلَ بِأَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى وَاللَّعِبَ بِأَا يَقْصِدَ شَيْئًا، وَفِيهِ نَظَرُ؛ إِذْ قَصْدُ اللَّفْظِ لَا بُدَّ مِنْهُ مُظْلَقًا بِالنِّسْبَةِ لِلْوُقُوعِ بَاطِنًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَوْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ طَالِقُ)) وَقَصَدَ لَفْظَ الظَّلَاقِ دُونَ مَعْنَاهُ كَمَا فِي حَالِ الْهَزْلِ وَقَعَ، وَلَمْ يُدَيَّنْ فِي قَوْلِهِ مَا قَصَدْتِ الْمَعْنَى. [تحفة المحتاج (٤٥١/٢٣)]. ٣٢٨٥ - [وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ: سَمِعْثُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِعْلَاقٍ(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه، قِيلَ: مَعْنَى الإِغْلاقِ: الإِكْرَاهِ]. ٣٢٨٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزُ إِلَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَطَاءُ بْنُ عَجْلَانَ ضَعِيفٌّ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ]. (الْمَعْتُوهِ) هو المجنون (وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ) الذي لا يتحصل شيء من أمره. ٣٢٨٧ - [وَعَنْ عَلَيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلِغَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ (٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد]. ٣٢٨٨ - [َرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَة وَابْنُ مَاجَه عَنْهُمَا](٤). (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْفِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلغَ) قال ابن حبان: المراد برفع القلم ترك كتابة الشر عليهم دون الخير، قال الزين العراقي: وهو (١) أخرجه أحمد (٢٦٤٠٣)، وأبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، والحاكم (٢٨٠٢)، والبيهقي (١٤٨٧٤)، وابن أبي شيبة (١٨٠٣٨)، وأبو يعلى (٤٤٤٤)، والدار قطني (٣٦/٤). (٢) أخرجه الترمذي (١٢٢٩). (٣) أخرجه أبو داود (٤٤٠٣)، والترمذي (١٤٢٣)، وأحمد (٩٥٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٣٤٦)، والحاكم (٨١٧٠)، والبيهقي (٤٨٦٨). (٤) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٢)، والدارمي (٢٣٥١). ٥١٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن ظاهرٌ في الصبي دون المجنون والنائم؛ لأنهما في حيز من ليس قابلا لصحة العبادة منهم لزوال الشعور، فالمرفوع عن الصبي قلم المؤاخذة لا قلم الثواب. وقال السبكي: المجنون والمعتوه واحد هنا، وإن كان اللغويون أطلقوا أن المعتوه: الناقص العقل، والمراد بنقص العقل: نقصانه عن أهلية الخطاب، وذلك هو الجنون، ولا يراد بذلك ما قد يطلقه بعض أهل العُرف من نقصان العقل على من لم يكن كامل العقل وافره، فإن ذلك نقصان كمال. [إبراز الحِكم من حديث رُفع القلم ص ٢١]. ٣٢٨٩ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانٍ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه والدَّارِمِيُّ]. (طَلَاق الْأَمَةِ) مَصْدَر مُضَاف لِمَفْعُولِهِ، أَيْ تَطْلِيقِهَا (تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيّ فِي ((الْمَعَالِم)): اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا فَقَالَتْ طَائِفَة: الطَّلَاق بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّة بِالنِّسَاءِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَن إِبْن عُمَر وَزَيْدِ بْنِ ثَابِت وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ أَمَة تَحْتِ حُرّ فَطَلَاقِهَا ثَلَاث وَعِدَّتَهَا قُرْءَانٍ، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةٍ تَحْت عَبْد فَطَلَاقَهَا ثِنْتَانِ وَعِدَّتَهَا ثَلَاثَةِ أَقْرَاءِ فِي قَوْل هَؤُلَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةٍ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانِ الثَّوْرِيّ: الْحُرّة تَعْتَدّ ثَلَاثَة أَقْرَاء كَانَتْ تَحْت حُرّ أَوْ عَبْد وَطَلَاقِهَا ثَلَاث كَالْعِدَّةٍ، وَالْأَّمَة تَعْتَدّ قُرْأَيْنٍ وَيُطَلِّق تَظْلِيقَتَيْنِ سَوَاء كَانَتْ تَحْتِ حُرّ أَوْ عَبْد، وَالْحَدِيث حُجَّة ◌ِأَهْلِ الْعِرَاقِ إِنْ ثَبَتَ وَلَكِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنْ يَكُون الزَّوْجِ عَبْدًا إِنْتَهَى. [عون المعبود ٧٣/٥]. وقال القاري: دل ظاهر الحديث على أن العبرة في العدة بالمرأة وأن لا عبرة بحرية الزوج وكونه عبدا كما هو مذهبنا ودل على أن العدة بالحيض دون الأطهار. [المرقاة ٢٣١/١٠]. (١) أخرجه أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢) وقال: غريب، وابن ماجه (٢٠٨٠)، والدارمي (٢٣٤٩)، والحاكم (٢٨٢٢). ٥١٣ كتاب النكاح / باب الخُلع والطلاق الفصل الثالث ٣٢٩٠ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ(١). رَوَاهُ النَّسَانِيُّ]. ٣٢٩١ - [وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ(٢). رَوَاهُ مَالِك]. ٣٢٩٢ - [وَعَنْ تَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ وَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللّه ◌َ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! حَتَّى قَامَ رَجُلُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟(٣). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. ٣٢٩٣ - [وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ: إِّ طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةً تَظْلِيقَةٍ، فَمَاذَا تَرَى عَلَّ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلْقَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَبْعُ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللّه هُزُوًا (٤). رَوَاهُ مَالِكُ فِي ((الْمُوَطَّأ)]. ٣٢٩٤ - [وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ: يَا مُعَاذُ، مَا خَلَقَ اللهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِتَاقِ، وَلَا خَلَقَ اللهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ(٥). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ]. (١) أخرجه أحمد (٩٥٩٧)، والنسائي (٣٤٧٤). (٢) أخرجه مالك (١١٨٨). (٣) أخرجه النسائي (٣٤٠١). (٤) أخرجه مالك (١١٥٣). (٥) أخرجه البيهقي في ((سننه)) (١٥٥١٧)، والدارقطني (٤٠٣٠). باب المطلقة ثلاثًا الفصل الأول ٣٢٩٥ - [وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهُ فَقَالَتْ: إِنِي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَا مَعَهُ إِلَّ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ قَالَتْ: نَعمْ، قَالَ: لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. قَوْلَهَا: (فَتَزَوَّجْت عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّبِير) هُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَكَسْرِ الْبَاء بِلَا خِلاف، وَهُوَ الزَّبِيرِ بْنِ بَاطَّاءِ، وَيُقَال: بَاطَيَاءِ، وَكَانَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَحَابِيًّا، وَالزَّبِير قَتَلَ يَهُودِيًّا فِي غَزْوَة بَنِي قُرَيْظَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّبِيرِ بْنِ بَاطَّاء الْقُرَضِيّ هُوَ الَّذِي تَزَوَّجَ إِمْرَأَةُ رِفَاعَة الْقُرَغِيّ، هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر بْنِ عَبْد الْبَرّ وَالْمُحَقِّقُونَ. وَقَالَ إِبْنِ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمِ الْأَصْبِهَانِي فِي كِتَابَيْهِمَا فِي ((مَعْرِفَة الصَّحَابَة): إِنَّمَا هُوَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّبِير بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّة بْنِ زَيْد بْنِ مَالِكِ بْن عَوْفِ بْنِ عَمْرو بْن عَوْفِ بْنِ مَالِك بْن أَوْس، وَالصَّوَاب الْأَوَّل. قَوْلِهَا: (فَبَتَّ طَلَاقِي) أَيْ: طَلَّقَنِي ثَلَاثًا. قَوْلَهَا: (هُدْبَةِ الثَّوْب) هُوَ بِضَمِّ الْهَاء وَإِسْكَان الدَّالِ، وَهِيَ طَرَفه الَّذِي لَمْ يُنْسَج، شَبَّهُوهَا بِهُدْبِ الْعَيْنِ وَهُوَ شَعْرِ جَفْنهَا. قَوْلُهُ وَّ: (لَا حَتَّى تَذُوِي عُسَيْلَتْه وَيَذُوق عُسَيْلَتك) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْح السِّين تَصْغِير عَسَلَة، وَهِيَ كِنَايَة عَنِ الْجِمَاعِ، شَبَّهَ لَذَّته بِلَذَّةِ الْعَسَل وَحَلَاوَتِهِ، قَالُوا: (١) أخرجه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (٣٥٩٩)، والترمذي (١١٤٤)، وأحمد (٢٤٨٢٦)، وابن ماجه (٢٠٠٧). - ٥١٤ - ٥١٥ كتاب النكاح/ باب المطلقة ثلاثًا وَأَنَّثَ الْعُسَيْلَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْعَسَلِ نَعْتَيْنِ التَّذْكِيرِ وَالثَأْنِيثِ، وَقِيلَ: أَنَّتَهَا عَلَى إِرَادَة النُّطْفَة، وَهَذَا ضَعِيف؛ لِأَنَّ الْإِنْزَال لَا يُشْتَرَط. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا تَحِلٌّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحِ زَوْجًّا غَيْره، وَيَطَأْهَا ثُمَّ يُفَارِقِهَا، وَتَنْقَضِي عِدَّتَهَا، فَأَمَّا مُجَرَّد عَقْدَه عَلَيْهَا فَلَا يُبِيحِهَا لِلْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ جَمِيع الْعُلَمَاءِ مِن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدهُمْ، وَانْفَرَدَ سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب، فَقَالَ: إِذَا عَقَدَ الثَّانِي عَلَيْهَا ثُمَّ فَارَقَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ، وَلَا يُشْتَرَطِ وَظْء الثَّانِي لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحِ زَوْجًا غَيْره﴾ [البقرة:٢٣٠]. وَالنَّكَاحِ حَقِيقَةٍ فِي الْعَقْد عَلَى الصَّحِيحِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورِ، بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُخَصِّص لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَمُبَيِّن لِلْمُرَادِ بِهَا، قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَلَعَلَّ سَعِيدًا لَمْ يَبْلُغُهُ هَذَا الحديث. قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: لَمْ يَقُلْ أَحَدٍ بِقَوْلِ سَعِيدٍ فِي هَذَا إِلَّا طَائِفَةٍ مِن الْخُوَارِجِ. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ تَغْيِيبِ الْحَشَفَة فِي قُبُلهَا كَافٍ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِنْزَال الْمَنِيّ، وَشَذَّ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، فَشَرَطَ إِنْزَالِ الْمَنِيّ وَجَعَلَهُ حَقِيقَة الْعُسَيْلَةِ. قَالَ الْجُمْهُورِ: بِدُخُولِ الذَّكَرِ تَحْصُلِ اللَّذَّةِ وَالْعُسَيْلَةِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فِي نِكَاحِ فَاسِد لَمْ تَحِلّ لِلْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجِ، وَالله أَعْلَم. [النووي (١٥٧/٥)]. وَسُئِلَ المصنف: عَمَّنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌّ، فَقِيلَ لَهُ: ثَلَاثًا؟ فَقَالَ: ثَلَاثًا، أَوْ قِيلَ لَهُ: طَلِّقْهَا ثَلَاثًا؟ فَقَالَ: ثَلَاثًا، مَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: الْأَوْجَهُ أَخْذَا مِمَّا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِبًّا - سَقَى الله تَ عَهْدَهُ - أَنَّهُ نَوَى بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ)) وَقَدْ بَنَاهُ عَلَى مُقَدَّرِ الظَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَقَعَ الثَّلَاثُ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ هِيَ طَالِقُ ثَلَاثًا، أَوْ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، وَإِن اخْتَلَّ شَرْطُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَنْ أَجَابَ بِأَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ مُعَادُ فِي الْجْوَابِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هِيَ طَالِقُ ثَلَاثًا، لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الثَّلاثِ كَوْنُهَا غَيْرَ مَنْوِيَّةٍ مَعَ لَفْظِ طَالِقٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُقُوعِ الْعَدَدِ كَوْنُهُ مَنْوِيًّا بِنِيَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، كَاقْتِرَانٍ ٥١٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن نِيَّةِ الْكِنَايَةِ بِهَا، فَقَدْ أَخْطَأَ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يُصِبْ فِي جَوَابِهِ هَذَا سَوَاءُ أَوْقَعَ الْوَاحِدَةَ بِلَفْظِ ثَلَاثًا كَمَا يَقْتَضِيهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ لِمَا لَا يَخْفَى؛ أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ إِنَّ السُّؤَالَ مُعَادُ فِي الْجَوَابِ أَمْ بِلَفْظِ طَالِقِ الْمُقَدَّرِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْمَالِ مُقَدَّرٍ يَجُوزُ عَدَمُ إِرَادَتِهِ وَإِهْمَالٍ مُتَلَفَّظٍ بِهِ، وَلَا فِي تَوْجِيهِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَن اعْتَبَرَ أَنَّ التَّقْدِيرَ هِيَ طَالِقُ ثَلَاثًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الثَّلَاثِ وَاقْتِرَانِهَا بِطَالِقٍ؛ إِذْ نِيَّةُ الْعَدَدِ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا كَمَا ذُكِرَ عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الْعَدَدِ. ثُمَّ رَأَيْتِ الْأَذْرَعِيَّ نَقَلَ عَنْ فَتَاوَى الْإِمَامِ ابْنِ رَزِينٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ: قُولُوا لَهَا أَنْتِ وَرَفِيقَتُكِ طَالِقٍ، فَقِيلَ لَهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ لَا تَقُولُ ثَلَاثًا؟ فَقَالَ: ثَلَاثًا. فَأَجَابَ إِنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِيقَاعَ الظَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِلَفْظِي هَذَا؛ أَيْ: بَلِّغُوهُمَا أَنِي طَلَّقْتهمَا، وَنَوَى بِذَلِكَ إِيقَاعَ الثَّلاثِ وَقَعَ الثَّلَاثُ كَمَا نَوَى، وَإِنْ قَصَدَ إِيقَاعَ الظَّلَاقِ مُظْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ عَدَدٍ وَقَعَتْ طَلْقَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَبِذَلِكَ يَبْقَى قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ)) إِنْ قَصَدَ بِهِ إِيقَاعَ الظَّلَاقِ الثَّلَاثِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ طَلَّقْتِ الْآَنَ كُلاَّ مِنْهُمَا ثَلَاثًا، أَوْ كُلاً مِنْهُمَا طَالِقُ ثَلَاثًا وَقَعَ بِهِ تَمَّامُ الثَّلَاثِ إِنْ دَخَلَ بِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثًا)) قَصْدُّ لَمْ يَقَعْ شَيْءُ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ، وَفِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَقْفَةُ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ؛ لِأَنَّ ((ثَلَاثَ)) بِمُفْرَدِهَا لَا تَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ فَتَأَمَّلْهُ. انتهى، وَفِي ذَلِكَ تَأْبِيدٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ الْجَوَابُ. وَأَمَّا تَوَقُّفُ الْأَذْرَعِيِّ فَهُوَ ظَاهِرُ حَيْثُ لَمْ يَبْنِ الْكَلَّامَ عَلَى الْمُقَدَّرِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا بَنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَيْتِ ابْنَ الصَّلَاحِ أَفْتَى فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقُ، ثُمَّ سَكَتَ وَرَاجَعَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((ثَلَاثَ)) بَائِنَةً عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ؛ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ نَوَى الثَّلَاثَ أَوَّلاً بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌّ وَقَعْنَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ أَوَّلاً لَكِنْ أَرَادَ ثَانِيًّا بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثًا)) تَتِمَّتَهُ وَتَفْسِيرَهُ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ)) أَنَّهَا طَالِقُ ثَلَاثًا وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ أَيْضًا. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إِيقَاعِ الظَّلَاقِ بِلَفْظِ حُذِفَ بَعْضُهُ اجْتِزَاءً بِالْبَاقِ مِنْهُ؟ ٥١٧ كتاب النكاح / باب المطلقة ثلاثًا ◌ِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الْقَرِينَةِ، وَمِمَّا نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: (أَنْتِ ثَلَاثًا)» وَنَوَى الظَّلَاقَ وَقَعَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْهُ فِي تَوَسُّطِهِ، قُلْت: تَأَمَّلْ جَوَابَهُ مَعَ مَا سَبَقَ عَنْ صَاحِبِهِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ رَزِينٍ، وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ((أَنْتِ ثَلَاثًا)) فَالْأَصَحُّ فِي (الرَّوْضَةِ)) أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ سِوَاهُ فَاعْلَمْهُ. [((الفتاوى الفقهية الكبرى)) (٩٠/٦)]. الفصل الثاني ٣٢٩٦ - [عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَهِ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ(١): رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ]. ٣٢٩٧ - [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسِ وَعُقْبَةَ بن عَامِرٍ](٢). (لَعَنَ رَسُولُ اللّه ◌َ﴿ِ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) سُئِلَ ابن حجر الهيتمي عَنِ الْحَدِيثِ مَا جَوَابُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ صَحِيحًا لَهُ طُرُقُ كَثِيرَةٍ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا إِذَا صَرَّحَ فِي الْعَقْدِ بِاشْتِرَاطِ إِنَّهُ إِذَا وَطِىءَ طَلَّقَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْحَمْلِ الْإِمَامُ الْمُتْقِنُ الْحَافِظُ الْمُنْصِفُ أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ كِبَارِ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَ: الْأَظْهَرُ بِمَعَانِي الْحَدِيثِ حَمْلُهُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لَا عَلَى نِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةٍ صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا تُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ إِقْرَارَهَا عَلَى صِحَّةِ النَّكَاجِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدَحْ فِيهِ نِيَُّهَا، فَكَذَلِكَ نِيَّةُ الزَّوْجِ وَنِيَّةُ الْمُطَلِّقِ أَوْلَى أَلَا تَقْدَحَ فَلَمْ يَبْقَ لِلْحَدِيثِ مَعْنَى إِلَّ الْحَمْلُ عَلَى الْإِظْهَارِ فَيَكُونُ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ. انتهى. [((الفتاوى الفقهية الكبرى)) (٣٦٩/٨)]. وقال السِّندي: (الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ): الْأَوَّل مِن الْإِحْلَالِ وَالثَّانِي مِن التَّحْلِيل وَهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ؛ وَلِذَا رُوِيَ الْمُحِلّ وَالْمَحَلّ لَهُ بِلَامٍ وَاحِده مُشَدَّدَةٍ وَالْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل (١) أخرجه الدارمي (٢٣١٣). (٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠٠٩ - ٢٠١٠). ٥١٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن لَهُ بِلَامَيْنِ أَوْلَاهُمَا مُشَدَّدَةٍ، ثُمَّ الْمُحِلّ مَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةِ الْغَيْرِ ثَلَاثًا لِتَحِلّ لَهُ، وَالْمُحَلَّل هُوَ الْمُطَلِّقِ، وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ النَّكَاحِ بِنِيَّةِ التَّحْلِيلِ يَقْتَضِي عَدَم الصِّحَّة. وَأَجَابَ مَنْ يَقُول بِصِحَّتِهِ أَنَّ اللَّعْنِ قَدْ يَكُون ◌ِسَّةِ الْفِعْلِ، فَلَعَلَّ اللَّعْنِ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ هَتْك مُرُوءَة وَقِلَّةٍ حَمِيَّةٍ وَخِسَّة نَفْس أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحَلَّل لَهُ فَظَاهِر، وَأَمَّا الْمُحَلِّل فَإِنَّهُ كَالتَّيْسِ يُعِير نَفْسِه بِالْوَظْءِ لِغَرَضِ الْغَيْرِ، وَتَسْمِيَتِه مُحَلِّلاً يُؤَيِّد الْقَوْل بِالصِّحَّةِ، وَمَنْ لَا يَقُولِ بِهَا يَقُول: إِنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيلِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلّ، وَفِي ((الزَّوَائِد)) فِي إِسْنَاده زَمْعَة بْنِ صَالِحٍ وَهُوَ ضَعِيف، وَالْحَدِيثِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود، وَقَالَ: حَدِيث حَسَن صَحِيح. [١٨٦/٤]. ٣٢٩٨ - [وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْت بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ يَقُولُ: كُلَّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولَى (١). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ))]. (أَدْرَكْت بِضْعَةً عَشَرَ رَجُلاً) في (الْإِرْشَادِ)) لِبْنِ كَثِيرٍ، أَنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ: وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. يُرِيدُ أَقَلَّ مَا يُظْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ بِضْعَةَ عَشَرَ. [سبل السلام للصنعاني ١٩١/٥]. ٣٢٩٩ - [وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ سَلْمَانَ بْنَ صَخْرٍ - وَيُقَالُ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ البَيَاضِيُّ - جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرٍ أُمِّهِ حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفُّ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلاً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ﴿ِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِّ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا أَجِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: أَعْطِهِ ذَلِكَ الْعَرَقَ، وَهُوَ مِكْتَلْ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا، ليُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (١) لم أقف عليه في ((شرح السنة)) للبغوي، وعزاه الصنعاني للشافعي كما في ((سبل السلام)) (١٩١/٥). (٢) أخرجه الترمذي (١٢٤٠).