Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٥٩ كتاب النكاح / باب الصّداق فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ الله ◌َّهِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقِ امْرَأَةٍ مِنَّا بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ، فَقَرِعَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمُّ]. (لَا وَكْس وَلَا شَطَط) قَالَ الْعُلَمَاءِ: الْوَّكْسِ: الْغِشْ وَالْبَخْس، وَأَمَّا الشَّطَطِ: فَهُوَ الْجُوْر، يُقَال: شَطَّ الرَّجُل وَأَشَطَّ وَاسْتَشَظَ: إِذَا جَارَ وَأَفْرَطَ وَأَبْعَدَ فِي مُجَاوَزَة الْحَدّ؛ وَالْمُرَاد: يُقَوَّمُ بِقِيمَةِ عَدْل لَا بِنَقْصِ وَلَا بِزِيَادَةٍ. الفصل الثالث ٣٢٠٨ - [عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ الله بْنِ جَحْشِ فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ◌َ وَأَمْهَرَهَا عنه أَرْبَعَةَ آلَافٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعَةً آلافٍ دِرْهِمٍ - وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةً(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ]. ٣٢٠٩ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَكَانَ صِدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ، أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنِّ قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ فَأَسْلَمَ، فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا(٣). رَوَاهُ النَّسَانِيُّ]. (١) أخرجه الترمذي (١١٧٦) وأبو داود (٢١١٨) وأحمد (١٨٩٥٩) والنسائي (٣٣٦٨) والدارمي (٢٣٠١). (٢) أخرجه أبو داود (٢١٠٩) والنسائي (٣٣٥٠) وأحمد بنحوه (٢٨١٧٠). (٣) أخرجه النسائي (٣٣٤٠). باب الوليمة (الوليمة) هي: الطعام الذي يصنع عند العرس. الفصل الأول ٣٢١٠ - [عَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنِّ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (وَزْن نَوَاة) بِنَصْبِ النُّون عَلَى تَقْدِير فِعْل؛ أي: أَصْدَقْتَهَا، وَيَجُوزِ الرَّفْع عَلَى تَقْدِير مُبْتَدَأ؛ أي: الَّذِي أَصْدَقْتَهَا هو (مِنْ ذَهَبٍ) كَذَا وَقَعَ الْجُزْم بِهِ فِي رِوَايَة إِبْنِ عُيَيْنَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّد بْنِ سَلَمَةٍ عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ، وَفِي رِوَايَة زُهَيْرٍ وَابْنِ عُلَيَّة: ((نَوَاةِ مِنْ ذَهَب، أَوْ وَزْن نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب)) وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَفْسِه بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ: «عَلَى وَزْن نَوَاةٍ))، وَعَنْ قَتَادَةَ: (عَلَى وَزْن نَوَاة مِنْ ذَهَب)) وَمِثْل الْأَخِيرِ فِي رِوَايَة حَمَّاد بْنِ زَيْد عَنْ ثَابِت، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي عَوَانَة عَنْ قَتَادَةَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَة شُعْبَةٍ عَنْ أَبِيِ حَمْزَةٍ عَنْ أَنَس: ((عَلَى وَزْن نَوَاةِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُل مِنْ وَلَد عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مِنْ ذَهَب)). وَرَجَّحَ الدَّاوُدِيُّ رِوَايَة مَنْ قَالَ: ((عَلَى نَوَاةِ مِنْ ذَهَب)) وَاسْتَنْكَرَ رِوَايَة مَنْ رَوَى ((وَزْن نَوَاة) وَاسْتِنْكَارِهِ هُوَ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ جَزَمُوا بِذَلِكَ أَئِمَّةِ حُفَّاظ. قَالَ عِيَاض: لَا وَهْمَ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَوَاةٍ تَمْر أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَ لِلنَّوَاةِ قَدْر مَعْلُومٍ صَلُحَ أَنْ يُقَالِ فِي كُلّ ذَلِكَ: وَزْن نَوَاة. (١) أخرجه البخاري (٥١٥٥) ومسلم (٣٥٥٦) والترمذي (١١١٧) وأحمد (١٣٧١٦) والنسائي (٣٣٨٥) وابن ماجه (١٩٨٢). - ٤٦٠ - ٤٦١ كتاب النكاح / باب الوليمة وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ((نَوَاةِ) فَقِيلَ: الْمُرَادِ وَاحِدَة نَوَى التَّمْرِ كَمَا يُوزَن بِنَوَى الْحُرُّوب، وَأَنَّ الْقِيمَةِ عَنْهَا يَوْمَئِذٍ كَانَتْ خَمْسَة دَرَاهِم، وَقِيلَ: كَانَ قَدْرُهَا يَوْمَئِذٍ رُبْع دِينَارِ، وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى الثَّمْرِ يَخْتَلِفِ فِي الْوَزْن، فَكَيْف يُجْعَل مِعْيَارًا لِمَا يُوزَن بِهِ؟! وَقِيلَ: لَفْظ ((النَّوَاةِ مِنْ ذَهَب)) عِبَارَةِ عَمَّا قِيمَته خَمْسَة دَرَاهِم مِن الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخُطَّائِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيّ، وَنَقَلَهُ عِيَاضِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْنِ بِشْرِ عَنْ قَتَادَةَ: ((وَزْن نَوَاةٌ مِنْ ذَهَب قُوِّمَتْ خَمْسَةِ دَرَاهِم)». وَقِيلَ: وَزْنِهَا مِن الذَّهَبِ خَمْسَة دَرَاهِم. حَكَاهُ إِبْنِ قُتَيْبَة وَجَزَمَ بِهِ إِبْنِ فَارِسِ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيّ الظَّاهِرِ، وَاسْتُبْعِدَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمِ أَنْ يَكُون ثَلَاثَة مَثَاقِیل وَنِصْفًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ قَتَادَةً عِنْدِ الْبَيْهَقِيِّ: ((قُوَّمَتْ ثَلَاثَة دَرَاهِم وَثُلُثَّا)) وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَلَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَد، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٍ وَنِصْف، وَقِيلَ: ثَلَاثَة و ہ وَرُبْع. وَعَنْ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ ((النَّوَّة)) عِنْد أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعِ دِينَارِ، وَيُؤَيِّد هَذَا مَا وَقَعَ عِنْدِ الطَّبَرَانِيِّ فِي ((الْأَوْسَط)» فِي آخِرِ حَدِيث: قَالَ أَنَس: جَاءَ وَزْنهَا رُبْع ◌ِینَارِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ: النَّوَاةِ: رُبْعِ النَّشّ، وَالنَّشّ: نِصْف أُوقِيَّة، وَالْأُوقِيَّةِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمَا، فَيَكُون خَمْسَة دَرَاهِم. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد: إِنَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ دَفَعَ خَمْسَة دَرَاهِم، وَهِيَ تُسَنَّى نَوَاة كَمَا تُسَمَّى الْأَرْبَعُونَ أُوقِيَّة، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَوَانَة وَآخَرُونَ. (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) لَيْسَتْ (لَوْ)) هَذِهِ الإِمْتِنَاعِيّةِ وَإِنَّمَا هيَ الَّتِي لِلتَّقْلِيلِ، وَزَادَ فِي رِوَايَة حَمَّادِ بْنِ زَيْد: ((فَقَالَ: بَارَكَ الله لَك)) قَبْل قَوْله: ((أَوْلِمْ)) وَكَذَا فِي رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَةٍ عَنْ ثَابِتِ وَحُمَيْدٍ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيث: ((قَالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَلَقَدْ رَأَيْتِي وَلَوْ رَفَعْتِ حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيب ذَهَبًا أَوْ فِضَّة)) فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ إِشَارَةٍ إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَة التَّبَوِيَّةِ بِأَنْ يُبَارِك الله لَهُ. ٤٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بَعْدِ قَوْله: ((أَعْرَسْت؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَوْلَمْت؟ قَالَ: لَا. فَرَفَى إِلَيْهِ رَسُول الله وَّهِ بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَب، فَقَالَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَهَذَا لَوْ صَحَّ كَانَ فِيهِ أَنَّ الشّاة مِنْ إِعَانَة النَّبِيّ ◌َِّ، وَكَانَ يُعَكِّرْ عَلَى مَن اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ أَقَلّ مَا يُشْرَع لِلْمُوسِرِ، وَلَكِنَّ الْإِسْنَادِ ضَعِيف. وَفِي رِوَايَة مَعْمَر عَنْ ثَابِت: ((قَالَ أَنَس: فَلَقَدْ رَأَيْتِهِ قُسِمَ لِكُلِّ ◌ِمْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ بَعْد مَوْته مِائَة أَلْف)». قُلْت: مَاتَ عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٌ، فَيَكُون جَمِيعِ تَرِكَته ثَلَاثَةِ آلافٍ أَلْف وَمِائَتَيْ أَلْف، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِتَرِكَةِ الزُّبَيْرِ، فَيَحْتَمِلِ أَنْ تَكُون هَذِهِ دَنَانِير وَتِلْكَ دَرَاهِم؛ لِأَنَّ كَثْرَة مَالِ عَبْد الرَّحْمَن مَشْهُورَةٍ جِدًّا، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَوْكِيد أَمْرِ الْوَلِيمَة، وَعَلَى أَنَّهَا تَكُون بَعْدِ الدُّخُولِ، وَلَا دَلَالَةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا تُسْتَدْرَكَ إِذَا فَاتَتْ بَعْد الدُّخُولِ، وَعَلَى أَنَّ الشّاة أَقَلّ مَا تُجْزِئْ عَنِ الْمُوسِرِ، وَلَوْلَا تُبُوتٍ أَنَّهُ وَّهِ أَوْلَمَ عَلَى بَعْض ◌ِسَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَقَلّ مِن الشَّاة لَكَانَ يُمْكِن أَنْ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّاةِ أَقَلّ مَا تُجْزِئ فِي الْوَلِيمَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلا بُدّ مِنْ تَقْيِيده بِالْقَادِرِ عَلَيْهَا. وَأَيْضًا فَيُعَكِّرْ عَلَى الإِسْتِدْلَالِ أَنَّهُ خِطَابٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ إِخْتِلَاف هَلْ يَسْتَلْزِم الْعُمُومِ أَوْ لَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ: لَا أَعْلَمَهُ أَمْر بِذَلِكَ غَيْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا أَعْلَمَهُ أَنَّهُ بِهَ تَرَكِ الْوَلِيمَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا فِي كَوْن الْوَلِيمَة لَيْسَتْ بِحَتْمٍ، وَيُسْتَفَاد مِن السِّيَاقِ طَلَب تَكْثِيرِ الْوَلِيمَة لِمَنْ يَقْدِر. قَالَ عِيَاضٍ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَلَا حَدّ لِأَكْثَرِهَا، وَأَمَّا أَقَلّهَا فَكَذَلِكَ، وَمَهْمَا تَيَسَّرَ أَجْزَأ، وَالْمُسْتَحَبّ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَيَسَّرَ عَلَى الْمُوسِرِ الشَّاة فَمَا فَوْقِهَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثِ فِي تَكْرَارِهَا فِي الْأَيَّامِ بَعْد قَلِيل. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مَنْقَبَة لِسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي إِيثَارِهِ عَلَى نَفْسِه بِمَا ذَكَرَ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ فِي تََُّهه عَنْ شَيْءٍ يَسْتَلْزِمِ الْحَيَاءِ وَالْمُرُوءَةِ إِجْتِنَابِه وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ. ٤٦٣ كتاب النكاح / باب الوليمة وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ الْمُؤَاخَاةِ وَحُسْنِ الْإِيتَارِ مِن الْغَنِيّ لِلْفَقِيرِ حَتَّى بِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَاسْتِحْبَابِ رَدّ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ آثَرَ بِهِ لِمَا يَغْلِبٍ فِي الْعَادَةِ مِنْ تُكَلِّف مِثْلِ ذَلِكَ، فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَتَكلَّف جَازَ. وَفِيهِ: إِنَّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ عَوَّضَهُ اللهِ خَيْرًا مِنْهُ. وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ التَّكَسُّب، وَأَلَا نَقْصَ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِيقِ بِمُرُوءَةٍ مِثْلِه، وَكَرَاهَةٍ قَبُول مَا يَتَوَقَّع مِنْهُ الذُّلّ مِنْ هِبَةٍ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْعَيْشِ مِنْ عَمَل الْمَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاقِ مِن الْعَيْشِ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا. وَفِيهِ: اِسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ، وَسُؤَالِ الْإِمَامِ وَالْكَبِير أَصْحَابِه وَأَتْبَاعِه عَنْ أَحْوَالهِمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا لَمْ يَعْهَد، وَجَوَاز خُرُوجِ الْعَرُوسِ وَعَلَيْهِ أَثَرِ الْعُرْس مِنْ خَلُوق وَغَيْره. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّزَعْفُر لِلْعَرُوسِ، وَخَصَّ بِهِ عُمُومِ النَّهْي عَنِ التَّزَعْفُر لِلرِّجَالِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالٍ أَنْ تَكُون تِلْكَ الصُّفْرَة كَانَتْ فِي ثِيَابه دُون جَسَده. وَهَذَا الْجَوَابِ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى طَرِيقَتهمْ فِي جَوَازِهِ فِي الثَّوْبِ دُونِ الْبَدَن، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ مَالِكِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ حَدِيث أَبِي مُوسَى رَفَعَهُ: ((لَا يَقْبَل الله صَلَاة رَجُل فِي جَسَده شَيْءٍ مِنْ خَلُوق)) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، فَإِنَّ مَفْهُومِه أَنَّ مَا عَدَا الْجَسَد لَا يَتَنَاوَلهُ الْوَعِيد، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا فِي الثَّوْبِ أَيْضًا، وَتَمَسَّكُوا بِالْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ صَحِيحَة، وَفِيهَا مَا هو صَرِيح فِي الْمُدَّعِي. وَعَلَى هَذَا فَأُجِيب عَنْ قِصَّة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدِهَا: إنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل النَّهْي وَهَذَا يَحْتَاج إِلَى تَارِيخِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ سِيَاقِ قِصَّة عَبْدِ الرَّحْمَن يُشْعِرِ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَأَكْثَر مَنْ رَوَى التَّغْي مِمَّنْ تَأَخَّرَتْ هِجْرَته. ثَانِيهَا: إنَّ أَثَرِ الصُّفْرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنْ جِهَة زَوْجَته، فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرِ مَقْصُودٍ لَهُ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ، وَجَعَلَهُ الْبَيْضَاوِيّ أَضْلاً رَدَّ إِلَيْهِ أَحَدِ الإِحْتِمَالَيْنِ أَبَدَاهُمَا فِي قَوْله ((مَهْيَمْ)) فَقَالَ: مَعْنَاهُ مَا السَّبَبِ فِي الَّذِي أَرَاهُ ٤٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن عَلَيْك؟ فَلِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِفْهَامِ إِنْكَار لِمَا تَقَدَّمَ مِنِ النَّهْي عَنِ التَّضَمُّح بِالْخُلُوقِ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: تَزَوَّجْت؛ أي: فَتَعَلَّقَ بِي مِنْهَا وَلَمْ أَقْصِد إِلَيْهِ. ثَالِثِهَا: إِنَّهُ كَانَ قَدِ إِحْتَاجَ إِلَى النَّطَيُّب لِلدُّخُولِ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمْ يَجِد مَنْ طِيبٍ الرِّجَال حِينَئِذٍ شَيْئًا فَتَطَيَّبَ مِنْ طِيب الْمَرْأَةِ، وَصَادَفَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ صُفْرَةٍ فَاسْتَبَاعَ الْقَلِيلِ مِنْهُ عِنْد عَدَمِ غَيْرهِ جَمْعًا بَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرِ فِي النَّطَيُّب لِلْجُمْعَةِ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةُ فَبَقِيَ أَثَرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. رَابِعِهَا: كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَرِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِر. خَامِسهَا: وَبِهِ جَزَمَ الْبَاجِيّ أَنَّ الَّذِي يُكْرَه مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ زَعْفَرَان وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّب، وَأَمَّا مَا كَانَ لَيْسَ بِطِيبٍ فَهُوَ جَائِز. سَادِسهَا: إنَّ النَّهْي عَنِ التَّزَعْفُر لِلرِّجَالِ لَيْسَ عَلَى التَّحْرِيمِ بِدَلَالَةٍ تَقْرِيره لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيث. سَابِعِهَا: إنَّ الْعَرُوس يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ شَابًّا، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْد قَالَ: وَكَانُوا يُرَخِّصُونَ لِلشَّابِّ فِي ذَلِكَ أَيَّامِ عُرْسه، قَالَ: وَقِيلَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْ تَزَوَّجَ لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا عَلَامَةٍ لِزَوَاجِهِ لِيُعَانَ عَلَى وَلِيمَة عُرْسِه، قَالَ: وَهَذَا غَيْر مَعْرُوف. قُلْت: وَفِي إِسْتِفْهَامِ النَّبِيّ ◌َِّ لَهُ عَنْ ذَلِكَ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ بِالتَّزْوِيجِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْض ◌ُرُقِه ◌ِنْد أَبِي عَوَانَة مِنْ طَرِيق شُعْبَة عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: ((فَأَتَيْت الَِّيّ ◌ََّ فَرَّأَى عَلَيَّ بَشَاشَة الْعُرْس، فَقَالَ: أَتَزَوَّجْت؟ قُلْت: تَزَوَّجْت ◌ِمْرَأَةً مِن الْأَنْصَارِ)) فَقَدْ يُتَمَسَّكِ بِهَذَا السِّيَاقِ لِلْمُدَّعِي وَلَكِنَّ الْقِصَّة وَاحِدَة، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: «مَهْيَمْ؟)) أَوْ ((مَا هَذَا؟)) فَهُوَ الْمُعْتَمَد. وَبَشَاشَةِ الْعُرْسِ: أَثَرِهِ وَحُسْنه أَوْ فَرَحِه وَسُرُوره، يُقَال: بَشَّ فُلَان بِقُلَانٍ؛ أي: أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَرِحًا بِهِ مُلَطَّفًا بِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّكَاحِ لَا بُدّ فِيهِ مِنْ صَدَاق ٤٦٥ كتاب النكاح / باب الوليمة لِاسْتِفْهَامِهِ عَلَى الْكَميَّة، وَلَمْ يَقُلْ؛ هَلْ أَصْدَقِهَا أَوْ لَا؟ وَيُشْعِرِ ظَاهِرِهِ بِأَنَّهُ يَحْتَاجٍ إِلَى تَقْدِير لِإِطْلَاقِ لَفْظ؛ ((كَمْ)) الْمَوْضُوعَة لِلتَّقْدِيرِ، كَذَا قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ. وَفِيهِ نَظَرِ؛ لِإِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ الإِسْتِخْبَارِ عَنِ الْكَثْرَةِ أَو الْقِلَّة، فَيُخْبِرِهُ بَعْد ذَلِكَ بِمَا يَلِيقِ بِحَالٍ مِثْلِهِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْقَدْرِ لَمْ يُنْكِرِ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِسْتِحْبَابِ تَقْلِيل الصَّدَاق؛ لِأَنَّ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ كَانَ مِنْ مَيَاسِير الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَقْرَّهُ النَّبِيّ ◌َّهِ عَلَى إِصْدَاقِه وَزْن نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِيْن قَدِمَ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارِ بَعْد ذَلِكَ مِنْ مُلَازَمَة التَّجَارَة حَتَّى ظَهَرَتْ مِنْهُ مِن الْإِعَانَةِ فِي بَعْض الْغَزَوَاتِ مَا اشْتَهَرَ، وَذَلِكَ بِبَرَّكَّةٍ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّ لَهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمُوَاعَدَة لِمَنْ يُرِيدِ أَنْ يَتَزَوَّجِ بِهَا إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجَهَا وَأَوْفَت الْعِدَّة؛ لِقَوْلِ سَعْد بْنِ الرَّبِيعِ: (أُنْظُرْ أي: زَوْجَتَيّ أَعْجَب إِلَيْكِ حَتَّى أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا إِنْقَضَتْ عِذَّتِهَا تَزَوَّجْتَهَا)) وَوَقَعَ تَقْرِير ذَلِكَ، وَيُعَكِّرْ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ عَلِمْت بِذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَع تَعْبِينهَا، لَكِنَ الإِطَلَاعِ عَلَى أَحْوَالهِمْ إِذْ ذَاكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عَلِمَتَا مَعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلِ نُزُول آيَة الْحِجَاب فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ، وَلَوْلًا وُثُوق سَعْد بْنِ الرَّبِيع مِنْ كُلْ مِنْهُمَا بِالرِّضَا مَا جَزَمَ بِذَلِكَ. وَقَالَ إِبْنِ الْمُنَيِّر: لَا يَسْتَلْزِمِ الْمُوَاعَدَة بَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وُقُوعِ الْمُوَاعَدَة بَيْنِ الْأَجْنَبِيّ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا مُنِعَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ مِنْ خِطْبَتِهَا تَصْرِيحًا، فَفِي هَذَا يَكُون بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا إِذَا طَلُقَتْ دَخَلْتِ الْعِدَّةِ قَطْعًا. قَالَ: وَلَكِنَّهَا وَإِن ◌ِطَّلَعَتْ عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ بَعْد ◌ِنْقِضَاء عِدَّتَهَا بِالْخِيَارِ، وَالنَّفْي إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ الْمُوَاعَدَة بَيْنِ الْأَجْنَبِيّ وَالْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيّهَا لَا مَعَ أَجْنَبِيّ آخَر. وَفِيهِ جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةَ قَبْلِ أَنْ يَتَزَوَّجِهَا. [الفتح (٤٨٤/١٤)]. ٣٢١١ - [وَعَنْهُ قَالَ: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى أَحدٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا أَوْلَمَ عَلَى ٤٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ (١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. ٣٢١٢ - [وَعَنْهُ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًّا وَلَخْمًا (٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. ٣٢١٣ - [وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةً وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِثْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسِ (٣) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٢١٤ [وَعَنْهُ قَالَ: أَقَّامَ النَّبِيُّ ◌َ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَخْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِي عَلَيْهَا الثَّمْرُ وَالَّقِطُ وَالسَّمْنُ(٤). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. ٣٢١٥ - [وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ(٥) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. ٣٢١٦ [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّه ◌َ له قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا (٦) مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَخْوَهُ] (٧). ٣٢١٧ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: إِذَا دُعِيَ أُحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ (٨). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (إِذَا دُعِيَ أَحَدِكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (١) أخرجه البخاري (٥١٦٨) ومسلم (٣٥٧٦) وأحمد (١٣٧٢٥) وابن ماجه (١٩٨٣). (٢) أخرجه البخاري (٤٧٩٤). (٣) أخرجه البخاري (٥١٦٩) ومسلم (٣٥٦٩). (٤) أخرجه البخاري (٤٢١٣) وأحمد (١٤١٣٨) والنسائي (٣٣٩٥). (٥) أخرجه البخاري (٥١٧٢) وأحمد (٢٥٥٦٢). (٦) أخرجه مالك (١١٣٧) والبخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٤٢٩) وأبو داود (٣٧٣٦) وأحمد (٤٧١٢) والنسائي في («الكبرى» (٦٦٠٨) وابن حبان (٥٢٩٤). (٧) أخرجه مسلم (٣٥٨٦) وأبو داود (٣٧٤٠). (٨) أخرجه مسلم (١٤٣٠) وأبو داود (٣٧٤٠) وأحمد (١٥٢٥٦) والنسائي في ((الكبرى)) (٦٦١٠) وابن حبان (٥٣٠٣) والبيهقي (١٤٣١٦). ٤٦٧ كتاب النكاح/ باب الوليمة ((فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ)) اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى: ((فَلْيُصَلِّ)) قَالَ الْجُمْهُورِ: مَعْنَاهُ: فَلْيَدْعُ لِأَهْلِ الطَّعَامِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَّكَة وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَصْل الصَّلَاةِ فِي اللُّغَة: الدُّعَاءِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وَقِيلَ: الْمُرَادِ الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود؛ أي: يَشْتَغِل بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُل لَهُ فَضْلِهَا، وَلِتَبَرُّكِ أَهْلِ الْمَكَانِ وَالْحَاضِرِينَ. وَأَمَّا الْمُفْطِرِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ، وَفِي الْأُولَى مُخَيِّ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَالْأَصَحّ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَجِب الْأَكْلِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، فَمَنْ أَوْجَبَهُ اِعْتَمَدَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَأَوَّلَ الْأُولَى عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا، وَمَنْ لَمْ يُوجِبهُ إِعْتَمَدَ التَّصْرِيحِ بِالتَّخْبِيرِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَحَمَلَ الْأَمْرِ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى النَّدْبِ، وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الْأَكْلِ فَأَقَلّهِ لُقْمَةٍ، وَلَا تَلْزَمَهُ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى أَكْلاً، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلِ حَنِثَ بِلُقْمَةٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَيَّل صَاحِب الطَّعَامِ أَنَّ إِمْتِنَاعِه لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدهَا فِي الطَّعَامِ، فَإِذَا أَكَلَ لُقْمَة زَالَ ذَلِكَ التَّخَيُّل، هَكَذَا صَرَّحَ بِاللَّقْمَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَمَّا الصَّائِمِ فَلَآَ خِلَاف أَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْأَكْلِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ صَوْمِهِ فَرْضًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضِ لَا يَجُوزِ الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ نَفْلاً جَازَ الْفِطْرِ وَتَرْكِه، فَإِنْ كَانَ يَشُقّ عَلَى صَاحِب الطَّعَامِ صَوْمِه فَالْأَفْضَلِ الْفِطْرِ، وَإِلَّا فَإِثْمَامِ الصَّوْمِ، وَالله أَعْلَم. [النووي (١٥٣/٥)]. ٣٢١٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ وَلِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (شَرّ الطَّعَامِ الْوَلِيمَة يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءِ وَيُتْرَكِ الْفُقَرَاءِ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةِ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُوله) وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مَعْنِ بْن عِيسَى عَنْ مَالِك: (١) أخرجه مالك (١١٤٥) والبخاري (٥١٧٧) ومسلم (٣٥٩٨) وأبو داود (٣٧٤٤). ٤٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن ((الْمَسَاكِين)) بَدَل ((الْفُقَرَاءِ) وَأَوَّل هَذَا الْحَدِيثِ مَوْقُوفًا، وَلَكِنَّ آخِرِه يَقْتَضِي رَفْعه، ذَكَّرَ ذَلِكَ إِبْنِ بَظَّالْ قَالَ: وَمِثْلِه حَدِيثِ أَبِيِ الشَّعْنَاءِ «أَنَّ أَبَا هرَيْرَة أَبْصَرَ رَجُلاً خَارِجًا مِن الْمَسْجِد بَعْد الْأَذَانِ فَقَالَ: أَمَّا هذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِم) قَالَ: وَمِثْلِ هَذَا لَا يَكُون رَأْيًا، وَلِهَذَا أَدْخَلَهُ الْأَئِمَّةِ فِي مَسَانِيدِهِمْ. إِنْتَهَى. وَذَكَرَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ أَنَّ جُلٌّ رُوَاة مَالِك لَمْ يُصَرِّحُوا بِرَفْعِهِ، وَقَالَ: فِیهِ رَوْح بْن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِك بِسَنَدِهِ ((قَالَ رَسُول اللّهِ وَلِ﴾. اِنْتَهَى. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي ((غَرَائِب مَالِك)) مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْنِ مَسْلَمَةَ إِبْن قُعْنُب عَنْ مَالِك، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةٍ مَعْمَرِ وَسُفْيَانِ بْن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ شَيْخِ مَالِك كَمَا قَالَ مَالِك وَمِنْ رِوَايَة أَبِي الزَّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ كَذَلِكَ، وَالْأَعْرَجِ شَيْخ الزُّهْرِيِّ فِيهِ هُوَ عَبْد الرَّحْمَنِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ سُفْيَانِ قَالَ «سَأَلْت الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هَرَيْرَة .. )) فَذَكَرَهُ. وَلِسُفْيَانِ فِيهِ شَيْخِ آخَرِ بِإِسْنَادٍ آخَر إِلَى أَبِي هُرَيْرَةِ صَرَّحَ فِيهِ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبيّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيق سُفْيَانِ: ((سَمِعْتِ زِيَادِ بْنِ سَعْد يَقُول: سَمِعْت ثَابِتًا الْأَعْرَجِ يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَِّيّ ◌َِّ قَالَ .. )) فَذَكَرَ نَحْوِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا صَرِيحًا، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيث إِبْنِ عُمَر كَذَلِكَ، وَالَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ اللَّامِ فِي (الدَّعْوَة) لِلْعَهْدِ مِن الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَة أَوَّلاً. وَقَوْله: (يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءِ) أي: إنَّهَا تَكُون شَرّ الطَّعَامِ إِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَة، وَلِهَذَا قَالَ اِبْنِ مَسْعُود: ((إِذَا خُصَّ الْغَنِيّ وَتُرِكِ الْفَقِير أُمِرْنَا أَلَا نُجِيب)) قَالَ: قَالَ إِبْنِ بَظَّالٍ: وَإِذَا مَيَّزَ الدَّاعِي بَيْن الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، فَأَطْعَمَ كُلاَّ عَلَى حِدَة لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْس، وَقَدْ فَعَلَهُ إِبْنِ عُمَر. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ((مَنْ)) مُقَدَّرَة كَمَا يُقَال: «شَرّ النَّاسِ مَنْ أَكَلَ وَحْده)) أي: مِنْ شَرّهِمْ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَرًّا لِمَا ذُكِرَ عَقِبِه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرّ الطَّعَامِ الَّذِي شَأْنِه كَذَا. وَقَالَ الطَّيِيُّ: اللَّامِ فِي ((الْوَلِيمَة)) لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيّ؛ إِذْ كَانَ مِنْ عَادَة الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ ٤٦٩ كتاب النكاح / باب الوليمة يَدْعُوا الْأَغْنِيَاءِ وَيَتْرُكُوا الْفُقَرَاءِ. وَقَوْله: ((يُدْعَى ... إِلَخْ)) اِسْتِثْنَاف وَبَيَان لِكَوْنِهَا شَرّ الطَّعَامِ، وَقَوْله: (وَمَنْ تَرَك ... إِلَخْ)) حَالِ وَالْعَامِلِ يُدْعَى؛ أي: يُدْعَى الْأَغْنِيَاءِ، وَالْحَالِ أَنَّ الْإِجَابَةِ وَاجِبَةٌ، فَيَكُون دُعَاؤُهُ سَبَبًّا لِأَكْلِ الْمَدْعُوْ شَرّ الطَّعَامِ، وَيَشْهَد لَهُ مَا ذَكَّرَهُ إِبْنِ بَطَّال أَنَّ إِبْنِ حَبِيب رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول: ((أَنْتُم الْعَاصُونَ فِي الدَّعْوَةِ، تَدْعُونَ مَنْ لَا يَأْتِي وَتَدْعُونَ مَنْ يَأْتِي)) يَعْنِي بِالْأَوَّلِ: الْأَغْنِيَاءِ، وَبِالثَّانِي: الْفُقَرَاءِ. (شَرّ الطَّعَامِ) فِي رِوَايَة مُسْلِمٍ عَنْ يَحْنَى بْن يَحْنَى عَنْ مَالِك: (بِئْسَ الطَّعَام)) وَالْأَوَّل رِوَايَة الْأَكْثَرِ، وَكَذَا فِي بَقِيَّة الظُّرُقِ (يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءِ) فِي رِوَايَةٍ ثَابِت الْأَعْرَجِ: ((يَمْنَعَهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا)) وَالْجُمْلَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَال ◌ِطَعَامِ الْوَلِيمَةِ، فَلَوْ دَعَا الدَّاعِي عَامَّا لَمْ يَكُنْ طَعَامِه شَرّ الطَّعَامِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس: ((بِقْسَ الطَّعَامِ طَعَامِ الْوَلِيمَة يُدْعَى إِلَيْهِ الشَّبْعَانِ وَيُحْبَسِ عَنْهُ الْجَيْعَانِ)). (وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةِ) أي: تَرَكَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ عُمَر الْمَذْكُورَةِ: ((وَمَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ)) وَهُوَ تَفْسِيرِ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. (فَقَدْ عَصَى اللهِ وَرَسُوله) هَذَا دَلِيل وُجُوبِ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّ الْعِصْيَانِ لَا يُظْلَق إِلَّ عَلَى تَرْكَ الْوَاجِب، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِإِبْنِ عُمَر عِنْد أَبِي عَوَانَة: «مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَة فَلَمْ يَأْتِهَا فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُوله)). ٣٢١٩ - [وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجِلُ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى: أَبَا ◌ُشُعَيْبٍ، كَانَ لَّهُ غُلَامُ لَامٌ فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً؛ لَعَلِّ أَدْعُو النَّبِيَّ ◌َهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَصَنَعَ لَهُ طُعَيِّمًا، ثُمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلُ فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: يَا أَبَا شُعَيْبٍ إِنَّ رَجُلاً تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ، قَالَ: لَا، بَلْ أَذِنْتُ لَهُ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (١) أخرجه البخاري (٥٤٦١) ومسلم (٥٤٢٩). ٤٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الفصل الثاني ٣٢٢٠ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أُوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَه]. ٣٢٢١ - [وَعَنْ سَفِينَةٍ أَنَّ رَجُلاً ضَافَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ الله ◌َيَوْ فَأَكَلَ مَعْنَا، فَدَعَوْهُ فَجَاءَ، فَوَضَعَ يَدِيْهِ عَلَى عِضَادَتٍَ الْبَابِ، فَرَأَى القِرَامَ قَدْ ضُرِبَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَرَجَعَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَتَبِعْتَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَدّكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَوْ لِنَبِيِّ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه]. (أنَّ رَجُلاً ضَافَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب) أي: صَارَ ضَيْفًا لَهُ، يُقَال: ضَافَهُ ضَيْف؛ أي: نَزَّلَ عِنْده، وَأَضَفْتِهِ وَضَيَّفْتِهِ إِذَا أَنْزَلْته. قَالَ ثَعْلَب: ضِفْتِهِ إِذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْف. (فَصَنَعَ) أي: عَلِيّ (لَهُ) أي: لِلضَّيْفِ، وَفِي بَعْض النُّسَخِ: ((أَنَّ رَجُلاً أَضَافَ)) أي: بِزِيَادَةِ الْأَلِف. قَالَ فِي (الْمِصْبَاحِ): ضَافَهُ ضَيْفًا إِذَا نَزَلَ بِهِ، وَأَنْتَ ضَيْف عِنْدَهُ، وَأَضَفْتِهِ بِالْأَلِفِ إِذَا أَنْزَلْتْه عَلَيْكِ ضَيْفًا. إِنْتَهَى. وَفِي («النِّهَايَة): ضِفْتِ الرَّجُل إِذَا نَزَلْت بِهِ فِي ضِيَافَته، وَأَضَفْتِهِ إِذَا أَنْزَلْته. إِنْتَهَى. وَالْمَعْنَى؛ أي: صَنَعَ الرَّجُل طَعَامًا وَأَهْدَى إِلَى عَلِيّ، لَا أَنَّهُ دَعَا عَلِيًّا إِلَى بَيْته، ذَكَرَهُ الطّيُّ. (لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللهِ وََّ) أي: لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَبْرَكَ، أَوْ (لَوْ)) لِلتَّمَنِّيِ (عَلَى عِضَادَفَي الْبَابٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ الْمَنْصُوبَتَانِ عَلَى جَنْبَتَيْهِ (فَرَأَى الْقِرَامِ) بِكَسْرِ الْقَاف، وَهُوَ ثَوْب رَقِيق مِنْ صُوفٍ فِيهِ أَلْوَان مِن الْعُهُونِ وَرُقُوم وَنُقُوش، يُتَّخَذ سِتْرًا يُغَشَى بِهِ الْأَقْمِشَةِ وَالْهَوَادِجِ، كَذَا فِي ((الْمِرْقَاة». (١) أخرجه أحمد (١٢٤٠٦) والترمذي (١١١٨) وأبو داود (٣٧٤٦) وابن ماجه (١٩٨٤). (٢) أخرجه أحمد (٢٢٥٦٦) وأبو داود (٣٧٥٧) وابن ماجه (٣٤٨٥). ٤٧١ كتاب النكاح/ باب الوليمة وَفِي ((الْمِصْبَاح)»: الْقِرَام مِثْل كِتَاب: السِّتْرِ الرَّقِيقِ، وَبَعْضِهِمْ يَزِيد: وَفِيهِ رَقْم وَنُقُوش. اِنْتَهَى. (قَدْ ضُرِبَ) أي: نُصِبَ (مَا أَرْجَعَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ: مِنْ أَرْجَعَ الشَّيْءَ رَجْعًا؛ أي: مَا رَدَّهُ، وَفِي بَعْض النُّسَخِ: (مَا رَجَعَهُ)) مِنْ رَجَعَ رَجْعًا؛ أي: صَرَفَ وَرَدَّ. قَالَ فِي ((الْقَامُوس)): رَجَعَ رُجُوعًا إِنْصَرَفَ، وَالشَّيْءٍ عَنِ الشَّيْءِ، وَإِلَيْهِ رَجْعًا صَرَفَهُ وَرَدَّهُ كَأَرْجَعَهُ. اِنْتَهَى. (فَتَبِعْته) ◌ِلْتِفَات مِنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الشَّكَلُّم، وَعِنْد أَحْمَد: ((قَالَتْ فَاطِمَةِ: فَتَبِعْته)) (فَقَالَ إِنَّهُ) أي: الشَّأْن (بَيْتًا مُزَوَّقًا) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ؛ أي: مُزَيَّنًا بِالنُّقُوشِ، وَأَصْلِ التَّزْوِيقِ: التَّمْوِيِه. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَتَبِعَهُ اِبْنِ الْمَلَك: كَانَ ذَلِكَ مُزَيَّنًا مُنَقَّشًا. وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُنَقَّشًا، وَلَكِنْ ضُرِبَ مِثْلُ حَجْلَةِ الْعَرُوسِ سُتِرَ بِهِ الْجِدَارُ، وَهُوَ رُعُونَة يُشْبِهُ أَفْعَالَ الْجَبَابِرَةِ، وَفِيهِ تَصْرِيحِ بِأَنَّهُ لَا يُجَابِ دَعْوَةٌ فِيهَا مُنْكَرُ، كَذَا فِي ((الْمِرْقَاة). وَقَالَ الْحَافِظِ فِي ((الْفَتْح)): وَيُفْهَم مِن الْحَدِيث أَنَّ وُجُودِ الْمُنْكَرِ فِي الْبَيْتِ مَانِع عَن الدُّخُول فِیهِ. قَالَ إِبْنِ بَظَّال: فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزِ الدُّخُولِ فِي الدَّعْوَة يَكُون فِيهَا مُنْكَر مِمَّا نَهَى الله وَرَسُولِه عَنْهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِظْهَارِ الرِّضَى بِهَا، وَنُقِلَ مَذَاهِبُ الْقُدَمَاء فِي ذَلِكَ، وَحَاصِله إِنْ كَانَ هُنَاكَ مُحَرَّمُ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ فَأَزَالَهُ فَلَا بَأْسٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِر فَيَرْجِع. وَقَالَ صَاحِب ((الْهِدَايَة)) مِن الْحَنَفِيَّةِ: لَا بَأْس أَنْ يَقْعُد وَيَأْكُلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُقْتَدَى بِهِ، فَإِنْ كَانَ وَلَمْ يَقْدِر عَلَى مَنْعِهِمْ فَلْيَخْرُجْ لِمَا فِيهِ مِنْ شَيْنِ الدِّين، وَفَتْح بَاب الْمَعْصِيَةِ. قَالَ: وَهَذَا كُلّه بَعْدِ الْحُضُورِ، وَإِنْ عَلِمَ قَبْله لَمْ يَلْزَمَهُ الْإِجَابَةِ. إِنْتَهَى مُخْتَصَرًا. ٤٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ إِبْنِ مَاجَه، وَفِي إِسْنَاده سَعِيد بْن جُمْهَانَ أَبُو حَفْص الْأَسْلَمِيّ الْبَصْرِيّ قَالَ: يَخْتَّى بْن مَعِين ثِقَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيّ: شَيْخِ يُكْتَب حَدِيثُهُ وَلَا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ. [عون (٢٦١/٨)]. ٣٢٢٢ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًّا وَخَرَجَ مُغِيرًا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. ٣٢٢٣ - [وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َِّ قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ(٤). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد]. ٣٢٢٤ - [وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةً، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ(٣). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. ٣٢٢٥ - [وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ(٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ، وَقَالَ مُحِي السُّنَّةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ عِكْرِمَة عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ مُرْسَلاً]. (نَهَى عَنْ طَعَام الْمُتَبَارِبَيْنِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَة؛ أي: الْمُتَفَاخِرَيْنِ. قَالَ الْخَطَّائِيُّ: الْمُتَبَارِيَانِ هُمَا الْمُتَعَارِضَانِ بِفَعَلَيْهِمَا، يُقَال: تَبَارَى الرَّجُلَانِ إِذَا فَعَلَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلِ فِعْلِ صَاحِبه؛ لِيُرَى أَيُّهُمَا يَغْلِب صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنِ الرِّيَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَلِأَنَّهُ دَاخِل فِي جُمْلَةٍ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (أَنْ يُؤْكَل) فِي حَالَة الْجُرّ؛ لِأَنَّهُ بَدَل اِشْتِمَال مِنْ طَعَام الْمُتَبَارِيَيْنِ. (١) أخرجه أبو داود (٣٧٤١) والبيهقي (١٣١٩٠) والقضاعي (٥٢٨). (٢) أخرجه أحمد (٢٤١٨١) وأبو داود (٣٧٥٨) والبيهقي في (سننه)) (١٤٩٩٩). (٣) أخرجه الترمذي (١١٢٠) والبيهقي في «سننه» (١٤٩٠٥). (٤) أخرجه أبو داود (٣٧٥٦). ٤٧٣ كتاب النكاح / باب الوليمة قَالَ مُحْبِي السُّنَّةِ صَاحِب ((الْمَصَابِيح)): وَالصَّحِيحِ أَنَّهُ عَنْ عِكْرِمَة عَنِ النَّبِيّ مُرْسَلاً. وَسِيَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَكْثَرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ جَرِيرلَا يَذْكُرُ فِيهِ إِبْنَ عَبَّاسِ؛ يُرِيدُ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ أَرْسَلُوهُ. وحَاصِله: أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ جَرِیر بْنِ حَازِم لَا يَذْكُرُونَ فِي الْحَدِيث اِبْنِ عَبَّاس بَلْ يَرْؤُونَهُ مُرْسَلاً، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ إِبْنَ عَبَّاسِ، لَكِنَّ هَارُون بْن مُوسَى الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ النَّحْوِيّ ذَكَرَ إِبْن عَبَّاسِ كَمَا ذَكَرَهُ زَبْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، فَرِوَايَتهمَا مُتَّصِلَةٍ مَرْفُوعَة. الفصل الثالث ٣٢٢٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: الْمَتَبَارِيَانِ لَا يُجَابَانِ وَلَّا يُؤْكَلُ طَعَامُهِمَا. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَد: يَعْنِي: المتَعَارِضَيْنِ بِالضِّيَافَةِ فَخْرًا وَرِيَاءً](١). ٣٢٢٧ - [وَعَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ إِجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ](٢). ٣٢٢٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: إِذَا دَخَلَ أَحْدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ المُسْلِمِ، فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا يَسْألُ، وَيَشْرِبْ مِنْ شَرَابِهِ وَلَا يَسْأَلْ(٣). رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ البَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَقَالَ: هَذَا إِنْ صَحَّ فَلَأَنَّ الظَّاهِرِ أَنَّ المسْلِمَ لَا يُطْعَمِهُ وَلَا يَسْقِيهِ، إِلَّا مَا هو حَلَالٌّ عنْدَهُ]. (١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٨٠٥). (٢) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٥٥٥٩) والطبراني في «الكبير)) (١٤٧٩٠). (٣) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٥٥٨). باب القسم (باب القسم) هو بفتح القاف وسكون السين مصدر قسم، القسام: المال بين الشركاء فرق بينهم وبين أنصبائهم، ومنه القسم بين النساء كذا في ((المغرب))، والمراد به المبيت عند الزوجات. قال ابن الهمام: المراد التسوية بين الزوجات، ويسمى أيضًا: العدل بينهن، وحقيقته مطلقًا ممتنعة. الفصل الأول ٣٢٢٩ - [عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ قُبِضَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِئَمَانٍ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٢٣٠ - [وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةً(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٢٣١ - [وَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِلَهُ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَيْنَ أَنَا غَدًّا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًّا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا (٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. قال ابن بطال: فيه: حب الرجل لبعض أزواجه أكثر من بعض. وفيه: إن القسمة حق للزوجة، ولذلك استأذنهن ◌َ# أن يمرض في بيت عائشة، وإنما فعل ذلك؛ لأنها كانت أرفق به وألطف بتمريضه مع أن المرض إذا كان ثقيلاً لا يقدر فيه على الانتقال والحركة سقطت القسمة. (١) أخرجه البخاري (٥٠٦٧) ومسلم (٣٧٠٦) وأحمد (٣٣١٧). (٢) أخرجه البخاري (٥٢١٢) ومسلم (٣٧٠٢). (٣) أخرجه البخاري (٤٤٥٠). - ٤٧٤ - ٤٧٥ كتاب النكاح / باب القسم قال ابن حبيب: إذا مرض مرضًا يقوى معه على الاختلاف فيما بينهن كان له أن يعدل بينهن في القسم، إلا أن يكون مرضه مرضًا قد غلبه ولا يقدر على الاختلاف، فلا بأس أن يقيم حيث أحب، ما لم يكن منه ميلاً، فإذا صح عدل بينهن في القسمة، ولم يحتسب للتي لم يقم عندها ما أقام عند غيرها، وهو قول مالك. واتفقوا إذا مرضت المرأة أن لها أيامها من القسمة كالصحيحة، واختلفوا إذا اشتد مرضها وثقلت، فقال الشافعي: لا بأس أن يقيم عندها حتى تخف أو تموت، ثم يوفي من بقي من نسائه مثلما أقام عندها، وبه قال أبو ثور، وقال الكوفيون: ما مضى هدر، ويستأنف العدل فيما يستقبل. [٣٣٨/١٣]. ٣٢٣٢ - [وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَل﴿ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. قال الحافظ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَة فِي الْقِسْمَة بَيْنِ الشُّرَّكَاءِ، وَالْمَشْهُور عَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَدَم اِعْتِبَارِ الْقُرْعَةِ. قَالَ عِيَاضِ: هُوَ مَشْهُور عَنْ مَالِك وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَطَرِ وَالْقِمَارِ، وَحُكِي عَن الخَنَفِيَّة إِجَارَتها. انتهى. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِن الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ بَعْض النِّسْوَة قَدْ تَكُون أَنْفَع فِي السَّفَر مِنْ غَيْرهَا، فَلَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةِ لِلَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا فِي السَّفَرِ لَأَضَرّ بِحَالِ الرَّجُل، وَكَذَا بِالْعَكْسِ قَدْ يَكُون بَعْض النِّسَاءِ أَقْوَم بِبَيْتِ الرَّجُل مِن الْأُخْرَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ، وَتَّخْتَصّ مَشْرُوعِيَّةِ الْقُرْعَةِ بِمَا إِذَا اِنَّفَقَتْ أَحْوَالهَنَّ؛ لِئَلَّا تَخْرُج وَاحِدَة مَعَهُ، فَيَكُون تَرْجِيحًا بِغَيْرِ مُرَجِّع. انتهى. وَفِيهِ: مُرَاعَاةٌ لِلْمَذْهَبِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ رَدّ الْحَدِيث أَصْلاً لِمْلِهِ عَلَى التَّخْصِيص، (١) أخرجه البخاري (٢٨٧٩) ومسلم (٧١٩٦). ٤٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومِ بِالْمَعْنَى. [١٠/١٥]. ٣٢٣٣ - [وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى القَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَِّّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسَّا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. اختلف العلماء في هذا الباب؛ فقالت طائفة: يقيم عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا إذا كانت له امرأة أخرى أو أكثر على نص هذا الحديث، ثم يقسم بينهن ولا يقضي المتقدمات بدل ما أقام عند الجديدة، هذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، واحتجوا بحديث أنس. وقال ابن المسيب والحسن: للبكر ثلاثًا، وللثيب ليلتين، وهو قول الأوزاعي، قال: إذا تزوج البكر على الشيب مكث ثلاثًا، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام يومين. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقيم عند البكر إلا كما يقيم عند الشيب، وهما سواء في ذلك، واحتجوا بحديث أم سلمة، أن النبي ويلير قال لها: ((إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت ودرت)) قالت: ثلث ودر، قالوا: فلم يعطها في السبع شيئًا إلا أعلمها أنه يعطى غيرها مثلها، فدلَّ ذلك على المساواة بينهن. قالوا: وكذلك قوله: ((وإن شئت ثلثت ودرت)) أي: أدور مثلثًا أيضًا لهن، كما أدور مسبعًا إن سبعت، قالوا: ولو استحقت الشيب ثلاثة أيام قسم لها لوجب إذا سبع عندها أن يربع لهن. [ابن بطال (٣٣٤/١٣)]. ٣٢٣٤ - [وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ حِينَ تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ، وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا: لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌّ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُن، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّئْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ، قَالَتْ: ثَلِّثْ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ لَهَا: لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلنَّيِّبِ ثَلَاثُ(٢). رَوَاهُ مُسْلِمْ]. (١) أخرجه البخاري (٤٩١٥) ومسلم (١٤٦١) وأبو داود (٢١٢٤) والبيهقي (١٤٥٣٨). (٢) أخرجه مالك (١١٠٢) ومسلم (٣٦٩٥ - ٣٦٩٦) وأبو داود (٢١٢٢) وابن ماجه (١٩١٧). ٤٧٧ كتاب النكاح/ باب القسم (لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلك ھَوَان) فَمَعْنَاهُ: لَا يَلْحَقكِ هَوَان وَلَا يَضِيع مِنْ حَقّك شَيْء بَلْ تَأْخُذِينَهُ كَامِلاً ثُمَّ بَيَّنَ رَِّ حَقّهَا، وَأَنَّهَا مُخَيَّرَة بَيْن ثَلَاث بِلَا قَضَاءِ، وَبَيْنِ سَبْع وَيَقْضِي لِبَاقِي نِسَائِهِ؛ لِأَنَّ فِي الثَّلَاثَة مَزِيَّةٍ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ، وَفِي السَّبْعِ مَزِيَّة لَّهَا بِتَوَالِيهَا وَكَمَالِ الْأُنْسِ فِيهَا، فَاخْتَارَتِ الثَّلَاث؛ لِكَوْنِهَا لَا تُقْضَى، وَلِيَقْرَبِ عَوْدِهِ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يَطُوف عَلَيْهِنَّ لَيْلَة لَيْلَةِ ثُمَّ يَأْتِيهَا، وَلَوْ أَخَذَتْ سَبْعًا طَافَ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ سَبْعًا سَبْعًا فَطَالَتْ غَیْبَته عَنْهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادِ بِ(أَهْلِك)) هُنَا نَفْسِهِوَلِّ أي: لَا أَفْعَل فِعْلاً بِهِ هَوَانك عَلَّ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: اِسْتِحْبَاب مُلَاطَفَة الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَقْرِيب الْحَقِّ مِنْ فَهْمِ الْمُخَاطَب لِيَرْجِع إِلَيْهِ. وَفِيهِ: الْعَدْلِ بَيْن الزَّوْجَات. وَفِيهِ: إِنَّ حَقّ الزِّفَافِ ثَابِت لِلْمَزْفُوفَةِ وَتَقَدَّمَ بِهِ عَلَى غَيْرهَا. (لِلْبِّكْرِ سَبْعٌ وَلِلنَّيِّبِ ثَلاثٌ) سَبْعَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا بِلَا قَضَاء، وَإِنْ كَانَتْ تَيِّبَا كَانَ لَهَا الْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ سَبْعًا، وَيَقْضِي السَّبْعِ لِبَاقِي النِّسَاءِ، وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا وَلَا يَقْضِي. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكِ وَأَحْمَدٍ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْرِ وَابْنِ جَرِير وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْحُكَمْ وَحَمَّاد: يَجِب قَضَاءِ الْجَمِيعِ فِي الغَيِّب وَالْبِكْرِ، وَاسْتَدَلُّوا بِالّوَاهِرِ الْوَارِدَة بِالْعَدْلِ بَيْنِ الزَّوْجَات. وَحُجَّة الشَّافِعِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ مُخَصَّصَة لِلَّوَاهِرِ الْعَامَّة. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ هَذَا الْحَقٌ لِلِزَّوْجِ أَوْ لِلْزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ، وَمَذْهَبِنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُورِ أَنَّهُ حَقَ لَهَا، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: حَقٌّ لَهُ عَلَى بَقِيَّة نِسَائِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِصَاصه بِمَنْ لَهُ زَوْجَات غَيْرِ الْجَدِيدَة؛ قَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: جُمْهُور الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَافِ سَوَاء كَانَ عِنْده زَوْجَة أَمْ لَا؛ لِعُمُومٍ الْحَدِيث: (إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدِهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ القَيِّبِ أَقَامَ عِنْدِهَا ثَلَاثًا)) لَمْ ٤٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن يَخُصّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةِ: الْحَدِيثِ فِيمَنْ لَهُ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَاتٍ غَيْرِ هَذِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ فَهُوَ مُقِيم مَعَ هَذِهِ كُلّ دَهْرِه مُؤْنِس لَهَا مُتَمَتِّع بِهَا مُسْتَمْتِعَة بِهِ بِلَا قَاطِعِ، بِخِلافٍ مَنْ لَهُ زَوْجَات فَإِنَّهُ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْجَدِيدَةِ تَأْنِيسًا لَهَا مُتَّصِلاً؛ لِتَسْتَقِرّ عِشْرَتِهَا لَهُ وَتَذْهَب حِشْمَتَهَا وَوَحْشَتِهَا مِنْهُ، وَيَقْضِي كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَذَّتِهِ مِنْ صَاحِبِه، وَلَا يَنْقَطِعِ بِالدَّوَرَانِ عَلَى غَيْرِهَا. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاضِ هَذَا الْقَوْلِ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي (فَتَاوِيِه)) فَقَالَ: إِنَّمَا يَثْبُتِ هَذَا الْحَقْ لِلْجَدِيدَةِ إِذَا كَانَ عِنْدِه أُخْرَى يَبِيت عِنْدِهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْرَى أَوْ كَانَ لَا يَبِيت عِنْدِهَا لَمْ يَثْبُتِ لِلْجَدِيدَةِ حَقّ الزِّفَاف، كَمَا لَا يَلْزَمَهُ أَنْ يَبِيت عِنْد زَوْجَاته إِبْتِدَاءِ، وَالْأَوَّل أَقْوَى، وَهُوَ الْمُخْتَارِ لِعُمُومِ الْحَدِيث. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْمَقَامِ عِنْدِ الْبِكْرِ وَالغَّيِّبِ إِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَةٍ أُخْرَى وَاجِب أَمْ مُسْتَحَبّ، فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابِه وَمُوَافِقِيهِمْ أَنَّهُ وَاجِب، وَهِيَ رِوَايَةٍ إِبْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِك، وَرُوِيَ عَنْهُ إِبْن عَبْد الْحَكَم أَنَّهُ عَلَى الإِسْتِحْبَاب. الفصل الثاني ٣٢٣٥ - [عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسَمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَالدَّارِمُّ]. ٣٢٣٦ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانٍ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطُ (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِمِيُّ]. (١) أخرجه الترمذي (١١٧٠) وأبو داود (٢١٣٦) وأحمد (٢٥٨٥٣) والنسائي (٣٩٦٠) وابن ماجه (٢٠٤٧) والدارمي (٢٢٦٢). (٢) أخرجه الترمذي (١١٧١) وأبو داود (٢١٣٥) والنسائي (٣٩٥٩) وابن ماجه (٢٠٤٥) والدارمي (٢٢٦١).