Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٥٩ كتاب الفرائض والوصايا / باب الوصايا کبیر أَوْ کثیر)». وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السُّلَمَيّ عَنْ سَعْد، وَفِيهِ: ((فَقَالَ: أَوْصَيْت؟ فَقُلْت: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قُلْت: بِمَالِي كُلّه. قَالَ: فَمَا تَرَكْت لِوَلَدِك؟)) وَفِيهِ: (أَوْصِ بِالْعُشْرِ، قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُول وَأَقُولِ، حَتَّى قَالَ: أَوْصِ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثِ كَثِيرٍ أَوْ كَبِير)) يَعْنِي: بِالْمُؤَلَّنَةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ شَكٌ مِن الرَّاوِي، وَالْمَحْفُوظِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَات بِالْمُثَلَّئَةِ، وَمَعْنَاهُ كَثِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا دُونِه، وَسَأَذْكُرُ الإِخْتِلَافِ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْد هَذَا. وَقَوْله: ((قَالَ: الثُّلُثِ وَالثُّلُثِ كَثِير) بِنَصْبِ الْأَوَّل عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَر تَحْوِ عَيَّنَ الثُّلُثِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأْ مَحْذُوفٍ، أَو الْمُبْتَدَأُ وَالْخْبَرِ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: يَكْفِيك الثُّلُثِ أَوِ القُّلُثْ كَافٍ. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونِ قَوْله:((وَالثُلُثِ كَثِير)) مَسُوقًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالقُّلُثِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُنْقِصِ عَنْهُ، وَلَا يَزِيدِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْم، وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون لِبَيَانٍ أَنَّ التَّصَدُّق بِالقُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلِ؛ أي: كَثِيرِ أَجْرِهِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ كَثِير غَيْرِ قَلِيل. قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمِه الله: ((وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيه)) يَعْنِي: إنَّ الْكَثْرَةِ أَمْر نِسْبِيّ، وَعَلَى الْأَوَّل عَوَّلَ اِبْن عَبَّاس. ٣٠٧٣ - [وَعَنْ أَبِ أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيْهِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةٍ الْوَدَاعِ: إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَابْنُ مَاجَهُ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله](١). (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله وَّهِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إِنَّ اللّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) قال الحافظ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرو بْن خَارِجَةٍ عِنْدِ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَعَنْ أَنَس عِنْد اِبْنِ مَاجَه، وَعَنْ عَمْرو بْن (١) أخرجه أحمد (٢٢٣٤٨) والترمذي (٢١٢٠) وأبو داود (٣٥٦٥) وابن ماجه (٢٧١٣) والبيهقي (١١٩٨٢) والطبراني (٧٦١٥) والدارقطني (٤٠/٣). ٣٦٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عِنْد الدَّارَقُظْنِيِّ، وَعَنْ جَابِرِ عِنْدِ الدَّارَقُظْنِيِّ أَيْضًا وَقَالَ: الصَّوَابِ إِرْسَالهِ، وَعَنْ عَلِيّ عِنْدِ إِبْنِ أَبِي شَيْبَةِ، وَلَا يَخْلُو إِسْنَادِ كُلّ مِنْهَا عَنْ مَقَال، لَكِنْ مَجْمُوعَهَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلاً، بَلْ جَنَحَ الشَّافِعِيّ فِي ((الْأُمّ)) إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَثْن مُتَوَاتِرِ، فَقَالَ: وَجَدْنَا أَهْلِ الْفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي مِنْ قُرَيْش وَغَيْرِهِمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيّ ◌َ﴿ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ: ((لَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ)) وَيُؤْثِرُونَ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقَوْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَكَانَ نَقْلُ كَافَّة عَنْ كَافَّة، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْل وَاحِد. وَقَدْ نَازَعَ الْفَخْرِ الرَّازِيّ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا، وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّ الْقُرْآنِ لَا يُنْسَخِ بِالسُّنَّةِ، لَكِنَّ الْحُجَّة فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقْتَضَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيّ وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَاد بِعَدَمِ صِحَّة وَصِيَّة الْوَارِث عَدَم اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرِ عَلَى أَنَّهَا مَوْقُوفَة عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَة، وَرَوَى الدَّارَقُظْنِيُّ مِنْ طَرِيق إِبْن جُرَيْجِ عَنْ عَطَاء عَنِ اِبْن عَبَّاس مَرْفُوعًا: ((لَا تَجُوز وَصِيَّة لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاء الْوَرَثَة)) كَمَا سَيَأْتِي بَيّانِهِ، وَرِجَاله ثِقَات، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُول فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عَطَاء هُوَ الْخُرَاسَانِيّ، وَالله أَعْلَم. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فَتَرْجَمَ بِالْحَدِيثِ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق عَطَاءِ، وَهُوَ ابْنِ أَبِي رَبَاحِ عَن إِبْن عَبَّاس حَدِيث الْبَابِ، وَهُوَ مَوْقُوفٍ لَفْظًا، إِلَّا أَنَّهُ فِي تَفْسِيره إِخْبَارِ بِمَا كَانَ مِن الْحُكْم قَبْل نُزُول الْقُرْآن، فَيَكُون فِي حُكْم الْمَرْفُوعِ بِهَذَا التَّقْدِير، وَوَجْهُ دَلَالَتْه لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَة أَنَّ نَسْخِ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَإِثْبَاتِ الْمِيرَاثِ لَهُمَا بَدَلاً مِنْهَا يُشْعِرِ بِأَنَّهُ لَا يَجْمَعْ لَهُمَا بَيْنِ الْمِيرَاث وَالْوَصِيَّة، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَنْ دُونهمَا أَوْلَى بِأَلَا يُجْمَع ذَلِكَ لَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ إِبْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيق ◌ُجَاهِد بْن جَبْر عَن إِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ: ((وَكَانَت الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. إِلَخْ)) فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَة بِهَذِهِ الزِّيَادَة؛ وَقَدْ وَافَقَ مُحَمَّد بْن يُوسُف، وَهُوَ الْفِرْبَابِيّ فِي رِوَايَتْه إِيَّهُ عَنْ وَرْقَاء عِيسَى بْنِ مَيْمُون، كَمَا أَخْرَجَهُ إِبْن ٣٦١ كتاب الفرائض والوصايا / باب الوصايا جَرِير، وَخَالَفَ وَرْقَاء شِبْل عَن إِبْنِ أَبِي نُجَيْحِ، فَجَعَلَ نُجَاهِدًا مَوْضِع عَطَاء، أَخْرَجَهُ إِبْن جّرِير أَيْضًا، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ عِنْدِ إِبْن أَبِي نُجَيْحِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَالله أَعْلَم. [«فتح الباري)) (٣٠٥/٨)]. حَدِيث: (الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ) قَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: هُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيّ: صَلَى اللّه وَسَيَّاهُ جَاءَ عَنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا مِنِ الصَّحَابَةِ، فَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عَقِبَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةٍ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَعَبْد الله بْن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ اللهِ بْن عَمْرو وَأَبِي أَمَامَةَ وَعَمْرو بْن خَارِجَةَ وَالْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْن أَرْقَم، وَزَادَ شَيْخِنَا عَلَيْهِ مُعَاوِيَةٍ وَابْنِ عُمَرِ، وَزَادَ أَبُو الْقَاسِمِ بْن مَنْدَهْ فِي (تَذْكِرَتِهِ)) مُعَاذِ بْن جَبَل وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَنْسَ بْنِ مَالِك وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَالْحُسَيْنِ بْن عَلِيّ وَعَبْد الله بْنِ حُذَافَةً وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ وَسَوْدَةً بِنْتَ زَمْعَةَ. وَوَقَعَ لِي مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاسِ وَأَبِي مَسْعُودِ الْبَدْرِيّ وَوَائِلَةِ بْنِ الْأَسْقَعِ وَزَيْنَب بِنْت جَحْش، وَقَدْ رَقَمْت عَلَيْهَا عَلَامَاتِ مَنْ أَخْرَجَهَا مِن الْأَثِمَّةِ فَـ«طب)) عَلَامَةُ الطَبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ، وَ(طس)) عَلَامَته في ((الْأَوْسَط)) وَ(بز)) عَلَامَةِ الْبَزَّارِ، وَاص)) عَلَامَة أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، وَ(تم) عَلَامَة تَمَّم فِي (فَوَائِده) وَجَمِيع هَؤُلَاءِ وَقَعَ عِنْدِهِمْ ((الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرَ)) وَمِنْهُمْ مَن إِقْتَصَرَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى. وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانِ قِصَّة وَكَذَا عَلِيٍّ، وَفِي حَدِيث مُعَاوِبَةٍ قِصَّة أُخْرَى لَهُ مَعَ نَصْرِ بْن حَجَّاجِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُ نَصْر: فَأَيْنَ قَضَاؤُك في زِیَاد؟ فَقَالَ: قَضَاء رَسُول اللّه ◌َ خَيْرِ مِنْ قَضَاء مُعَاوِيَة. وَفِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ مَسْعُود وَعُبَادَةَ أَحْكَامُ أُخْرَى، وَفِي حَدِيث عَبْد الله بْنِ حُذَافَةَ قِصَّةٌ لَهُ فِي سُؤَالِهِ عَنِ اِسْمِ أَبِيهِ، وَفِي حَدِيث اِبْنِ الزُّبَيْرِ قِصَّة نَحْو قِصَّة عَائِشَة بِاخْتِصَارٍ وَقَدْ أَشَرْتِ إِلَيْهِ، وَفِي حَدِيث سَوْدَةً نَحْوِهِ وَلَمْ تُسَمَّ فِي رِوَايَة أَحْمَد بَلْ قَالَ: ((عَنْ بِنْتِ زَمْعَةَ)) وَفِي حَدِيث زَيْنَب قِصَّة وَلَمْ يُسَمَّ أَبُوهَا بَلْ فِيهِ: ((عَنْ زَيْنَب ٣٦٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الْأَسَدِيَّة)) وَبِالله التَّوْفِيقِ، وَجَاءَ مِنْ مُرْسَل عُبَيْد بْنِ عُمَيْرِ، وَهُوَ أَحَد كِبَار التَّابِعِينَ، أَخْرَجَهُ إِبْن عَبْد الْبَرّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ. [ «الفتح)» (١٤٨/١٩)]. (الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ) قَالَ فِي (التَّيْلِ)): أُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْفِرَاش؛ فَذَهَبَ الْأَكْثَرِ إِلَى أَنَّهُ إِسْمَ لِلْمَرْأَةِ، وَقَدْ يُعَبَّر بِهِ عَنْ حَالَةِ الإِفْتِرَاشِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِسْم لِزَّوْجِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة، وَفِي ((الْقَامُوس)): إِنَّ الْفِرَاشِ زَوْجَة الرَّجُل. إِنْتَهَى مُخْتَصَرًا. قَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَى قَوْله: ((الْوَلَد لِلْفِرَاشِ)) أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٍ أَوْ مَمْلُوكَة صَارَتْ فِرَاشَا لَهُ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ مِنْهُ لَحِقَةُ الْوَلَدِ، وَصَارَ وَلَدًا يَجْرِي بَيْنهمَا التَّوَارُثِ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ، سَوَاء كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الشَّبَهِ أَمْ مُخَالِفًا، وَمُدَّةٍ إِمْكَان كَوْنه مِنْهُ سِتَ أَشْهُر مِنْ حِین أَمْكَنَ اِجْتِمَاعھمَا. وَأَمَّا مَا تَصِير بِهِ الْمَرْأَةِ فِرَاشَا فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدٍ عَقْد النِّكَاحِ، وَنَقَلُوا فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ، وَشَرَطُوا إِمْكَان الْوَظْء بَعْد ثُبُوت الْفِرَاشِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ نَكَحَ الْمَغْرِبِيّ مَشْرِقِيَّة، وَلَمْ يُفَارِق وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطَنه، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِتَّةِ أَشْهُر، أَوْ أَكْثَرِ لَمْ يَلْحَقْهُ لِعَدَمِ إِمْكَان كَوْنِه مِنْهُ. هَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّة إِلَّا أَبَا حَنِيفَةٍ، فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْإِمْكَانِ بَل ◌ِكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، قَالَ: حَتَّى لَوْ طَلَّقَ عَقِب الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ إِمْكَان وَظْء، فَوَلَدَتْ لِسِتَّةٍ أَشْهُر مِن الْعَقْد لَحِقَهُ الْوَلَد. وَهَذَا ضَعِيف ظَاهِرِ الْفَسَاد، وَلَا حُجَّة لَهُ فِي إِظْلَاقِ الْحَدِيث؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِب، وَهُوَ حُصُول الْإِمْكَان عِنْدِ الْعَقْد. هَذَا حُكْم الزَّوْجَةِ، وَأَمَّا الْأَّمَةِ فَعِنْدِ الشَّافِعِيّ وَمَالِكِ تَصِيرِ فِرَاشًا بِالْوَظْءِ، وَلَا تَصِير فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ فِي مِلْكِه سِنِينَ، وَأَتَتْ بِأَوْلَادٍ وَلَمْ يَطَأْهَا، وَلَمْ يُقِرّ بِوَظْئِهَا لَا يَلْحَقَهُ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ فِرَاشًا، فَإِذَا أَتَتْ بَعْد الْوَظْءِ بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَادِ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان لَحِقُوهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةِ: لَا تَصِيرِ فِرَاشًا إِلَّ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَاسْتَلْحَقَهُ، فَمَا تَأْتِي بِهِ بَعْد ذَلِكَ يَلْحَقْهُ إِلَّ أَنَّ نَفْيه. اِنْتَهَى. ٣٦٣ كتاب الفرائض والوصايا/ باب الوصايا (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرِ) الْعَاهِرِ: الزَّانِي، وَعَهَرَ: زَلَى، وَعَهَرَتْ: زَنَتْ، وَالْعِهْر: الزِّنَاءِ أي: وَلِلِزَّانِيِ الْخَيْبَة وَلَا حَقٌّ لَهُ فِي الْوَلَدِ، وَعَادَة الْعَرَبِ أَنْ تَقُول: (لَهُ الْحَجَرِ وَبِفِيهِ الْأَتْلَب)) وَهُوَ التُّرَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّ الْخَيْبَةِ. وَقِيلَ الْمُرَادِ بِالْحَجَرِ هُنَا: أَنَّهُ يُرْجَم بِالْحِجَارَةِ، وَهَذَا ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلّ زَانٍ يُرْجَمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَمِ الْمُحْصَنِ خَاصَّة، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ رَجْمِه نَفْي الْوَلَد عَنْهُ، وَالْحَدِيث إِنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْي الْوَلَد عَنْه. [((عون المعبود)) (١٤٦/٥)]. ٣٠٧٤ - [وَيُروَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ)) مُنْقَطَعٍ، هَذَا لَفْظ ((المَصَابِيحِ) وَفِي رِوَايَةِ الدَّرَاقُظْنِيّ قَالَ: (لَا تَجُوزُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ))](١). (لَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ) قال المصنف: فَرْعُ فِي ((فَتَاوَى السُّيُوطِيّ)) مَسْأَلَةُ: رَجُلُ مَاتَ وَأَوْصَى جَمَاعَةً، وَجَعَلَ زَوْجَتَهُ أَحَدَ الْأَوْصِيَاءِ، وَأَوْصَى لَهُمْ بِمَبْلَغٍ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْزَّوْجَةِ أَنْ تَأْخُذَ نَظِيرَ مَا يَأْخُذُهُ أَحَدُ الْأَوْصِيَاءِ؟ الْجَوَابُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ اسْتِحْقَاقُ الزَّوْجَةِ نَظِيرَ مَا يَأْخُذُهُ أَحَدُ الْأَوْصِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَبَرُّعًا مَحْضًا بَلْ شِبْهَ الْأُجْرَةِ أَو الْجَعَالَةِ لِدُّخُولِ فِي الْوَصَايَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِن الْأَخْطَارِ وَالنَّظَرِ، وَالْقِيَامِ بِحَالِ الْأَوْلَادِ وَالْأُمُورِ الْمُوصَى بِهَا. انْتَهَى. وَأَقُولُ: قَدْ يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يُصَرِّحَ بِجَعْلِ الْمَبْلَغِ فِي نَظِيرِ الْوِصَايَةِ، فَتَسْتَحِقُّ الزَّوْجَةُ بِدُونِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَأَا يُصَرِّعَ بِذَلِكَ فَلَا تَسْتَحِقُّ إِلَّ إِنْ أَجَازُوا، فَلْيُتَأَمَّلْ. وَفِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ لَوْ زَادَ مَا يَخُصُّ الزّوْجَةَ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَهَلْ تَتَوَقَّفُ الزِّيَادَةُ عَلَى إِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَئَةِ رَاجِعْهُ مِنْ نَظَائِرِهِ. [(تحفة المحتاج في شرح المنهاج)) (٣٦٢/٢٧)]. ٣٠٧٥ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ (١) أخرجه الدارقطني (٩٨/٤) والبيهقي (١٢٣١٥). ٣٦٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن بِطَاعَةِ اللهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ. ثُمَّ قَرَّأَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٢ - ١٣](١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه]. الفصل الثالث ٣٠٧٦ - [عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَاتَ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، وَمَاتَ عَلَى تُفَّى وَشَهَادَةٍ، وَمَاتَ مَغْفُورًا لَهُ(٩). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. ٣٠٧٧ - [وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامُ خَمْسِينَ رَقَّبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرُو أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ وَيهِ فَأَنَى النَّبِيَّ ◌َهْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ(٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ]. ٣٠٧٨ - [وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلهُ: مَنْ قَطَعَ مِيرَاثَ وَارِثِهِ قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(٤). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. ٣٠٧٩ . [وَرَوَاهُ البَيْهَفِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه](٥). (١) أخرجه أبو داود (٢٨٦٧) والترمذي (٢١١٧) وقال: حسن صحيح غريب، والبيهقي (١٢٣٦٥) وأخرجه بنحوه أحمد (٧٩٥٨) وابن ماجه (٢٨٠٨). (٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٠١) والديلمي (٥٥٦٤). (٣) أخرجه أبو داود (٢٨٨٣) والبيهقي (١٢٤١٧). (٤) أخرجه ابن ماجه (٢٨٠٧). (٥) لم أقف عليه في (شعب الإيمان)). كتاب النكاح (كِتَابُ النَّكَاحِ) قِيلَ: بَلَّغَ أَسْمَاءَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَلْفًا وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ لُغَةً: الضَّمُّ وَالْوَظْهُ، وَشَرْعًا: عَقْدُ يَتَضَمَّنُ إِبَاحَةَ وَظْءٍ بِاللَّفْظِ الْآتِي، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازُ فِي الْوَظْءِ لِصِحَّةٍ نَفْسِهِ عَنْهُ، وَلإِسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ، وَيُكَتَّى بِهِ عَنِ الْعَقْدِ لإِسْتِقْبَاجِ ذِكْرِهٍ كَفِعْلِهِ، وَالْأَقْبَحُ لَا يُكَنَّى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِرَادَتُهُ فِي ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ: ((حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ)). وَفِي ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:٣] بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إِنَّ الْمُرَادَ لَا يَطَأُ دَلَّ عَلَيْهَا السِّيَاقُ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَقِيلَ حَقِيقَةُ فِيهِمَا، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ زَلَى بِامْرَأَةٍ لَمْ تَثْبُتْ مُصَاهَرَةً، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ، وَقَدْ جَمَعْتَهَا، فَزَادَتْ عَلَى الْمِائَةِ بِكَثِيرٍ فِي تَصْنِيفٍ سَمَّيْته: «الْإِفْصَاحَ عَنْ أَحَادِيثِ النَّكَاحِ)) وَشُرِعَ مِنْ عَهْدِ آدَمَ - صَلَّى الله عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَمَرَّ حَتَّى فِي الْجَنَّةِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِيمَا تَعَبَّدْنَا بِهِ مِن الْعُقُودِ. [(تحفة المحتاج)) للمصنف (٢٩) ١٦١)]. الفصل الأول ٣٠٨٠ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءُ(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. قال المصنف: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) الشباب كِنَايَة عَن التائقين للجماعِ، وَلَو شُيُوخًا نَظِير الترخيص فِي الْقَبْلَة مَعَ الصَّوْم للشَّيْخِ دون الشَّبَاب؛ أي: لمن تحرّك شَهُوَته وَلَو شَيخًا دون من لم تحركها وَلَو شَابًّا، فكنى عَن الأول بالشباب، وَعَن الثَّانِي بالشيخ (١) أخرجه البخاري (٤٧٧٨) ومسلم (١٤٠٠) وأبو داود (٢٠٤٦) والترمذي (١٠٨١) والنسائي (٢٢٤٢) وأحمد (٣٥٩٢) وابن ماجه (١٨٤٥) وابن حبان (٤٠٢٦). ٣٦٥ ٣٦٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن نظرًا للمظنة فيهما. (مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة) الباءة: مُؤَّن النّكَاحِ بِأَن يتوق إليه ويجد مهر المثل وَكِسْوَة فصل وَنَفَقَة يَوْمٍ وَلَيْلَةِ، وَقيل: الْجِمَاعِ، وينافيه قَوْله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءً) إذ الْعَاجِزِ عَنِ الْجِمَاعِ لَا يُحْتَاج لصوم. (فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءُ) ضمير ((إنه)) للزَّوْجِ الْمَفْهُوم من يَتَزَوَّج و((وجاء)) أي: قَاطع للشهوة، وَالْقطع فِي الصَّوْم نظرًا لدوامه لَا لابتدائه، فَإِنَّهُ يثير الْحَرَارَةِ ویھیجها. والأمر بالتزوج للنَّدْب؛ إذلا يجب عندنَا مُطلقًا إلا بِالنذرِ فِي الْحَالة الَّتِي ينْدب فِيهَا، وبالصوم لأجل قطع الشَّهْوَة؛ أي: كسرها يدل على عدم قطعهَا بالكافور وَنَحْوه فقطعها بذلك، قيل: حرَامٍ، وَقيل: مَكْرُوهِ، وَالصَّوَاب أن قطعهَا من أصلها حرَام كالخصاء، وَلَا من أَصْلِهَا مَكْرُوه، وَعَلِيهِ يحمل الْقَوْلَانِ. وروى الطَبَرَانِيّ فِي ((الْأَوْسَط)) والضياءِ أَنِه ◌ِ قَالَ: ((عَلَيْكُم بالباءَة)) أي: النِّكَاح عِنْدهمَا ((فَمن لم يسْتَطِعِ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ وِجَاءَ لَهُ)). [((الإفصاح في أحاديث النكاح)) (ص ١٤)]. ٣٠٨١ [وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ وٍَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ التَّبَتُلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (رَدّ رَسُولَ اللهِ وَلَ عَلَى عُثْمَانِ بْنِ مَظْعُون التَّبَتُّل) قَالَ الْعُلَمَاءِ: التَّبَتُّلَ هُوَ الاِنْقِطَاعِ عَنِ النِّسَاءِ، وَتَرْك النَّكَاح ◌ِنْقِطَاعًا إِلَى عِبَادَة الله، وَأَصْلِ التَّبَتُّل: الْقَطْع. وَمِنْهُ: مَرْيَمِ الْبَتُولِ، وَفَاطِمَة الْبَتُول؛ لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاءَ زَمَانهمَا دِينًا وَفَضْلاً وَرَغْبَةٍ فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْهُ: صَدَقَة بَتْلَة؛ أي: مُنْقَطِعَة عَنْ تَصَرُّفِ مَالِكِهَا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: التَّبَتُّل: هُوَ تَرْكَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتَهَا، وَالإِنْقِطَاعِ إِلَى الله تَعَالَى بِالتَّفَرُّغْ لِعِبَادَتِهِ. (١) أخرجه البخاري (٥٠٧٣) ومسلم (٣٤٧٠) والترمذي (١١٠٦) وأحمد (١٥٣٢) والنسائي (٣٢٢٥). ٣٦٧ كتاب النكاح ومَعْنَاهُ: نَهَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا عِنْد أَصْحَابِنَا مَحْمُول عَلَى مَنْ تَاقَتْ نَفْسه إِلَى النَّكَاح، وَوَجَدَ مُؤَنه كَمَا سَبَقَ إِيضَاحِه، وَعَلَى مَنْ أَضَرّ بِهِ التَّبَتُّل بِالْعِبَادَاتِ الْكَثِيرَة الشَّاقَّةِ، أَمَّا الْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارِ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَقْوِيت حَقّ لِزَوْجَةٍ وَلَا غَيْرهَا، فَفَضِيلَة لِلْمَنْعِ مِنْهَا، بَلْ مَأْمُورِ بِهِ. (لَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) مَعْنَاهُ: لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الإِنْقِطَاعِ عَنِ النِّسَاءِ، وَغَيْرِهِنَّ مِنْ مَلَاذ الدُّنْيَا لَاخْتَصَيْنَا؛ لِدَفْعِ شَهْوَة النِّسَاءِ، لِيُمْكِنَنَا الَّبَتُل، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ جَوَازِ الإِخْتِصَاءِ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ظَنّهِمْ هَذَا مُوَافِقًا، فَإِنَّ الإِخْتِصَاء فِي الْآَدَبِيّ حَرَامِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا يَحْرُمِ خِصَاء كُلّ حَيَوَان لَا يُؤْكَل، وَأَمَّا الْمَأْكُولِ فَيَجُوزِ خِصَاؤُهُ فِي صِغَرِهِ، وَيَحْرُمْ فِي كِبَره، وَالله أَعْلَم. ٣٠٨٢ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ (١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (تُنْكَحِ الْمَرَأَّةَ لِأَرْبَعِ) أي: لِأَجْلِ أَرْبَع. (لِمَالِهَا وَلِحِسَبِهَا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ مُوَحَّدَة؛ أي: شَرَفِهَا، وَالْحَسَبِ فِي الْأَصْل الشَّرَف بِالْآبَاءِ وَبِالْأَقَارِبِ، مَأْخُوذ مِن الْحِسَاب؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَفَاخَرُوا عَدُّوا مَنَاقِبِهِمْ وَمَآثِرِ آبَائِهِمْ وَقَوْمُهِمْ وَحَسَبُوهَا، فَيُحْكَمْ لِمَنْ زَادَ عَدَده عَلَى غَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْحَسَبِ هُنَا الْفِعَالِ الْحَسَنَةِ. وَقِيلَ: الْمَالِ وَهُوَ مَرْدُود لِذِكْرِ الْمَالِ قَبْله، وَذَكَرَهُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَل يَخْتَى بْن جَعْدَة عِنْد سَعِيد بْنِ مَنْصُور ((عَلَى دِينِهَا وَمَالَهَا وَعَلَى حَسَبَهَا وَنَسَبِهَا)) وَذِكْرُ النَّسَبِ عَلَى هَذَا تَأْكِيد، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الشَّرِيف النَّسِيب (١) أخرجه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) وأبو داود (٢٠٤٧) وأحمد (٩٥١٧) وابن ماجه (١٨٥٨) وابن حبان (٤٠٣٦) والبيهقي (١٣٢٤٤) والدارمي (٢١٧١) والنسائي في ((الكبرى)) (٥٣٣٧) والدار قطني (٣٠٢/٣). ٣٦٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجِ نَسِيبَةٍ إِلَّ إِنْ تَعَارَضَ نَسِيبَةٍ غَيْرِ دَيِّنَةٍ وَغَيْرِ نَسِيبَة دَيِّنَة فَتُقَدَّم ذَات الدِّينِ، وَهَكَذَا فِي كُلّ الصِّفَات. وَأَمَّا قَوْل بَعْصِ الشَّافِعِيَّة يُسْتَحَبّ أَلَّا تَكُون الْمَرْأَةَ ذَات قَرَابَة قَرِيبَةٍ فَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى الْخَبَرِ، فَلَا أَصْلِ لَهُ أَوْ إِلَى النَّجْرِبَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبِ أَنَّ الْوَلَد بَيْنِ الْقَرِيبَيْنِ يَكُونِ أَحْمَقِ فَهُوَ مُتَّجِه، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدِ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ إِبْنِ حِبَّن وَالْخَاكِم مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: ((إِنَّ أَحْسَابِ أَهْلِ الدُّنْيَا الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ الْمَال)) فَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونِ الْمُرَادِ أَنَّهُ حَسَب مَنْ لَا حَسَب لَهُ، فَيَقُومِ النَّسَبِ الشَّرِيف لِصَاحِبِهِ مَقَامِ الْمَال لِمَنْ لَا نَسَب لَهُ. وَمِنْهُ حَدِيث سَمُرَةٍ رَفَعَهُ: ((الْحَسَب الْمَالِ، وَالْكَرَمِ التَّقْوَى)) أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِم، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ تَمَسَّكَ مَن ◌ِعْتَبَرَ الْكَفَاءَة بِالْمَالِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْده، أَوْ أَنَّ مِنْ شَأْن أَهْلِ الدُّنْيَا رِفْعَة مَنْ كَانَ كَثِيرِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ وَضِيعًا، وَضِعَة مَنْ كَانَ مُقِلاً، وَلَوْ كَانَ رَفِيعِ النَّسَبِ كَمَا هُوَ مَوْجُود مُشَاهَد، فَعَلَى الإِحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يُسْكِنِ أَنْ يُؤْخَذ مِن الْحَدِيث اِعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ بِالْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثِ فِيهِ، لَا عَلَى الثَّانِي؛ لِكَوْنِهِ سِيقَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَفْعَلِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمِ الْحَدِيث مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْ جَابِرِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَسَبِ اِقْتَصَرَ عَلَى الدِّين وَالْمَالِ وَالْجْمَال. (وَجَمَالَهَا) يُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَابِ تَزَوُّج الْجَمِيلَةِ إِلَّا إِنْ تُعَارِضِ الْجَمِيلَةُ الْغَيْرَ دَيِّنَة وَالْغَيْرُ جَمِيلَة الدِّينَةَ، نَعَمْ لَوْ تَسَاوَتَا فِي الدِّينِ فَالْجَمِيلَةِ أَوْلَى، وَيَلْتَحِقِ بِالْحَسَنَةِ الذَّات الْحَسَنَةِ الصِّفَات، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُون خَفِيفَة الصَّدَاق. (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) فِي حَدِيث جَابِرِ ((فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّين)) وَالْمَعْنَى: إِنَّ اللَّائِقِ بِذِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُون الدِّينِ مَطْمَح نَظَرِهٍ فِي كُلّ شَيْءٍ لَا سِيَّمَا فِيمَا تَطُول صُحْبَتِهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيّ ◌َهَ بِتَحْصِيلِ صَاحِبَة الدِّينِ الَّذِي هُوَ غَايَةِ الْبُغْيَةِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث عَبْد الله بْن عَمْرو عِنْدِ إِبْنِ مَاجَه رَفَعَهُ: ((لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءِ ٣٦٩ كتاب النكاح لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنهنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ - أي: يُهْلِكُهُنَّ - وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالهنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَّمَةِ سَوْدَاءَ ذَات دِين أَفْضَل)). (تَرِبَتْ يَدَاك) أي: لَصِقَتَا بِالتُّرَابِ، وَهِيَ كِنَايَة عَنِ الْفَقْرِ، وَهُوَ خَبَر بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، لَكِنْ لَا يُرَاد بِهِ حَقِيقَته، وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِب ((الْعُمْدَة))، زَادَ غَيْرِهِ أَنَّ صُدُور ذَلِكَ مِنَ النَّبِيّ ◌َّهِ فِي حَقّ مُسْلِمٍ لَا يُسْتَجَابِ لِشَرْطِهِ ذَلِكَ عَلَى رَبّه، وَحَكَى إِبْنِ الْعَرَبِيّ أَنَّ مَعْنَاهُ: اِسْتَغْنَتْ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْرُوفِ أَثْرَبَ إِذَا اِسْتَغْنَى، وَتَرِبَ إِذَا اِفْتَقَرَ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْغِنَى النَّاشِئِ عَنِ الْمَالِ تُرَاب؛ لِأَنَّ جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا تُرَاب، وَلَا يَخْفَى بُعْده. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ضَعْف عَقْلكِ، وَقِيلَ: اِفْتَقَرَتْ مِن الْعِلْمِ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِير شَرْط؛ أي: وَقَعَ لَك ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَفْعَل، وَرَجَّحَهُ إِبْنِ الْعَرَبِيّ، وَقِيلَ: مَعْنَى اِفْتَقَرَتْ: حَابَتْ، وَصَحَّفَهُ بَعْضِهِمْ فَقَالَهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّئَةِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ مَعْنَى تَرِبَتْ: تَفَرَّقَتْ، وَهُوَ مِثْل حَدِيث: (نَقَى عَنِ الصَّلَاة إِذَا صَارَت الشَّمْسِ كَالْأَثَارِب)) وَهُوَ جَمْعٍ: ثُرُوب وَأَثْرُب مِثْل قُلُوس وَأَفْلُس، وَهِيَ جَمْع: ثَرْب بِفَتْجِ أَوَّلِه وَسُكُون الرَّاءِ، وَهُوَ الشَّحْمِ الرَّقِيقِ الْمُتَفَرِّق الَّذِي يَغْشَى الْكَرِشِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدِ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَدَب. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ هَذِهِ الْحِصَالِ الْأَرْبَعِ هِيَ الَّتِي يُرْغَب فِي نِڪَاح الْمَرْأَةَ لِأَجْلِهَا، فَهُوَ خَبَر عَمَّا فِي الْوُجُودِ مِنْ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ وَقَعَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ، بَلْ ظَاهِرِهِ إِبَاحَة النَّكَاحِ لِقَصْدِ كُلّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ قَصْدَ الدِّينِ أَوْلَى. قَالَ: وَلَا يُظَنّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعِ تُؤْخَذْ مِنْهَا الْكَفَاءَة؛ أي: تَنْحَصِر فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدِ فِيمَا عَلِمْت، وَإِنْ كَانُوا إِخْتَلَفُوا فِي الْكَفَاءَة مَا هِيَ. وَقَالَ الْمُهَلَّب: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ الإِسْتِمْتَاعِ بِمَالِ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسِهَا بِذَلِكَ حَلَّ لَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرِ مَا بَذَلَ لَهَا مِنِ الصَّدَاقِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيلِ لَيْسَ فِي الْحَدِيث. وَلَمْ يَنْحَصِرِ قَصْدِ نِكَاحِ الْمَرْأَةُ لِأَجْلِ مَالِهَا فِي إِسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ، بَلْ قَدْ يَقْصِد تَزْوِيج ذَات الْغِنَى لِمَا عَسَاهُ يَحْصُل لَهُ مِنْهَا مِنْ وَلَّد، فَيَعُودِ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَال بِطَرِيقِ الْإِرْث ٣٧٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن إِنْ وَقَعَ، أَوْ لِكَوْنِهَا تَسْتَغْنِي بِمَالِهَا عَنْ كَثْرَةٍ مُطَالَبَتْهُ بِمَا يَحْتَاجِ إِلَيْهِ نِسَاء وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَعْجَب مِنْهُ اِسْتِدْلَال بَعْض الْمَالِكِيَّةِ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْجُر عَلَى إِمْرَأَتِهِ فِي مَالَهَا، قَالَ: لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَزَوَّجَ لِأَجْلِ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهَا تَقْوِبته عَلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الرَّدّ عَلَيْهِ، وَالله أَعْلَم. وقال العلامة المصنف: معنى كَونِهَا تنْكح لهَذِهِ الأربعة أن الْغَالِب قصد نِكَاحهَا لجميعها أَو مجموعها، من غير نظر إِلَى أن قصد المَال غير مَحْمُود بِخِلاف الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ، فَإِنَّهُ مَطْلُوب؛ لأنه يسن لمريد التَّزَوُّج أن يتَزَوَّج دينة حَسَنَة جميلَة لَكِن لَا ذَات جمال بارع؛ لأنها تزهو عَلَيْهِ ويغلب من الفجرة التطلع لَهَا، فَرُبمَا أدی بِهَا ذَلِك إِلَى الْفَاحِشَةِ، وَيَنْبَغِي أن يحمل على هَذَا حَدِيث ابْنِ مَاجَةٍ: ((لَا تَنْكِحُوا النِّسَاءِ لحسنهن)) وَفِي رِوَايَة لَهُ: («لا تنكح الْمَرْأَة لجمالها فَلَعَلَّ جَمَالَهَا يرديها». [((الإفصاح)) (ص ٢٣)]. ٣٠٨٣ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الدُّنْيَا كُّهَا مَتَاعُ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. (الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعُ) هي مع دناءتها إلى فناء، وإنما خلق ما فيها؛ لأن يستمتع به مع حقارته أمدًا قليلاً، ثم ينقضي، والمتاع ما ليس له بقاء. قال في ((الكشاف)): شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام، ويغر حتى یشتریه، ثم یتبین له فساده ورداءته. وقال الحرالي: وعبَّر بلفظ المتاع إفهامًا لخستها؛ لكونه من أسماء الجيفة التي إنما هي مثال المضطر على شعوره برفضه عن قرب من مرتجي الفناء عنها، وأصل المتاع انتفاع ممتد من قولهم: ((ماتع)) أي: مرتفع طويل. قال في ((الكشاف)): هو من متع النهار إذا طال؛ ولهذا يستعمل في امتداد مشارق (١) أخرجه مسلم (١٤٦٧) وأحمد (٦٥٦٧) والنسائي (٣٢٣٢) وعبد بن حميد (٣٢٧) والقضاعي (١٢٦٤) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٦١٩). ٣٧١ كتاب النكاح الأرض للزوال ومنه متاع المسافر والتمتع بالنساء ولهذا غلب استعماله في معرض التحقير سيما في القرآن (وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) قال الطيبي: المتاع من التمتع بالشيء، وهو الانتفاع به وكل ما ينتفع به من عروض الدنيا متاع. [(فيض القدير)) (٧٣٢/٣)]. ٣٠٨٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِ﴾: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَّ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشِ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٣٠٨٥ - [وَعَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴾: مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ(؟). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (مَا تَرَكْت بَعْدِي فِتْنَة أَضَرّ عَلَى الرَّجَالِ مِنِ النِّسَاء) قَالَ الشَّيْخِ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيُّ: فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيثِ عَقِب حَدِينَي اِبْن عُمَر وَسَهْلِ بَعْد ذِكْرِ الْآيَة فِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٍ إِلَى تَخْصِيص الشُّؤْمِ بِمَنْ تَحْصُل مِنْهَا الْعَدَاوَةِ وَالْفِتْنَةِ، لَا كَمَا يَفْهَمهُ بَعْض النَّاس مِن التَّشَاؤُم بِكَعْبِهَا أَوْ أَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي ذَلِكَ، وَهُوَ شَيْءٍ لَا يَقُول بِهِ أَحَد مِن الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا سَبَبٍ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلِ، وَقَدْ أَظْلَقَ الشَّارِعِ عَلَى مَنْ يَنْسُب الْمَطَرِ إِلَى النَّوْءِ الْكُفْرِ فَكَيْف بِمَنْ يَنْسُب مَا يَقَع مِن الشَّرّ إِلَى الْمَرْأَةِ مِمَّا لَيْسَ لَهَا فِيهِ مَدْخَل، وَإِنَّمَا يَتَّفِقِ مُوَافَقَة قَضَاء وَقَدَر فَتَنْفِرِ النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَضُرّهُ أَنْ يَتْرُكِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدِ نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَيْهَا. قُلْت: وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِير ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْفِتْنَةِ بِالنِّسَاءِ أَشَدّ مِن الْفِتْنَة بِغَيْرِهِنَّ، وَيَشْهَد لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَاتِ مِن (١) أخرجه البخاري (٤٧٩٤) ومسلم (٢٥٢٧) وأحمد (٧٦٩٥) والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٣٤) وأبو يعلى (٦٦٧٣) والبيهقي (١٤٤٩٣) والحميدي (١٠٤٧) وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣١٥٠). (٢) أخرجه البخاري (٤٨٠٨) ومسلم (٢٧٤٠) والترمذي (٢٧٨٠) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢١٨٧٨) والنسائي (٩٢٧٠) وابن ماجه (٣٩٩٨) وابن حبان (٥٩٦٩) والطبراني (٤١٥) والحميدي (٥٤٦) وابن أبي شيبة (٣٧٢٨٢). ٣٧٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] فَجَعَلَهُنَّ مِنْ حُبّ الشَّهَوَاتِ، وَبَدَأَ بِهِنَّ قَبْل بَقِيَّةِ الْأَنْوَاع إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّهُنَّ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ، وَيَقَعِ فِي الْمُشَاهَدَةِ حُبّ الرَّجُلِ وَلَدِ مِن إِمْرَأَته الَّتِي هِيَ عِنْده أَكْثَر مِنْ حُبّه وَلَدَهُ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَدْ قَالَ بَعْض الْحُكَمَاءِ: النِّسَاءِ شَرّ كُلّهنَّ، وَأَشَرّ مَا فِيهِنَّ عَدَمِ الإِسْتِغْنَاء عَنْهُنَّ، وَمَعَ أَنَّهَا نَاقِصَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ تَحْمِلِ الرَّجُل عَلَى تَعَاطِي مَا فِيهِ نَقْصُ الْعَقْل وَالدِّينِ كَشَغْلِهِ عَنْ طَلَب أُمُور الدِّينِ، وَحَمْلِهِ عَلَى التَّهَالُك عَلَى طَلَب الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَشَدّ الْفَسَاد، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيث: ((وَاتَّقُوا النِّسَاءِ، فَإِنَّ أَوَّلِ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيل كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». وقال ابن بطال: قد روي عن بعض أمهات المؤمنين أنها قالت: من شقائنا قدمنا على جميع الشهوات، فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن، وقد أخبر الله مع ذلك أن منهن لنا عدوًّا، فينبغي للمؤمن الاعتصام بالله، والرغبة إليه في النجاة من فتنتهن، والسلامة من شرهن. [(١٨٣/١٣)]. ٣٠٨٦ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. (الدُّنْيَا حُلْوَةُ خَضِرَةُ) أي: مشتهاة مونقة تعجب الناظرين، فمن استكثر منها أهلكته كالبهيمة إذا أكثرت من رعي الزرع الأخضر أهلكها، ففي تشبيه الدنيا بالخضرة التي ترعاها الأنعام إشارة إلى أن المستكثر منها كالبهائم، فعلى العاقل القنع بما تدعو الحاجة منها، وتجنب الإفراط والتفريط في تناولها، فإنه مهلك. ٣٠٨٧ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ(٢). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ وَالذَّايَّةِ]. (١) أخرجه مسلم (٢٧٤٢) وأحمد (١١١٨٥) وعبد بن حميد (٨٦٧) والبيهقي (١٣٣٠١). (٢) أخرجه البخاري (٥٤٢١) ومسلم (٥٩٣٨) والترمذي (٣٠٥٦) وأحمد (٦٤٠٥) والنسائي في = ٣٧٣ كتاب النكاح (الُّؤْمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةُ وَالْفَرَس) هَذِهِ رِوَايَة مَالِك، وَكَذَا رِوَايَة سُفْيَان وَسَائِر الرُّوَاة بِحَذْفٍ أَدَاة الْحَصْرِ، نَعَمْ فِي رِوَايَة عَبْد الله بْنِ وَهْب عَنْ يُونُس بْن يَزِيد عَن الزُّهْرِيّ عَنْ حَمْزَةِ وَسَالِمِ عَن إِبْنِ عُمَر مَرْفُوعًا عِنْدِ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَة، وَإِنَّمَا الشُّؤْمِ فِي ثَلَاثَةِ: الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّار)). وَعِنْدِ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانِ بْنِ عُمَر حَدَّثَنَا يُونُس عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنِ إِبْنِ عُمَر أَنَّ رَسُول اللهِ﴿ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَة، وَالشُّؤْمِ فِي ثَلَاث: فِي الْمَرْأَة وَالدَّارِ وَالذَّابَّة)». قَالَ فِي ((النَّهَايَة)): أي: إِنْ كَانَ مَا يَكْرَه وَيَخَاف عَاقِبَتَهُ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَخْصِيصِه لَهَا؛ لِأَنَّ لَمَّا أَبْطَلَ مَذْهَب الْعَرَبِ فِي التَّطَيُّرِ بِالسَّوَانِحِ وَالْبَوَارِحِ مِن الطَّيْرِ وَالظَّبَاءِ وَنَحْوِهِمَا، قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَار يَكْرَه سُكْنَاهَا، أَوَ إِمْرَأَةً يَكْرَه صُحْبَتِهَا، أَوْ فَرَس يَكْرَه إِرْتِبَاطِهَا فَلْيُفَارِقْهَا بِأَنْ يَنْتَقِل عَنِ الدَّارِ، وَيُطَلِّق الْمَرْأَةَ وَيَبِيع لْفَرَس. وَقِيلَ: إِنَّ شُؤْمِ الدَّارِ ضِيقهَا وَسُوءِ جَارِهَا، وَشُؤْمِ الْمَرْأَةُ أَلَا تَلِدِ، وُشُؤْمِ الْفَرَس أَلَّا يُغْزَى عَلَيْهَا. اِنْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيّ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيث، فَقَالَ مَالِك: وَطَائِفَةٍ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الدَّارِ قَدْ يَجْعَل الله تَعَالَى سُكْنَاهَا سَبَبًا لِلِضَّرَرِ أَو الْهَلَاكِ، وَكَذَا إِنََّاذ الْمَرْأَةَ الْمُعَيِّنَةِ أَو الْفَرَس، أَو الْخَادِمِ قَدْ يَحْصُلِ الْهَلَاكِ عِنْده بِقَضَاءِ الله تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ قَدْ يَحْصُل الشُّؤْمِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة. قَالَ الْخَطَائِيُّ وَكَثِيرُونَ هُوَ فِي مَعْنَى الإِسْتِثْنَاءِ مِنَ الطَّرَةِ؛ أي: الطِّيَرَة مَنْهِيّ عَنْهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُون لَهُ دَارِ يَكْرَه سُكْنَاهَا، أَوَ إِمْرَأَةً يَكْرَهِ صُحْبَتَهَا، أَوْ فَرَس أَوْ خَادِمِ، فَلْيُفَارِقِ الْجَمِيعِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِه وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ. إِنْتَهَى. ((الكبرى)) (٩٢٧٧). ٣٧٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَقَالَ الْحَافِظِ إِبْنِ حَجَر: قَالَ عَبْدِ الرَّزَّاق في ((مُصَنَّفه)) عَنْ مَعْمَر سَمِعْت مَنْ فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيث بِقَوْلِ: شُؤْمِ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ غَيْرٍ وَلُودِ، وَشُؤْمِ الْفَرَس إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهَا، وَشُؤْمِ الدَّارِ جَارُ السَّوْء. وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو الظَاهِرِ أَحْمَدِ السَّلَفِيّ مِنْ حَدِيث اِبْنِ عُمَر أَنَّ رَسُول الله ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا كَانَ الْفَرَس حَرُونًا فَهُوَ مَشْؤُومٍ، وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَة قَدْ عَرَفَتْ زَوْجًا قَبْلِ زَوْجِهَا، فَحَنَّتْ إِلَى الزَّوْجِ الْأَوَّل فَهِيَ مَشْؤُومَة، وَإِذَا كَانَتِ الدَّارِ بَعِيدَة عَنِ الْمَسْجِد لَا يُسْمَع فِيهَا الْأَّذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَهِيَ مَشْؤُومَة، وَإِذَا كُنَّ بِغَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ فَهُنَّ مُبَارَگات. وَأَخْرَجَهُ الدّمْيَاطِيّ فِي ((كِتَابِ الْخَيْلِ)) وَإِسْنَاده ضَعِيف: وَفِي حَدِيث حَكِيمِ بْن مُعَاوِيَة عِنْدِ التِّرْمِذِيّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ يَقُول: ((لَا شُؤْم)) وَقَدْ يَكُون الْيُمْن فِي الْمَرْأَةَ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي ((الْفَتْحِ)) فِي إِسْنَاده ضَعْف، مَعَ مُخَالَفَته لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة. [٢٠٠/٥]. إِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِعْتِقَاد التَّأْثِيرِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى فَاسِد، وَالْأَسْبَابِ الْعَادِيّةِ بِإِجْرَاءِ الله تَعَالَى إِيَّاهَا أَسْبَابًا عَادِيَة وَاقِعَة قَطْعًا، فَقِيلَ: الْمُرَادِ أَنَّ التَّشَاؤُمَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَائِز؛ بِمَعْنَى: إِنَّهَا أَسْبَابِ عَادِيَةٍ لِمَا يَقَعُ فِي قَلْبِ الْمُتَشَائِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَلَوْ تَشَاءَمَ بِهَا الْإِنْسَانُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا أَسْبَابًا عَادِيَة لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِخِلَافٍ غَيْرِهَا، فَالتَّشَاؤُم بِهَا بَاطِلُ؛ إِذْ لَيْسَتْ هِيَ مِن الْأَسْبَابِ الْعَادِيَةِ لِمَا يَظُنُّهُ فِيهَا الْمُتَشَائِمُ بِهَا. وَأَمَّا إِعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى فَفَاسِدُ قَطْعًا فِي الْكُلّ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ بَيَانِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا تُبُوتَ لَهُ أَصْلاً، وَبَعْض الرِّوَايَاتِ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى لَكِنَّ غَالِبَ الرِّوَايَاتِ يُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّل، وَالله تَعَالَى أَعْلَم. [((شرح سنن النسائي)) (٢٠٠/٥)]. ٣٠٨٨ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نََّ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا كُنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَبِكْرًا أَمْ تَيِّبًا؟ قُلْتُ: بَلْ تَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًّا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا ٣٧٥ كتاب النكاح لِتَدْخُلَ، فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً - أي: عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (تُلَاعِبِهَا وَتُلَاعِبِك) زَادَ البخاري فِي رِوَايَة النَّفَقَات: ((وَتُضَاحِكَهَا وَتُضَاحِكك)) وَهِوَ مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّهُ مِن اللَّعِب، وَوَقَعَ عِنْدِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث كَعْب بْنِ عُجْرَة (أَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ قَالَ لِرَجُلٍ.)) فَذَكَرَ نَحْوِ حَدِيث جَابِرِ، وَقَالَ فِيهِ: ((وَتَعَضّهَا وَتَعَضّك)) وَوَفَعَ فِي رِوَايَة لِأَبِ عُبَيْدَة: (تُذَاعِبُها وَتُذَاعِبُك)) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَل اللّام. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَة ◌ُحَارَبِ بْنِ دِثَارِ عَنْ جَابِرِ ثَانِي حَدِيثِي الْبَابِ بِلَفْظِ: «مَا لَكِ وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابِهَا)) فَقَدْ ضَبَطَهُ الْأَكْثَرِ بِكَسْرِ اللََّمِ، وَهُوَ مَصْدَر مِن الْمُلَاعَبَة أَيْضًا، يُقَال: لَاعَبَ لِعَابًا وَمُلَاعَبَةٍ مِثْل قَاتَلَ قِتَالاً وَمُقَاتَلَة. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِضَمِّ اللَّامِ، وَالْمُرَاد بِهِ الرِّيقِ، وَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى مَصّ لِسَانِهَا وَرَشْف شَفَتَيْهَا، وَذَلِكَ يَقَع عِنْد الْمُلَاعَبَة وَالتَّقْبِيلِ، وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيدٍ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ، وَيُؤَيِّد أَنَّهُ بِمَعْنَى آخَرِ غَيْرِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلِ شُعْبَةٍ فِي الْبَاب: إنَّهُ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى عَمْرو بْنِ دِينَارِ، فَقَالَ: اللَّفْظِ الْمُوَافِقِ لِلْجَمَاعَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمِ التَّلْوِيحِ بِإِنْكَارِ عَمْرو رِوَايَة مُحَارِب بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَفْظ: ((إِنَّمَا قَالَ جَابِر: تُلَاعِبِهَا وَتُلَاعِبِك)) فَلَوْ كَانَت الرِّوَايَتَانِ مُتَّحِدَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى لَمَا أَنْكَرَ عَمْرو ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُجِيز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ مِنِ الزِّيَادَةِ: ((قُلْت: كُنَّ لِي أَخَوَاتٍ فَأَحْبَبْت أَنْ أَتَزَوَّج ◌ِمْرَأَةَ تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومٍ عَلَيْهِنَّ) أي: فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِهِنَّ، وَهُوَ مِن الْعَامّ بَعْد الخاصّ. وَفِي رِوَايَة عَمْرُو عَنْ جَابِرِ الْآتِيَّةِ فِي النَّفَقَات: «هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ بَنات - أَوْ تِسْعِ بَنَات - فَتَزَوَّجْتِ ثَيِّبًا، كَرِهْت أَنْ أَجِيئُهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَقَالَ: بَارَكَ الله لك)) أَوْ ((قَالَ خَيْرًا». (١) أخرجه البخاري (٤٧٩١) ومسلم (٧١٥) وأبو داود (٢٧٧٨) وأحمد (١٤٢٨٧) والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٤٤) والدارمي (٢٢١٦) وابن حبان (٢٧١٤). ٣٧٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن وَفِي رِوَايَة سُفْيَانِ عَنْ عَمْرُوفِي ((الْمَغَازِي)): ((وَتَرَكَ تِسْعِ بَنَاتِ كُنَّ لِي تِسْعِ أَخَوَات، فَكَرِهْت أَنْ أَجْمَع إِلَيْهِنَّ جَارِيَةٍ خَرْقَاءِ مِثْلهنَّ، وَلَكِن إِمْرَأَة تَقُومٍ عَلَيْهِنَّ وَتُمْشِطُهُنَّ، قَالَ: أَصَبْت)). وَفِي رِوَايَة إِبْن جُرَيْجِ عَنْ عَطَاء وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ: «فَأَرَدْت أَنْ أَنْكِحِ إِمْرَأَةَ قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا، قَالَ: فَذَلِكَ)) وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّوْفِيقِ بَيْن مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ فِي عَدَد أَخَوَاتِ جَابِرٍ فِي الْمَغَازِي، وَلَمْ أَقِفِ عَلَى تَسْمِيَتهنَّ، وَأَمَّا إِمْرَأَةَ جَابِرِ الْمَذْكُورَةِ فَاسْمِهَا سَهْلَة بِنْت مَسْعُود بْنِ أَوْسِ بْنِ مَالِك الْأَنْصَارِيَّة الْأَوْسِيَّةِ ذَكَرَهُ اِبْنِ سَعْد. (فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِتَدْخُلِ قَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلاً؛ أي: عِشَاء) كَذَا هُنَا، وَيُعَارِضِهُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْآتِي قَبْلِ أَبْوَابِ الطَّلَاق: (لَا يَطْرُق أَحَدِكُمْ أَهْلِه لَيْلاً)) وَهَوَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيّ عَنْ جَابِرِ أَيْضًا، وَيَجْمَعِ بَيْنِهِمَا أَنَّ الَّذِي فِي الْبَابِ لِمَنْ عُلِمَ مَجِيتُهُ وَالْعِلْمِ بِوُصولِهِ، وَالْآتِي لِمَنْ قَدِمَ بَغْتَة، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله في الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: ((يَتَخَوّنَهُم بِذَلِكَ)). وَفِي الْحَدِيث ((الْحَثّ عَلَى نِكَاحِ الْبِكْرِ)) وَقَدْ وَرَدَ بِأَصْرَحِ مِنْ ذَلِكَ عِنْد إِبْنِ مَاجَهُ مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّحْمَن بْنِ سَالِمِ بْن عُتْبَةَ بْن عُوَيْم بْنِ سَاعِدَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه بِلَفْظِ: (عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ؛ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبِ أَفْوَاهًا وَأَنْتَقِ أَرْحَامًا)) أي: أَكْثَر حَرَكَة، وَالنَّتَقِ بِنُونٍ وَمُثَنَّةِ الْحَرَكَةِ، وَيُقَالِ أَيْضًا لِلرَّئْيِ، فَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا كَثِيرَة الْأَوْلَاد. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث اِبْنِ مَسْعُود تَحْوِهِ وَزَادَ: ((وَأَرْضَى بِالْيَسِيرٍ)) وَلَا يُعَارِضِهُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ((عَلَيْكُمْ بِالْوَلُودِ)) مِنْ جِهَة أَنَّ كَوْنَهَا بِكْرًا لَا يُعْرَف بِهِ كَوْنِهَا كَثِيرَة الْوِلَادَة، فَإِنَّ الْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبِكْر مَظِنَّة، فَيَكُون الْمُرَاد بِالْوَلُودِ مَنْ هِيَ كَثِيرَة الْوِلَادَة بِالتَّجْرِبَةِ أَوْ بِالْمَظِنَّةِ، وَأَمَّا مَنْ جُرِّبَتْ فَظَهَرَتْ عَقِيمًا، وَكَذَا الْآيِسَةِ، فَالْخْبَرَانِ مُتَّفِقَانٍ عَلَى مَرْجُوحِيّتِهِما، وَفِيهِ فَضِيلَة ◌ِجَابِرٍ لِشَفَقَتِهِ عَلَى أَخَوَاتِهِ، وَإِيتَارِهِ مَصْلَحَتهنَّ عَلَى حَظّ نَفْسه. ٣٧٧ كتاب النكاح وَيُؤْخَذ مِنْهُ: أَنَّهُ إِذَا تَزَاحَمَتْ مَصْلَحَتَانٍ قُدِّمَ أَهَمّهِمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صوّبَ فِعْل صَلى الله عايـ جَابِرِ، وَدَعَا لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَيُؤْخَذْ مِنْهُ: الدُّعَاء لِمَنْ فَعَلَ خَيْرًا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقِ بِالدَّاعِي. وَفِيهِ: سؤَال الْإِمَامِ أَصْحَابِهِ عَنْ أُمورِهِمْ، وَتَفَقُّده أَحْوَالهِمْ، وَإِرْشَاده إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي بَابِ النَّكَاحِ وَفِيمَا يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْرِهِ. وَفِيهِ: مَشْرُوعِيَّة خِدْمَةِ الْمَرْأَةُ زَوْجِهَا، وَمَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ وَلَدٍ وَأَخِ وَعَائِلَة، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الرَّجُلِ فِي قَصْده ذَلِكَ مِن إِمْرَأَتِه، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجِب عَلَيْهَا، لَكِنْ يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الْعَادَة جَارِيَة بِذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُهُ النَّبِيّ وَقَوْله فِي رِوَايَة: ((خَرْقَاء)) بِفَتْجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء بَعْدهَا قَاف، هِيَ الَّتِي لَا تَعْمَل بِيَدِهَا شَيْئًا، وَهِيَ تَأْنِيث الْأَخْرَقِ، وَهُوَ الْجَاهِلِ بِمَصْلَحَةِ نَفْسه وَغَيْره. (تَمْتَشِطِ الشَّعِثَة) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَلَّئَةٍ، أَظْلَقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّتِي يَغِيبِ زَوْجِهَا فِي مَظِنَّة عَدَم التَّزَیُّن. (تَسْتَحِدٌ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ؛ أي: تَسْتَعْمِل الْحَدِيدَة، وَهِيَ الْمُوسَى. (وَالْمُغِيبَة) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدِهَا تَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحِّدَة مَفْتُوحَةٍ؛ أي: الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجِهَا، وَالْمُرَاد إِزَالَة الشَّعْرِ عَنْهَا، وَعَبَّرَ بِالإِسْتِحْدَادِ؛ ◌ِأَنَّهُ الْغَالِبِ اِسْتِعْمَالِهِ فِي إِزَالَة الشَّعْرِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَنْعِ إِزَالَتْه بِغَيْرِ الْمُوسَى، وَالله ءَ أَعْلَمِ. الفصل الثاني ٣٠٨٩ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ثَلَاثَةٌ حَقُّ عَلَى الله عَوْنُهُمُ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله(١). (١) أخرجه أحمد (٩٦٢٩) والترمذي (١٦٥٥) وقال: حسن، والنسائي (٣١٢٠) وابن ماجه (٢٥١٨) والحاكم (٢٨٥٩) وابن حبان (٤٠٣٠) والبيهقى (١٣٢٣٤). ٣٧٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ]. (وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ) أي: العِقَّة من الزنا. قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذانًا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان، وتقصم ظهره لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين. ٣٠٩٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةُ فِي الأَرْضِ وَفَسَادُ عَرِيضٌ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]. (وَفَسَادُ عَرِيضُ) أي: ذو عرض؛ أي: كبير، وذلك لأنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج، وأكثر رجالكم بلا نساء، فيكثر الافتتان بالزنا، وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد، ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة. قال الطيبي: وفي الحديث دليل لمالك، فإنه يقول: لا يراعى في الكفاءة إلا الدين وحده. ومذهب الجمهور أنه يراعى أربعة أشياء: الدين والحرية والنسب والصنعة، فلا تزوج المسلمة من كافر، ولا الصالحة من فاسق، ولا الحرة من عبد، ولا المشهورة النسب من الخامل، ولا بنت تاجر أو من له حرفة طيبة ممن له حرفة خبيثة أو مكروهة، فإن رضيت المرأة أو وليها بغير كفء صحَّ النكاح. كذا في ((المرقاة» [الأحوذي (١٧٣/٤)]. ٣٠٩١ - [وَعَنْ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّ مُكَائِرَّ بِكُمُ الأُمَمَ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ). (١) أخرجه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه (١٩٦٧). (٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥٠) والنسائي في ((الكبرى)) (٥٣٤٢) والطبراني (٥٠٨) والحاكم (٢٦٨٥) =