Indexed OCR Text
Pages 41-60
٣٩ تتمة كتاب الدعوات / باب الاستغفار والتوبة ٢٣٦٣ [وَعَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ (١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَِيُّ فِي («شُعَبِ الْإِيمَانِ)» وَقَالَ: تَفرَّدَ بِهِ النَّهْرَوَانِيُّ وَهُوَ تَجْهُولٍ، وَفِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) رُوِي عَنْهُ مَوْقُوفًا قَالَ: النَّدَمُ تَوْبَةُ وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ]. (١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠) والطبراني (١٠٢٨١) والبيهقي (٢٠٣٤٨) والقضاعي (١٠٨). باب سعة رحمة الله (بَاب) بالرفع منونًا وبالوقوف مسكنًا، ولم يذكر العنوان، وغالب أحاديثه في رحمة الرحمن الباعثة على التوبة من العصيان، والموجبة للرجاء وعدم اليأس من الغفران. قاله القاري. وقلت: وقع في بعض نُسخ ((المشكاة): ((باب في سعة رحمة الله)) ولا يخفى مناسبته للأحاديث المذكورة فيه. الفصل الأول ٢٣٦٤ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿: لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَفِي رِوَايَةٍ: غَلَبَتْ غَضَبِي(١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ]. (لَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) أي: خلق المخلوقات، قال القاري: أي: حين قدر الله خلق المخلوقات وحكم بظهور الموجودات، أو حين خلق الخلق يوم الميثاق أو بدأ خلقهم. انتهى. (كَتَبَ كِتَابًا) وفي رواية لهما: ((كتب في كتابه)) أي: في اللوح المحفوظ، بأمره للملائكة أن يكتبوا أو للقلم (فَهُوَ) أي: ذلك الكتابة بمعنى المكتوب، وقيل: عمله أو ذكره (عِنْدَهُ) أي: عندية المكانة لا عندية المكان؛ لتنزهه عن سمات الحدثان (فَوْقَ عَرْشِهِ) مكنونًا عن سائر الخلق، مرفوعًا عن حيز الإدراك. قال الحافظ: فلا تكون العندية مكانية، بل هي إشارة إلى كما كونه مخفيًّا عن الخلق مرفوعًا عن حيز إدراكهم، وفيه تنبيه نبيه على تعظيم الأمور وجلالة القدر. (١) أخرجه البخاري (٦٩٦٩) ومسلم (٢٧٥١) وأحمد (٧٥٢٠) وإسحاق بن راهويه (٤٥٩) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨٧/٧) والديلمي (٥٢٨٧) والدار قطني في «الصفات)) (١٦). ٤٠ ٤١ تتمة كتاب الدعوات / باب سعة رحمة الله (إِنَّ رَحْمَتِي) بكسر الهمزة وفتحها. قال الحافظ: بفتح ((أن)) على أنها بدل من الكتاب، وبكسرها على أنها ابتداء كلام يحكي مضمون الكتاب. قال القاري: ويؤيد الثاني رواية للشيخين: «إن رحمتي تغلب غضبي». (سَبَقَتْ غَضَبِي، وَفِي رِوَايَةٍ: غَلَبَتْ غَضَبِي) قال القاري: ((غلبت غضبي)) أي: غلبت آثار رحمتي على آثار غضبي، وهي مفسرة لما قبلها، والمراد بيان سعة الرحمة وكثرتها وشمولها الخلق حتى كأنها السابق، والغالب كما يقال: ((غلب على فلان الكرم) إذا كان هو أكثر خصاله، وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما على الأخرى، وإنما هو على سبيل المبالغة للمجاز. وقيل: السبق والغلبة باعتبار التعلق؛ أي: تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب؛ لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث، وبهذا التقرير يندفع استشكال مَن أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغیرها. وقال التوربشتي: في سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وإنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، ألا ترى أن الرحمة تشمل الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا من غير أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك. وقال الطيبي: أي: لما خلق الخلق حكم حكمًا جازمًا، ووعد وعدًا لازمًا لا خلف فيه بأن رحمتي سبقت غضبي، فإن المبالغ في حكمه إذا أراد أحكامه عقد عليه سجلاً وحفظه، ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق الرحمة إنهم مخلوقون للعبادة شكرًا للنعم الفائضة عليهم، ولا يقدر أحد على أداء حق الشكر، وبعضهم يقصرون ٤٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن فيه فسبقت رحمته في حق الشاكر، بأن وفَّى جزاءه وزاد عليه ما لا يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب. ٢٣٦٥ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ لله مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامٌ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. قوله: (إِنَّ الله مِائَةَ رَحْمَةٍ) قال الطيبي: رحمة الله تعالى لا نهاية لها، فلم يرد بما ذكره تحديدًا بل تصويرًا للتفاوت بين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الدنيا. انتهى. وقال في ((اللمعات)): لعل المراد أنواعها الكلية، التي تحت كل نوع منها أفراد غير متناهية، أو المراد ضرب المثل لبيان المقصود، فافهم. قال الحافظ ابن حجر: أما مناسبة خصوص عدد المائة، فيحتمل أن تكون مناسبة هذا العدد الخاص لكونه مثل عدد درج الجنة، والجنة هي محل الرحمة، فكأن كل رحمة بإزاء درجة، وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى، فمن نالته منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة، وأعلاهم منزلة من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة. (أَنْزَلَ مِنْهَا) أي: من جملة المائة (رَحْمَةً وَاحِدَةً) قال القاري: الإنزال تمثيل مشیر إلى أنها ليست من الأمور الطبيعية، بل هي من الأمور السماوية مقسومة بحسب قابلية المخلوقات (بَيْنَ الْجِنِّ) أي: بعضهم مع بعض (وَالإِفْسِ) كذلك (وَالْبَهَائِمِ) أي: مع أولادها (وَالْهَوَامِّ) بتشديد الميم جمع: هامة، وهي كل ذات سمٍّ، وقد يقع على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات كذا في ((النهاية)) والله أعلم برحمتها فيما لا توالد فيها (فَبِهَا) أي: بتلك الرحمة الواحدة، وبسبب خلقها فيهم (يَتَعَاطَفُونَ) أي: يتمايلون (١) أخرجه البخاري (٦٠٠٠) ومسلم (٢٧٥٢) وأحمد (٩٦٠٧) وابن ماجه (٤٢٩٣). ٤٣ تتمة كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله فيما بينهم (وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ) أي: بعضهم على بعض (وَبِهَا تَعْطِفُ) بكسر الطاء. ٢٣٦٦ - [وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ تَحْوِهِ، وَفِي آخِرِهِ: فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ] (١). ٢٣٦٧ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدُ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدُّ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٢٣٦٨ - [وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ (٣). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء المهملة وآخره كاف: أحد سيور النعل التي في وجهها. وقيل: وهو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجل. ٢٣٦٩ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَالَ: قَالَ رَجُلُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَظُ الأَهْلِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَسْرَفَ رَجُلُ عَلَى نَفْسِهِ - فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، إِذَا مَاتَ فَحَرَّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَالله لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لا يُعَذِّبُهُ اللهُ أَحَدًّا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ(٤). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٢٣٧٠ - [عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: قَدِمَ عَلَى الشَِّيِّ نَّهِ سَبْيُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ (١) أخرجه مسلم (٧١٥٣). (٢) أخرجه البخاري (٦٤٦٩) ومسلم (٧١٥٥) وأحمد (٩٤٠٢) والترمذي (٣٨٨٧) وابن حبان (٦٥٨) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠١١). (٣) أخرجه البخاري (٦١٢٣) وأحمد (٣٦٦٧) والبزار (١٦٦٣) وأبو يعلى (٥٢١١) وابن حبان (٦٦١) والبيهقي (٦٢٩٦) والديلمي (٢٦١٣). (٤) أخرجه مالك (٥٧٤) والبخاري (٧٥٠٦) ومسلم (٧١٥٦). ٤٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن السَّبْي قَدْ تَخْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّ فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ◌َِّ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا: لَا وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: اللهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا (١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَى النَّبِيِّ وَلهَ سَبْيُ) أي: أسرى من الغلمان والجواري، وسبيته سبيًا إذا حملته من بلد إلى بلد، وقوله: ((قدم)) على صيغة المعلوم فعل ماضٍ، و((سبي)) بالرفع فاعله، وفي رواية الكشميهني: ((قُدِم بسبي» على صيغة المجهول، وبالباء الموحدة في ((سبي)) وكان هذا من السبي هوازن (فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبي) لم يعرف الحافظ اسمها (قَدْ تَخْلُبُ) بفتح الحاء وتشديد اللام على وزن: تفعل (تَدْيَهَا) بالإفراد والرفع فاعله؛ أي: سأل لبن ثديها على حذف المضاف؛ لكثرته لعدم ولدها معها. (تَسْقِي) قال الحافظ: بفتح المثناة وبقاف مكسورة، وللكشميهني: ((بسقي" بموحدة مكسورة بدل الفوقية وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية، والباقين: (تسعى)) بفتح العين المهملة من السعي؛ أي: تمشي بسرعة تطلب ولدها الذي فقدته، وفي رواية: ((تبتغي)) من الابتغاء وهو الطلب. قال عياض: وهو وهم، والصواب ما في رواية البخاري: ((تسعى)» بالسين من السعي. وتعقبه النووي بأن كلا من الروايتين صواب لا وهم فيه، فهي ساعية وطالبة مبتغية لا بنها. وقال القرطبي: لا خفاء بحسن رواية: ((تسعى)) ووضوحها ولكن لرواية: ((تبتغي)) وجهًا وهو تطلب ولدها، وحذف المفعول للعلم به، فلا يغلط الراوي مع هذا التوجيه. (إِذَا وَجَدَتْ) قال الحافظ: قوله: ((إذا كذا)) أي: بالألف للجميع، ولمسلم (صَبِيًّا فِي السَّبْي) أي: في جملة صبيان السبي (أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَظْنِهَا) قال الحافظ: حذف منه شيء بينته رواية الإسماعيلي ولفظه: «إذا وجدت صبيًّا أخذته فأرضعته، فوجدت (١) أخرجه البخاري (٥٦٥٣) ومسلم (٢٧٥٤) والبزار (٢٨٧) والطبراني في ((الأوسط)) (٣٠١١) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٧١٣٢). ٤٥ تتمة كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله صبيًّا فأخذته فألزمته بطنها)) وعرف من سياقه إنها كانت فقدت صبيها، وتضررت باجتماع اللبن. ٢٣٧١. [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهُ: لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءُ مِنَ الدُّنْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا (١). مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ] (لَنْ يُنَجَّ) أي: من النار ((ولن)» لمجرد النفي. وقيل: لتوکیده، و(ینجي)) بفتح النون وكسر الجيم المشددة من التنجية، أو بسكون النون وتخفيف الجيم المكسورة من الانجاء؛ ومعناه: لن يخلص النجاة من الشيء التخلص منه (أحَدًا) بالنصب على المفعولية (مِنْكُمْ عَمَلُهُ) بالرفع على الفاعلية. قال الطيبي: أي: النجاة من العذاب، والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته والعمل، غير مؤثر فيهما على سبيل الإيجاب، بل غايته أنه يعد العامل لأن يتفضل عليه ويقرب الرحمة إليه؛ ولذا قال: (فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا)» والخطاب للصحابة، والمراد: معشر بني آدم. (قَالُوا) وفي رواية لمسلم: ((فقيل)) وفي أخرى له: ((قال رجل)) قال الحافظ: لم أقف على تعيين القائل (وَلَّا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟) قال الطيبي: الظاهر ((ولا إياك)» أي: للعطف على ((أَحَدًّا)) فعدل إلى الجملة الاسمية؛ أي: من الفعلية المقدرة مبالغة؛ أي: ولا أنت ممن ينجيه عمله استبعادًا عن هذه النسبة إليه (قَالَ: وَلَا أَنَا) مطابق ((ولا أنت)) أي: ولا أنا ممن ينجيه عمله. وفي رواية مسلم المشار إليها قال: ((ولا إیاي». (إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ) أي: يسترني. وفي رواية لمسلم: ((إلا أن يتداركني)) (مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ) وفي رواية لهما: ((بفضله ورحمته)) وللمستملي: ((بفضل رحمته)) بإضافة بفضل (١) أخرجه البخاري (٦٤٦٣) ومسلم (٧٢٨٩) وأحمد (١٠٥٢٧). ٤٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن للاحقها. وفي رواية لمسلم: ((برحمته وفضل)) وفي أخرى له: ((بمغفرة ورحمته)) قال أبو عبيدة: المراد بالتغمد الستر، وما أظنه إلا مأخوذًا من غمد السيف؛ لأنك إذا غمدت السيف، فقد ألبسته الغمد وسترته به، كأنه جعل رحمة له غمدًا وستره بها وغشاه. قال القاري: والاستثناء منقطع؛ أي: إلا أن يلبسني لباس رحمته، فأدخل الجنة برحمته، والتغمد الستر؛ أي: يسترني برحمته ويحفظني كما يحفظ السيف بالغمد، بكسر الغين وهو الغلاف، ويجعل رحمته محيطة بي إحاطة الغلاف للسيف. (فَسَدِّدُوا) بالسين المهملة المفتوحة وكسر الدال المهملة الأولى المشددة؛ أي: اقصدوا السداد من الأمر، وهو الصواب من قولهم: سدد السهم إذا تحرى الهدف. وقيل: هو القصد من القول والعمل واختيار الصواب منهما، وهو ما بين الإفراط والتفريط؛ يعني: قوموا العمل واطلبوا الصواب، واقصدوا في العمل بلا إفراط وتفريط، فلا تغلوا ولا تقصروا، وفي رواية لمسلم: ((ولكن سددوا)). قال الحافظ: ومعنى هذا الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنه قيل: بل له فائدة، وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة، التي تدخل العامل الجنة، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، وهو اتباع السنة من الإخلاص، وغيره ليقبل عملكم، فينزل عليكم الرحمة. (وَقَارِبُوا) أي: اطلبوا المقاربة، وهي القصد في الأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير. وقيل: المعنى: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرب منه؛ يعني: اعملوا بالسداد، فإن عجزتم عنه فقاربوا؛ أي: اقربوا منه، وقال الحافظ: أي: لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتركوا العمل، فتفرطوا. (وَاغْدُوا) بالغين المعجمة الساكنة والدال المهملة من الغدو، وهو السير من أول النهار (وَرُوحُوا) بضم الراء وسكون الواو من الرواح، وهو السير من أول ٤٧ تتمة كتاب الدعوات / باب سعة رحمة الله النصف الثاني من النهار. وقال ابن الأثير: الغدو الخروج بكرة، والرواح العود عشيًّا، والمراد: اعملوا أطراف النهار وقتًا (وَشَيْءٌ مِنَ الدَُّجَةِ) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام ويجوز فتحها، وبعد اللام جيم سير الليل، والمراد العمل في الليل، وقال: ((وشيء من الدلجة)) لعسر سير جميع الليل، ففيه إشارة إلى تقليله، وإلى الحث على الرفق في العبادة، وشيء مرفوع على الابتداء وخبره مقدر؛ أي: اعملوا فيه، أو مطلوب عملكم فيه. وقيل: التقدير: ولكن شيء من الدلجة، وقيل: إنه مجرور لعطفه على مقدر؛ أي: اعملوا بالغدو والروحة وشيء من الدلجة، أو المعنى: استعينوا بشيء من الدلجة (تَبْلُغُوا) المنزل الذي هو مقصدڪم، وهو مجزوم على جواب الأمر، وقد شبه المتعبدين بالمسافرين؛ لأن العابد كالمسافر إلى محل إقامته وهو الجنة، وكأنه قال: لا تستوعبوا الأوقات كلها بالسير بل اغتنموا أوقات نشاطڪم، وهو أول النهار وآخره وبعض الليل، وارحموا أنفسكم فيما بينهما؛ لئلا ينقطع بكم. ٢٣٧٢ - [وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يُجِيْرُهُ مِنَ النَّارِ، وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ مِنَ الله (١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. ٢٣٧٣ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا (٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. ٢٣٧٤ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله عَل اله وَسـ إِنَّ اللّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً (١) أخرجه مسلم (٢٨١٧). (٢) أخرجه البخاري (٤١) والنسائي (٥٠١٣). ٤٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. الفصل الثاني ٢٣٧٥ - [عَنْ عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ أُخْرَى حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ(٢). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))]. (إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ) أي: صفته (كَمَثَلِ رَجُلٍ) قید به لمناسبته بالدرع (کَانَتْ عَلَیْهِ دِرْعُ) بكسر الدال المهملة، وهي قمیص من زر، والحديد يلبس وقاية من سلاح العدو مؤنث، وقد يذكر بخلاف درع المرأة؛ أي: قميصها، فإنه مذكر (قَدْ خَنَقَتْهُ) أي: عصرت حلقه ولبته لضيقها (ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً) أي: أي حسنة كانت والتنوين للتنكير (فَانْفَكَّتْ) أي: انحلت (حَلْقَةٌ) بسكون اللام؛ أي: من حلق تلك الدرع (ثُمَّ عَمِلَ) أخرى؛ أي: حسنة أخرى (فَانْفَكَّتْ حَلْقَةُ أُخْرَى) أي: حلقة من الحلق، وهكذا تنفك واحدة بواحدة بعد أخرى (حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ) أي: حتى تسقط تلك الدرع. قال الطيبي: أي: حتى تنحل وتنفك بالكلية ويخرج صاحبها من ضيقها، فقوله: ((تخرج إلى الأرض)) كناية عن سقوطها، انتهى. والمقصود من الحديث أن عمل السيئات يضيق صدر عاملها، ويحيره في أمره ويعسره عليه، فلا تيسر له أموره ويسود قلبه ويضيق عليه رزقه ويبغضه إلى الناس، وإذا عمل الحسنات تذهب حسناته سيئاته، فإذا زالت سيئاته انشرح صدره وتوسع رزقه وطاب قلبه وتيسر له أموره وصار محبوبًا في قلوب الناس، فالحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود : ١١٤]. ٢٣٧٦ - [وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: (١) أخرجه البخاري (٦١٢٦) ومسلم (١٣١) وأحمد (٢٨٢٨). (٢) أخرجه أحمد (١٧٣٤٥) والطبراني (٧٨٣) والروياني (١٦٥). ٤٩ تتمة كتاب الدعوات / باب سعة رحمة الله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ الثَّانِيَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ﴾ فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَق يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ الثَّالِئَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ﴾ فَقُلْتُ الثَّالِئَةَ: وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (يَقُصُ) أي: يحدث الناس ويعظهم ويذكرهم (وَهُوَ يَقُولُ) أي: والحال أنه يقول، ويحتمل أن (﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانٍ﴾) يكون للعطف على ((يقص)) (﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾) أي: لكل فرد من أفراد الخائفين أو لمجموعهم؛ يعني: الكلام على سبيل التوزيع؛ فإحدى الجنتين للخائف الإنسي، والأخرى للخائف الجني، فكل خائف ليس له إلا جنة واحدة، والأول هو المعتمد (مَقَامَ رَبِّهِ) مقامه سبحانه: هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب، أو قيام الخائف عند ربه للحساب؛ يعني: ((ولمن خاف)) من القيام بحضرة ربه يوم القيامة. وقيل: المعنى: خاف مقام ربه عليه، وهو إشرافه على أحواله وإطلاعه على أفعاله وأقواله، من قام عليه إذ راقبه، وفيه إشارة إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر، وهو أنه ليس مجرد الخوف بل الخوف الناشئ عنه ترك المعاصي. ٢٣٧٧ - [وَعَنْ عَامِرِ الرَّامِ قَالَ: بَيْنَا تَحْنُ عِنْدَهُ - يَعْنِي: عِنْدِ النَّبِيِّ - إِذْ أَقْبَلَ رَجُلُ عَلَيْهِ كِسَاءُ وَفِي يَدِهِ شَيْءٍ قَدِ الْتَقَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِي مَرَرْتُ بِغَيْضَةِ شَجٍَ فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاجِ طَائِرٍ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ مَعَهُنَّ، فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُوْلَاءِ مَعِي، قَالَ: ضَعْهُنَّ، فَوَضَعْتُهُنَّ وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌ِ﴾ أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمٍ أُمِّ الأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا؟ فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمّ الأَفْرَاحِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ، فَرَجَعَ بِهِنَّ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد]. (١) أخرجه أحمد (٨٩١٧). (٢) أخرجه أبو داود (٣٠٩١). ٥٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن الفصل الثالث ٢٣٧٨ - [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ الشَّبِيِّ وَّهُ فِي بَعْضٍ غَزَوَاتِهِ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، وَامْرَأَةٌ تَخْصِبُ تَنُّورَهَا وَمَعَهَا ابْنُ لَهَا، فَإِذَا ارْتَفَعَ وَهَجُ التَّنُّورِ تَنَخَّتْ بِهِ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأَنِّي أَلَيْسَ اللهُ بِأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ؟ قَالَ: بَلَ، قَالَتْ: أَلَيْسَ اللهُ أَرْحَمَ بِعِبَادِهِ مِنَ الأَمِّ بِوَلَدِهَا؟ قَالَ: بَلَ، قَالَتْ: إِنَّ الأُمَّ لَا تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ، فَأَكَبَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الْمَارِدَ الْمُتَمَرِّدَ الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى اللهِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ(١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه]. (فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: تَحْنُ الْمُسْلِمُونَ) كأنهم توهموا أو خافوا إن رسول الله رَو ظنهم غير مسلمين. قال ابن حجر تبعًا للطيبي: كان من الظاهر أن يقال في الجواب: نحن مضريون أو قرشيون أو طائيون، فعدلوا عن الظاهر، وعرفوا الخبر حصرًا؛ أي: نحن قوم لا نتجاوز الإسلام توهمًا أن رسول الله وَل م ظن أنهم غير مسلمين. انتهى. قال القاري: وهذا تكلف وقال قوله: ((من القوم)) أي: أنتم أوهم من الأعداء الكافرين أو الأحباء المسلمين (وَامْرَأَةُ) أي: والحال إن امرأة معهم (تَخْصِبُ) بالحاء والصاد المهملتين كتضرب، وفي نسخة القاري: ((تحضب)) بالحاء المهملة والضاد المعجمة المكسورة، وقال: تخضب؛ أي: توقد (وَمَعَهَا ابْنُ لَهَا) أي: صغير (فَإِذَا ارْتَفَعَ وَهَجُ) بالفتح حر النار (تَنَحَّتْ بِهِ) أي: تبعدت الأم بالولد عن النار (فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ الله؟) استفهام بحذف أداته، ولا ينافي إسلامها قبل ذلك؛ لعلمها به إجمالاً، وإن لم تعلم ذاته بعينها (قَالَتْ: إِنَّ الأُمَّ لَا تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ) أي: فكيف أرحم الراحمين يلقي بعض العبيد فيها وإن كانوا كفرة (فَأَكَبَّ رَسُولُ الله) أي: طأطأ رأسه (١) أخرجه ابن ماجه (٤٤٣٨). ٥١ تتمة كتاب الدعوات / باب سعة رحمة الله (إِنَّ اللّهَ لَا يُعَذِّبُ) أي: عذابًا مخلدًا (مِنْ عِبَادِهِ) أي: من جميع عباده، فالإضافة للاستغراق بدليل الاستثناء. قال السندي: قوله: ((لا يعذب)) أي: على الدوام. والظاهر أنه لا يدخل النار إلا هؤلاء إذا الكلام في إدخال النار في الخلود والدوام، والله أعلم. وبالجملة: فالمعصية تعظم وتزيد قبحًا وشناعة بقدر حقارة العاصي وعظمة المعصي بها وكثرة إحسانه إلى المعاصي، فيعظم جزاؤها بذلك فبالنظر إلى حالة العبد العاصي، وإنه خلق من أي شيء وأي شيء مقداره، وإلى عظمة خالق السماوات والأرض الذي قامت السماوات بأمره، وإلى كثرة نعمه وإحسانه تعظم أدنى المعاصي حتى تجاوز الجبال والبحار، وتصير حقيقة بأن يجعل جزاءها الخلود في النار لولا رحمة الكريم العفو الغفور الرحيم، فكيف هذه المعصية المتضمنة لتشبيهه بالأحجار التي هي أرذل الخلق؟! فتعالى سبحانه عن ذلك علوًّا كبيرًا، وحقائق هذه الأمور لا يعلمها إلا علام الغيوب، ثم ظاهر الحديث يقتضي أن جاحد النبوة قد أبى عن كلمة التوحيد على وجهها، وهو المراد ها هنا، انتهى. (فَقَالَ: إِلَّا الْمَارِدَ) أي: شيطان الإنس والجن المتعري عن الخيرات من مرد كنصر وكرم: عتا وعصى وجاوز حد أمثاله، أو بلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف (الْمُتَمَرِّدَ) مبالغة له (الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى الله) أي: يتجرأ على مخالفته ويعتو عليه (وَأَبِى) عطف على يتمرد عطف تفسير؛ أي: امتنع (أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فيكون بمنزلة ولد يقول: لست أبي وأمي غيرك، ويعصيها ويتصورها بصورة كلب أو خنزير، فلا شك أنها حينئذٍ تتبرأ عنه وتعذبه إن قدرت عليه، وحاصل الجواب: إن الكافر خرج من العبودية. ٢٣٧٩ - [وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ الله وَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ اللهُ رَكْ لِجِبْرِيلَ: إِنَّ فُلَانًا عَبْدِي يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي، أَا وَإِنَّ رَحْمَتِي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَى فُلانٍ، وَيَقُولُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُمْ ٥٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن حَتَّى يَقُولَهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ تَهْبِطُ لَهُ إِلَى الأَرْضِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ]. (إِنَّ الْعَبْدَ) أي: الصالح (لَيَلْتَمِسُ) أي: يطلب (مَرْضَاةَ الله) أي: رضاه بأصناف الطاعات (وَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ) أي: ملتبسًا؛ أي: بذلك الالتماس (إِنَّ فُلَانًا) كناية عن اسمه ووصفه (عَبْدِي) أي: المؤمن إضافة تشريف (يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي) أي: لأن أرحمه (أَلَا) للتنبيه (وَإِنَّ رَحْمَتِي) أي: الكاملة (عَلَيْهِ) أي: واقعة عليه ونازلة إليه (رَحْمَةُ الله عَلَى قُلَانٍ) خبر أو دعاء، وهو الأظهر (وَيَقُولُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ) أي: هذه الجملة (وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُمْ) أي: جميعًا (ثُمَّ تَهْبِطُ) على بناء المفاعل، ويحتمل أن يكون على بناء المفعول؛ أي: تنزل الرحمة (لَهُ) أي: لأجله (إِلَى الأَرْضِ) أي: إلى أهل الأرض. قال القاري: يعني: محبة الله إياه، ثم يوضع له القبول فيها. ٢٣٨٠ - [وَعَنْ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ فِي قَولِ اللّهِ رَ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَائِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدُ وَمِنْهُمْ سَابِقُّ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قَالَ: كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ(٢). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي ((الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ)]. (١) أخرجه أحمد (٢٢٤٥٤) والطبراني في ((الأوسط)) (١٢٤٠). (٢) أخرجه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٥٧). باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام (الصَّبَاحِ وَالمسَاءِ) قال المجد في ((القاموس)): الصبح: الفجر أو أول النهار، وهو الصبيحة والصباح والإصباح والمصبح كمكرم، والمساء والإمساء ضد الصباح والإصباح. قال النووي في كتابه ((الأذكار)) تحت باب ما يقال عند الصباح وعند المساء: اعلم أن هذا الباب واسع جدًّا ليس في الكتاب باب أوسع منه، وأنا أذكر - إن شاء الله تعالى - فيه جملاً من مختصراته، فمن وفق للعمل بكلها فهي نعمة وفضل من الله تعالى عليه، وطوبى له من عجز عن جميعها، فليقتصر من مختصراتها على ما شاء ولو كان ذكرًا واحدًا، ثم ذكر النووي آيات من القرآن العزيز ورد فيها الأمر بالذكر أو التسبيح أو الدعاء في العشي والإبكار والإشراق والغدو والآصال وقبل طلوع الشمس وقبل غروبها، أو ورد فيها مدح القائمين بذلك، ثم سرد جملاً من الأحاديث أورد المصنف أكثرها في ((المشكاة)). (وَالمنَامِ) أي: زمان النوم، أو هو مصدر ميمي؛ أي: عند إرادة النوم، والظاهر أن المراد به نوم الليل، فلا يشمل القيلولة. الفصل الأول ٢٣٨١ [عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَمْسَى قَالَ: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ وَالْخَمْدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ إِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيرٍ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أيضًا (أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للهِ، وَفِي - ٥٣ - ٥٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن رِوَايَةٍ: رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. ٢٣٨٢ - [وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعْ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللُّهُمَّ بِسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (٢). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. (إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بفتح الجيم؛ أي: أتى فراشه ومرقده (مِنَّ اللَّيْلِ) أي: في بعض أجزاء الليل فالمضجع كمقعد موضع الضجع، وفي رواية للبخاري: ((إذا أوى إلى فراشه)) أي: دخل فيه، وقال الطيبي: قوله: ((من الليل)) صلة لأخذ على طريق الاستعارة كأنه قيل: إذا أخذ حظه من الليل؛ أي: أراد أن ينام؛ لأن لكل أحد حظًا منه، وهو السكون والنوم والراحة، فكأنه يأخذ منه نصيبه وحظه بالسكون والنوم، قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر:٦١] والمضجع مصدر. انتهى. (وَضَعَ يَدَهُ) أي: كفه اليمنى (تَحْتَ خَدِّهِ) وعند أحمد (٣٨٧/٥): ((وضع يده اليمنى تحت خده اليمنى)) (ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ) بوصل الهمزة، أي: بذكر اسمك جادًّا لا يكف اللسان عن ذكرك، ولا بقلب غافل (أَمُوتُ) قدم الموت؛ لأن النوم أخوه، وهذا وقت النوم (وَأَحْيَا) بفتح الهمزة؛ أي: أنام وأستيقظ؛ يعني: بذكر اسمك أحبى ما حييت وعليه أموت، ويسقط بهذا سؤال من يقول: بالله الحياة والموت لا باسمه، ويحتمل أن يكون لفظ الاسم هنا زائدًا (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا) ولأحمد في الرواية المذكورة: ((أحياني بعد ما أماتني)) قيل: هذا ليس إحياء ولا إماتة (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ). ٢٣٨٣ - [وَمُسْلِمْ عَنِ الْبَرَاءِ] (٣). ٢٣٨٤ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِ (١) أخرجه مسلم (٧٠٨٣) وأبو داود (٥٠٧٣) والترمذي (٣٧١٨). (٢) أخرجه البخاري (٦٣١٤). (٣) أخرجه مسلم بنحوه (٧٠٥٩). ٥٥ تتمة كتاب الدعوات / باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةٍ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عَبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ لْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ لْيَقُلْ: بِسْمِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةٍ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا(١). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٢٣٨٥ - [وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَنَبِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَّحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ(٢) وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ لِرَجُلٍ: يَا فُلَانُ، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلٍ: اللُّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ. إِلَى قَولِهِ: أَرْسَلْتَ، وَقَالَ: فَإِنْ مُتَّ فِي لَيْلَتِكَ مُثَّ مِنْ لَيَلَتِكَ مُتُّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ أَجْرًا(٣). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. (نَامَ عَلَى شِقَّهِ) بكسر المعجمة وتشديد القاف؛ أي: جانبه (الأَيْمَنِ) لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ) وفي رواية للنسائي: ((كان النبي ◌َّ إذا أوى إلى فراشه توسد يمينه)) أي: جعل يده اليمني تحت رأسه من التوسد، وهو اتخاذ النائم تحت رأسه وسادة (أَسْلَمْتُ) أي: سلمت، وقيل: أي: أخلصت (نَفْسِي) أي: ذاتي (إِلَيْكَ) أي: مائلة إلى حكمك، وقيل: ((أسلمت نفسي إليك)) أي: استسلمت وانقدت، والمعنى: جعلت ذاتي منقادة لك طائعة لحكمك؛ إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على (١) أخرجه البخاري (٥٩٦١) ومسلم (٢٧١٤) وأبو داود (٥٠٥٠) والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٦٢٧) وابن أبي شيبة (٢٦٥٢٥). (٢) أخرجه البخاري (٦٣١٥) ومسلم (٧٠٥٩) وأحمد (١٩١٦٤) والدارمي (٢٧٣٩). (٣) أخرجه الترمذي (٣٣٩٤) وقال: حسن، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٦١٦). ٥٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن جلب ما ينفعها إليها، ولا دفع ما يضرها عنها، فأمرها مفوض إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك. ٢٣٨٦ - [وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانًا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَّا مُؤْوِيَ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. ٢٣٨٧ - [وَعَنْ عَلَيِّ ﴾ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌ََّ تَشْكُو إِلِيهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقُ فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرًا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ(٢). مُتَّفَقُّ عَلَيْهِ]. ٢٣٨٨ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ قَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ اللهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ الله أَرْبَعًا وَثَلَائِينَ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، وَعِنْدَ مَنَامِكِ (٣). رَوَاهُ مُسْلِمُ]. الفصل الثاني ٢٣٨٩ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ تَخْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ(٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد (١) أخرجه مسلم (٧٠٦٩) وأبو داود (٥٠٥٥) والترمذي (٣٧٢٤) وأحمد (١٢٨٨٨). (٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٥) ومسلم (٢٧٢٧) وأبو داود (٥٠٦٢) والترمذي (٣٤٠٨) وأحمد (٧٤٠) وابن حبان (٥٥٢٤) وابن أبي شيبة (٢٩٣٤٤) والطحاوي (٢٣٣/٣). (٣) أخرجه مسلم (٧٠٩٤). (٤) أخرجه أبو داود (٥٠٦٨) والترمذي (٣٣٩١) وقال: حسن، وابن ماجه (٣٨٦٨) وابن السني (٣٤). ٥٧ تتمة كتاب الدعوات / باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام وَابْنُ مَاجَه]. (اللُّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا) الباء متعلق بمحذوف، وهو خبر (أصبحنا)) ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: أصبحنا متلبسين بحفظك، أو مغمورين بنعمتك، أو مشتغلين بذكرك، أو مستعينين باسمك، أو مشمولين بتوفيقك، أو متحركين بحولك وقوتك، ومتقلبين بإرادتك وقدرتك، وتقديم ((بك)) على ((أصبحنا)) وما بعده يفيد الاختصاص (وَبِكَ أَمْسَيْنَا) هذا مبني على أن المراد المساء السابق أو اللاحق، وصيغة الماضي للتفاؤل (وَبِكَ تَخْيَا وَبِكَ نَمُوتُ) أي: أنت تحيينا وأنت تميتنا؛ يعني: يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال (وَإِلَيْكَ) لا إلى غيرك (الْمَصِيرُ) أي: المرجع بعد البعث (وَإِذَا أَمْسَى) عطف على ((إذا أصبح)) (اللُّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا) بتقديم ((أمسينا)) (وَإِلَيْكَ النُّشُورُ) أي: البعث بعد الموت. قال الجزري: يقال: نشر الميت ينشر نشورًا: إذا عاش بعد الموت وأنشره الله أحياه. وقال المجد: النشر: إحياء الميت والنشور والإنشار: الحياة. ٢٣٩٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ: إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدٍ وَالدَّارِمُّ]. ٢٣٩١ - [وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءٍ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَانَ أَبَانُ قَدْ (١) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٠٢) وأحمد (٥١) وأبو داود (٥٠٦٧) والترمذي (٣٣٩٢) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (٩٦٢) والحاكم (١٨٩٢) والطيالسي (٩) وابن أبي شيبة (٢٦٥٢٣) والدارمي (٢٦٨٩). ٥٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء الثامن أَصَابَهُ طَرَفُ فَالَجٍ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ إِلَّ؟ أَمَا إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللهُ عَلَّ قَدَرَهُ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَأَبُو دَاوُد، وَفِي رِوَايَتِهِ: لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةٌ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةٌ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِي]. ٢٣٩٢ - [وَعَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرً، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَمِنْ سُوءِ الْكِبْرِ أَوِ الْكُفْرِ - وَفِي رِوَايَةٍ: سُوءِ الكِبَرِ وَالكِبْرِ - رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أيضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لله (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ لَمْ يَذْكُرْ: ((مِنْ سُوءِ الْكُفْرِ))]. (وَعَنْ عَبْدِ الله) أي: ابن مسعود، ومعنى (رَبِّ) أي: يا ربي (وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا) أي: من الليالي أو مطلقًا (أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ) أي: في صالح العمل، وهو بفتحتين: عدم انبعاث النفس للخير وقلة الرغبة مع إمكانه، يقال: كسل كسمع يكسل: فتر وتثاقل وتوانى عما لا ينبغي أن يتوانى عنه (وَمِنْ سُوءِ الْكِيْرِ) قال النووي: قال القاضي: روينا ((الكبر)) بإسكان الباء وفتحها، فالإسكان بمعنى: التعاظم على الناس، والفتح بمعنى: الهرم والخرف والرد إلى أرذل العمر كما في الحديث الآخر. قال القاضي: وهذا أظهر وأشهر مما قبله. قال: وبالفتح ذكره الهروي، وبالوجهين ذكره الخطابي وصوب الفتح، وتعضده رواية النسائي: ((وسوء العمر)). انتهى. (أَوِ الْكُفْرِ) شك من الراوي، وفي ((جامع الأصول)): ((والكفر)) أي: بالواو بدل ((أو)) أي: من سوء الكفر؛ أي: من شر ما فيه الكفر أو الكفران. وقال القاري: أي: (١) أخرجه الترمذي (٣٧١٦) وأبو داود (٥٠٩٠) وابن ماجه (٤٠٠٢). (٢) أخرجه مسلم (٧٠٨٤) وأبو داود (٥٠٧٣) والترمذي (٣٧١٨).