Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢٣
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
عبادته ومعرفة أحكامه، وأن تترك حظوظك حفظًا للحرمة، وتحقيقًا لعلو الهمة،
وتخلقًا: أن تتنزه عن كل خلق دنيء، وتتحلى بكل خلق عليّ بحسب قوة يقينك وطاقة
جهدك وصدق وجهتك وسعادة جدك، ورفع همتك وباهر خدمتك وصدق عزيمتك.
قيل: كل من المجيد والعلي والعظيم والكبير والمتعالي يدخل في الذي يليه بمعناه
طردًا وعكسًا، فهو العظيم في مجده، المجيد في عظمته، العلي في ذلك والمجيد، العظيم
في علوه، الكبير في مجده وعلوه وعظمته، العظيم المجيد العلي في كبريائه، المتعالي في
ذلك كله الموصوف به في تعالیه. انتهى.
(الْبَرُّ) أي: المحسن، أو خالق له البر، أو موصله لمن أراده له بلطفه وإحسانه،
قيل: هو اسم مطلق لكونه ليس من أبنية المبالغة، وإنما منها بار ولم يحفظ اسمًا له
تعالى، وهو تمام الاكتفاء بما به التربية من مقتضى اسم الرب، فهو بما في معناه من
موافقة المربوب في نحو اختصاص من معنى اختصاص الرحيم، ولذلك نظم به في قوله
تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] والمراد بالأسماء المطلقة: ما يشير إلى الذات
العلي، كما أن المشتقة تشير إلى الآثار والأفعال الإلهية.
وحظك منه: إنك إذا شهدت سعة بره رجعت إليه بطلب ما عنده من كل قليل
وكثير، فكفاك ما أهمك وما لم تهتم له.
وما أحسن قول حكم التاج، رحمه الله تعالى: ((متى أعطاك أشهدك بره، ومتى
منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك يتعرف إليك، ويقبل بوجود لطفه عليك)).
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بلوغ النهاية في محبته لنهاية بره وإحسانه ورحمته،
ومن ثم قال ◌َله: ((أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه .. )(١) وكثرة التضرع إليه كما يشير
كذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨].
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) وقال: حسن غريب. والطبراني (١٠٦٦٤)، والحاكم (٤٧١٦) وقال:
صحيح الإسناد. والبيهقي في (شعب الإيمان)) (٤٠٨)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٨٣/١)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/٣).

٤٢٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وتخلقًا: أن تكون بارًا بكل أحد، لا سيما أبويك ورحمك ومشايخك، ولا تتم
لك هذه المرتبة إلا بالإحسان إلى خلق الله تعالى والشفقة عليهم، وترك إذايتهم بوجه
من الوجوه؛ إذ لا يتم البر والإحسان إلا بذلك، واعلم أن من أعظم بره تعالى لبعض
عبيده أن يوفقه لما يحبه، ويعصمه عما يكرهه.
(التَّوَّابُ) أي: الذي يتوب على عباده ويكثر ذلك منه لهم على كثرة عصيانه،
من التوب وهو الرجوع؛ لأنه تعالى يرجع بالإنعام على كل مذنب حل عقد طاعته، ثم
رجع إلى التزامها بقبول توبته وحسن أوبته.
وقيل: هو الذي ييسر للمذنبين أسباب التوبة ويوفقهم لها، ويسوق إليهم ما
ينبههم عن رقدة الغفلة، ويطلعهم على وخامة عواقب الزلة، تسمية للمسبب للشيء
باسم المباشر له، كبنى الأمير المدينة، فمرجعه إلى صفة الكرم.
وحظك منه: إنك إذا شهدت سعة فضله بكثرة قبوله للتوبة رجعت إليه بها في
كل حال من أحوالك، وحينئذٍ يرجى لك منه حقيقة التوبة عليك منه؛ إذ هي منه لا
يمكن العود معها إلى الذنب.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] ليتوبوا، فلولا سبق توبته لم توجد
توبة أبدًا بخلافها منك يمكن العود معها، فتوبته تحقيق، وتوبتك تعرض لنفحات
رحمته، فابتداء التوبة وأصلها منه تعالى، وكذلك تمامها عليه حالاً ونظامها به مآلاً.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بإدامة سؤال التوبة منه عليك، وتخلقًا: بأن تتوب
إليه في كل حال، وتثق بقبوله لتوبتك وإن كثرت ذنوبك وتوالت عيوبك، وتقبل توبة
من أذاك وظلمك صفاحًا عنه قابلاً لعذره حتى تفوز بنصيب كامل من هذا الوصف،
وتصير متخلقًا بهذا الخلق الجميل تمام التخلق.
قال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأَمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
(الْمُنْتَقِمُ) أي: المؤاخذ لمن شاء بأشد سطوة وأعظم عقوبة كما أراد وبما أراد

٤٢٥
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
على ما أراد، من نقم شيء: كرهه غاية الإكراه، وهو لا يتحمل من العبد إلا إن كان من
أعداء الله، وأحقهم بالانتقام نفسه فينتقم منها مهما قارفت معصية أو تركت طاعة،
بأن يكلفها خلاف ما جبلت عليه، ويجرعها المكرهات حتى تتدرب، ويصير تحملها
لها طبعًا لا تطبعًا، فمرجعه إلى صفة الفعل.
وحظك منه: إنك إذا شهدت انتقامه اشتد خوفك منه، فانزجرت نفسك عن
المخالفات، وبادرت إلى التحلي بالموافقات، وتخلقت بكل خلق جميل، وتنقلت إلى كل
مقام جليل.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بكسر سطوة النفس، وردها إلى أبلغ مقامات الذلة
والانكسار خوف انتقام المنتقم، وتخلقًا: بالانتقام من جميع أعداء الله وعدمه من
غيرهم؛ لئلا يحق عليك التحلي بهذا الاسم فتمحق وجودك وتعدم توفيقك وشهودك،
فترد إلى أرذل طريق وأسفل سافلين، وتندرج في سلك الطغاة الضالين والعتاة المتمردين.
(الْعَقُوُّ) أي: الذي يترك المؤاخذة بالذنب ويمحوه من الصحيفة حتى لا يبقى له
أثر، من عفا الأثر: إذا ذهب، فكأن الذنب بالعفو عنه اندرس وذهب فلم يبقَ له عين
ولا أثر، فهو أبلغ من الغفور؛ لإنباء هذا عن الستر فقط، وهو لا يلزم ذلك المحو،
فمرجعه إلى صفة الكرم وعقبه بما قبله؛ لأن الانتقام سوط يسوق العبد إلى ربه،
والعفو زمام تعود إليه، وقولنا: من عفا الأثر أولى وأوضح من قول الشارح: وأصل
العفو القصد لتناول الشيء سمي به المحو؛ لأنه قصد لازم له المحو. انتهى، إذ فيه من
البعد والتكلف ما لا يخفى.
وحظك منه: إنك إذًا تشهد لذة عفوه عن ذنوبك وإن عظمت، وطلبته في كل
حال توسعة للرجاء في فضله.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تديم طلب العفو من مولاك؛ إذ لا أحب إليه من
سؤال العفو والعافية، وتخلقًا: أن يكون عفوًّا عن زلل العباد في كل حال وإن كان
منهم ما كان.

٤٢٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
ومن ثم قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ما حاصله: من عرف أنه تعالى عفوّ
طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، فإن الله تعالى بذلك أدبهم وإليه
ندبهم، فقال عز قائلاً: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ [النور:
٢٢] وأن الكريم إذا عفا حفظ قلب المسمى عن الاستيحاش بتذكيره سوء فعله، بل
يزيل عنه تلك الخجلة بما يسبل عليه من ثواب العفو، ويفيض عليه من ذيول الصفح
وعفو الله تعالى عن العباد لیس مما یستقضي بالعبادات كلها کنه معانیه.
وعظ صالحُ المري في مجلس له فقال: «اللَّهُمَّ اغفر لأقسانا قلبًا وأجمدنا
عينًا وأقربنا بالمعصية عهدًا» فقال مخنثُ: ((أعد هذا الدعاء، فإني أقساكم قلبًا
وأجمدكم عينًا وأقربكم بالمعصية عهدًا)) فمات، فرأى الواعظ الليلة الآتية ربه
قائلاً له: ((سرني حيث أوقعت الصلح بيني وبين عبدي وقد غفرت لك ولأهل
مجلسك)) (١).
(الرَّؤُوفُ) من الرأفة، وهي شدة الرحمة التي لاستحالة حقيقتها في حقه تعالى
المراد بها غايتها من صفة الذات، وهي إرادة الإنعام أو الأفعال، وهي التفضل والإنعام،
فالرأفة باطن الرحمة، والرحمة من أخص أوصاف الإرادة؛ لأن الرحمة بناء على أنها صفة
ذات إرادة الإنعام، ومنه كشف الضر ودفع السوء بنوع من العطف والرأفة بزيادة رفق
ولطف، وعلى أنها الرحمة قال الشارح: هو أبلغ من الرحيم بمرتبة، ومن الرحمن
بمرتبتین. انتهى.
وهو عجيب؛ لأنه إنما يأتي على أن الرحيم أبلغ من الرحمن، وهو قوله: ليس
بمشهور، والمشهور كما مرَّ أن الرحمن أبلغ، وقيل: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة
إحسان مبدأه شفقة المحسن، والرحمة إحسان مبدأه فاقة المحسن إليه.
وحظك منه: إنك إذا شهدت رأفته سكنت إليه في جميع أمورك راجيًا حصولها،
غير آيس منها وإن فحشت مخالفاتك، وغير مدبر حالاً من أحوالك.
(١) أخرج القصة أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٦/٦).

٤٢٧
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بكثرة ابتهالك ورغبتك إلى ما عند مولاك، وبدوام
شكرك وفرحك بمنته عليك، وتخلقًا: بمبالغتك في الشفقة على خلق الله، ورحمتهم
وهدايتهم، ونصحهم على أي وصف كانوا، ومن ثم تجنب إنسان الصلاة على جارٍ له
مات لكونه كان شريرًا، فرآه إنسان في حالة حسنة فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر
لي، وقال: قل لفلان: ﴿لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِي إِذَّا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ
الإِنفَاقِ﴾ [الإسراء:١٠٠].
(مَالِكُ الْمُلْكِ) هو الذي له التصرف المطلق في كل شيء، فهو المالك بلا حجر
ولا تردد ولا استثناء ولا توقف، والنافذة مشيئته في ملكه على ما يشاء، فلا مرد
لقضائه ولا معقب لحكمه.
وحظك منه: إنك إذا شهدت تلك المالكية انقطعت مطالبك ومطامعك عن
غيره بكل وجه، ولم يتعرض إلى أن تدبر معه شيئًا في ملكه.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بدوام الحضور بين يديه، ولزوم الخضوع لكل ما برز
من حضرته طالبًا وجهه دون غرض من الأغراض، فإن من صدق في ذلك سبقت إليه
المراتب الكاملة.
ومن ثم قال الأستاذ القطب أبو الحسن الشاذلي: قف بباب واحد لا ليفتح لك
الأبواب يفتح لك الأبواب، وأخضع لملك واحد لا ليخضع لك الرقاب يخضع لك
الرقاب، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١].
وتخلقًا: أن تملك نفسك وتتصرف فيها بما يصونها عن جميع المخالفات،
وتحملها على استفراغ وسعها في الطاعات.
(ذُو الْجَلَالِ) أي: العظمة والكبرياء والشرف المطلق، فلا شرف ولا كمال ولا
عظمة ولا کبریاء إلا وهو ثابت له تعالی.
(وَالإِكْرَامِ) أي: الإفضال التام المطلق، فلا كرامة ولا مكرمة إلا وهي منه.
قال الأستاذ القشيري: جلاله وكبرياؤه وعلوه وبهاؤه لكونه بالوصف الذي يحق

٤٢٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
له العز والإكرام، قريب من معنى الإنعام إلا أنه أخصر؛ لأنه ينعم على من [شاء] يقال:
أكرمه، ولكن لا يكرم إلا من يقال: أنعم عليه.
وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه ذو الجلال والإكرام بالمعنى المذكور هبته
وخفت منه لمكان جلاله، فتذللت وتواضعت له غاية التذلل والتواضع، وآنست به
لمكان إكرامه فلم تشكر غيره ولم ترجُ إلا بره ولطفه وخيره، فكنت دائمًا بين خوف
ورجاء وشكر والتجاء، وإلا بأنه كان ينعم عليك وتشكر غيره، ويرزقك وتخدم غيره،
ويعطيك وتسأل غيره، فقد أخطأت طريق الرشد وسلكت أسوأ السبيل، وحرمت ما
عنده العطاء الجزيل.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بأن تخضع وتتواضع لله ولعباده في سائر أحوالك
وأقوالك وأفعالك، وتخلقًا: بأن يكون لك جلالة تمنعك عن كل نقيصة، وتكرم
يوجب لك الترقي إلى كل خصيصة.
وفي الحديث: ((ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام)(١) قيل: لأنه اسم الله الأعظم الذي
إذا دعي به أجاب.
(الْمُقْسِطُ) أي: الحاكم بالعدل الذي لا يلحقه جور في حكمه ولا يجور في
فعله، بل ينتصف للمظلومين ويدرأ بأس الظلمة عن المستضعفين، من أقسط: إذا
عدل وأزال الجور، وأما القاسط فهو: الجائر، من قسط إذا جار، والقسط: العدل، ومنه:
﴿وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] أي: بأعدل الطريق وأقومها، فهو اسم مصدر
لـ((أقسط)) لا مصدر لـ((قسط)) لتضاد معناهما.
وحظك منه: إنك إذا شهدت قسطه خفت عدله ورجوت فضله، وفوضت جميع
أحوالك إليه، وتوكلت في سائر حالاتك عليه.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بأن تديم مراقبته، وتخلقًا: بأن تجتنب الظلم والجور
(١) تقدم تخريجه.

٤٢٩
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
بكل اعتبار وتلازم على مراعاة القسط في الحكم خشية في الواحد القهار العزيز
الجبار.
(الْجَامِعُ) أي: للكمالات كلها في ذاته وأوصافه وأفعاله، فليس له شبيه ولا مثل
ولا نظير في واحد من هذه الثلاثة، وللناس ليوم لا ريب فيه، ولمن شاء ما شاء متى
شاء؛ إذ هو الذي يؤلف بين أشتات الحقائق المختلفة والمتضادة متجاورة وممتزجة في
الأنفس والآفاق، ويستجمع للحشر الأجزاء المتفرقة المتبددة، ويعيد من تأليفها
للأبدان كما كان، ثم بينها وبين أرواحها المفارقة لها فيحييها بها، ثم يجمعها للجزاء في
موقف الحساب؛ ليظهر المحق من المبطل، ويتميز الخبيث من الطيب.
وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الجامع للكمالات عظمته، وأنه جامع ما شاء لمن
شاء فوضت إليه، وفي كل شيء شهدته، وأنه جامع الناس لذلك الموقف خفته ورجوته.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تديم مراقبته، وأن تفوض إليه في كل شيء
مستشعرًا عظمته وهيبته، وتخلقًا: بأن تكون جامعًا لمحاسن الدنيا والدين، متباعدًا
عن النقائص التي لا تليق بالمؤمنين، ومن ذلك: أن يجتمع فيك العلم والعمل، وأن
تتوافق فيك الكمالات النفسانية والآداب الجسمانية؛ ليجمع الله قلبك إلى شهود
تقديره حتى يتخلص من أسباب التفرقة فيطيب عيشك؛ إذ لا راحة للمؤمن من دون
لقاء ربه، فلا ترى الوسائط ولا تنظر إلى الحادثات إلا بعين التقدير، فيعلم أن الله هو
المعطي للنعمة والكاشف للنقمة.
(الْغَنِيُّ) أي: الذي لا يحتاج إلى شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، تعزز
أن تلحقه حاجة لغيره بأي وجه كان، ولِمَ لا والخلق كلهم هم المحتاجون إليه في كل
زمان ومكان؛ لأنه الواجب القديم من جميع جهاته، الفرد المطلق بسائر اعتباراته؟.
وحظك منه: إنك إذا عرفت غناه المطلق استغنيت به عن كل شيء ورجعت
إليه بكل شيء، وكنت له بوصف الذلة والافتقار في كل شيء.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بإظهار الفاقة والفقر إليه أبدًا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ

٤٣٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الفُقَرَاءُ إِلَى الله وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
قيل لبعضهم: بماذا يلقى الفقير مولاه؟ فقال: وهل يلقى الغني إلا بالفقير؛ أي:
حتى من الفقر وإلا كان مستعدًّا للفقر، ومن ثم قيل: لئن لقيته بفقرك لتلقينه بالصنم
الأعظم.
وتخلقًا: بأن يتم فقرك له حتى ینتفي غناؤك عن غيره.
(الْمُغْنِي) أي: الذي وفر على كل شيء ما يحتاج إليه بحسب ما اقتضته حكمته
وسبقت به كلمته، وأغناه من فضله، وكفاه من واسع جوده وطوله.
وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه المغني، وأنك مفتقر إليه افتقرت ورجعت إليه
بحسن العرفان وقطعت الأطماع عما في أيدي الناس، وترفعت عن سؤالهم رأسًا بحيث
لم يبقَ لك حاجة إلا إلى الله لنفسك من حيث لا تحتسب، ويعطيك من حيث لا
ترتقب، ثم إغناؤه لعباده إما بتنمية أموالهم، وإما بتصفية أحوالهم، وهذا هو الغنى
الخفي
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن يكون بما في يد مولاك أو يؤمنك بما في يدك،
وتخلقًا: بأن تتصف بجميل السخاء وكريم البذل غاية جهدك معتقدًا أن أسباب العباد
لا تكون إلا إلى مولاك، وتاركًا رفع حوائجك إلى غيره؛ لئلا يسلبك بالحاجة إلى الخلق،
ثم ینزع رحمتهم لك من قلوبهم.
(الْمَانِعُ) في رواية: ((المعطي المانع) (١) فهو الذي يعطي من يشاء ما شاء ويمنع من
يشاء ما يريد، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، كما قال ◌َليم: ((أحق ما قال العبد،
وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)(٤) فهو يمنع البلاء عن
أوليائه، والعطاء عمن شاء من أوليائه وأعدائه.
وقيل: المانع هو الذي يدفع أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان.
(١) ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٤٤٩/١).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٩٩)، وأبو داود (٨٤٧)، وابن حبان (١٩٣٩).

٤٣١
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
قيل: لما كان المنع من مقدمات الحفظ، ومنع ما يفضي إلى الفساد ويؤدي إلى
الهلاك صار كونه مانعًا من مقدمات كونه حفيظ.
وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه المعطي المانع لم تعول على عطاء أحد سواه، ولا
على منعه ولا على الأسباب، إلا من حيث كونه تعالى ربط بها مسبباتها.
وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: ألا تفرض شيئًا من حوائجك إلا إليه تعالى، وتخلقًا:
أن تعطي حيث أمرك وتمنع حيث أمرك، بلا تلعثم ولا توقف من غير أن تشهد لك
غرضًا ولا إرادة، ومن أجل النّعم منعه تعالى الشُّبه من القلوب، والبدع من العقائد،
والزلل من النفوس، وذلك مما يخص به عباده المقربين، وتكرم به أولياءه العارفين،
جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم بمنّه وكرمه، آمین.
(الضَّارُّ، النَّافِعُ) أي: مقدر الضر، وهو كل ما لا يلائم النفس، والنفع وهو كل ما
يلائمها وموصلها لمن أراد كيف أراد، عدلاً في الضر وفضلاً في النفع، فمرجع هذين
الوصفين كأوصاف قبلهما إلى وصف واحد هو الوصف بالقدرة التامة الشاملة، فلا
خير ولا شر ولا نفع ولا ضر إلا وهو صادر منه تعالى، منسوب إليه إما بواسطة أو
بغيرها، أو الوصف بالتوحيد، وهو أنه لا يحدث شيء في ملكه إلا بإيجاده وحكمه
وقضائه وإرادته ومشيئته، فمن استسلم لحكمه فهو الراحة العظمى، ومن آثر اختيار
نفسه فقد هوي إلى الواهية والدهية والمحنة الكبرى.
وقد ورد عن الحق تعالى أنه قال: ((أنا الله الذي لا إله إلا أنا، من استسلم
لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي كان عبدي حقًّا، ومن لم يستسلم لقضائي،
ويصبر على بلائي، ولم یشکر نعمائي فلیطلب ربًّا سواي)»(١).
وحظك منهما: إنك إذا شهدتهما لم تترجَّ النفع في غيره، ولم تشتك وصول الضر
إليك من سواه؛ لأنه الذي أوصله إليك على الحقيقة.
وحينئذٍ فتقربك بهما تعلقًا: أن يتعلق أملك به في كل حال، وتخلقًا: أن تضر من
-
(١) ذكره القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١١٢/٨).

٤٣٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
أمرت بإضراره من نفسك وهواك ودنياك وغيرها، وتنفع من أمرت بنفعه من عقلك
وروحك والمنتسبین إليك وغير ذلك.
ومن كلام القشيري: وإذا عرف العبد هذين فوض الأمور إليه وعاش في راحة من
الخلق والخلق في راحة منه، فيبذل النصح من نفسه ولم يستشعر الغش والخيانة
لغيره.
وورد: ((اطلبوا الفضل عند الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم، فإني جعلت
فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإن فيهم سخطي»(١).
(الُّورُ) أي: الظاهر نفسه، المظهر للأعيان من العدم إلى الوجود، ولا شك أن
الوجود إذا قوبل بالعدم كان الظهور للوجود والخفاء للعدم، ولما كان البارئ تعالى
موجودًا بذاته مبرأ عن ظلمة إمكان العدم، وكان وجود سائر الأشياء فائضًا عن وجوده
صح إطلاق لفظ النور المشبه به الوجود عليه.
وقيل: هو المظهر للمظاهر المبين لذات كل شيء وفرقانه على أتم ما يكون من
البيان والظهور، وهو يؤول للمعنى الأول.
وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه النور بالمعنى المذكور وهو أنه المظهر لكل شيء،
وعرفت الفناء كل شيء فيما سواه، وأنه عدم في الوجود، وغبت عن كل شيء في جنب
شهوده.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: بأن ترى كل شيء منه وبه حتى تترقى إلى أنك به وله
في كل شيء، وتخلقًا: أن تبذل جهدك ومجاهدتك حتى يضيء قلبك بنور معرفته
وينشرح صدرك للتلقي من حضرته، فتصير مظهرًا لكل خير، وهدايةً لكل حائر، ونورًا
لكل أعمى، ومقتدًا لكل عامل جهد استطاعتك وحسب مقدرتك، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ
يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور:٤٠].
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري إمام وقته علمًا ومعرفة في قوله تعالى عز
(١) أخرجه القضاعي (٦٥١).

٤٣٣
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
قائلاً: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]: ينور الآفاق بالنجوم، والقلوب بفنون
الدلائل وصنوف الحجج والملاطفات والأبدان بآثار الطاعات؛ لأن العبادات زينة
النفوس والأشباح، والمعارف زينة القلوب والأرواح، والتأييد بالموافقات نور الظواهر،
والتوحيد بالمواصلات نور السرائر، وأن الله تعالى يزيد قلب العبد (نُورٌ عَلَى نُورٍ
يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] وقد يهدي الله القلوب لمحاسن الأخلاق؛
لينور الحق ويصطفيه، ويترك الباطل ويدع ما يستدعيه.
(الْهَادِي) أي: الدال بلطف لعباده، والموصل لمن شاء منهم إلى إسعاده وإمداده
فهو: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: كل مخلوق لما أراده منه في
دينه ودنياه وسائر أموره، فهدى خاصة عباده إلى معرفة ذاته فاطلعوا على حقائق
مصنوعاته، وهدى عامة خلقه إلى النظر في مخلوقاته؛ ليستدلوا بها على معرفة ذاته
وصفاته.
وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الهادي لا غيره أفنيت عمرك في طلبك منه
الهداية والكفاية والعناية، والرعاية والوقاية.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تدوم على شهود هدايته عن الرذائل، وفتحه قلبك
إلى مطالعة البراهين والدلائل، وتخلقًا: بأن ترشد الخلق إلى مصالحهم الدينية والدنيوية
وتوضح لهم معالم الطريق لتقيهم نار البعد والقطيعة عن المقامات العلية، وتبين له ما
هو الحق القويم والصراط المستقيم، وأحق الخلق بذلك كله: الأنبياء ووارثو علومهم
ومعارفهم.
قال القشيري في قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [يونس: ٩]: يكرم أقوامًا بما
يلهمهم من جميل الأخلاق، ويصرف قلوبهم إلى ابتغاء ما فيه رضاه، ويهديهم إلى
استصغار قدر الدنيا، واستحقار كرائمها حتى لا يسترقهم ذل الأطماع، ولا تستعبدهم
أخطار المستحقرات، فلا يتدنسون بالركون إلى كل خسيسة، ولا يتلبثون بتعاطي كل
نفيسة ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] والهداية إلى حسن

٤٣٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الخلق ثاني الهداية إلى اعتقاد الحق؛ لأن الدين شأن صدق مع الحق وخلق مع الخلق.
(الْبَدِيعُ) أي: المبدع، وهو الذي يأتي بما لم يُسبق إليه، ومنه: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: مبدعها بإيجادها على غير مثال سبق، ومنه البدعة لما لم
يسبق له شاهد من كتاب الله أو سنة أو إجماع، أو الذي لم يعهد له مثل أو لم يسبق له
مثل، أو لا مثل له، عبارات مؤداها واحد، وهو أنه لا يتصور عقلاً أن يكون له مثل
ولا نظير في ذاته، أو صفة من صفاته، أو فعل من أفعاله، فمرجعه بالمعنى الأول إلى
صفات الأفعال، أو بالمعنى الثاني إلى صفات التنزيه.
وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه المبدع تأملت عجائب صنعه لترى غرائب
حكمته، وتتحقق كمال قدرته، وأنه هو المبدع وحده، وكل من أبدع شيئًا خلاف ما
أبدعه، فهو مبتدع لا مبدع، فلا تقم له وزنًا، ولا ترفع له رأسًا واجتبيه؛ أعني: الحق
تعالى، فآثرت مراده على مرادك ورضاه على هواك ورضاك لتنال وصفه وجميل فعله.
وما أحسن قول الحِكم للتَّاج ابن عطاء الله ﴾: إن لم تحسن ظنك به لأجل
وصفه فحسن ظنك لوجود معاملته معك، فهل عودك إلا حسنًا؟ وهل أسدي إليك إلا
مننًا؟ انتهى.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: نظرك في بدائع صنعه معتقدًا كمال قدرته وجلالة
عظمته، وتخلقًا: باكتساب كل فضيلة وتجنب كل رذيلة، وخرق العوائد من نفسك،
وتفردك عن أبناء جنسك، وبأن تجتنب جميع البدع القبيحة شرعًا، وتلازم السنة
الواضحة البيضاء أصلاً وفرعًا ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
قال بعض الأئمة: من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر
الهوى كذلك نطق بالبدعة.
وقال سهل التستري: أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي ◌َّه في الأخلاق

٤٣٥
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
والأفعال والأكل من الحلال، وصدق المقال، وإخلاص النية في جميع الأعمال.
وقال: من داهن مبتدعًا سلبه الله حلاوة السنن، ومن ضحك إلى مبتدع
نزع الله نور الإيمان من قلبه.
(الْبَاقِي) أي: الدائم الذي لا يجري عليه عدم ولا فناء، فلا انصرام لوجوده، ولا
انقطاع لبقائه.
وحظك منه: إنك إذا شهدت بقاءه نظرت إليه وحده دائمًا في كل أحوالك،
وقطعت عن غيره نظرك وجميع آمالك.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا تعول على شيء سواه في جميع أمورك، وتخلقًا: ألا
تتحول عن طاعته، بل تبقى فيها على القانون الشرعي ليبقى ثوابك ونظر الحق إليك،
وإلا حرمت ثوابه ونظره، كما أفاده لك قول الصادق وَله: ((عليكم من العمل ما
تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا))(١) أي: لا يقطع ثوابه عنكم حتى تنقطعوا عن
عبادته.
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ما حاصله مع الزيادة عليه: حقيقة الباقي: من
له البقاء، ولا يجوز اتصاف مخلوق بصفة للحق سبحانه، فلا يجوز كونه عالمًا بعلمه،
ولا قادرًا بقدرته، ولا باقيًا ببقائه؛ لاستحالة قيام الصفة القديمة بالذات الحادثة
کعکسه، وخلط ذلك أصل التوحيد.
قال بعض من لا دين لهم: زعموا أن العبد يصير باقيًا ببقاء الحق، عالمًا بعلمه،
سامعًا بسمعه، وهذا خروج عن الدين، وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، ولا حجة في
خبر: ((كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.)(٤) إذ ليس فيه أنه يسمع
بسمعي ويبصر ببصري، وإنما الذي فيه: ((فبي يسمع ... إلخ)) وشتان ما بينهما، وما أحسن
قول بعضهم: الله تعالى باقٍ ببقائه، والعبد باقٍ بإبقائه. انتهى.
(١) أخرجه البخاري (٥٥٢٣)، ومسلم (٧٨٢).
(٢) تقدم تخريجه.

٤٣٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
لاشتماله على الفرق بين البقاء والإبقاء، وأن الأول مختص بالحق والثاني متصل
أثره بالعبد.
(الْوَارِثُ) أي: الذي يرجع إليه الأملاك ومالكوها بوجه لا يبقى معه ادعاء ملك،
ولا تعلق به من أخذ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِتُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠] فهو
الباقي بعد فناء الموجودات، فترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك باعتبار الصورة، وأما
بالحقيقة فهو الملك المالك على الإطلاق أزلاً وأبدًا، لا يتبدل ملكه ولا يزول، ومرجعه
إلى صفة الذات التي هي الحياة والقدرة.
وحظك منه: إنك إذا شهدت وراثته للموجودات نظرت إليها بعين الزهد فيها
جملة، ولم تتشبع منها بشيء أصلاً، وكنت مديمًا لشهود ذاته، مقيمًا على استفراغ
وسعك في طاعاته.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا يدعي لك مالاً وحالاً ولا مقامًا، فإن الكل راجع
الوراثته تعالى، وألا تجزع من ضر يلحقك وإن بلغت ما بلغت؛ لأنك فانٍ مورِّث لا
يبقى لك إلا رضاك بقضائه، وصبرك على بلوائه، وتخلقًا: أن تبذل وسعك في المجاهدة
حتى تفوز بوراثة الأنبياء والمرسلين في العلوم والأحوال والأفعال والأقوال، وتتدرج في
سلك عباد الله العارفين الذين قاموا بتلك الوراثة العلية على ما ينبغي لمقامها الأكبر.
قال ◌َله: ((العلماء ورثة الأنبياء)»(١).
وبين في حديث آخر: ((إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم
من أخذه أخذ بحظ وافر))(٢).
(الرَّشِيدُ) أي: الذي تجري مقاديره وتدابيره إلى غاياتها على أقوم سنن الصلاح
والسداد من غير استشارة ولا إرشاد، وقيل: هو المرشد، كأليم بمعنى: مؤلم، فيكون
(١) أخرجه أحمد (٢١٧٦٣)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وابن حبان
(٨٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٦٩٦).
(٢) انظر التخريج السابق.

٤٣٧
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
بمعنى: الهادي.
وقيل: هو الموصوف بالعدل في حكمه، والصدق في قوله، فهو بمعنى اسمه العدل.
وقيل: هو المتعالي عن كل ما لا يكون واصلاً إلى غاية الكمال، فيرجع إلى اسمه
العالي والمتعالي.
وقيل: هو المرشد، وهو التصرف الذي لا يطرقه تعلق ولا يلحقه استدراك،
والرشد في حق العبد صلاح دينه ودنياه عندنا، وعند غيرنا صلاح دنياه فقط،
وإرشاد الله تعالى لعبده هداية نفسه إلى طاعته أو قلبه إلى معرفته وروحه إلى حقيقة
محبته، أو سره إلى تطلع قربته، وأمارة من أرشده الحق لإصلاح نفسه أن يلهمه التوكل
عليه والتفويض في سائر أموره عليه.
جاع ابن أدهم يومًا فأمر رجلاً برهن شيء معه على ما يأكله، فخرج وإذا
بإنسان معه بغلة عليها أربعون ألف دينار فسأله عن إبراهيم وقال: هذا ميراثه من
أبيه، فأتى به إليه فقال: إن كنت صادقًا فأنت حر لوجه الله، وما معك وهبته لك
فانصرف عني. فلما خرج قال: يا رب، كلمتك في رغيف فصببت علي الدنيا صبًّا،
فوحقك لئن أمتني جوعًا لم أتعرض لطلب شيء.
وحظك منه: إنك إذا استحضرت رشد بارئك بالمعنى المذكور سكنت إلى تدبيره
في كل أمورك، وكنت به وله في كل شيء وقوي رجاؤك في حصوله ما أملته من واسع
فضله.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن ترضى بما يريده لك لعلمه بأنه العالم بمصالحك،
الموصل لها إليك، وتخلقًا: ألا تفعل فعلاً يتعقب ويستدرك عليك، وألا ترتكب ما
يكون دليلاً على سفاهتك في أحوال دينك أو دنياك شرعًا أو عقلاً أو عادة، وأن
يكون تدبيرك في الدين والدنيا كلها صائبة باتباعك مقتضى العقل والعادة والشرع،
وتجنبك لأنواع الهوى والطبع؛ لتصير أراؤك محفوظة عن الخطأ والذلل، وأفعالك
مأمونة عن الفساد والخطل.

٤٣٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(الصَّبُورُ) أي: الذي لا يعاجل بالعقوبة من تجرأ على أوامره ونواهيه
بهتك حرمتهما، بل يؤخره إلى أمد في علمه، ثم ينتقم منه أو يتوب عليهم
بفضله.
وقيل: هو الذي لا يحمله العجل على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه.
قيل: هذا أعم من الأول. انتهى.
وفيه نظر، بل مآل القولين إلى شيء واحد، ومفهومها أنه يعاقب بالآخرة ما لم
يعفُ، وبه فارق الحليم، فإن مقتضاه عدم العقاب بالكلية، وهذا [توجيه يؤخذ منه]
الفرق بأن الصبور يفهم ألا متوجه للعقوبة، والحليم يفهم توجهًا لها وتداركًا لإمضائها
بمقتضى الحلم للفعول الدالة على المبالغة؛ لكثرة تصبره تعالى على العُصاة الذين هم
أكثر من الطائعين؛ ولذلك جاء في الخبر عن الصادق المصدوق: ((لا أحد أصبر على أذى
یسمعه من الله تعالى))(١).
وأصل الصبر: حبس النفس على المكروهات، أو عن إنفاذ مرادها، وكلاهما
محال عليه تعالى، فأريد بذلك غاية من عدم المعاجلة بالعقوبة، أو استعير لمطلق الثاني
في الفعل.
وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الصبور أحببته؛ لرفقه بعباده، ولم تأمن مكره
في حال من أحوالك؛ لأنه يمهل ولا يهمل.
وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تكف عن كل ما يكرهه منك حفظًا لحرمته،
وأن تلزم أوامره وتجتنب نواهيه قيامًا بحق واجب خدمته، وتخلقًا: أن تحبس نفسك
عما تدعوك إليه من إراداتها، وتصبر على مضض الطاعات وترك شهواتها؛ لتترقى إلى
جناب القدس ومحل الكرامة والأنس.
والناس في الصبر على أقسام:
أولها: التصبر، وهو تكلف الصبر ومقاساة للشدة فيه.
(١) أخرجه مسلم (٢٨٠٤)، وأحمد (١٩٦٥٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٢٣).

٤٣٩
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
ثم يليه الصبر: وهو تحمل ما يستقبله من فنون القضاء وصنوف البلاء.
ثم الاصطبار: وهو النهاية؛ لأنه ألف البلاء حتى لا يجد له مشقة، بل روحًا
وراحة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبٌ) وروى عد تلك التسعة والتسعين ابن ماجه أيضًا، لكن بين الروايتين
تقديم وتأخير وتبديل وتغيير، واختلف الحافظ في أن سردها هل هو موقوف على
الراوي أو مرفوع؟ ورجح الأول، وإن تعددها إنما هو مدرج من كلام الراوي، لكن
ليس لهذا الاختلاف كبير جدوى، فإن الموقوف كذلك حكمه حكم المرفوع؛
لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي، لكني لم أرَ من صحح واحدة من هاتين
الروايتين.
وقد سبق لنا أن أسماء الله توقيفية، وأنه لا يجوز النطق بشيء منها إلا إن صح
به الخبر ولو من رواية الآحاد؛ لأنها من باب العبادات التي يُكتفى فيها بذلك خلافًا
لقوم اشترطوا التواتر نظرًا منهم إلى أنها من باب الاعتقادات، وهي لا يُكتفى فيها إلا
بقطعي، وإذا تقرر أنه لا بد من صحة الخبر كما هو مذهب الأشعري وتبعوه فيشكل
أحد العلماء بهاتين الروايتين، إلا أن يقال: لما تطابق العلماء على النطق بها فيهما كان
ذلك بمنزلة الإجماع على صحتهما، وأنه يجوز العمل بما فيهما.
وخالف في ذلك الباقلاني والغزالي، فلم يشترطا صحة الخبر، بل صحة المعنى بما
يليق بذاته تعالى وصفاته وأفعاله، وفيه فسحة للناس، لكن المعتمد خلافه.
فائدة:
منها في القرآن الكريم والسنة الغراء أسماء وصفات زائدة على ما في هذا
الحدیث.
فمما في القرآن: الرب الأكرم، الأَعْلى، الحافظ، الخلاق، الساتر، الستار، الشاكر،
العادل، العالم، العلام، الغالب، الفاطر، الفالق، القدير، القريب، القاهر، الكفيل،

٤٤٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الكافي، المتين، الحفيظ، المليك، المولى، النّصير، أحكم الحاكمين، أرحم الرّاحمين،
أحسن الخالقين، ذو الفضل، ذو الطّول، ذو القوَّة، ذو المعارج، ذو العرش، رفيع
الدّرجات، غافر الذَّنب، الفعال لما يريد، قابل الثّوب، مخرج الحي من الميت. كذا ذكره
الشارح، وفي صيغته نظر.
فإن ذكر رفيع الدرجات وما بعده بالإضافة كما ورد ولم يقل: فاطر السَّماوات
والأرض، ولا علام الغيوب، ولا فالق الإصباح، وغير ذلك مما جاء مقيدًا بإضافة أو
نحوها، والذي حققته في شرحي لـ((المنهاج)) أن ما ورد مقيدًا بنحو إضافة لا يجوز ذكر ما
لا يقيده الذي لم يذكر إلا به، فإن ذكر مقيدًا تارة وغير مقيد أخرى جاز ذكر مطلقًا
ومقيدًا؛ وذلك لأن المدار في ذلك على التوقيف وعدم النطق بغير الصيغة الواردة بوجه،
فوجب الاقتصار على الصيغة الواردة، ولم يجز تغييرها مطلقًا، نعم ما ورد معروفًا يجوز
استعماله منكرًا وعكسه؛ لأن هذا لا تغيير فيه من حيث الصيغة ولا المعنى كما هو
واضح.
ومما ورد في السنة: الحنَّان، المنَّان، المغيث.
قال في ((الأذكار)): والقريب بدل الرقيب، والمبين بدل المتين. انتهى.
وفي رواية ابن ماجه كما من زوائد وتبديل واختلاف، فمن الزوائد فيها: ((البار،
الرب، البرهان، الواقي، ذو القوة، القائم، الدائم، الناظر، السامع، الأبد، الصادق، العالم،
المنير، التام، القديم، الوتر، الجميل، القاهر، العالي، الراشد، الشديد، الرازق، المعطي،
الكافي».
ومنها مرَّ أول الحديث الذي شرحناه: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا
واحدًا))(١) وإن «مائة إلا واحدًا)) تأكيد لما قبله؛ لئلا يزاد فيها ولا ينقص، وقد علمت
الزيادة الكثيرة على ما في ذلك الحديث، وجوابه أن دخول الجنة وقع جزاء للشرط، وهو
إحصاء ذلك العدد، فمفاده أن عدم النقص قيد لدخول الجنة لا أن الزيادة لا ثواب
(١) تقدم تخريجه.

٤٤١
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
فيها، وأنه إذا وجد الدخول ثم إن وجدت زيادة أثيب عليها في الجنة درجات
فیھا.
٢٢٨٩ - [وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
فَإِنكِ أَنْتَ اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًّا
أَحَدُّ، فَقَالَ: دَعَا اللهَ بِسْمِهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ(١).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللهُمَّ إِّي أَسْأَلُكَ فَإِنِك
أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ) مَّ شرح الثلاثة (الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ كُفُوًّا) أي: مماثلاً ولا نظيرًا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بوجه من
الوجوه، ولا باعتبار من الاعتبارات (أَحَدٌ) أي: أسألك باستحقاقك لتلك الصفات
الثبوتية والسلبية، ولم يذكر المسؤول لعدم الحاجة إليه.
(فَقَالَ: دَعَا اللّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ) يحتمل أنه أراد بالاسم الأعظم مجموع الأسماء،
ويحتمل أنه أراد واحدًا منها، وعليه فالأظهر أنه الله؛ لما مر أنه الاسم الأعظم عند
أكثر العلماء، ولا ينافيه أن كثيرين يدعون به ولا يستجاب لهم؛ لأن ذلك لخلل في
دعواتهم؛ لكونها بنحو قطيعة رحم، أو بإثم لكونهم لم يستوفوا شروط الدعاء التي
منها: أكل الحلال، واعلم أنه كثر اختلاف العلماء في تعيين الاسم الأعظم، كأكثر
اختلافهم في تعيين ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة، والسبعة الأحرف التي نزل
عليها القرآن.
(الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ) الظاهر أن الجملة الثانية مؤكدة
للجملة الأولى، ثم رأيت الشارح قال: إن الثاني أبلغ؛ لأن إجابة الدعاء تدل على شرف
الداعي ووجاهته عند المجيب، فيتضمن أيضًا قضاء حاجته بخلاف السؤال، فإنه قد
يكون مذمومًا، ولذلك ذمَّ السائل وكثر في الأحاديث مدح التعفف عنه، على أن في
(١) أخرجه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٨١٢).

٤٤٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الحديث دلالة على فضل الدعاء على السؤال. انتهى.
وفيه نظر ظاهر؛ لأن الكلام في سؤال الحق وهو دعاؤه، فلا فرق بينهما هنا
أصلاً، ومن ثم جاء: ﴿ادْعُوِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
((سلوني أعطكم)(١).
وقوله: ((إن السؤال قد يكون مذمومًا)) يرده أن الدعاء قد يكون مذمومًا كما
في الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو نحو ذلك مما مرَّ في منعه، وذم السائل إنما هو في سائل
غير الله، وأما سائله تعالى فممدوح دائمًا إذا سأل بما أذن له فيه.
وقوله: ((على أن ... إلخ)) ممنوع، بل الذي فيه عكسه؛ لأنه قدم السؤال على الدعاء،
ومن عادة العرب تقديم الأهم والأشرف؛ ولذا استدلوا على شرف أشياء يتقدمها في
القرآن.
فإن قلت: إن كان الدعاء بمقدور فهو حاصل وإن لم يدعُ، أو بغير مقدور لم
يحصل للمدعو به، فما فائدة الاسم الأعظم؟
قلت: مرَّ أن الدعاء إن كان بمقدور فقد يفيد زيادة تعجيله، أو بغير مقدور أفاد
إعطاء بدله عاجلاً تارة بواسطة الدعاء بالاسم الأعظم، ومؤجلاً أخرى.
فالحاصل: إن الاسم الأعظم قد يفيد أصل التعجيل أو زيادته أو كمالاً في
المستجاب أو في بدل المدعو به، أو نحو ذلك، قيل: أعظم بمعنى: عظيم، كأكبر بمعنى:
كبير. انتهى.
ويرد بأن الأعظمية هنا ليست من حيث المسمى؛ لاستواء الأسماء والصفات
كلها من هذه الحيثية، وإنما هي من حيث الدلالة، ولا شك أن بعض الأسماء والصفات
قد يفيد من حيث الدلالة معاني لا تفيدها البقية، وفارق أعظم أكبر بأن مفاد أعظم
أنه امتاز على غيره من الأسماء والصفات بخصوصية ليست في البقية، وهذا لا محذور
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٥١٧)، والطبراني في (الأوسط)) (٢٠٨٤)، وأبو يعلى (٤٢٢٨).