Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٣ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى الأشياء على ما هي عليه، أو المختبر للأشياء حتى ظهر فيها علمه على وفق إرادته وقدرته على وفق إرادته وعلمه، أقوال غير متباينة لصحة كل منها هنا، لكن أقربها الأول. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الخبير المطلع على سرك العليم ببواطن أمورك اكتفيت بعلمه، ورجعت لما عنده، ونسيت ذكر غيره في جنب ذكره، وكنت للتقوى مشدودًا، وعن طرق الغي مصدودًا. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا أنك إذا كنت مكتفيًا بعلمه تعين عليك ترك الرياء، والتصنع لغيره بأي طريق كان، ولزمت الإخلاص له في كل قول وفعل وحركة وسكون، وتخلقًا ألا تتغافل عن بواطن أحوالك وتشتغل بإصلاحها، وتلافي ما يعرض لها من القبائح، وأن تكون في أمور دينك ودنياك خبيرًا بما يجب عليك أو يندب لك منها بحسب الإمكان. (الْحَلِيمُ) من الحلم وهو رفع العقوبة عمن يستحقها، فهو الذي لا يستنفره غضب، ولا يحمله غيظ على سرعة الانتقام، أو الذي يسامح الجاني ويمهله مع استحقاقه للعقوبة، وحاصله راجع إلى التنزيه عن العجلة، وسرعة الانتقام بالباطل. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الحليم سكنت إلى حلمه، لكن من غير اغترارك به، فيغلب عليك الأنس به والرجاء فيه. وحينئذٍ فالتقرب به تعلقًا: أن تشكر منته في حمله عليك؛ إذ لم يعاجلك بما تستحقه، وتخلقًا: أن تكظم الغيظ وتطفئ نار الغضب، ثم تعفو وتصفح وتصبر وتغفر لمن جنى عليك، وأكمل من ذلك أن تبالغ في الإحسان إليه؛ لأن بذلك يتحقق أن حلمك صار غريزة لا يؤثر فيه تتابع السفه عليك، ولا توجيه السب إليك. قيل: الفرق بين الحقود والحليم أن الحقود يؤخر الانتقام انتهازًا للفرصة، والحليم يؤخره انتظارًا للتوبة، ويوافقه مع الزيادة عليه قول الفخر الرازي: ليس معنى الوصف بالحليم أنه لا يحمله غيظ على استعجال العقوبة على الإطلاق، فإن الذي ٣٨٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع لا يعجل الانتقام إذا كان على عزمه يسمى حقودًا لا حليمًا، بل الحليم هو الذي لم يقصد الانتقام على الجزم وأعرض عن إظهاره، والعفُوّ هو الذي أعرض عنه بعد إظهاره. ومن المشهورين بالحلم الواسع: الأحنف بن قيس، سبَّه رجل وأكثر فلم یحفل به فقال له الساب: إياك أعني. فقال: وعنك أحلم، وقال لآخر سبه وأكثر: كمِّل ما تريد من السب قبل أن يصل سفهاء قومي فيؤذونك، والحكايات في هذا عنه وعن غيره كثيرة، فعليك بالتأسي بهم في سعة الحلم، فإنه لا أكمل من ذلك. (الْعَظِيمُ) أصله: من عظم الشيء كبر، ثم استعير لكل جسم يملأ مقداره العير كالجمل والفيل، أو يمنع إحاطة البصر بجميع أخطاره، كالأرض والسماء، ثم لكل شيء كبير القدر على الرتبة، والمراد هنا: العظيم على الإطلاق، وهو الذي يصغر عند ذكر وصفه كل شيء سواه، أو هو البالغ أقصى مراتب العظمة الذي لا يتصوره عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، فيرجع حاصله إلى التنزيه والتعالي عن إحاطة العقول بكنه ذاته. ومن ثم قال تعالى كما في الحديث القدسي: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدًا منهما قصمته)) (١) واختصت العظمة بالإزار، والكبرياء بالرداء الأعلى من الإزار؛ لأن في المتكبر من الفخامة ما ليس في العظيم، وإن كان كل منهما مختصًّا به تعالى لا شريك له فيه بوجه، ومن ثم قصم المنازع في واحد منهما. قال القشيري: ويجب أن يحمل العظيم على صفة الله تعالى على استحقاق علو الوصف من استحقاق القدم، ووجود الوحدانية والانفراد بالقدرة والإيجاد، وشمول العلم بجميع المعلومات، ونفوذ الإرادة في المقدورات، وإدراك السمع والبصر بجميع المسموعات والمرئيات، وتنزه ذاته عن قبول الحدثان. وحظك منه: إنك إذا شهدت عظمته صغر في عينيك كل شيء إلا ما له نسبة (١) تقدم تخريجه. ٣٨٥ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى من تعظيمه تعالى، واستحقرت نفسك وذللتها للإقبال عليه تعالى بكليتها بامتثال أوامره ونواهيه، والاجتهاد في فعل كل ما تحبه وترتضيه. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تلازم التذلل والافتقار على الدوام، وتخلقًا: أن تتعاظم عن كل وصف ذميم وخلق قبيح. (الْغَفُورُ) أي: كثير المغفرة، وهي صيانة العبد عما يستحقه من العقاب بالتجاوز عن ذنوبه، من الغفر، وهو نبت إذا وضع على الجرح برئ لحينه، فالمغفرة تبرئ جراح الذنوب كما يبرئ هذا النبت جراح الأبدان، أو من المغفر، وهو ما يجعل على الرأس عند الحرب ليقيه مما يصيبه، أو من الغفر، وهو ستر الشيء بما يصونه عن الدنس، وفارق الغفار بأن المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار من جهة الكمية. وقال بعضهم: الغفور من معنى اسمه الغفار إلا أن هذا يقتضي العموم في الأزمان والأفراد، والغفور يقتضي المبالغة في كل ما يغفر، وفائدة المبالغة في الأسماء الدالة على نحو المغفرة والرحمة: تأكيد أمرهما، والدلالة على أنه تعالى عظيم الرحمة كثير المغفرة كبيرها، وعلى أن رحمته أغلب من غضبه، وغفرانه أكثر من عقابه. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الغفور الذي لا يتعاظمه ذنب يغفره أكثرت من الاستغفار الذي هو طلب المغفرة، ثم إن كان مع انكسار فهو صحیح یرجی قبوله، أو مع التوبة فهو كامل أولا مع واحد منهما فهو باطل. وحينئذٍ فالتقرب به تعلقًا: بلزوم الاستغفار أبدًا، وتخلقًا: بالمغفرة لمن آذاك أو ظلمك وإن بلغ ما بلغ، وهو مفتاح باب المغفرة من الله تعالى كما يشير إليه قوله تعالى النازل في الصديق - كرم الله وجهه - لما حلف لا ينفق على رحمه مسطح لخوضه في الإفك، وكان ينفق عليه قبل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ وهو الصديق ﴿أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي: ومنهم مسطح، فإنه مهاجري بدري ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أي: بظواهرهم وبواطنهم ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله ٣٨٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع لي، وأعاد إليه نفقته، بل ضاعفها عما كانت عليه رجاء مغفرة الله اللائقة بعلو مرتبته. (الشَّكُورُ) أي: المعطي للثواب الجزيل والخير الكثير على العمل القليل، فيرجع إلى الفعل، أو المُثني على من أطاعه فيرجع إلى القول، أو المُجَازي عباده على شكرهم فيكون من باب المقابلة، نحو: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] أقوال غير متباينة، لكن أقربها الأول. وقال بعضهم: الشكور من الشكر، وهو إظهار مستبطن الخير فعلاً أو قولاً. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الشكور والشاكر بالغت في شكر نعمه، وقمت بواجب حقها، وآثرت طاعته، وواظبت على وظائفها، وطلبت رحمته، وشهدت منته، فكنت له عبدًا [خالصًا] وبه عارفًا صادقًا. وحينئذٍ فتقربك بهذا الاسم تعلقًا: ألا تعامل سواه، ولا تشكر إلا إياه، وتخلقًا: أن تكون شاكرًا لكل ما يصل إليك من جنابه ولو على يد بعض خلقه، فإنه المنعم على الحقيقة وغيره واسطة لمجرد جريان ذلك على يديه صورة، فطلب منك شكر معروفه وإن كان ليس له من الأمر شيء، وإنما هو مجرد صورة. فقد صح عن الصادق (* أنه قال: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)(١) برفعهما ونصبهما، ورفع أحدهما ونصب الآخر، وكلها ترجع إلى تعظيم الواسطة مع اعتقاد أن المنعم الحقيقي إنما هو الله سبحانه لا غير. قيل: حقيقة الشكر في حقنا: فرح القلب بالنعم لأجل نعمته؛ أي: لأجل صدورها منه حتى تتعدى ذلك إلى الجوارح، فتقوم بالخدمة على بساط الحرمة، ومظهر (١) أخرجه أحمد (٧٩٢٦)، والطيالسي (٢٤٩١)، وأبو داود (٤٨١١)، وابن حبان (٣٤٠٧)، وأبو نعيم في («الحلية)) (١٦٥/٧)، والبيهقي (١١٨١٢)، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٢١٨)، والقضاعي (٨٢٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)» (٩١١٧). ٣٨٧ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى ذلك ألا يُعصى الله بنعمه كما قال الجنيد ﴾. انتهى. وقال القشيري: حقيقة الشكر: الثناء على المحسن بذكر إحسانه، ثم العبد يثني على الرب بذكر إحسانه الذي هو نعمته، والرب يثني على عبده بأن يمدحه ويذكر إحسانه وطاعاته. انتهى. والمشهور حد الشكر بأنه: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من الحواس والأعضاء إلى ما خلق لأجله من عبادة ربه. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]: قليل من عبادي من يشهد أن النعمة مني لا حقيقة الشكر الغيبة عن شهود النعمة بشهود المنعم. وقيل: هم الأكثرون وإن قلوا، وتواضع الإنس حيث جلوا، وعلى كلَّ فالشكر من أعلى المقامات المتكفل بالسلامة من النقائص والآفات، الموجب لدوام الرضا من عالم الخفيات، ومن ثم جعل ذلك في القرآن وصفًا لكل كامل كإبراهيم ونوح وأكابر المؤمنين أنه كان عبدًا شكورًا شاكرًا لأنعمه، وقال المحروم عند طرده: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وقال عز قائلاً: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وسبب هذا المدح الأعظم للشكر الذي غايته نسبة الأمور لبارئها، ومعاملته بما أمر به فيها أنه مستلزم لرجوعك بكليتك إلى من له الكل، ولخروجك عن كل ما في ملكك واختصاصك، وهذا حال الغني الشاكر المفضل عند كثيرين على الفقير الصابر. (الْعَلِيْ) فعيل من العلو، وهو المرتفع عن مدارك العقول ونهايتها في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا شبيه له بوجه في واحد من هذه الثلاثة بوجه من الوجوه، ولا باعتبار من الاعتبارات، وفسر بأنه البالغ في علو الرتبة إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، وبأنه الذي علا عن الدرك ذاته وكبر عن القصور صفاته، وبأنه الذي ٣٨٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع تاهت الألباب في جلاله وعجزت العقول عن وصف كماله، وعلى كل هو من الأسماء الإضافية على الأولين والتنزيهية على الآخرين. وحظك منه: إنك إذا شهدت علوه الذي ارتفع فوق كل شيء مكانة وجلالاً سمت همتك إليه فجعلتها في كل أحوالك وقفًا عليه، وذللت نفسك في طاعاته، وبذلت نفسك في العلم والعمل حتى تبلغ الغاية في الكمالات النفسانية والمراتب العلمية والعملية. وحينئذٍ فتقربك بهذا الاسم تعلقًا: أن ترفع همتك إليه، وتجعل اختيارك وقفًا عليه فلا تختار سواه ولا تشهد إلا إياه، وتخلقًا: بأن تحتج إلى معالي الأمور وتبعد عن سفسافها، ففي الحديث: ((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها))(١) ومن ثم قال علي، كرم الله وجهه: ((علو الهمة من الإيمان)). قال القشيري: من علوه تعالى وكبريائه أنه لا يصير بتكبير العباد له كبيرًا، ولا بإجلالهم له جليلاً، بل من وفقه لإجلاله فبتوفيقه أجله، ومن أيده لتكبيره وعلوه فقد رفع محله. ثم قال: ومن حق من عرف عظمته ألا يذل لخلقه، بل يتواضع لهم، فإن من تذلل لله في نفسه رفع قدره على أبناء جنسه. وقيل: المؤمن له العزة ولا الكبر، وله التواضع لا المذلة. (الكَبِيرُ) هو كنقيضه، يستعمل في الأصل في مقادير الأجسام، ثم لعالي الرتبة ودانيها، سبحانه كبير بهذا المعنى؛ إذ هو أكمل الموجودات وأشرفها، إما من حيث إنه قديم غني على الإطلاق وما سواه حادث بالذات مستقر في حضض الحاجة والافتقار، وإما من حيث إنه تعاليه عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول، وعليهما فهو من أسماء التنزيه. (١) أخرجه الطبراني (٢٨٩٤)، وابن عدي (٥/٣)، والقضاعي (١٠٧٦). ٣٨٩ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى وقال بعضهم: الكبير من معنى العظيم، فهو الذي يُحتقر كل شيء في جنب کبریائه. وقيل: في معنى ((الله أكبر)) من أن يقال له: أكبر، أو يدرك كنه كبريائه غيره. وقيل: الله أكبر من أن يحاط به أو يدرك. وحظك منه: أن تشهد كبرياءه دائمًا حتى تنسى كبرياء نفسك بحيث لم يبقَ لك دعوى ولا رؤية شيء من آثارك في جنب كبريائه، وحتى تجتهد في تكميل نفسك علمًا وعملاً؛ ليكمل غيرك، ويقتدي بآثارك، ويقتبس من أنوارك. وحينئذٍ فتقربك بهذا الاسم تعلقًا: أن تبالغ في التواضع، وتخلقًا: أن تحترس من سوء الأدب بلزوم حفظ الحرمة وشهود كبرياء الحق، ومر آنفًا أن من نازعه في كبريائه وعظمته قصمه وأهلكه، فاحذر ذلك فإن النفس قد تلقي من لم يشد على يديها في سحيق المسالك. (الْحَفِيظُ) قيل: معناه: مدبر الخلائق وكالئهم عن مهالك. وقيل: العالم بجميع المعلومات علمًا لا تغير له ولا زوال. وقيل: الحفيظ من الحفظ، وهو رعاية الأكوان من حيث العلم والاقتدار، وفي كل من هذه الثلاثة بُعد من حيث اللغة إلا الأول المفسر له بالكلاءة؛ لأنها الحفظ، ومع ذلك الأقرب ما قيل: إنه من الحفظ، وهو صون الشيء عن الزوال والاختلال، إما في الذهن وبإزائه النسيان، وإما في الخارج وبإزائه التصنيع، فالحفيظ يصح إطلاقه على الله تعالى بكل واحد من الاعتبارين. فإن الأشياء كلها محفوظة في علمه تعالى، ولا يمكن زوالها عنه بسهو ولا نسيان، وهو تعالى يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال ما شاء، ويصون بعض المتضادات عن بعض في المركبات محمية من الفساد بعضها بعضًا، فلا يطفئ الماء النار ولا يحلل النار الماء، ويحفظ على العباد أعمالهم، ويحصي عليهم أفعالهم وأقوالهم. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الحفيظ بالمعنى الأول اكتفيت بتدبيره وحفظه ٣٩٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع عن تدبيرك لنفسك، واسترحت من تعب التدبير، وكفيت جميع همومك وأمورك؛ لأن من لم يدبر لنفسه دبر الله له: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: کافیه جميع حاجاته، وناصره في جميع حالاته. وبالمعنى الأخير: أن يحفظ سرك عن اتباع الشبهات والبدع، وجوارحك عن أن تنقاد للشهوات والغضب، ويختار أوساط الأمور، ويجتنب طرفي إفراطها وتفريطها، وباطنك عن ملاحظة الأغيار، وظاهرك عن موافقة الفجار. وحينئذٍ فتقربك بهذا الاسم تعلقًا: دوام اللجأة إليه والاعتماد عليه، والرجوع لما عنده بنسيان خوف الخلق وهم الرزق ثقة بحفظه وكفالته وكفايته، وتخلقًا: بأن تحفظ ما أمرت بحفظه من القلوب والجوارح والشرائع، والإمامات والولايات والودائع. قال القشيري: ومن حفظه تعالى لأوليائه: صيانة عقودهم في التوحيد عن اكتفائهم بالتقليد، وتحقيق العرفان في أسرارهم بجميل التأييد، وغاية الحفظ: حفظ القلوب من شوائب الأهوية. وقيل: من حفظ الله جوارحه حفظ الله عليه قلبه، ومن حفظ لله حقه حفظ عليه حظه. رفع بعض الصالحين بصره لمحظور، فقال: إلهي، إنما ارتد بصر لأجلك فإذا صار سببًا لمخالفة أمرك فاسلبني. فعُمي، وكان يصلي بالليل فاحتاج الماء للطهارة ولم يتمكن منها، فقال: إلهي، إنما قلت: خذ بصري لأجلك، ففي الليل أحتاجه لأجلك. فعاد إليه بصره. (الْمُقِيثُ) بالقاف والفوقية، وهو معطي كل موجود ما به قوامه من القوت والقوة الحسية والمعنوية، فتتقوت، ومنه قول بعضهم: هو خالق الأقوات البدنية والروحانية، ويوصلها إلى الأشباح والأرواح، فهو من صفات الأفعال. وقيل: هو المقتدر بلغة قریش. وقيل: هو الشاهد والمطلع على الشيء من أقات الشيء: إذا اطلع عليه، فهو ٣٩١ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى عليهما من صفات الذات. وقال بعضهم: المقيت اسم جامع لمعنى الاقتدار على حكم الموازنة من حيث إحاطة العلم وإقامة الكفاف بالقوت المقدر بالحاجة من غير زيادة ولا نقص، المقيد بالإظهار عند وقت حاجته، فكان المقيت المقدر للشيء بمقدار قوته المقدر عليه؛ أي: المضيق. انتهى وفيه ما فيه. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه المقيت نسيت ذكر القوت بذكره، كما اتفق لسهل ع أنه سئل عن القوت فقال: هو الحي الذي لا يموت، فقيل له: إنما سألناك عن القوام فقال: القوام العلم، فقيل له: إنما سألناك عن الغذاء، فقال: الغذاء الذكر، فقيل له: إنما سألناك عن طعمة الجسد، فقال: ما لك وللجسد، دع من تولاه أولاً يتولا: آخرًا، ما رأيت الصنعة إذا عيبت ردت لصانعها؛ لأنه العالم بإصلاحها. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: إذ لا تطلب حوائجك كلها إلا من مولاك؛ لأن خزائن الأقوات بيده أشباحًا وأرواحًا، فلا يقدر أحد على أن يعطها لك تامة سواه ثلة، وتخلقًا: أن تعطي كل أحد ممن تعلق بك ما يستحقه من القوت، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول حتى في المعارف والعلوم، فيكون دأبك النفع والهداية وإطعام الجائع وإرشاد الغاوي. قال القشيري: وإذا اختلفت الأقوات فمن عباده من يجعل قوته توفيق العبادات، وقوت قلبه تحقيق المعارف والمكاشفات، وقوت روحه إدام المشاهدات والمؤانسات، خص كلاً بما يليق به على ما سبق به الاختيار وحق فيه القول، ومن شغله بطاعته أقام له من يقوم له بشغله أو بمبايعة شهوته، وكله إلى حوله وقوته ورفع عنه ظل عنايته. (الْحَسِيبُ) إما من الحَسَب بالتحريك؛ أي: السؤدد والشرف الكامل، أو من الخسْب وهو الاكتفاء والكفاية، من أحسبني: إذا كفاني، فهو فعيل بمعنى مفعل، كأليم؛ أي: المعطي لعباده كفايتهم أو الكافي لهم في أمورهم من قولهم: ((حسبي)) أي: يكفيني، فالحسب المطلق هو الله تعالى؛ إذ لا يمكن أن يحصل شرف وسؤدد وكفاية ٣٩٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع في جميع ما يحتاج إليه الشيء في وجوده وبقائه، وكماله البدني والروحاني بأحدٍ سواء، أو من الحساب؛ أي: المحاسب للخلائق يوم القيامة، فعيل بمعنى فاعل كجليس ونديم فمرجعه على غير الأخير إلى الفعل، وكذا على الأخير إن جعلت المحاسبة المكافأة، فإن أريد بها السؤال والمعاتبة، وتعداد ما عملوا من الحسنات والسيئات كان مرجعه إلى الكلام. وكان بعضهم جمع بين المعنيين حيث قال: الحسيب: من يعد عليك أنفاسك، ويصرف بفضله عنك بأسه. ولخص بعضهم ما مر فقال: الحسيب اسم جامع لمعنى الحسب الذي هو الاكتفاء، وللحساب الذي هو الإحصاء لما له من الثناء، ولما يتعدد من الأمور، فيكون بالنظر للحسب من أسماء الذات، وبالنظر إلى الثناء من صفات الأفعال، وبالنظر إلى إحصاء الأعمال لإمضاء الجزاء متوجه نحو أسماء الأفعال، ومعنى أسماء الأفعال ما أخذ اشتقاقه من مقتضى وقوع فعل واحد، وأحق الصيغ به صيغة فاعل؛ لأنها الصيغة المخصوصة باسم الفاعل نحو الضارب. انتهى. وفيه إنظار لا يخفى على من له إلمام بالعلوم العربية، قيل: الكفار يجعلهم حسب أنفسهم فيحكمون عليها بالنار فيدخلونها، وأهل الكمال تحاسبهم الملائكة على رءوس الأشهاد وتدفق عليهم لتظهر فضلهم وتقوم الحجة عليهم، وعامة المؤمنين أهل العقاب يضع الرحمن عليهم كنفه فيقررهم بذنوبهم ويعتبهم عليها ثم يغفر لهم. انتهى. وهذا التقسيم يحتاج إلى سند من السنة؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الحسيب كما ذكر فعظمه لبلوغ وصفه غايات الكمال، ثم حاسب له نفسك قبل أن تحاسبك، وشرفها بالمعرفة والطاعة، [فتمنح سبب] الكفاية في حاجات المحتاجين وسد خلتهم. ومما قيل في معنى الحسيب: إن كان الله معك فمن تخاف، وإن كان عليك فمن ترجو. ٣٩٣ كتاب الدعوات / باب أسماء الله تعالى وحظك من هذا الاسم تعلقًا: أن تخافه وترجوه وتهابه وتعظمه لما هو عليه من العظمة في ذاته، والتنزه في صفاته، والكمال في أفعاله، وتخلقًا: أن يكون حسيبًا في ذاتك برفع المهمة، وفي صفاتك بحسن الخلق، وفي أفعالك بوجود المراقبة لمن هو حسبك وحسيبك. قال القشيري: كفاية الله للعبد: أن يكفيه جميع أحواله وأثقاله، وأجل الكفاية أن يسلمه عن إرادة الأشياء حتى لا يريد شيئًا، فإن السلامة من ذلك أتم وأحرى من قضاء الحاجة وتحقيق المأمول، ومن علم أنه تعالى كافيه لا يستوحش من إعراض الخلق عنه، ثقة بأن الذي قسم له لا يفوته وإن أعرضوا عنه، والذي لم يقسم له لا يصل إليه وإن أقبلوا عليه، ومن اكتفى بحسن تولية الله تعالى لأحواله فعن قريب يرضيه مولاه بما يختاره له، فعند ذلك يؤثر العدم على الوجود، والفقر على الغنى، ويستروح إلى عدم الأسباب بمشاهدة تصرف المولى قيل رجع فتح الموصلي ليلة إلى بيته، فلم يجد فيه عشاء ولا سراجًا، فبالغ في الحمد والتضرع، وقال: إلهي، بأي سبب ووسيلة واستحقاق عاملتني بما تعامل به أولياءك؟ (الْجَلِيلُ) هو الذي عظم شأنه وبهر العقول بعزته وجلالته، فلم يمكن أن يدانيه فضلاً عن أن يساويه غيره في ذات ولا صفة ولا فعل ولا اسم من الجلال، وهو التعالي عظمًا وقدرًا عن أن تشبهه ذات من أعلى ذوات الأقدار، وقيل: بالإكرام في الآية؛ لأنه التنزيل إلى [مراقي] ذوي الأقدار، فهو مرجع إلى صفات كالقدوس والغني؛ لأنه المنعوت بنعوت الجلال المستلزمة لتنزيهه عن كل ما لم يصل إلى أعلى غايات الكمال. وفَرَّق الفخر الرازي بينه وبين الكبير العظيم، بأن الكبير اسم للكامل في الذات، والجليل اسم للكامل في الصفات، والعظيم اسم للكامل فيهما، وقد ينافيه ما تقرر في شرح لهذا، وما مر في شرح كل من الآخرين المفهم لعموم الذات والصفات في كل من الثلاثة، إلا أن يجاب بأن ذاك مما يستفاد من اللفظ ولو بطرق التبع، وهذا باعتبار ٣٩٤ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع المقصود منه بطريق الذات فلا تخالف. وحظك منه: إنك إذا شهدت جلاله ظهر في عوالمك كلها إجلاله، فعظمت هيبتك منه ومحبتك له، وأنسك به، واحترامك لجنابه، ونزهت نفسك عن العقائد الزائفة والخبالات الفارغة والأخلاق الذميمة، والأفعال والأقوال والأحوال القبيحة.، وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا تحب سواه، ولا ترضي إلا إياه، وتخلقًا: أن تجل نفسك عن سفساف الأمور ومحقراتها؛ لأنك أجل المخلوقات وأبدعها في ذاتها وصفاتها. وما أحسن قول حكم العارف ابن عطاء: الله جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته؛ ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكنوناته. ومن كلام القشيري، رحمه الله: جعل سبحانه تنزه أسرار العارفين في شهود جلاله وجماله، فإن كوشفوا؛ فالجلال أوجب لهم الشهود والغيبة، أو بالجمال أوجب لهم الصحو والقربة. (الْكَرِيمُ) من الكرم وهو إما في الذات، وهو رفعة القدر وكبر الشأن، ومنه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمُ﴾ [يوسف: ٣١] أو في الصفات، وهو الاتصاف بالصفات الجميلة المقدسة عن النقائص والعيوب، ومنه قولهم: ((كريم الطباع)) أي: جميلها، وقولهم: ((كرائم الأموال)) وفي الحديث الصحيح: ((إياك وكرائم أموالهم)(١) أي: نفائسها، وبهذا الاعتبار سمي شجر العنب: كرمًا؛ لأنه طيب الثمرة، قريب التناول، سهل العطاء، عار عن الشوك، بخلاف البخل، أو في الأفعال وهو البداءة بالنوال قبل السؤال، والإعطاء بلا حد ولا زوال، وهو تعالى كريم ذاتًا وأوصافًا وأفعالاً بالمعاني المذكورة. فمن قال: الكريم الذي إذا كذبت اعتذر عنك، وإذا هجرت وصلك، وإذا افتقر (١) أخرجه الدارمي (١٦٨٤)، والبيهقي (٩٩). ٣٩٥ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى أحسن إليك ببقية ماله. ومن قال: إنه الذي يرى المنة عليه لمن قبل عطاءه. ومن قال: إنه الذي إذا رفعت إليه حاجة عابت نفسه كيف لم يبادر إلى قضائها قبل أن يُسأل؟ أراد تفسير نوع من أنواع الكرم؛ لأن الكرم المطلق الذي قدمناه فتأمله. وحظك منه: إنك إذا شهدت كرم ذاته لم تتوجه لغيره، أو كرم صفاته لم تحب سواه، أو كرم أفعاله لم تطلب من غيره، ولم تجعل لك تدبيرًا مع تدبيره بوجه من الوجوه. وحينئذٍ فالتقرب به تعلقًا: أن تجعل حوائجك كلها وقفًا عليه، ووجهك دائمًا متوجهًا إليه، وجوارحك مقصورة على مباشرة ما أمرك به، مقصورة عن مباشرة شيء مما نهى عنه. قال في (الحكم)): لا تتعدَّ نية همتك إلى غيره؛ أي: لأجل طلب ذلك الغير أو الطلب منه، فالكريم لا تتخطاه الآمال. وتخلقًا: ألا تمسك شيئًا أمرت ببذله أبدًا بأن تقول بيديك هكذا وهكذا. قيل: إن سألك المستحقون أو يتوسل إليك المحتاجون لتكون غنيًّا شاكرًا، وخازنًا لله ماهرًا، ليس لك إلا مباشرة إيصال الحقوق إلى مستحقيها، مستحضرًا أنك واسطة مجردة لا تضر ولا تنفع. (الرَّقِيبُ) هو الذي لا يجوز عليه الغفلة أو الذهول ولا النسيان، فلا يحتاج إلى مذكر ولا منبِّه، بل لا يزال مراقبًا للأشياء وملاحظًا لها، فـ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] المكنى بهما عن جميع العوالم العلوية والسفلية، من الرقبة وهي شهود بلا فترة ورعاية بلا غيبة، فمرجعه إلى صفتي الذات وهما السمع والبصر. وحظك منه: إنك علمت أنه الرقيب على كل شيء كما قال تعالى عز قائلاً: ٣٩٦ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع ﴿إِنَّ اللّه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] راقبته في كل شيء، ولم يلتفت لغير في شيء. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تلاحظ مراقبته تعالى، لكن في جميع أحوالك الظاهرة والباطنة حتى تكون دائم الحضور بين يديه، مقصور النظر والالتفات إلا إليه، وتخلقًا: أن يكون رقيبًا على كل من جعلك الله راعيًا عليه ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(١) وابدأ في ذلك بنفسك؛ فراقب أحوالها، وخذ أتم الحذر من أن ينتهز الشيطان منك فرصة فتهلك من غير أن تشعر، فلاحظ مكامنه ومنافذه، وسد عليه طرقه ومجاريه بصدق المجاهدة ودوام المشاهدة. ومن كلام القشيري، رحمه الله: المراقبة عند هذه الطائفة أن يصير الغالب على العبد ذكره لربه بقلبه مع علمه بأنه تعالى مطلع عليه، فيرجع إليه تعالى في كل حال، ويخاف سطوات عقوبته في كل نفس، وتهابه في كل وقت، فهو يعد مع الله أنفاسه، ولا تخلو عن طاعته لحظة، فلا تخالفه استحياء منه وهيبة له، بخلاف من يخاف عقوبته فقط، فإنه قد يخالفه نظرًا لسعة حلمه وعفوه، وغفله عن أنه قد يناقش في الحساب. رُؤيَ بعض الصالحين في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأحسن إلي، إلا أنه حاسبني حتى طالبني بكسر حبة حنطة أردت الإفطار عليها، فتذكرت أنها لصديقي فألقيتها على حنطته فأخذ من حسناتي مقدار أرش كسرها. (الْمُجِيبُ) هو الذي يسعف سائله تفضلاً منه عليه حالاً ومآلاً بأن يعطيه مسئوله، أو يدفع عنه من السوء بمثله، أو يعطيه ما هو أفضل من مسؤوله، أو أسلم أو أصلح له في علمه كما سبق ذلك كله في باب الدعاء. وما أحسن قول من قال: ضمن سبحانه لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما (١) أخرجه البخاري (٢٢٧٨)، ومسلم (١٨٢٩)، وأحمد (٤٤٩٥)، وأبو داود (٢٩٢٨)، والترمذي (١٧٠٥) وقال: حسن صحيح. ٣٩٧ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى تختاره أنت لنفسك، وفي الوقت الذي يريده لا في الوقت الذي تريده؛ أي: فادعه مستحضرًا لذلك حتى لا يزل قدمك، ويحق عليك باستبطائك للإجابة حرمانك وندمك، وكفى بالدعاء وحده عبودية، فأنت به فارغًا عن إرادتك، مخلصًا في عبادتك. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه المجيب لمن دعاه على ما تقرر لم تزل داعيًا له مستمطرًا من فضله فيما قد وجد: (يا موسى، سلني حتى ملح عجينك))(١) ولم تسأل سواه في شيء اعتمادًا على واسع فضله، وقرب إجابته وعظيم رحمته. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: ألا تستعظم شيئًا تسأله، ويمكن إعطاؤه لك؛ لما في الأحاديث السابقة آنفًا: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))(٢). ((لا يقل أحدكم: اغفر لي إن شئت ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له)(٣). ((إذا سألتموا الله فأعظموا المسألة، فإن الله لا يتعاظمه شيء)) قالوا: إذن نكثر يا رسول الله؟ قال: ((الله أکثر)». وتخلقًا: أن تجيب ربك في كل ما طلبه منك، ثم من دعاك في أمر دينك ودنياك على غاية من اللطف ونهاية الأدب. قال سيد المتواضعين وَل﴾: ((لو دعيت إلى كراع)) أي: موضع بينه وبين المدينة نحو ثمانية أيام، أو كراع الغنم (لأجبت))(٤). وفي الحديث أيضًا: ((ما سئل وَلّ شيئًا قط فقال: لا))(٥) أي: إذا كان يقدر عليه. وفي الحديث أيضًا: ((إن الله يستحي أن يرد يد عبده صفرًا إذا رفعهما إليه)(٦). (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩١٦٣)، وابن ماجه (٣٨٥٤). (٤) أخرجه البخاري (٥١٧٨)، وأحمد (٩٧٣٣)، والترمذي (١٣٨٨)، وابن حبان (٥٣٨٢). (٥) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٩٨)، والطيالسي (١٨١٧)، وابن حبان (٦٤٨٣)، وعبد بن حميد (١٠٨٩). (٦) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٩٠٤)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٧٤٧). ٣٩٨ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع (الْوَاسِعُ) من السعة، ويستعمل حقيقة في المكان، وهي محال هنا، ومجازًا في العلم والحلم والإنعام والغناء: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فمن ثم فسر الواسع هنا بعضهم: بالعالم المحيط علمه بجميع المعلومات كليتها وجزئیتها، موجودها ومعدومها. وبعضهم: بأنه الجواد الذي عمَّت نعمته وشملت رحمته كل بر وفاجر ومؤمن وکافر. وبعضهم: بأنه الغني المتمكن مما يشاء. وبعضهم: بأنه الذي وسع علمه ورحمته كل شيء. وبعضهم: بأنه الذي لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه. وبعضهم: بأنه المحيط بكل ما شأنه الإحاطة، والأحسن تفسيره بكلٍّ، فيقال: الواسع العالم المحيط علمه بجميع المعلومات، والجواد الذي عمت نعمته من ذكر، والغني المتمكن مما يشاء، والقوي الذي لا غاية لسلطانه، والمحسن الذي لا حد لإحسانه، البرهان الذي لا نهاية لبرهانه، فهو يرجع إلى صفة العلم والقدرة. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الواسع علمًا ورحمة قوي رجاؤك نظرًا لاتساع عبادته ورحمته، وخوفك نظرًا لاتساع علمه وقوته، فكنت في عموم أحوالك وأرقابك خائفًا راجيًا. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا أن يكون اعتمادك إنما هو إلا على رحمته، لا على عملك ورجوعك لعلمه، لا للحيل والأسباب التي لم يؤمر بها، ولقوته وحوله لا لحولك، وتخلقًا: أن يتسع خلقك ورحمتك وإحسانك وقوتك لجميع عباد الله في كل أحوالك وأوقاتك، وأن تسعى في سعة معارفك وأخلاقك حتى تكون جوادًا بالطبع لا بالتطبع، غني النفس بربك، فلا يؤثر فيك القدر ولا الوجود؛ لأن قربك منه على حسب تباعدك من الدنيا والحظوظ والإرادة. ومن الواجب عليك أن تعلم أن انتظام أسباب الدنيا، والمتمكن من تحصيل ٣٩٩ كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى المنى، والوصول إلى الهوى ليس هو من النعم المقصودة والأحوال المحمودة، وإنما المدار على وجود الألطاف التي يحصل بها الوصول إلى مراضيه، والشهود لعزته وتعاليه. وفي بعض الكتب: إن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي. (الْحَكِيمُ) من الحكمة، وهي كمال العلم وإحسان العمل وإيقانه، فهو الذي كمل علمه وأحق كل شيء خلقه مع إيقانه له، فهو يرجع إلى صفة الذات وصفة الأفعال، وقد يستعمل بمعنى العليم والمحكم، ومن ثم فسر الحكيم هنا بأنه المحكم للأشياء حتى صدرت على وفق علمه وإرادته ومشيئته بقضائه وقدره. وقيل: هو مبالغة الحاكم. وقيل: هو الذي يكون مصيبًا في التقدير ومحصيًا في التدبير. وحظك منه: إنك إذا عرفت أنه الحكيم لم تعترض عليه في شيء قط، ولم تتهم حكمه بشيء قط، بل ترى كل أفعاله على غاية من الإحسان والإيقان. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تراعي حكمته في كل أمورك، فتجري عليها مقدمًا منها عند تعارضها ما هو شرعي، ثم ما هو عاري عن معارض شرعي، وتخلقًا: أن تكون حكيمًا، والحكمة في حقنا العلم والعمل، أو إصابة الحق في القول والعمل، فعليك أن تجتهد في تكميل قواك النظرية بتحصيل المعارف الإلهية، واستكمال القوة العملية بتصفية النفس عن الرذائل، والميل إلى الدنيا والرغبة في زخارفها والاشتغال بما يوجب الزلفى من الله تعالى حتى يشملك عموم قوله عز قائلاً: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ومن كلام القشيري، رحمه الله: من حكمه في عباده إسعاده قومًا من غير سبب ولا جهد ولا طلب، ولا زيادة أدب ولا شرف نسب، وإشقاؤه آخرين من غير جرم سلف منهم، بل حقت عليهم الكلمة، فالذي كان شقيًّا في حكمه أبرزه في نطاق أوليائه، ثم بالغ في ذمه وحظه أبلغ حظ، قال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] والذي ٤٠٠ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع كان سعيدًا في حكمة خلقه في صورة الكلب، ثم حشره في زمرة أوليائه، وذكره في زمرة أصفيائه فقال: ﴿رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. وقال: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]. (الْوَدُودُ) فعول بمعنى فاعل، كفعول أو مفعول كناية فمعناه على الثاني: أن عباده يكثر ودهم له، ومعناه على الأول: أنه الكثير الود لعباده والتودد إليهم بتتابع النعم عليهم، وصرف النقم عنهم، وإيصال الخيرات، ودفع المضرات، وفسر بأنه الذي يحب الخير لجميع الخلائق، ويحسن الهمم في الأحوال كلها، وهو يرجع لما قبله، وبأنه المحب لأوليائه، ومراد قائله: أن ذلك أرفع أنواع وده. قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فمحبته لهم أن يرحمهم ويزيد لهم الجميل، ويمدحهم عليه وينعم عليهم، ومحبتهم له إما طاعاتهم أو تعظيمهم أو هيبتهم له. وحاصل هذا الاسم يرجع إلى إرادة مخصوصة من الود وهو قضاء المآرب وجمع المطالب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] قيل: فيما بينه وبينهم. وقيل: فيما بينهم وبين خلقه، ولا تخالف، بل يجعل لهم كليهما. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه الودود نسيت ود غيره، وبذلت غاية جهدك في وده، ولم تعول على أحد سواه، ولم تقصد في حوائجك بكل حال إلا إياه، وأن تشكر نعمه فلا تكفر شيئًا منها بحسب جهدك واستطاعتك لمجرد محبتك له لا لعلة أخرى. وفي الأثر: إنه تعالى يقول: ((إن أود الأوداء إلي من عبدني لغير نوال، لكن ليعطي الربوبية حقها)(١). وتخلقًا: أن يكون ودودًا للمؤمنين، بل لكل الخلائق بأن تحب للكافر الإيمان (١) ذكره الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٣٠٦/٤). ٤٠١ كتاب الدعوات / باب أسماء الله تعالى والعاصي التوبة، ولذوي المراتب الدينية الثبات على ما هم فيه؛ ولكافة العباد الخير جملة وتفصيلاً وكمال ذلك: أن تريد لهم ما تحب لنفسك وتحسن إليهم حسب قدرتك ووسعك. فائدة: المحبة إما مشتقة من: حبب الأسنان: وهو صفاؤها ونضارتها؛ فمحبة العبد لربه صفاء وقته وضياء أحواله، بحبس نفسه على دوام ذكر الله [ .......... ] (١). أو من قولهم: ((أحب البعير)) إذا استناخ فلا يبرح؛ فالمحب تديم الإقامة لمحبوبه بنفسه وبدنه، وإلا فبقلبه وروحه تاركً لهواه، لا يزيده الهجر والصد والإبعاد والطرد إلا الجهد بظاهره والوجد بباطنه. أو من الحِبِّ: وهو القرط الذي يجعل في الأذن، سمي حبًّا لقلقه واضطرابه، فكما أن القرط دائم الاضطراب فكذلك المحب عديم القرار بعيد الاصطبار، لا يسكن أنينه ولا يهدأ حنينه. أو من المحبة: نبت بالصحراء، فالمحبة شجرة تغرس في الفؤاد وتسقى بماء الود، أصلها نابت في السر، وفرعها نابت في الهواء، وثمرتها لطائف الأنس وحقائق القرب، تؤتي أكلها دائمًا. (الْمَجِيدُ) هو مبالغة في الماجد من المجد، وهو سعة الكرم فهو الذي لا يدرك سعة كرمه، ولا يتناهى توالي إحسانه ونعمه فيرجع إلى أسماء الأفعال، ومن أعظم نعمه على عباده، بل أعظمها على الإطلاق: حفظه عليهم قلوبهم، وما فيها من توحيده وإلا لزاغوا وضلوا، أو من المجد الذي هو نهاية الشرف، فهو الذي له الشرف الكامل والملك الواسع الذي لا غاية له يمكن الوصول إليها، فيرجع إلى صفات التنزيه. وفسر أيضًا بالعظيم الرفيع القدر، قيل: فهو فعيل بمعنى مفعل، وبالجميل (١) في الأصل: [وعدم حظور المخالفة بسره] وهو غير واضح. ٤٠٢ فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع العطاء فهو بمعنى فاعل. قيل: كل وصف من أوصافه تعالى يحتمل معنيين، فمن أثنى عليه بذلك الوصف فقد أتى بالمعنيين، فكل من قال له: ((مجيد)) فقد وصفه بأنه عظيم رفيع القدر، وبأنه محسن جزیل البر. وحظك منه: إنك إذا شهدت أنه المجيد بالمعنى الأول اتسع رجاءك، وزاد منه حياؤك، فلم تبارزه بمخالفة قط، ولم تمِل إلى وعر الغفلة والشطط، أو بالمعنى الثاني خضعت تحت سلطانه، ولم تنظر لغيره في شيء هو من شأنه «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] كل وقت هو في شيء إحياء وإماتة، وإغناء وفقر، وإعزاز وإذلال وغير ذلك، فكل شيء منه وإليه، فلا تعتمد في الأمور إلا علیه. وحينئذٍ فتقربك به تعلقًا: أن تبالغ أقصى جهدك في تعظيمه وإجلاله؛ لما له عليك من سوابغ النعم، ولبلوغه الغاية في شرفه وسعة ملكه وكماله قيامًا بحق مجده، ووفاء بواجب إحسانه ورفده(١)، وتخلقًا: أن توسع خلقك وعطاؤك في إكرام خلقه بحسب طاقته؛ لتكون فيما بينهم ماجدًا ولخير ما عندهم واجدًا، وأن تسعه في تمجيد ذلك برفع همتك إليه، وصفاتك بحسن أخلاقك وإدامة توكلك عليه، وأفعالك بالتزام الأدب بین یدیه. (الْبَاعِثُ) الرسل إلى الأمم بالأحكام والحكم، وللموتى بالقيام من قبورهم إلى الوقوف بين يديه، وللنائمين باليقظة؛ لتجري عليهم الأحكام التكليفية، وللنعم والأرزاق إلى أن يصل من أراده من غير سابقة حق ولا شائبة سبب، وألهم بالترقي في معالي التوحيد، والتنقي من ظلمات صفات غير ذوي التجريد، وللخواطر التي تطرق الأسرار فتدعوها تارة للخير وأخرى للشر، وللتوفيق لا لاستحقاق وطلب، وللخذلان لا لعلة وسبب، ويجمع ذلك كله قول بعضهم: هو صير الساكن في حالة أو وصف أو (١) الرفد: المعونة بالعطاء.