Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨٣
كتاب الدعوات
٢٢٣٩ - [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: مَنْ فُتِحَ
لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَمَا سُئِلَ اللّهُ شَيْئًا - يَعْنِ: أَحَبَّ إِلَيْهِ -
مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ].
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَاِ: مَنْ فُتِحَ لَهُ
مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ) بأن ألهم الإكثار منه مع وجود شروطه ومستحباته (فُتِحَتْ لَهُ
أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ) فيجاب لمسؤوله تارة ويدفع عنه مثله من السوء تارة أخرى، مع ما له من
ثواب مناجاته للحق وخضوعه بین یدیه.
(وَمَا سُئِلَ اللّهُ شَيْئًا - يَعْنِ: أَحَبَّ إِلَيْهِ - مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ) الأصل
وما سئل الله شيئًا أحب إليه من العافية، فأراد ابن عمر كما هو الظاهر أن
يبين معنى قوله: ((أحب إليه من العافية)) لإيهامه أنه يحب العافية لا بقيد كونها
مسؤولة، فأقحم ((أن يسأل)) بين من ومجرورها ليبين أن الأحب إليه سؤال العافية لا
ذاتها؛ لأنها من صفات المحدثات، وقدم يعني على محلها ففصل بها بين شيئًا
وصفته، وهي أحب إليه، والأصل وما سئل شيئًا أحب إليه، يعني: من أن يسأل العافية؛
لأن الأول أظهر في التفسير؛ لأن وقوعه بين الصفة والموصوف قرينة ظاهرة على أنها
مفسرة لما يصلح للتفسير من جملة ما في خيرها، وإنما كان سؤال العافية أحب
إليه تعالى؛ لأنه كريم يحب أن يسأل الشيء البالغ النهاية في الكثرة؛ ليتفضل
به من خزائن كرمه، والعافية لفظ جامع لإعطاء كل خير دنيوي وأخروي،
ولدفع كل مكدر أو مؤلم دنيوي أو أخروي، ولا كلمة أجمع لذلك من لفظ
العافية.
ومن ثم لما سأله والر عمه العباس أن يعلمه دعاء يدعو به اختار له لفظها فقال:
(يا عم إني أحبك، سل الله العافية في الدنيا والآخرة)»(٢).
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٩٣).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٨٣)، والترمذي (٣٥١٤)، وابن أبي شيبة (٢٩١٨٥).
٢٨٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
وقال مخاطبًا للأمة: ((إذا سألتم فسألوا الله العافية))(١) وحينئذٍ فما ورد من ضم
العفو إليها إنما هو من باب الإطناب والتأكيد، وإلا فهي تشمله كما علم مما تقرر في
معناها (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٢٢٤٠ - [وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ
لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ(٩). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثُ
غَرِيبُ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ
الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ) لأن من إكثاره في أوقات الرخاء يدل على
صدق العبد في عبوديته والتجائه إلى ربه في جميع أحواله، وأنه يشكره في الرخاء كما
يشكره في الشدة، ويتوجه إليه بكليته ليكون له عدة، وأي عدة؟ فلذا استجيبت
أدعيته إذا حق اضطراره وتوالت النعم عليه وسبقت النجاة إليه، لا سيما إذا خشي
غباره.
وأما من يغفل عن مولاه في أحوال رخائه ولم يلتجئ إليه حينئذٍ بقوة توجهه
ورجائه فهو عبد نفسه وهواه البعيد عن بابه، والحقيق بألا يستجاب له عند الشدائد
لكفرانه نعم ربه في حال شيخوخته وشبابه، فهو كمن أخبر الله عنهم بأنهم في حال
خشية الغرق يدعون الله ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فإذا نجاهم من ذلك
عادوا لكفرهم وإشراكهم، وکمن أخبر تعالى عنه فإنه في حال ضره يدعو ربه منيبًا
إليه فإذا عوفي منه نسي ذلك وعاد إلى عصيانه والإشراك به (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبُ).
٢٢٤١ - {وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ادْعُوا اللّه وَأَنَتُم مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ،
(١) أخرجه البخاري (٢٨٠٤)، ومسلم (١٧٤٢)، وأبو داود (٢٦٣١)، وأحمد (١٩١٣٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٨٢)، والحاكم (١٩٩٧) وقال: صحيح الإسناد، وأبو يعلى (٦٣٩٦).
٢٨٥
كتاب الدعوات
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ادْعُوا الله وَأَنَتُم) أي: والحال أنكم (مُوقِنُونَ
بِالإِجَابَةِ) أي: معتقدين لوقوعها لصدق رجائكم الباعث على الطلب بجد وصدق،
والدال على الإخلاص فيه وعلى توفر شروطه وآدابه، وذلك يغلب معه وقوعها؛ لأن
عدمها إنما ينشأ عن فساد قلب الداعي كما أفاده قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه لَا يَسْتَجِيبُ
دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ) عن الله (لَاهٍ) أي: مشتغل بغيره لا للعجز عن الإجابة ولا
[للتخيل] بها إلا لعدم العلم بالدعاء؛ لأن ذلك كله محال عليه تعالى، وإنما هو
للإعراض عما يليق بجناب الحق تعالى من اعتقاد واسع كرمه، والتقرب إليه بمحابه
واجتناب ما يغضبه والتذلل بين يديه بغاية الذلة والانكسار والاحتياج والافتقار،
وامتلاء القلب بشهوده ودوام حضوره بين يدي معبوده.
وقيل: معنى ((وأنتم موقنون بالإجابة)) وأنتم حين الدعاء على حالة تستحقون
فيها الإجابة لتوفر شروطها المذكورة فيكم، وبما قررته في معناه أولاً يعلم أنه لا
خلاف في المعنى، وأنه لا بد في ظن الإجابة من توفر تلك الشروط كما دلت عليه
الأحاديث، لا سيما قوله في هذا: ((واعلموا .. إلخ)) فمن أوهم كلامه حكاية خلاف محقق،
حيث قال في شرح: ((وأنتم موقنون بالإجابة)) فيه وجهان:
أحدهما: كونوا حين الدعاء على حالة تستحقون الإجابة فيها؛ لوجود أركان
الدعاء وآدابه.
ثانيهما: ادعوه معتقدين لوقوعها، ففيه نظر بل عند التحقيق لا خلاف كما
قررته فتأمله، وذكر الشارح هنا عن النووي وغيرها آداب الدعاء، وقد استوعبتها
بحسب الإمكان في (شرح العباب)) وخلاصة أكثرها أن يقدم التوبة والصدقة، ويتجنب
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩)، والحاكم (١٨١٧).
٢٨٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
الحرام للأخبار الصحيحة فيه، بل قضيتها أن ذلك شرط لا أدب، لكن الأشهر
عندهم أنه أدب لكنه آکد آدابه.
ومن ثم قيل: الدعاء مفتاحه الإخلاص وأكل الحلال، ولا بدَّ من نظافة لأسنانه،
ويتطهر ويتطيب ويستقبل القبلة، ويجثو على ركبتيه ويخلص نيته، ويخضع بقلبه
وجوارحه ويظهر الفقر والمسكنة، ويثق بربه ويفوض أمره إليه، ويقطع النظر عمن
سواه، ويقرع نفسه بالتخويف ويتحراه مع الإكثار منه في الأزمنة الشريفة، كليلة
القدر ورمضان ويوم عرفة، وليلة الجمعة ويومها وفي الليل، لا سيما وقت السحر،
والأمكنة الشريفة كمكة ومشاعرها والمدينة وبيت المقدس، والأحوال الصالحة كبين
الأذان والإقامة وفي السجود وعقب شرب ماء زمزم، وصياح الديك وكل طاعة، وعند
الاضطرار إلى المدعو به؛ إذ المضطر ممن يستجاب دعاؤه، ومثله المظلوم، وكوفاء جزاء،
والوالد والإمام العادل، والرجل الصالح والبار بوالديه، والمسافر والصائم والمسلم لأخيه
بظهر الغيب، وأن يبدأ الدعاء ويتوسطه ويختمه بحمد الله، ويتحرى مجامعه والصلاة
والسلام عليه وَ﴾ وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان، ويتحرى أفضلهما؛ أعني:
الصلاة والسلام (كاللَّهُمَّ صل وسلم وبارك أفضل صلاة، وأفضل سلام، وأفضل بركة
على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهم بإحسان، عدد معلوماتك أبدًا)).
ويتحرى أيضًا نحو: (يا ذا الجلال والإكرام)) لأنه وَلّ سمع رجلاً يذكره فقال:
(قد استجيب لك))(١) وتقول: ((يا أرحم الراحمين)) لخبر الحاكم: ((إن من قالها ثلاثًا قال
له الملك إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك فسل»(٢).
﴿لا إِلَّهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّيٍ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] لخبره: ((لم يدع
بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له))(٣).
(١) أخرجه الترمذي (٣٨٧٠)، وأحمد (٢٢٧٠٦)، والطبراني (١٦٥٢١)، والبزار (٢٦٣٥).
(٢) أخرجه الحاكم (١٩٥٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٤٦٢)، والترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٤٩٢)، والحاكم (١٨٦٢)،
-
٢٨٧
كتاب الدعوات
وفي رواية له: ((إنه الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى))(١)
وأن يفتتح ويختم باسم من أسمائه تعالى المناسب لمطلوبه، ويقدم المأثور ويؤمن الداعي
والمستمع، ويرفع يديه الطاهرتين ويكشفهما ويبسطهما حذو منكبيه، ويتجنب
السجع وتكلفه والتغني بالإنعام ويخفض صوته ويعترف بذنبه، ويسأل بعزم ورغبة
وجد واجتهاد، ويقوِّي رجاءَه بالإجابة ويكرر الدعاء ويلح فيه، ويمسح وجهه بيديه
بعده ولا يخلي ليلة ويومًا منه، ويتعفف عن الشبهة والشهوة، ويبدأ بنفسه إذا دعا
لغيره ويدعو للمؤمنين والمؤمنات.
وفي حديث: (أحب الدعاء: اللَّهُمَّ اغفر لأمة محمدٍ مغفرة عامة))(٢) ومرَّ في الدعاء
لجميع المسلمين بمغفرة جميع ذنوبهم، بحيث لا يدخل أحد منهم النار إن هذا حرام بل
كفر، فالمراد بمغفرة عامة المذكور في الحديث ما ليس كذلك بأن يريد عمومها في
بعض الأنواع أو لبعض الأمة.
وخالف ما مرَّ الخطابي فجعل الإخلاص وإظهار الفقر والمسكنة والتضرع
والخشوع، والطهارة والاستقبال وتقديم الثناء، والصلاة على النبي وَله شروطًا للصحة
لا آدابًا، واختلفوا في تجنب اللحن والوجه أن يجنب المغير للمعنى ممن يحسن تجنبه
شرط، وعليه يحمل حديث: ((لا يقبل الله دعاء ملحونًا))(٣) وتجنب غير المغير للمعنى
أدب، وعلامة استجابته الخشية والبكاء والقشعريرة وسكون القلب عقبه، ويرد
الجأش وظهور النشاط باطنًا حتى لو کان علیه ثقيلاً نزل عنه. انتهى.
حاصل ما في ((شرح العباب)) وسيأتي في الأحاديث كثير من تلك الآداب (رَوَاهُ
-
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٢٠)، والضياء (١٠٤١).
(١) أخرجه أحمد (١٣٨٢٤)، وأبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (١٣٠٠)، وابن ماجه
(٣٨٥٨)، وابن حبان (٨٩٣)، والحاكم (١٨٥٦)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٦١)، والضياء (١٨٨٥).
(٢) أخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (١٠٩٦).
(٣) ذكره العجلوني في ((كشف الخفاء)) (٢٤٧/١) وقال: لم نعرف له أصلاً.
٢٨٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
التَّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ).
٢٢٤٢ - [وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: إِذَا سَأَلْتُمُ الله
فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا (١)].
(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِذَا سَأَلْتُمُ الله) حصول شيء
كدفع البلايا عنه فيما بقي من عمره (فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ) أي: مع رفعها إلى
السماء مبسوطة محاذية للمنكبين (وَلَّا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا) لأن اللائق بالطالب لشيء
يناله أن يمد كفه إلى المطلوب ويبسطها متضرعًا متخشعًا؛ ليملأها من عطائه الكثير
المؤذن به رفع اليدين إليَّ جميعًا، أما من سأل رفع شيء وقع به من البلاء، فالسنة أن
يرفع للسماء ظهور كفيه إتباعًا له وَّله وحكمته التفاؤل في الأول بحصول المأمول، وفي
الثاني بدفع المحذور.
ثم؛ إذ اشتد الخطب وحق الاضطرار سن المبالغة في رفع اليدين في كل من
الحالتين المذكورتين إلى أن يرى بياض إبطيه إتباعًا له وَلّ في الدعاء في الاستسقاء،
وحكمته إظهار غاية الاحتياج؛ إذ الحاجة كلما كانت أمس كان مد اليد ورفعها أشد،
كالسائل الحريص على الشيء المتوقع ليناوله فإنه يتكفف ويخضع مظهر الافتقار
والضراعة والذلة والانكسار مثنيًا بمجامع الثناء، حاملاً بأكمل الصفات والأسماء
حتى يملأ كفاه بما يسأل حاجته ويغني فاقته؛ لاستحبابه تعالى أن يرد يدا من هذه
صفته، صُفْرًا لا شيء فيهما، كما في الحديث الآتي، وحينئذٍ يتطابق ابتهاله القولي
بالثناء عليه والفعلي بمد اليدين إليه.
٢٢٤٣ - [وَفِي رِواية ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَلُوا الله بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ
بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ(٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه أبو داود (١٤٨٦)، وابن ماجه (٣٨٦٦)، والطبراني (١٠٧٧٩)، والحاكم (١٩٦٨)، وأبو
نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٦٠٢٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٨٥)، والبيهقي (٢٩٦٩).
٢٨٩
كتاب الدعوات
(وَفِي رِواية ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَلُوا الله بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا)
ومنها يعلم منه أن هذا مخصوص بمن دعا بحصول شيء؛ لأنه وس* دعا في الاستسقاء
رافعًا ظهورهما؛ لأن القصد حينئذٍ رفع الجدب، وما الناس فيه من التعب والمشقة،
وعجيب من الشارح حيث أول هذا بما يخالف كلام أئمته وتفضيلهم الذي ذكرته،
وسببه عدم إمعانه النظر في كلامهم، واستفيد من هذا الحديث والذي قبله أنه یسن
رفع اليدين إلى السماء في كل دعاء، وصحت به الأحاديث الكثيرة عنه رَلار من غير
حصر، قال النووي: ومن ادعى حصرها فقد غلط غلطًا فاحشًا، وهذه الروايات لكونها
مثبتة مقدمة على رواية الشيخين الذي الأصل فيه الاتصال، على أن المراد كان لا يبالغ
في رفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، وحكمة الرفع إلى السماء أنها قبلة
الدعاء ومهبط الرزق والوحي، والرحمة والبركة.
قال الغزالي: ولا يرفع بصره إلى السماء لخبر فيه وساقه لكنه لا يدل له؛ لأنه في
(صحيح مسلم)) وهو مقيد بحالة الرفع في الدعاء في الصلاة، ومن ثم اتجه ترجيح ابن
العماد سن الرفع فيه إلى السماء، ومحل سن رفع اليدين إن كانتا ظاهرتين، وإلا فإن
رفعهما بلا حائل كره أو به فلا على الأوجه (فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ) سواء
كان المرفوع هي أو الظهور؛ لأن حكمة هذا المسح الإشارة إلى الإجابة؛ لأن الوجه
أشرف ما في البدن فكان السائل أفرغ عليه من سجال الرحمة، والقبول مائلاً لكفه
فأحب أن يفرغ ما فيها على جميع ظاهره فضلاً عن باطنه، ثم رأيت ذلك في حديث
وهي الإفاضة عليه مما أعطاه الله تعالى ولا بتحقيق الإجابة.
وقول ابن عبد السلام: لا يسن مسح الوجه بهما ضعيف، وضعف حديث
المسح لا يؤثر لما تقرر أن الضعيف حجة في الفضائل اتفاقًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
٢٢٤٤ - [وَعَنْ سَلْمَانَ](١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: إِنَّ رَبّكُمْ حَيٌّ كَرِيمُ
(١) في الأصل عن مسلم.
٢٩٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
يَسْتَحْبِي مِنْ عَبْده إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدّهُمَا صِفْرًا (١). رَوَاهُ التِّزْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد،
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))].
(وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: إِنَّ رَبَّكُمْ حَيُّ) أي: مبالغ في الحياء
(كَرِيمٌ) ومن شأن من هو كذلك ألا يرد سائلاً ولا يخيب آملاً، ومن ثم عقب وليّ
ذلك بقوله: (يَسْتَحْبِي مِنْ عَبْده إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدّهُمَا صِفْرًا) هذا من جملة
الألفاظ التي يراد بها غاياتها لاستحالة معانيها عليه تعالى؛ إذ الحياء تغير وانكسار
يعتري من قام به من خوف ما يعاب ويذم بسببه، لكن غايته فعل ما يسر وما يضر،
فأزيدت هنا وهي ترك تخييبه مما أمله من فضله وامتنانه، ومَلْء كفيه من خزائن جوده
وكرمه وإحسانه فقوله: ((يستحيي)) جملة مستأنفة لبيان أن حياءه وكرمه يمنعانه من أن
يخيب عبد السائل ويرده صفر اليدين؛ أي: إليهما من صفر بالكسر خلي صفر، فهو
مصدر يستوي فيه المذكر والمثنى وضدهما (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَالْبَيْهَِيُّ فِي
(الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))).
٢٢٤٥ - [وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ
يَحْظَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ) كما هو السنة
كما مرَّ (لَمْ يَحْظَّهُمَا) عن ذلك الرفع (حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ) فالرفع ثم مسح الوجه
من آدابه الأكيدة كما مر (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢٢٤٦ - [وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يَسْتَحِبُّ
الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ (٣). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه أحمد (٢٣٧٦٥)، والترمذي (٣٥٥٦)، والحاكم (١٩٦٢)، والبيهقي (٢٩٦٥)، وأبو داود
(١٤٨٨)، وابن حبان (٨٧٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٨٦)، والحاكم (١٩٦٧).
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٨٤).
٢٩١
كتاب الدعوات
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّه وَهِ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ
مِنَ الدُّعَاءِ) مقتبس من قول في ذكر ما اختص به: ((وأوتيت جوامع الكلم واختصر لي
الكلام اختصارًا))(١) وهي ما قل لفظه جدًّا، وكثرت معانيه كثرة تحير أرباب البلاغة
وقرينتان الفصاحة نحو سؤال الفلاح والعافية، فإن كلاً منهما يشمل طلب حصول كل
خير ودفع كل ضير في الدنيا والآخرة، وكذا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ
حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ومن ذهب إلى تعيين كل من هاتين الحسنتين فقد قصر اللفظ
على بعض مدلوله من غیر دلیل.
ومن ثم لما ذكرت في ((حاشية إيضاح المناسك)) الأقوال في ذلك قلت: ما حاصله
والوجه أن المراد بحسنة الدنيا كل ما فيه ملائمة للنفس مما يحمد عاقبته، وبحسنة
الآخرة كل كمال يليق بالداعي، فقول شارح: هي التي تجمع الأغراض الصالحة
والمقاصد الصحيحة، أو يجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة عجيب؛ لأن قوله:
من الدعاء تعين الأول ويدفع الثاني؛ لأن مجامع الثناء والآداب لا يطلق عليها مجامع
الدعاء.
(وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ) من الأدعية الخاصة بطلب أمور جزئية، كارزقني زوجة
حسنة، فإن الأولى منه وارزقني الراحة في الدنيا فإنها تعم الزوجة الحسنة وغيرها من
كل ملائم للنفس، نعم قد تتعلق النفس بمحبة شيء مخصوص يستغرق وجودها فلا
ينطق لسانه بغيره، كمن ابتلي بمرض مخصوص فإنه يكثر ابتهاله في التنصيص عليه
في دعائه، ولا يقنع بشمول العافية له، ومع ذلك إتباعه 4﴾ في إيثار المجامع ولو في هذه
الحالة أفضل كما هو ظاهر (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
٢٢٤٧ - [وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَُّ: إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ
إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ (٤). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٤٣٦)، والدارقطني (١٤٤/٤)، والضياء (١١٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٢١٠٨)، وأبو داود (١٥٣٧).
٢٩٢
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وَعَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عُمَرَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً
دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ) لأنه لا حاصل للداعي على دعائه حينئذٍ إلا محض الإخلاص
والمحبة في الله، وكل من هذين سبب؛ أي: سبب للإجابة، فكيف إذا اجتمعا؟ وخذ من
هذا التقرير أن الكلام فيمن دعا لغائب بأخروي أو دنيوي يؤدي إلى أخروي، وإلا فهذا
ليس كذلك؛ لأن الباعث عليه أمر دنيوي وهو لا يوجب الإجابة بل الرد، ويستفاد من
قوله فيما سبق أن الملك يقول للداعي: ولك بمثل إن أسرع الدعاء إجابة أيضًا مثل
تلك الدعوة الحاصل للداعي بالنص؛ لأن أسرعية الإجابة من جملة المثلية التي سألها
الملك (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد).
٢٢٤٨ - [وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيِّ ◌َ فِي الْعُمْرَةِ
فَأَذِنَ لِي فِيهَا، وَقَالَ: أَشْرِكْنَا يَا أُخَيِّ فِي دُعَائِكَ، وَلَا تَنْسَنَا، فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي
أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدِ وَالتّرْمِذِيُّ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ قَولِهِ: وَلَا
تَنْسَنَا].
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ فِي الْعُمْرَةِ) أي: قضاء عن
عمرة كان نذرها في الجاهلية (فَأَذِنَ لِي فِيهَا) ومن ثم سن للكافر إذا أسلم أن يقضي
الخير الذي كان نذره حالة كفره (وَقَالَ: أَشْرِكْنَا يَا أُخَيّ) أثره مبالغة في تلطفه وَليه
وتعطفه عليه (فِي دُعَائِكَ، وَلَا تَنْسَنَا) في أمره بهذا الإشراك ونهيه عن نسيانه فوائد
كثيرة، منها إظهاره سلي ما يجب الاقتداء الأمة به فيه من إظهار احتياجه إلى الله تعالى
وإلى ما عنده، ومسكنته وخضوعه بين يديه، وأنه عبد عاجز لا قدرة له على شيء
أصلاً، وخص الأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وسؤالهم فيه، وتفخيم شأن عمر
وإرشاده إلى أن تقديمه ولي في الدعاء يكون سببًا لزيادة قبول دعائه وسرعة إجابته،
وخص الداعين على الدعاء للصالحين والأقارب والأحباء، وتقديمهم على أنفسهم
ليكون ذلك سببًا لقبولهم دعاءَهم لا سيما في مظان الإجابة.
(١) أخرجه الترمذي (٣٩١٠)، وأبو داود (١٥٠٠)، والبيهقي في ((سننه)) (١٠٦١٤).
٢٩٣
كتاب الدعوات
(فَقَالَ) عطف قال: أُشركنا للتعقيب المبين بالمبين (كَلِمَةً) الظاهر أنها قوله:
((أشركنا .. إلخ)) وتجويز غيرها بعيد، وعلى الأول فتنكيرها للتفخيم ونصبها فقال:
لتضمينه تكلم أو لأن الكلمة تطلق لغة على الجملة المفيدة وعلى القصيدة كلها (مَا
يَسْرُفِي أَنَّ لِي بِهَا) أي: بدلها (الدُّنْيَا) لحقارتها بالنسبة إلى تلك الكلمة المؤذنة بعلو شأن
عمر، وأنه ببركة لحظِه ◌َله له بعين الإسعاف والإمداد بلغ من الكمال مبلغًا عظيمًا
تأهل بسببه إلى أن يوصي بالإشراك في دعائه الدال على استجابة دعائه، وأنه مما ينبغي
الإشراك فيه لكماله، بل لأفضيلة لعمر أرفع من أنه [ ... ] بأن يجعل النبي
مصاحبًا لنفسه وقریبًا له.
ثم رقاه عن ذلك فجعله بمنزلة القريب الشقيق، ثم الأخ الشفيق، ثم رقاه إلى
أنه ليس كسائر الأخوة لما أنه زاد عليهم بتعطف وتلطف لا يوجد نظيره في الأقارب،
ثم رقاه بقوله ولا تنسنا إلى أنه في غاية الاهتمام بما وصاه به؛ لأن غيره لم يتأهل لهذا
المقام بل انحصر فيه كمال ذلك المراد، فصار به أكمل إمام: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِیهِ مَن
يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ
عِنْدَ قَولِهِ: وَلَا تَنْسَنَا).
٢٢٤٩ - {وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم:
الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا
أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّبِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ(١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: ثَلَاثَةً) من الرجال وذكرهم
للغالب (لَا تُرَدّ دَعْوَتُهُم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ) ببركة انتهاء صومه على ما ينبغي وتأهله
به إلى كمال الإخلاص، والنجاة من أشد الشدائد حين لا مناص (وَالإِمَامُ الْعَادِلُ)
ببركة عدله الذي الساعة الواحدة منه خير من عبادة ستين سنة، كما في الحديث وكل
(١) أخرجه أحمد (٩٧٤١)، والترمذي (٣٥٩٨) وقال: هذا حديث حسن، وابن حبان (٨٧٤)، وابن
ماجه (١٧٥٢)، والبيهقي (٦١٨٦)، وابن خزيمة (١٩٠١)، وإسحاق بن راهويه (٣٠٠).
٢٩٤
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
من هذين بدل من ثلاثة لكنه غير الأسلوب في قوله (وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ) مبتدأ خبره
(يَرْفَعُهَا اللهُ) لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم ولو فاجرًا أو كافرًا، واختصاصهما
بمزيد قبول وسرعة استجابة وبكونها يرفع (فَوْقَ الْغَمَامِ) أي: السحاب إلى أن يصل
إلى السماء (وَ) حينئذٍ (تُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ) لا يزال يرتفع إلى أن يقف بين يدي
رب العزة (يَقُولُ) لها (الرَّبُّ) المقتضية تربيته البر والفاجر ألا يترك الضعيف للقوي
(وَعِزَّتِي) التي اقتضت ألا يفوتني ما أريد، وأن كل الخلق في قبضة قهري وحكمي،
ولمزيد التأكيد انتصاره تعالى للمظلوم، أقسم تعالى على نفسه بهذا القسم المنبئ عن
أشد الانتقام والغضب ثم زاد في تأكيد جوابه فقال: (لأَنْصُرَنَّكَ) بالانتقام من الظالم
بقدر ظلمه.
(وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) لحكمة اقتضت تأخير سرعة الانتقام منه، ومن ثم قال وَلّ:
((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) (١) اقتباسًا من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ
الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابَ بِل لَّهُم مَّوْعِدُ لَّن تَجِدُوا
مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف: ٥٨] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
٢٢٥٠ - [وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َِّ: ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ:
دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرٍ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهُ].
(وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ) ذكر هنا ثلاث وأنثه ثمة لأنه
وقع ثمة على مذكر وهنا على مؤنث، وعجيب ممن فرق بغير ذلك مع ما فيه من الخفاء
والتكلف (مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ) أي: في استجابتهن هذا من لا ترد في الحديث
قبله بالنسبة لغير دعوة المظلوم فإنها مذكورة فيهما، وكان وجه الأكدية أن رقة الوالد
(١) أخرجه البخاري (٤٤٠٩)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذي (٣١١٠)، وابن ماجه (٤٠١٨)، والنسائي
في ((الكبرى)) (١١٢٤٥)، والبيهقي (١١٢٨٧)، والبزار (٣١٨٣)، وأبو يعلى (٧٣٢٢).
(٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٨١) وأحمد (١٠٧١٩) وأبو داود (١٥٣٦) والترمذي (٣٤٤٨)
وابن ماجه (٣٩٩٥) وابن حبان (٢٦٩٩) والطيالسي (٢٥١٧) وعبد بن حميد (١٤٢١).
٢٩٥
كتاب الدعوات
تقتضي أن له مزيد إخلاص في الدعاء أكثر من غيره، وكذا اضطرار المسافر، فلذا
أكدت الاستجابة فيهما بما لم تؤكد في الصائم والإمام العادل.
وأما قول الشارح: وقال: هناك لا ترد دعوتهم وهنا مستجابات وقيدها بقوله: لا
شك فيهن ليتفقا في التقرير؛ لأن لا يرد كناية عن الاستجابة، وقد تقرر عند علماء
البيان أن الكناية أبلغ من التصريح بقوله: ((لا شك فيهن)) فاتضح ما ذكرته أن ما هنا
آكد، وقد يستشكل هذا بأن هذه إن صادفت المقدور ساوت غيرها وإن لم تصادفه
ودفع عنه من السوء مثلها، كما مر في الحديث فلذا غيرها فما وجه اختصاص هذه
الثلاث بذلك، وقد يجاب بأن هذه تختص بسرعة الإجابة أو دفع السوء، أو يزد على
المسئول أكثر من غيرها.
(دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ) ظاهر العطف استجابة دعوة
الأولين على غيرهما وإن لم يكونا مظلومين، والظاهر أنه ليس مرادًا وإنما غاير
بينهما وبينه؛ لأن الأولين يقبل دعاؤهما الأول للوالد والثاني لنفسه مطلقًا وعلى
غيرهما إن ظلما، والثالث يقبل دعاؤه على من ظلمه بمثل ما ظلمه به، بخلاف دعائه
لنفسه فإنه قد يقبل وقد لا؛ فلهذا التغاير عطفه عليهما فتأمله، ثم رأيت الشارح
قال: وقوله: ((ودعوة الوالد مطلق)) يحتمل للوالد أو عليه ليسعى في مراضته حتى يدعو
له ويجتنب عما یسخطه؛ لئلا يدعوا علیه. انتهى.
وليس بصحيح وإنما المراد دعاؤه له كما ذكرته، وأما دعاؤه عليه؛ فلأنه
يستجاب فيه إلا إن ظلمه الوالد بتضييع بعض حقوقه الواجب عليه رعايتها، ولم يذكر
الوالدة؛ لأنها مفهومة بالأولى كما يدل له حديث أن لها ثلثي البر وله ثلثه؛ لأن ما
تقاسيه من تعب الحمل والولادة والرضاع والتربية فوق ما يقاسيه الوالد من تعب
تحصيل مؤونته وكسوته بنحو الضعف، وكان لها الثلثان وله الثلث؛ ولأنها أشفق وأرق
فدعاؤها أخلص، وكلما كان أخلص كان أرجى للقبول (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ
مَاجَه).
٢٩٦
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(الفصل الثالث)
٢٢٥١ [عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلُ: لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ
كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ(١)].
(عَنْ أَفَسِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلُ: لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا)
إظهارًا للافتقار إليه في لحظة ونفس كما هو الحق الواقع (حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا
انْقَطَعَ) وهو أحد سيورها الذي يدخل بين الإصبعين، وهذا من باب التتميم؛ لأن ما
قيل حتى في المهمات وما بعدها في التوابع ومن باب الترقي؛ لأن طلب الحقير ممن لا
أعظم منه أبلغ في ظهور الاحتياج والمسكنة إليه من طلب العظيم.
٢٢٥٢ - [زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتِ الْبُنَائِيّ مُرْسَلاً: حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ
شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِنِيُّ].
(زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَائِيِّ مُرْسَلاً: حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ
إِذَا انْقَطَعَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وكرر يسأل مبالغة في إظهار ذلك الاحتياج وتلك المسكنة،
ودلالة على أن ذلك المسؤول في غاية التلطف بالسائل والعناية به والإقبال عليه
بتحقيق مسئوله وتعجيل مأموله، فلا ينبغي له أن يلتجئ ويظهر الافتقار إلا إليه ولا
یستعین إلا به ولا یتوکل إلا عليه.
٢٢٥٣ - [وَعَنْ أَنَسِ عَظِهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ◌َلِهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّی یُرَی
بَیَاضُ إِبْطَيْهِ(٣)].
(وَعَنْ أَنَسِ عَهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ
إِبْطَيْهِ) بعمومه أخذ الغزالي فقال: يسن الرفع في كل دعاء، وغايته أن يبالغ فيه حتى
یری بیاض إبطيه، وقال الحليمي: غايته أن یرفعهما حذو منکبیه، ويدل له حديث أبي
(١) أخرجه الترمذي (٣٩٦٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٩٦٣).
(٣) أخرجه مسلم (٢١١١)، وأحمد (١٣٥٣١)، والبيهقي في «سننه» (٦٦٧٦).
٢٩٧
كتاب الدعوات
داود المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والذي يتجه الجمع بحمل الأول على ما إذا
اشتد الأمر، والثاني على ما إذا لم يشد، ويؤيد ذلك حديث مسلم: ((إنه ◌َلّ رفع يديه
في الاستسقاء حتى رُنيّ بياض إبطه))(١).
٢٢٥٤ - [وَعَنْ سَهلِ بْنِ سَعِيدٍ ﴾ِ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ إِصْبَعِيهِ حِذَاءَ
مَنْكَبِیهِ وَيَدْعُو(٢)].
(وَعَنْ سَهلِ بْنِ سَعِيدٍ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ إِصْبَعِيهِ حِذَاءَ مَنْكَبِيهِ
وَيَدْعُو) هذا موافق لحديث أبي داود المذكور وقد علمت ما فيه.
٢٢٥٥ - [وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ: كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ
مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ(٣). وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةِ فِي ((الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))].
(وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ: كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ) عطف على
دعا (يَدَيْهِ مَسَحَ) جواب إذا (وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ) من أن ذلك سنة، وإن كان حديثه ضعيفًا
خلافًا لابن عبد السلام، وما أفاده لفظ الحديث من أنه إذا دعا ولم يرفع ولم يمسح
بهما وجهه إنما هو على سبيل الفرض، لما مر أنه وَلفي كان يرفع يديه في كل دعاء فيلزم
أنه كان يمسح بهما في كل دعاء (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَة فِي ((الدَّعَوَاتِ
الْگپِیرِ»).
٢٢٥٦ - [وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: الْمَسْأَلَةُ أَنْ
تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَخْوَهُمَا، وَالإِسْتِغْفَارُ أَنْ يُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالإِبْتِهَالُ
أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَالإِبْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا
يَلِي وَجْهَهُ (٤). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد].
(١) أخرجه مسلم (٢١١٣).
(٢) أخرجه الحاكم في ((مستدركه)) (١٩٢٠).
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٩٤)، وأحمد (١٨٤٢٨)، والطبراني (١٨٠٨٨).
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٩١ - ١٤٩٢).
٢٩٨
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
(وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: الْمَسْأَلَةُ) أي:
السؤال من سننه (أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ) عنده (حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ تَخْوَهُمَا) أي: قريبًا
منهما، ومر ما في ذلك قريبًا (وَالإِسْتِغْفَارُ) أي: الكامل من سننه (أَنْ يُشِيرَ بِأُصْبُع
وَاحِدَةٍ) وهي السبابة؛ إذ العادة أنه يشار بها إلى السب وإلى التسبيح، وكذلك تسمى
مسبحة أيضًا، والمراد هنا الأول وهو أن يشير بها إلى سب نفسه وشيطانه متعوذًا بالله
منهما، ويؤخذ من هذا الحديث سنة لم أر أحدًا من أئمتنا ذكرها، وهي أنه يسن
للإنسان إذا استغفر أن يتذكر جنايته، ويشير لنفسه وشيطانه بالسب ويتعوذ بالله
منهما.
ثم رأيت أئمتنا صرحوا بذلك لكن جعلوه من آداب مطلق الدعاء لا يفيد
الاستغفار للحديث الآتي، فقالوا: يسن للداعي الإشارة بسبابته اليمنى ويكره
بإصبعين؛ لأنه ﴿ ﴿ رأى رجلاً يشير بهما فقال له: ((أحد أحد)(١). انتهى.
فقوله له ذلك صريح في ندب الإشارة بإصبع واحدة في كل دعاء (وَالإِبْتِهَالُ) أي:
الاجتهاد في رفع المكروه عن النفس من آدابه (أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ:
وَالإِبْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) فيصيران
كالترس الذي أقامه قبل وجهه؛ ليدفع عنه المكروه الذي خشي أن يصيب وجهه كما
هو العادة فیمن خشي من مؤذن أن یصیب وجهه، فإنه حينئذٍ يصف يديه ويجعل
ظهرهما في مقابلة وجهه ليحول بهما عنه، كما أن العادة أن من سأل شيئًا أن يبسط
كفيه إلى المدعو متمسكًا متواضعًا ليملأهما من عطائه كما مر، ويؤخذ من هذا أنه
ينبغي للسائل إذا تجلى عليه وأراد الخوف من ذنوبه حتى شاهد أن العذاب كأنه واقع
به أن يجعل يديه في دعائه، كما ذكر إشارة لذلك ولكن لم أرذلك لأحد من أئمتنا.
٢٢٥٧ - [وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ
(١) أخرجه أبو داود (١٤٩٩)، والنسائي (١٢٧٣)، وأبو يعلى (٧٩٣)، والحاكم (١٩٦٦) وقال: صحيح
الإسناد، والبزار (١٢٣٦).
٢٩٩
كتاب الدعوات
بِدْعَةٌ، مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ ﴿ْ عَلَى هَذَا؛ يَعْنِي: الصَّدْرِ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ).
(وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ) في الدعاء
إلى ما فوق الصدر بقرينة ما يأتي (بِدْعَةٌ) قبيحة كما دل عليه قوله: (مَا زَادَ رَسُولُ الله
(َّهُ عَلَى هَذَا؛ يَعْنِي) بالمشار إليه (الصَّدْرِ. رَوَاهُ أُحْمَدُ) وهذا مذهبه استند في قوله ما زاد
إلى علمه، فهو نافٍ وغيره أثبت عنه وليه الرفع إلى حذو المنكبين تارة وإلى أعلى من
ذلك أخرى والحجة للمثبت، ويعارض بهذين مر قريبًا الجمع بينهما بحمل الأول على ما
إذا لم يشتد الخطب، والثاني على ما إذا اشتد، نعم ورد عنه ◌َله في الدعاء يوم عرفة أنه
جمع كفيه وجعلهما مقابلة صدره كاستطعام المسكين، ومنه يستفاد أن هذا سنة أيضًا،
ولكن لمن قوي زاعج الخوف عليه حتى صار كالمسكين الحقير الجامع لكفيه، الماد
لهما بإزاء صدره ليطلب فيهما ما يزل ضرورته ويحقق أمنيته، وقرر شارح هذا
الحديث بما فيه نظر وإيهام فاجتنبه.
٢٢٥٨ - [وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾ قَالَ: كَانَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ
بَدَأَ بِنَفْسِهِ(٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحٌ].
(وَعَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَّه قَالَ: كَانَّ رَسُولُ اللهِ وَإِ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًّا فَدَعَا) عطف
على ذكر؛ أي: فأراد أن يدعو (لَهُ بَدَأَ) جواب إذا (بِنَفْسِه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا
حَدِيثُ حَسَنُّ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) ومنه قوله {َليه في الحديث الصحيح: ((ابدأ بنفسك))(٣)
أخذ أئمتنا قولهم: يسن لمن أراد أن يدعو لغيره أن يبدأ بنفسه؛ أي: لأن الدعاء إرفاق
وإمداد للمدعو له، والنفس أحق بذلك من الغير، وأفهم إطلاقهم أنه لا فرق في الغير
بين الحي والميت الأفضل وغيره، وفيه بعد فيمن أراد أن يدعو للأنبياء والآل
(١) أخرجه أحمد (٥٣٨٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٧١٣).
(٣) أخرجه الشافعي (٣٢٧/١)، ومسلم (٩٩٧)، والنسائي (٢٥٤٦)، وأبو عوانة (٥٨٠٥)، والبيهقي
(٧٥٤٤).
٣٠٠
فتح الإله في شرح المشكاة/ الجزء السابع
والصحابة، فالذي يتجه تقديمهم؛ لأن تقديم الصلاة على نبينا دي أول الدعاء من آكد
آدابه، ويلزم من تقديمها تقديم الأنبياء عقبه ثم الآل والأصحاب وتابعيهم بإحسان
تبعًا فهذا مستثنى لذلك.
٢٢٥٩ - [وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخِدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو
بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ
دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذَّا
نُكْثِرُ، قَالَ: اللّهُ أَكْثَرُ(١). رَوَاهُ أَحْمَدُ].
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخِدْرِّ ي أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ
فِيهَا إِثْمْ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّ أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ) إن قدر
وقوعها في الدنيا (وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ) أي: ثوابها إن لم يقدر وقوعها (وَإِمَّا أَنْ
يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا) إن لم يقدر وقوعها فما لم يقدر له فيها أحد الأمرين، إما
الثواب المدخر وإما دفع قدرها من السوء، ففي هذا زائدة على الحديث السابق إن ما لم
يقدر يدفع عنه من السوء مثلها (قَالُوا: إِذًّا) أي: إذا كان الدعاء لا يرد منه شيء ولا يجيب
الداعي في شيء منه (نُكْثِرُ) من الدعاء العظيم فوائده (قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ) ثوابًا وعطاءً مما في
نفوسكم، فأكثروا ما شئتم فإنه يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
وبما قررته يعلم أنه لا يحتاج لقول الشارح: المعنى إن إجابة الله تعالى في
بابها أكثر وأبلغ من دعائكم في بابه، وهو قريب من قوله: العسل أحلى من الخل،
الصيف أحر من الشتاء، وإنما جيء بأكثر بالثاء المثلثة مشاكلة لقولهم: يكثر. انتهى.
فقولي: ((مما في نفوسكم)) اندفع به هذا الذي ذكره كله.
٢٢٦٠ - [وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: خَمْسُ دَعَوَاتٍ
يُسْتَجَابُ لَنَّ: دَعْوَةُ المظْلُومِ حَتَّى يَنْتَصِرَ، وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ حَتَّى يَصْدُرَ، وَدَعْوَةُ المجَاهِدِ حَتَّى
(١) أخرجه أحمد (١١١٤٩)، وابن أبي شيبة (٢٩١٧٠)، وعبد بن حميد (٩٣٧)، وأبو يعلى (١٠١٩)،
والحاكم (١٨١٦)، والبيهقي في (شعب الإيمان)) (١١٢٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٣٦٨).
٣٠١
کتاب الدعوات
يَقْعدَ، وَدَعْوَةُ المِرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَدَعْوَةُ الأَخِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيبِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَسْرَعُ هَذهِ
الدَّعَوَاتِ إِجَابَةً: دَعْوَةُ الأَخِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيبٍ (١). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ)].
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِي اللّهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: خَمْسُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ
لَهَنَّ) بالمعنى السابق (دَعْوَةُ المظْلُومِ حَتَّى يَنْتَصرَ) أي: إلى أن ينتقم منه بلسانه أو يده؛ لأنه
إن انتقم بمثل حقه شرعًا فقد استوفى أو أنقص فواضح أولاً بمثله شرعًا، أو بأزيد صار
ظالمًا والظالم لا يستجاب له في مظلومه (وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ) يشمل المعتمر لما في حديث إن
العمرة سميت الحج الأصغر (حَتَّى يَصْدُرَ) أي: من حين يخرج إلى أن يرجع إلى وطنه،
وهذا لكونه يشمل المسافر وغيره غير المسافر الشامل للحاج، وغيره السابق أنه أحد ثلاثة
يستجاب دعاؤهم (وَدَعْوَةُ المجَاهِدِ حَتَّى يَقْعدَ) من قعد يقعد كضرب يضرب؛ أي: إلى أن
لا يجد أهبة جهاده لفراغها أو سرقتها أو إلى أن يفرغ من جهاده.
(وَدَعْوَةُ المِرِيضِ حَتَّى يَبْرَأ) من مرضه ومعنى الغاية في هذه الأربعة أن يأتيها كل
منها ينتهي ذلك السبب للإجابة، ثم قد يخلفه بسبب إجابة آخر وقد لا، فلا يقال:
مفهومها إن دعاء أولئك لا يستجاب بعدها وخصوا المظلوم لما مر فيه، والحاج
والمجاهد لعظيم فضل ما هما فيه، والمريض لمزيد كسره، واضطراره وإخلاصه (وَدَعْوَةُ
الأَخِ لأَخِيهِ) في الإسلام (بِظَهْرِ الغَيبِ) ظهر مفخم؛ أي: حال كونه غائبًا عنه (ثُمّ
قَالَ: وَأَسْرَعُ هَذهِ الدَّعوَاتِ إِجَابَةً: دَعْوَةُ الأَخِّ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الغَيبِ) لأنه لا حظ لنفسه
في ذلك بخلاف أولئك لهم حظوظ نفسه فيما يدعوني به، وكان دعاؤه أخلص من
دعائهم، والأخلص أسرع إجابة من غيره؛ إذ لا أكثر للقبول إلا الإخلاص
والانكسار، وكلما ازداد ازداد القبول كمالاً وسرعة وزيادة على أنه لما سعى في الغير
المعبر عنه بالأخ زيادة في إغرائه على السعي في نفعه جوزي بكون الله تعالى في نفعه
وعونه، كما أخبر بذلك الصادق وَل﴾، ومن كان تعالى له كذلك يتبحر له من القبول
وسرعة الإجابة ما لا يتبحر لغيره (رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ))).
(١) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٣٤).
(باب)
بیان ذكر الله
وبيان كيفية التقرب إليه بذلك الذكر
(الفصل الأول)
٢٢٦١ - [عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: لَا يَقْعُدُ قَوْمُ يَذْكُرُونَ اللّهِ إِلَّا حَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ،
وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيَمَنْ عِنْدَهُ(١). رَوَاهُ مُسْلِمُ].
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: لَا يَقْعُدُ) التعبير به للغالب كما هو ظاهر (قَوْمٌ) اسم جمع يصدق بثلاثة فأكثر،
ويستوي فيه الذكور والإناث (يَذْكُرُونَ الله) بذكر واحد يتفقون على أنهم يأتون به معًا
مفردًا أو مكررًا، أو بأذكار بأن يكون كل منهم مشتغلاً بذكر غير الذي يشغل به
البقية، وظاهر الحديث يميل إلى الاحتمال الأول أكثر وأفهم لطلاقه أنه لا فرق بين أن
يكونوا بمسجد متطهرين ذاكرين بالأذكار الواردة في ذلك الوقت للتعبير به للغالب؛
لأن القصد حبس النفس على ذكر الله مع الدخول في عداد الذاكرين ليعود عليه بركة
أنفاسهم.
(إِلَّا) استثناء من أعم الأحوال فيما قبله؛ أي: لا يقعدون خالين عن المجازاة،
بل مجازين بنعمة عظيمة أهلتهم إلى أن يكونوا قد (حَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) السيارة في
الأرض لإنزال الرحمة والبركة على صالحيها؛ أي: تزاحمت عليهم معظمين لهم مثنين
عليهم، داعين لهم بالمغفرة والرحمة والبركة وقضاء المسؤول ونيل المأمول (وَغَشِيَتْهُمُ
(١) أخرجه مسلم (٢٧٠٠)، وأحمد (١١٨٩٣)، والترمذي (٣٣٧٨) وابن حبان (٨٥٥)، وعبد بن حميد
(٨٦١)، وأبو يعلى (١٢٥٢) والطيالسي (٢٢٣٣).
- ٣٠٢ -